مع الإنسان، ضد حقوق الإنسان

مع الإنسان، ضد حقوق الإنسان.

دين الإنسانية الجديد هو لعبة جديدة لاستغلال الأجيال القادمة و السيطرة على بعد جيوسياسي واسع النطاق: منافع اقتصادية، موارد مادية و بشرية، و سوق ضخم! خصوصاً و أن فضاء الإنترنت يجعلك هدفاً و إن سكنت في قعر الشرق الأوسط.

إن كانت الأديان الإبراهيمية قد انتشرت بالسيف، فالسيف يُصدّ بالسيف و الكلمة تُصدّ بالكلمة. لكن هبالة بني جنسنا من البشر ـ و هم يتضاعفون عدداً في كل يوم ـ لن يتمكّن منها العقل مهما حاول، و لا يوجد ما يصدّها فعلاً سوى الوقوع مراراً في نفس الخطأ حتى يتعلّموا الدرس. و يا صاح، لا أعتقد أنني سأتجاوز هذا العقد من الزمن حتى أملك الوقت لأنتظر الخراف تساق إلى الهلاك و هي فرحة، و من ثم نحاول مجدداً.

ما يسمّى بـ “حقوق الإنسان”، وثن القرن العشرين، هو إله زائف يفترض مسبقاً أن الحديث الأخلاقي قد انتهى، أن كل من يخالفه هو شاذّ و ضالّ، و أن كل تاريخ البشرية و كل ثقافاتها هي تافهة أمام علوّه الأخلاقي.

التسويق العاطفي لمجموعة من الامتيازات (حقوق؟) و التي كتبها المنتصرون بعد الحرب العالمية الثانية في ما يسمّى بـ “الإعلان العالمي”، صار مثل وظيفة كل أهبل لا يعرف استقطاب عاطفة الآخرين و رضاهم سوى عن طريق التلويح بتفوّقه الأخلاقي و تبنّيه أو دفاعه عن “قوقوق الإنسان” و ارتقائه عن “الشرّيرين” المتخلّفين، الذين لا يشترون بضاعة قوس قزح و لا يرضخون لكل قانون يفرض وصايته الأخلاقية المستنبطة من مزاجيات الفنّانين و شركات التسويق و الإعلانات.

من له سلطة ليعطي الحقوق و من ثم يعتبرها مطلقة لا نقاش فيها؟ من؟

و لماذا من هذا البلد، لا من ذاك؟ هل الولوج للإنترنت حق من حقوق الإنسان؟ أو هل امتلاك الروبوتات حق أيضاً؟ عن أي إنسان يتكلّمون؟ هل هنالك ممثّل عن البشرية و متحدّث عن شعوبها بشكل رسمي و اختياري؟
أرجوك، وفرّ على نفسك التفكير بمسرحية الأمم المتحدة، احتراماً لعقلك.

بالطبع هنالك مشتركات أخلاقية، لكن هنالك اختلافات كثيرة أيضاً. من يريد أن يفرض رأيه الأخلاقي بتسنين القوانين و تثبيتها في الدساتير محاولاً تجاوز الطبيعة الأم و أبسط بديهيات العلاقات الاجتماعية البشرية، فهذا حتماً لن يفلح كثيراً، كلها عقود من الزمن و تنتهي و تنتصر الطبيعة مجدداً، كما هو الحال دائماً و أبداً.

الفكرة الجوهرية للأديان الإنسانية مثل الليبرالية و الشيوعية و النازية هي أن الإنسان العاقل يحمل في داخله جوهر فريد و مقدّس و الذي هو مصدر كل معنى و سلطة في الكون [حركات حقوق الإنسان الحديثة تستنبط أخلاقياتها من هذا التفسير]. وكل ما يحدث في الكون هو جيّد أو سيّئ في الحكم وفقاً لتأثيره على الإنسان. لكن ما يتجاهلوه هو حقيقة أن البشر يتصرّف عادة بشكل لا عقلاني، بل روتيني. يفكّر و يتعقّل فقط عندما تستدعي الضرورة. هو سهل الخداع و قصوره المعلوماتي و انشغاله اليومي لا يؤهله لاستنباط الأحكام الصحيحة من الفيضان المعلوماتي حوله في كل يوم. من السهل جداً اللعب على أوتار العواطف و استقطاب عاطفته و أدلجته في مسار معيّن. قد يكون سياسياً و قد يكون اقتصادياً. لا أحد ينجو من محاولات الشركات الكبرى و الأنظمة السياسسة المستمرة، فكلنا مرتبطون بالاستهلاك و السوق، و إن نجينا اليوم، فلربما سنكون غداً عرضة للخطأ.

قد يزعج الزعيب المستمر بـ قوقوق الإنسان؛ لكن تستّرك خلف “التفوّقك الأخلاقي” و عدم تشكيك بما تسلّم به بشكل مطلق هو أمر مثير للشفقة فعلاً و للسخرية كذلك.

في نقد العلموية ـ الطبيعيون الجدد

ميثولوجيا بروميثيوس

يهمني عزيزي القارئ، أن تعرف دوافع الكاتب قبل أن تستهل بالقراءة، لأن العنوان جريء بعض الشيء و قد يساء فهمه. و أنا لا أكتب كي يساء فهمي، بل لكي أوصّل للقارى فكرة ما. طالما فهمها بنقاء، سهل هضمها و التعامل معها بشكل نقدي.

العِلم نور، لا شك في ذلك. و في اكتسابه و ممارسته متعة يدركها من اهتم بظواهر الطبيعة و اطّلع على أسرارها و ما اكتشفناه و نكتشفه. لست هنا أهاجم العِلم؛ كيف و أنا نفسي أمارسه و مهنتي تدور حول مكاسبه؟

إنها الأيديولوجية خلف الإنسانية التبشيرية التي يتبناها البعض (على عكس رئيس الوزراء العراقي السابق، العبّادي، سأكشف لاحقاً من هم هؤلاء البعض) و التي توهم الإنسان أن للعِلم السلطة المطلقة في حسم كل ما يشغل جوارح الإنسان و أسئلته. هذه الأيديولوجية التي توهم الإنسان الحديث بأنه قادر على تجاوز قصوره الطبيعي و ترويض الطبيعة، هي ما أسميها العلموية.

النزعة العلموية الزاعمة أن العِلم وحده يكفي لمعالجة جميع مشاكل الإنسان، و أن حقوق الإنسان المعاصرة هي المحطّة الأخلاقية الأخيرة في قصة الإنسان، تدفع بي للعودة خطوة إلى الوراء لأفهم دوافع و تبعات هذا الاستنتاج.

هل العِلم و حقوق الإنسان التي أقرّها المنتصر بعد الحرب العالمية الثانية، هي فعلاً المزيج الساحر الختامي؟

هي ليست محاولة لإعادة سلطة الدين و تقويمها بعد أن خسرت احتكارها لسلطة المعرفة أمام العِلم، بل هي تذكير بأن العِلم ـ بجانب كونه أفضل أداة نملكها لرؤية العالم بأقرب صورة ممكنة إلى الواقع الموضوعي، هو أداة تطوّرية تخضع للطبيعة لا تترفّع عنها. النقطة الأخيرة تحديداً هي ادعاء قد يصدم البعض، سأحاول دعمه بحجج مقنعة. دورك كقارئ سيكون في تلقّي الفكرة و معالجتها و البحث عن الثغرات.

كما قلت، لايهمني التهكّم، بل النقاش.

النقطة الجوهرية الأخرى في المقال ستتمحور حول الإلحاد الجديد و قصوره في تقديم البديل المشبع لروح الإنسان الفضولية و الخائفة و ميوله كتيار فكري للوقوع في فخ الأدلجة بلباس العلموية.

هذا الادعاء وحده قد يحبط أو يغضب البعض. و هذا لابأس، طالما حافظت عزيز القارئ على فضولك في معرفة ما في جعبتي.

سأحاول أيضاً في هذا المقال أن أعرّف القارئ بالمفكّر الطبيعي كموقف فكري معاصر و متوزان، و كي يكون مرجعاً لما سأكتبه أو يكتبه غيري في المستقبل. هنالك مشتركات تجمع بعض المفكّرين الذين يحاولون الخروج من دوامة الصراع العقيم بين المذهبين الأبستمولوجيين، العقلاني و التجريبي، و يسعون لفهم قوانين الطبيعة و مجرى التاريخ دون تشنّجات مؤدلجة و دون تكرار الأخطاء السابقة لأسلافنا؛ أي قدر المستطاع بعقل منفتح على مستقبل مجهول و إدراك صريح بنقاط ضعف الإنسان و لاعقلانيته كواقع حال بجانب قدرته على تعقّل الأمور. أنا أسميهم الطبيعيون الجدد، لأنني بحاجة إلى تمييز فئة عن أخرى، و نحن كما تعرف، عزيزي القارئ، نجيد التمييز و تنوّع التسميات، و ربما قد لانحتاجه في المستقبل؛ لكن هذه المرة الحاجة وحدها هي الدافع خلف ذلك.

ما تشبعّ منه عقلي من التفكير العلمي هو الحذر في الطرح و الالتزام بالموضوعية قدر الإمكان، و إن كان ذلك عسيراً أحياناً، و قد أحس بشيء من القلق يساور بعض القـرّاء􏰂 إذا تـصـوّروا أن ما يـقـرأونه مناف لعقائدهم،􏰂 و لكنني أسارع فأذكّرهم أن عقل النقدي لا يخشى الأفكار المخالفة، بل يعتبرها امتحاناً لما يحسبه من عين الصواب. و عليه أدعوك لمشاطرتي بعض الأفكار هنا بعقل نقدي.

العِلم أداة

العِلم ممتع كأداة لاستكشاف غموض الكون الشاسع حولنا و هو شعور تستطيع أن تقرأه في عين الكثير من البشر الذين يقضون أياماً من حياتهم في مطالعة الكتب العلمية و متابعة الوثائقيات و النقاش حول نشأة الحياة؛ فضلاً عن الدخول في السياق العلمي المهني. و بغض النظر عن الفرضيات و النظريات العلمية المختلفة، هنالك حقيقة واحدة عن نشأة الحياة تبدو شبه مؤكدة􏰂 وهي أنها􏰂 أياً كان الـزمان والمكان الـلـذان حدثت فيهما،􏰂 لابد و أنها نشات قبل زمن طويل جداً􏰂 يعجز الإنسان البسيط على استيعابه أو تكوين أي فكرة واقعية عنه.

و مع إن خبرتنا الشخصية 􏰉تمتد إلى عشرات السنين إلى الماضي إلا أنها عرضة للنسيان. كم شخص برأيك يستطيع تذكّر شبابه و شعوره و الظروف حوله بشكل دقيق؟ كم دقيقة تستطيع ذاكرتك أن ترجع بك في الزمن إلى الوراء؟ منذ مائة عام كانت الأرض مأهولة بـأناس منهمكة􏰁 في أمورهم الخاصـة􏰂 يـأكلون ويـشربـون ويعشقون ويكسبون􏰂، كل منهم تشغله مشاكـلـه الخاصة. أغلبهم خرج تواً من صدمة الحرب العالمية الأولى. مشاكلهم آنذاك حتماً أشد من تلك التي نمر بها نحن اليوم. و هذا القصور في ذاكرة الإنسان يجعل منه حيواناً بحاجة لتوثيق أفكاره و استنتاجاته و نقلها عبر الأجيال.

لذلك لجأنا إلى التدوين لنحفظ خبرات السنين و كي لا نكرر الأخطاء مراراً و تكراراً. و هذا ما يعكسه تطوّر الحضارات البشرية من الرسوم على جدران الكهوف، إلى القصص و الروايات الشفوية و حتى اختراع الكتابة.

فالحاجة أم الاختراع، و الاختراع أداة لتجاوز قصور الإنسان. و العِلم ليس إلا أداة يستخدمها الإنسان لتجاوز قصوره. من استخدمها في طلب المعرفة و اكتساب الحكمة، أنار دربه أمامه، و من أراد به باطلاً، ظلم غيره و نفسه و صار ضحية لأدلجة تبيع نفس الوهم و البضاعة الدينية التي حاربها العِلم في البداية: أن الجنس البشري اليوم قادر على تخطّي كل عوائق الطبيعة و حدوده بفضل العِلم.

لماذا هذا التشاؤم؟

هو قراءة للواقع أكثر من كونه تشاؤماً. دعني أوضّح أكثر:

التطوّر

أتذكر عندما كنت مندفعاً بفضول و عطش معلوماتي في مطلع الـ ٢٠٠٩ نحو آخر الاكتشافات و المقالات العلمية التي أترجمها بشكل مختصر و أشاركها مع مجموعة من الأصدقاء في اليوتيوب و الفيسبوك. و كأن باب جنة المعلومات و الأخبار العلمية قد انفتح في وجهي فجأة. في الوقت الذي بدأت فيه بالتخلّص شيئاً فشيئاً من كاهل التراث الديني و إشباع الفراغ بالجديد، المبهر و المتتع: العِلم.

عندما تقرأ أننا بدأنا نتغلّب على أمراض و نحوّل علم الخيال إلى واقع، لا يسعني سوى أن أشاطر هذه المعلومة كنوع من الاحتفال و الأمل. و كأنها رغبة عميقة منغرسة في جذور الإنسان المعاصر بالتغلّب على ما فشل أمامه الإنسان السابق.

لا أخفي شغفي بالعلوم حتى اليوم، لكنني لست ذلك الشاب نفسه كما كان قبل عقد من الآن. فالحرب التي كنت أخوضها ضد قصص الخرافة و الدين لم تعد تشغلني كثيراً، بل صارت مملة؛ لربما في السابق كان العِلم أداة أستخدمها لتبرير هجومي على الماضي و تراثه الفكري. لم أمرّ وحدي من خلال هذا الطريق، و أظن أن بعض من يقرأ هذه السطور يعي جيداً ما أقول.

لا شك أن مانعرفه اليوم عن العالم حولنا، و إن كان تافهاً مقارنةً بالحجم الشاسع للكون، هو بحد ذاته مصدر للإلهام و التعجّب، بل و حتى التأمّل. فكرة الوجود و عمر الكون و احتمالية وجودنا على أرض هذا الكوكب كلها كافية لتنهك عقولنا في تصوّر الأسباب و الهدف وراءها. لن يختلف العلموي معي حول هذه النقطة. لكن الإنسانوية الجديدة، و هي ملجأ لكثير من العلمويين، و حتى منذ بداياتها في نهاية الألفية الثانية بعد الميلاد، سوّقت بإيمان و شغف لفكرة أن الإنسان من خلال العِلم سيتخلّص من هيمنة الطبيعة و يتحرر.

هنا اعتراضي: لو سلّمنا بنظرية داروين عن الانتخاب الطبيعي، فخلاص الإنسان هنا يتعارض معها.

كيف؟

العقل البشري يخدم غرضاً تطوّرياً جوهرياً: النجاح، البقاء، لا البحث عن الحقيقة و التحرر.

التفكير بشكل مخالف لهذه المعادلة يفترض أننا نختلف عن بقية الكائنات الذكية، و هذا الافتراض وحده لايصمد علمياً، و يكاد يضفي عليها في نفس الوقت طابعاً قدسياً.

التطوّر الدارويني لا يهتم بالحقيقة، و لا يحتاجها للبقاء و تمرير الجينات. على العكس، قد يقلل البحث عن الحقيقة من فرص بقائك على قيد الحياة.

ثم من قال أن الخداع أو التضليل، على عكس الحقيقة، ليس من ضمن السلوك الطبيعي؟

الغربان، على سبيل المثال، تمارس التضليل أحياناً من خلال التظاهر بدسّ الطعام في مخبأ ما بينما يدسّوه لاحقاً في مكان آخر كي لا يكشفه سرب غريب أو حيوان آخر.

دعك من الغراب، نحن أنفسنا البشر، أفضل من يجيد الخداع، خصوصاً مهارة خداع النفس. البعض يخدع نفسه كي يجيد خداع الآخرين. ماذا يقول ”أبو المثل‟؟: كذّب الكذبة و صدّقها.

الخداع سلوك نفسي و اجتماعي على مايبدو مهم. هذا ما يفسّره أيضاً بعض علماء النفس التطوّري، أي أن الصراع حول البقاء و المكانة و القرين المناسب، يفضّل من يتحلّى بقدرة جيدة على المراوغة من غيره.

تأمّل أنجح السياسيين في العالم و الأغنياء المشاهير؛ ها؟.. أظنك بدأت تفهم قصدي بشكل جيد.

لا أعتقد أن الحقيقة تمتاز بأفضلية تطوّرية على الخطأ، بل أحياناً العكس. فالانتخاب الطبيعي يفضل أحياناً الخطأ المفيد، الطفرة المفيدة.

الفكر السائد بأن الانتخاب الطبيعي يصطفي الأنظمة العصبية التي تعكس أدق صورة عن العالم حولها هو تصوّر ساذج للطبيعة. ففي خضمّ الحياة و فرص البقاء، لذة الحقيقة هي ترف، و أحياناً عائق.

الأكل، الشرب، النوم، الجنس، الجاه .. غرائز لن نتخلّى عنها برقاء الفكر و لا بتسامي الأخلاق. تهذيبها و ترويضها هذا بحث آخر. في إطار الممكن هو شيء يبعث الفضيلة في روح الإنسان و لا ضرر فيه، و هو ما تحث عليه بعض الفلسفات، كالرواقية مثلاً. من باب هي ترضخ لواقع الطبيعة الفسيولوجية، و من باب ثانٍ تجد فسحة لتهذيب الذات.

لا أخفيك أنني لم أعد قادراً على شراء سلعة أن العِلم سيستخدم لإنقاذ البشرية من لاعقلانيتها و غرائزها. كما لا أظن أن هدف العلِم الأول و الأخير هو البحث عن الحقيقة.

السبب الأوّل: العِلم نفسه هو وسيلة ابتكرتها الطبيعة أصلاً و بمراعاة تباين التعقيد التقني، هو أداة تستخدمها حيوانات أخرى.

السبب الثاني: القوانين التي تتحكّم بسلوكياتنا و تشييدنا للمجتمعات و نظرتنا نحو المستقبل و قصور تفكيرنا الشمولي و مستوى ذكائنا الحالي لا تمنحنا حتى الأمل بمستقبل أعقل و أكثر حكمة. جيناتنا تريد البقاء و الاستمرار، الاستمتاع بالحياة و التلذذ بها و بتقنيتها في تجاوز القصور، لا البحث المستمر عن الحقيقة. على الأقل ليس هذا هو الهدف السامي الذي يجتمع عليه البشر، لو سألني كائن فضائي عن بني جنسي البشر.

هنالك حلم، رغبة خيالية تخالج عقول الإنسانويين: أن العِلم هو المنقذ الذي سيجلب العقلانية إلى العالم اللاعقلاني.

حملات التنوير مازالت حتى اليوم تكتسح الكتب و المنظمات و تعشعش في عقول الكفاءات العلمية و الفلاسفة المعاصرين. كما أنها فكرة تلهم عقول الشباب و المندفعين للتغيير.

لست هنا أتكلّم عن محاربة الجهل، بالعكس، فطلب العِلم فضيلة، بل مصدر قوة، و من يرغب باعتلاء المكانة الاجتماعية في محيطه، لاخيار أمامه سوى التسلّح و المنافسة. إفهم قصدي جيداً: الدوافع العقائدية هي ما تهمني.

ما هو الدافع العقائدي الذي يدفع بتنويري علموي لمحاربة منظومات دينية عقائدية أيضاً؟ بالنسبة لي الإثنان في صراع أفكار سينتصر به من يجيد استخدام الميمات الثقافية الناجحة.

العقائد الإبراهيمية صارمة في طرحها المطلق. ومع أن الإنسانويين أقل حدة و أكثر شكاً في تصوّرهم العالم، إلا أن ”إيمانهم‟ بأن العِلم هو المنقذ و أن البشرية يجب و سوف تنتصر على اللاعقلانية، لا يختلف كثيراً عن الدين. فلسفة التنوير بزي الإنسانية Humanism هي عقيدة يائسة للأسف.

لكن البشر بحاجة لوهم. لوهم غير عاقل يروّج للتقدّم نحو الأفضل. دونه سنكون فريسة سهلة للعدمية. والأمل بالمستقبل يفتح الأبواب أمام الكثير من الفرص، لكننا ننسى أنها دائماً تتأرجح بين النجاح و الفشل.

و لا أخفي عنك، أنا نفسي آمل نحو الأفضل، لأن أسلوبي في الحياة يتطلّب مني ذلك. لكن ذلك لايعني أنه هو الخيار العقلاني حتماً.

فمن الطبيعي أن نستبشر بالعِلم كوسيلة لتجاوز مشاكل البشرية. فشرعية العِلم تنبثق من السلطة التي يمكّن بها البشر على الطبيعة حوله. و العِلم أنقذ الملايين من البشر، سهّل حياتنا اليومية، قرّب المسافات بيننا، خلق أبعاداً جديدة كانت في السابق لا تجدها سوى في بعض قصص الخيال العلمي. ناهيك عن التقدّم الطبي و تمديد عمر الإنسان. هذا لوحده كافٍ لأن يدفع بالبعض ليؤمن بأن العِلم هو المنقذ، الخلاص البشري.

مع ذلك، تجريد العِلم من الحاجة البشرية و الملذات الدنيوية و اللاعقلانية لبني جنسنا، يعني أننا نعزل العِلم عن أصله و وظيفته كأداة لا أكثر و نعطيه بعداً يتسامى لدرجة تخلق منه عقيدة واهمة هدفها البحث عن الحقيقة.

و لذلك أجد أن العلموية أو الإلحاد الجديد قد وقعا في هذا الفخ تحديداً، و هو مادفع ببزوغ فكر جديد حاول العودة إلى الماضي، إلى الفلسفات و إلى الأديان القديمة و الأساطير و حتى العلِم الحديث. فكر يحاول أن يعود بخطوة إلى الوراء، ليعيد تنقيح مرحلة الفهم، فهم الطبيعة و قوانينها و ارتباطنا المباشر بها، أسس الحضارة و مقوّماتها و أيضاً قدرتنا على الحكمة و الجهالة في نفس الوقت، قبل أن ننتقل إلى مرحلة أخرى، ناهيك عن الحكم على الكون و الإفتاء به. إنهم الطبيعيون الجدد.

لنعرّف أولاً أن الطبيعي هو ذاك الذي يجمع بين حقيقة التطوّر و دور الطبيعة المتجذّر في جيناتنا، أهمية العِلم (كأداة لا كمخلّص)، و دور الفلسفة و الأساطير و الأديان (في جوهرها) في تهذيب ذات الإنسان و تسليحه بما يمكّنه من عيش حياة فاضلة ذات معنى في مجتمعه. و هنا لا أقصد الأديان كمؤسسات و كأنظمة سياسية، بل كهيكل اجتماعي حافظ على قوانين و حكم تراكمية بشرية و أطّرها بشكل مكّنها من عبور الأجيال و الصمود لآلاف السنين.

الطبيعي يحاول فهم أصول الدين، دوافعه و نشأته، قبل أن يحكم عليه بالنفي من الوجود أو يزاحمه. الطبيعي يقرّ بقوانين الطبيعية الأم و تأثيرها المباشر علينا. الطبيعي يدرك قصور الإنسان في فهم التعقيد حوله. الطبيعي يدرك أهمية الحكمة و الهرمية في خلق بعد اجتماعي متوازن و صالح، كما يدرك أن العِلم هو أفضل أداة نملكها لتفسير الكون، كوسيلة، لا كمحرر من كل القيود.

عن الطبيعية سأتكلّم في مقال آخر. لذلك دعنا نعود إلى النقطة الجوهرية الأخرى في المقال حول الإلحاد الجديد و قصوره في تقديم البديل المشبع لروح الإنسان الفضولية.

هل العلموية و الإنسانوية هما البديل الأفضل فعلاً؟

الإلحاد الجديد، على عكس الأديان الإبراهيمية، لم يبطش بأرواح البشر على مر التاريخ من أجل فرض نفسه على الساحة. و هذا الفارق يحسب له، لا شك. كما أن عدد اللادينيين من بين سكان الكوكب قد يتراوح بين الربع و الثلث، أي حجم لا يستهان به. لكن تزايد أعدادهم لا يعلله التنوير فقط، كما قد يظن البعض. هنالك عوامل أخرى، و لو ناقشناها سويةً، سنفهم الصورة أكثر؛ أو بالأحرى ستفهم عزيزي القارئ الصورة في ذهني بشكل أفضل.

يمكن تلخيص أسباب فقدان الكنائس و المعابد الدينية للتابعين في الدول المتقدمة من حيث القيمة السوقية مثلاً.

دعني أبسّط الفرضية هذه على شكل نقاط مختصرة:

أولاً، المستوى العِلمي اليوم أفضل؛ شبكات الضمان الاجتماعية الحكومية توفّر نوعاً من الأمن، خصوصاً للأسر الصغيرة، و بالتالي هناك قدر أقل من الخوف و عدم اليقين في حياة الناس اليومية، و هذا ما يحجّم تسويق البضاعة الدينية في الحياة اليومية.

ثانياً، هنالك اليوم العديد من المنتجات البديلة، مثل الأدوية النفسية و التسلية الإلكترونية التي لا تتطلّب الإيمان و الالتزام بتعاليم صارمة، التي تضيق الخناق هي أيضاً على الدين. مع ذلك، تجد أن أي تخبّط اقتصادي و عاطفي يدفع بالكثير إلى العودة إلى الدين كمفر من قساوة الحياة و الواقع. و هذا بغضّ النظر عن كونه سلبياً أو إيجابياً، يعكس لون من ألوان النفسية البشرية، لربما حاجة نفسية عميقة؟ و مع أني على يقين أن البعض قادر على العيش بشكل سعيد و بنهج صالح دون هيكلية دينية أو روحانية، إلا أن الإنسان العادي بطبعه و الذي يمثّل الأغلبية من بني جنسنا، يحتاج لبوصلة في حياته اليومية تمكّن الفرد من الاندماج مع المحيط و الملاحة بين المعضلات الأخلاقية و الواجبات الاجتماعية.

عدم اليقين الاقتصادي أو التحديات العاطفية هي مخاوف تهيمن على واقع الإنسان المعاصر، سواء دفعت به إلى العودة أو النفور من الدين.

و مع ذلك، بالنسبة للكثير من الناس، الدين ليس مجرد وسيلة للتعامل مع الخوف و عدم اليقين أو الصعوبات العاطفية. فالعديد من الناس يتبّع طريقة حياة دينية معينة إما لأنهم يعتقدون أنها صحيحة أو لأنها تضفي على وجودهم معناً في هذا الكون الشاسع الغريب. حاول أن تضع في الحسبان أننا لا نتكلّم عن كائن عاقل ٢٤ ساعة في اليوم. نحن البشر ما نحن عليه، بعقلانيتنا و بلاعقلانيتنا.

كما أنه بالنسبة لي من غير الواضح كيف سيحل الإلحاد الجديد أو الإنسانوية محل الدين ويضمن توريث الحكم البشرية التي لا تتحمّل التقنين، كالاحترام، العطف، الإحسان، الشهامة، الرفق بالآخرين و تقديس العائلة كنواة المجتمع و غيرها من حكم الأجيال السابقة؟ عن طريق قوانين و تشريعات؟ بالفرض و الإجبار؟ أو بسياسات الصواب السياسية؟

مع أن الكثير من الأديان بزغ نجمها على مجازر لا تحصى حلّت بالبشرية، إلا أن إهمال حقيقة كون الدين نتج عن مراحل عديدة من تطوّر وعي و تجارب الإنسان، سيدفع بنا إلى المجازفة بـ آلاف السنين من التجارب البشرية و الحكم المتراكمة.

كشخص طبيعي أحاول فهم دور الدين، الدافع لنشوءه؛ لماذا وجد؟ لماذا هذه المشتركات الكثيرة بين الأديان رغم اختلاف المكان و الإثنيات؟ مالحكمة وراء ذلك؟ مالذي يمكن أن نفهمه من دراسات الحيوانات الأخرى التي تتصرّف بشكل يمكن تشبيهه بالقوانين الأخلاقية؟ (أنصح بمتابعة أو قراءة كتب البرايموتولوجست الرائع فرانس دي ڤال). ماهو دور الميثيولوجيات في نشوء الحضارة؟ و هل كان من الممكن أن تنهض دونها؟

من السذاجة و الغرور أن نخلط الغثّ و السّمين معاً، لأن الموضوع أعمق و أقدم من أن ينهيه حديث واحد. لكن ما يمكن استنتاجه من التاريخ، هو أن الدين أقرب عملياً إلى الحياة اليومية و أكثر خبرة في تقديم طرق لخوض حياة صالحة من الإلحاد الجديد، على الأقل للعوام بشكل شمولي. من خلال تشكيل و ممارسة المعتقدات يمكن أن يبني الإنسان حياة متماسكة و ذات مغزى. والإلحاد الجديد هو في الأصل جواب على سؤال وجودي، لا أكثر. لا يملك منظومة تعاليم مشتركة أو مدوّنة.

و لذلك تجد الملحدين الجدد لاينفكون عن الدفاع و التفاخر بحقوق الإنسان و الإنسانوية كبديل عن الاضطهاد الديني. بكل بساطة لأنه لا يوجد بديل آخر.

و مع أنني أجد حقوق الإنسان متبلورة عن الأديان نفسها و فلسفات البشر السابقين، إلا أنها بدأت تأخذ طابعاً عقائدياً يثير مخاوفي أكثر من أن يجذب اهتمامي.

لذا، إذا كان هناك شيء يحل محل الدين، فلن يكون ذلك هو الإلحاد كبديل؛ ربما الفلسفات ذات الطابع الديني أو الفلسفة التجريبية كالرواقية، أو ربما بعض أشكال الإنسانية العلمانية في مناطق صغيرة و منظّمة حضارياً سوف تنجز هذه المهمة. فالحاجة موجودة و السوق واسع.

و مع أنني أفضلّ الفلسفة التجريبية على الدين، إلا أني أقر بأن الدين يبرع في المحافظة على الهرمية الاجتماعية و الأسرية و يمتلك ورقة ”القداسة‟، الميمة الأنجح في تاريخ الثقافة البشرية.

نعم، القداسة سيف ذو حدين. و لاشك أن ماضي و حاضر البشر مليئان بالأحداث و المذاهب التي تقدّس البغض و التقاليد الجاهلة؛ هذه الهالة من القداسة لابد من أن تُرضّ و تُحطَّم بين الحين و الآخر حتى لا تتحوّل إلى تقاليد جامدة أو تشريعات متطرّفة. لكنها أيضاً إحدى المفاهيم الفلسفية الدينية التي حافظت على قيم جوهرية نحتت الإنسان الاجتماعي كما نعرفه اليوم.

فعندما تتصارع الميمات على مر التاريخ، تجد أن الدين يملك الحظ الأوفر، خصوصاً و أن مستوى ذكاء البشر لم يتغيّر كثيراً مقارنةً بالانفجار العلمي و التقني في آخر ١٠٠ سنة.

وهذا ماسينقلني إلى سؤالي الأخير هنا: هل سيتمكن البشر بلاعقلانيته و مستوى ذكائه هذا من إخضاع العِلم تحت سيطرته؟

تقنيات القرن الحادي و العشرين – علم الوراثة، علم النانوتكنولوجي، العلوم الذرية و علم الروبوتات – قاهرة لدرجة أنها تستطيع إنتاج أشكال جديدة من الحوادث و الكوارث التي لم تشهدها البشرية بعد. والأخطر من ذلك كله، أن هذه الكوارث لو حدثت فستكون على نطاق واسع جداً، و ربما في متناول أفراد أو مجموعات صغيرة. و بالتالي، ليس لدينا إمكانية أسلحة الدمار الشامل فحسب، وإنما احتمالية إنهاء كل شيء في غضون دقائق معدودة.

لاحظ أن التقنية تحدث، تجتاح الواقع اليومي للإنسان و تعيد رسم ملامحه. هي تغيّر حياة الإنسان و هو لا يتحكّم بها بشكل تام؛ و لن يستطيع يوماً. سواء كانت التقنية هي النار، العجلة، الطائرة، الهاتف، الإنترنت، وسائل النقل و إلخ..

العِلم أو التقنية تحديداً أقدم من البشر بمئات ملايين السنين.

النمل مثلاً، يقوم بحفر أعشاش كبيرة تحت الأرض تسكنها المستعمرة. يخرج ”العمال‟ بحثًا عن الأوراق التي يقطعونها بفكوكهم و يعودون إلى القرية. تستخدم هذه الأوراق لنمو مستعمرات من الفطريات، والتي يمكنها بفضل إنزيماتها أن تهضم جدران الخلايا السليولوزية، مما يجعل الورق مناسباً للأكل. هذا النمل ينغمس في مشروع زراعي يحافظ على بقاءه بشكل منهجي.

الأرضة أو النمل الأبيض (أو دابة الأرض كما ذكرت في أحد الكتب الإبراهيمية) الذي يقتات على الخشب في الدور، يستخدم الهايدروجين كمصدر للطاقة من خلال مضغ لب الخشب.

على مايبدو فإن تقنيتهم فعّالة للغاية لدرجة أن وزارة الطاقة الأمريكية تدرسها على أمل فهم أسلوبها و توسيع نطاقه بحيث يمكن إنتاج الهيدروجين تجارياً مع نفس العملية. من غير أنها تبني أكوامًا ضخمة معقدة تتجاوز بضع الأمتار، و ذلك باستخدام شكل منظّم من التلال و الأنفاق لدفع حركة الهواء الساخن إلى مواقع المستعمرات الفطرية على سطح أوراق الشجر المجمّع.

بعض الحيوانات البحرية تستخدم النحت على الرمل للتزاوج، و بعضها التضليل بالألوان و الأضواء الفلورية، و بعض أنواع الحبّار تجيد التلوّن بألوان الأشياء المحيطة بها في عضوان ثواني. أو تقنية الموجات الصوتية للتواصل، أو الأغصان الخشبية للبحث عن الديدان، كما تفعل بعض الطيور، أو تفتح الأقفال كما عند بعض الغربان الذكية، أو تسافر آلاف الكيلومترات مستخدمة المجال المغناطيسي الأرضي للملاحة في السماء.

المدن ليست اصطناعية أكثر من خلايا النحل و الإنترنت أشبه بالشبكة العنكبوتية.

إذن التقنية وسيلة ضمن إطار الانتخاب الطبيعي، و ليست حكراً على البشر. بالطبع لا يمكن المقارنة بين تقنيتنا و تقنية الحيوانات الأخرى، لكن فهم أن التقنية جزء من الطبيعة و التطوّر نفسه مهم جداً!

لا أريد بكلامي هذا أن أقلل من شأن العِلم، بالعكس، كعالم شاب لا أنكر الشغف و الولع بجوانب العِلم الممتعة و تخيّل القدرات التي من الممكن أن نحصل عليها بفضله. لكنني أحذّر من تقديسه، أو الوقوع في فخ الإنسانوية بجعله المخلّص الحتمي لكل مشاكل البشرية. لأننا كبشر أكثر تعقيداً و أحياناً أقل ذكاءً من أن يكون العِلم وحده هو الحل الأخير.

يقول بيرتراند راسل، أحد أعمدة الفلسفة العلمية في القرن العشرين: ”عندما أتحدث عن أهمية المنهج العلمي فيما يتعلق بتنظيم الحياة البشرية، أفكر في المنهج العلمي في أشكاله الدنيوية. لست هنا في صدد التقليل من شأن العِلم باعتباره ميتافيزيقيا، لكن قيمة العِلم كميتافيزيقيا تنتمي إلى مجال آخر؛ إلى الدين و الفن و الحب، مع السعي وراء الرؤية البهيجة ، مع جنون بروميثيان الذي يقود أعظم الرجال ليسعوا كي يصبحوا آلهة. ربما تكون القيمة النهائية الوحيدة للحياة البشرية موجودة في جنون بروميثيان هذا. إنها قيمة دينية، و ليست سياسية أو حتى أخلاقية.‟

بروميثيوس، ربما أهم و أشهر الشخصيات الأسطورية في الغرب، و الذي أوجد البشر الأوائل و كثيراً ما يرمز إلى الثوران و التقدّم العلمي ـ بعد أن سرق ”تقنية النار‟ (النور و المعرفة و الدفء) من الآلهة و جازف بسخط زيوس ليعطيها إلى الإنسان.

أجده يجسّد الموقف الفكري هذا بصورة أسطورية قديمة: النار مجرّد أداة، العالم أوسع مما قد نتخيّل و الإنسان لن يعتلي يوماً مقام التيتان و الجبابرة.

التيتان بروميثيوس

أو….. ربما في عصر ما بعد التفرّدية التقنية؟

الثقافة = الطاقة x التقنية

الثقافة = الطاقة x التقنية

عالم الأنثروبولوجيا ليزلي وايت Leslie White [توفي في سبعينيات القرن الماضي]، شدد على أن تسخير الطاقة هو المحرّك في تطوّر أي مجتمع و قسّم التاريخ إلى مراحل [المجتمعات البدائية، المدنية و المعقّدة/متقدّمة]، و هذا التقسيم ليس بالغريب لو تتبّعت تطوّر المجتمع البشري في آخر 7 آلاف سنة.

لكنه ناوأ معظم أسلافه في الجدل قائلاً:

“تتطور الثقافة عندما يتم زيادة »كمية« الطاقة التي نسخّرها لكل فرد سنوياً؛ أو عند زيادة »كفاءة« الوسائل التكنولوجية لاستثمار هذه الطاقة في العمل؛ أو حين يتم زيادة كلاهما في آن واحد.”

لخّص كلامه أعلاه في معادلة بسيطة جداً: الثقافة = الطاقة X التقنية.

و عليه، لن نستغرب عندما نجد الدول النامية أو الضعيفة اقتصادياً عاجزة عن تسخير الموارد و استغلال الطاقة بشكل ذكي. فضلاً عن الاستهلاك المفرط للطاقة دون اعتبار للمستقبل.

كي تتصور بشكل أدق أين نحن اليوم من الطاقة: جزء كبير من الطاقة المستهلكة يستخدم كحرارة و ليس لإنتاج شغل؛ تقريباً 50% من الطاقة المستهلكة تضيع كخسائر حرارية ، فقدان الطاقة [الطاقة تضيع و لا تنعدم] نجده بالأخص عند محطات توليد الطاقة الكهربائية حيث تساوي نسبة الضياع على شكل حرارة 64% من الطاقة المستهلكة (الداخلة) مقابل 36% من الطاقة الكهربائية المنتجة أو المفيدة، أي أن الكفاءة تساوي 36% فقط. هذه النسبة محبطة و تعكس قدرتنا الضعيفة في استثمار الطاقة. ربما لهذا السبب لم نستوطن محيط الكوكب بعد.

متى تمكّنا من تقليل نسبة ضياع الطاقة، ازدادت حظوظنا في تقليل المشاكل التي ستواجهنا في المستقبل، فضلاً عن التقدّم الحضاري الذي سنكسبه، و الذي سيغيّر كل قوانين اللعبة!

في أي دولة تعيش؟ كيف يتم استهلاك الطاقة فيها؟ على أي مصادر تعتمد؟ هل تسرف في استخدام الطاقة في بيتك؟ هل هنالك علاقة بين تأخر المجتمع الذي تعيش فيه و استغلال الطاقة فيه؟.

شاهد هذا الفيديو القصير عن 10 أنواع من الطاقة ممكن استغلالها في المستقبل

برنامج شباب توك: مالذي يريده جعفر؟ ـ أجندة دويتشه ڤيله

قبل أن تبدأ بقراءة المقال، ليس عندي أي خلاف شخصي مع صاحب البرنامج، و لا أحاول هنا فبركة قصة عن مؤامرة ضد جهة ما، لأن من أكتب عنهم هم واضحي الأجنّدة و يفتخرون بما يفعلون و يوزعون الجوائز بينهم تكريما لما يفعلون.

أنا متابع لبرنامج جعفر و للقناة منذ سنوات؛ بالعربي و بالألماني، كوني ناطقاً باللغتين. صدى البرنامج الكبير، بحكم طبيعته الجدلية، دفعني لأوضّح للقارئ العربية دوافع قناة ألمانية حكومية إلى دعم هكذا برامج تثير الجدل و تستهدف الرأي العام و تنشر أفكاراً معيّنة بإسم التقدّم و الحرية. فيها من المفيد و من المضر. لكن الضرر برأيي أكبر.

عادةً، القناتنان الأولى و الثانية، ARD و ZDF، تعتمدان على الدفوعات القسرية المفروضة على المواطن الألماني[١٧,٥٠ EUR] شهرياً و التي تقابل غالباً بسخط الشارع الألماني. لكن قناة الدويتشه ڤيله [الموجة الألمانية] يتم تمويلها من أموال الضرائب.

رسمياً، تصنّف الـ DW نفسها بالإذاعة الألمانية الدولية الموجَّهة إلى الخارج. هدفها التعريف بألمانيا و “نشر الصورة الأصلية عنها” و “دعم التبادل الثقافي عبر محطات التلفزيون والراديو وشبكات الإنترنت”.

مثيرة هذه، فقرة “التبادل”… سأعود لها لاحقاً.

القسم العربي في الإذاعة ليس وليد البارحة، بل يعود لأواخر منتصف القرن الماضي. لكن مايهمني هنا هو برنامجها منذ أحداث الخريف العربي في ٢٠١١ و حتى اليوم.

ليست عندي أي مشكلة مع التعريف بتاريخ و ثقافة المانيا إلى العالم الخارجي، بالعكس، أنا كمواطن الماني أحب هذا البلد و أعتز بتاريخه و بعض ثقافاته. لكن مشكلتي هي استفزاز ثقافات الآخرين و دس السم في العسل بإسم الحرية و العدالة و المساواة. خصوصاً المجتمعات العربية الضعيفة الموقف و العاجزة عن الدفاع عن نفسها و المشغولة بمشاكلها الجذرية.

لقد كتبت قبل عدة أيام أن كل من يبيع لي الحرية، المساواة و العدالة، هو متهّم عندي بالأدلجة، حتى يثبت براءته. فالحرّية وهم، و المساواة باطلة، و العدالة نسبية. مصطلحات طنّانة لا أكثر. لكن هذه هي أيديولوجيتهم. اليسار يحكم كل شيء في الديمقراطيات الليبرالية. شرطة اللغة تنتظر الكلمة تخرج من أفواه كل شخص لايناسب أديولوجيتهم. حتى مواضيعهم و طرحهم حذر و متناسق مع رأي الصواب السياسي المؤدلج.

بما أن الدويتشه ڤيله مهتمة بالتبادل الثقافي و نشر صوة عن ألمانيا. دعنا نتحقق من موقفهم تاريخياً و في الوقت المعاصر. ماهي فلسفتهم السياسية؟ مالذي يريدوه؟

“ما بعد الحداثة” أو “اليسار التقدّمي المعاصر” هو الطيف السياسي السائد في ديمقراطيات الغرب الأوربي و الذي يتبنّى سياسات التحرّر، الديمقراطية، السلامية [مناهضة الحرب و العنف] الحكومة الكبيرة، الانفتاح على الهجرة، العولمة، التخلّص من تقاليد الماضي و الهويات القومية، النسوية المناهضة للرجل، سياسات الصواب السياسي القمعية، المساواة دون أخذ اعتبار اختلاف الواجبات، التركيز على حقوق الأقلّيات و إن كان على حساب الأكثرية، و حماية البيئة السكنية بدعوى حماية البيئة. بالنسبة لهم، الشعوب العربية متأخّرة، و هم على حق فعلاً، لا مجال لإنكار أننا متأخرون اقتصادياً و تقنياً. لكنني، كشخص ترعرع في أوربا، لا أظن أنهم متقدّمون في كل شيء، بل أنني أزعم أنهم فتحوا عقولهم لدرجة أنها تدحدرت عند البعض من جانب الجمجمة. أنا قلق من مصير أوربا و ماتفعله اللبرلة المدمقرطة ـ نعم أنا أختلقت هذا المصطلح، لا حاجة للبحث عنه في القواميس ـ بتاريخ هذه القارة العظيمة.

بالنسبة لهم، الشعوب العربية متأخّرة، و هم على حق فعلاً، لا مجال لإنكار أننا متأخرون اقتصادياً و تقنياً. لكنني، كشخص ترعرع في أوربا، لا أظن أنهم متقدّمون في كل شيء، بل أنني أزعم أنهم فتحوا عقولهم لدرجة أنها تدحدرت عند البعض من جانب الجمجمة. أنا قلق من مصير أوربا و ماتفعله اللبرلة المدمقرطة ـ نعم أنا أختلقت هذا المصطلح، لا حاجة للبحث عنه في القواميس ـ بتاريخ هذه القارة العظيمة.

و نعم هي عظيمة بتاريخها المتلوّن بالدم و الحضارة، حاله كحال الهلال الخصيب و الحضارات القديمة الأخرى. تاريخها أقدم و أعظم من أن نختزله بآخر ٦ عقود. حاول أن لاتقترف هذا الخطأ كما يفعل الكثير. فمهم جداً أن تضع تاريخ أوربا الكامل في الحسبان.

أغلبية المهاجرين العرب يقعون في هذا الفخ. و من الطبيعي أن تفهم موقفهم الداعم لسياسات اليسار المتضامنة معهم، صحيح؟ هل لديهم خيار آخر؟ لا تظن أن الأحزاب هذه لا تطمح بكسب أصوات هؤلاء. فهم في النهاية “أقلّيات مضطهدة” بحاجة إلى الحماية..

بعد الحرب العالمية الثانية، يمكنك القول أن اليسار بشكل عام قد انتصر على اليمين، مفترضين أن النازية تحسب إلى اليمين، و هذا لوحده مغالطة ناقشتها في مقال سابق، حيث أنني أجد أن حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني [يذكّرك الإسم بالأحزاب الشيوعية اليسارية، صحيح؟] يحتوي من اليسار أكثر مما هو من اليمين. طبعاً هذا هو إسم حزب هتلر. لو قرأت كتب التاريخ المعاصرة، ستجد أنه يحسب إلى اليمين إلا أنه هنالك بعض الأسباب الوجيهة للاعتقاد بأن النازية تنتمي سياسياً إلى اليسار أكثر من انتمائها إلى اليمين. أعرف، قد يصدمك ذلك بعض الشيء. تمهّل معي قليلاً..

هذا لا يعني أن النازية ليست لها علاقة باليمين. لكن النقاش حول الموقف السياسي الدقيق للاشتراكية القومية الألمانية [النازية] لم يُدار بشكل دقيق.

لكن، نعود إلى مابعد الحرب العالمية الثانية، من انتصر؟ من كتب التاريخ..طبعاًَ!

بالأخص إلى الميديا، و الفكر المعاصر الحاكم: فهم بحاجة إلى لسان، إلى من ينقل أفكارهم و يشيعها في بقاع الأرض. كونها الصواب المطلق و الحق البشري الصالح للجميع، كما يؤمنون.

على أي حال، من يحكم المانيا اليوم هي التقدّمية. و هو الفكر المهيمن على الأكاديميات الحكومية و القنوات و الميديا بشكل عام. لكنهم ديمقراطيون و متعددون و منفتحون و متقبّلون للشذوذ و التنوّع… حتى تبدأ بانتقاد إلههم الأكبر، الصنم الأعظم: الديمقراطية. حينها لن يرحموك. إن كنت قارئاً مطّلعاً، فسأحسبك أذكى من أن تفهم بديل الديمقراطية هو الديكتاتورية.

كما أنني لن أتطرّق إلى مشاريعهم في دمقرطة شعوب العرب و ما تركوه من موت و خراب و فوضى و فساد خلفهم. هذا موضوع خاص يحتاج لوقفة طويلة.

حتى تعرف دوافع كل جهة، لابد من العودة للتمويل.

كانت الزيادة في ميزانية دويتشه ڤيله في بداية ٢٠١٥ مصحوبة بتعليقات انتقادية من داخل المانيا على التوجه السياسي الجديد للإذاعة الدولية. فمن الواضح أن توسيع دويتشه ڤيله يرتبط بمواقف السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي. و هذا شيء مفهوم، صحيح؟ طبعاً أحد العوامل التي رفعت من ميزانية الإذاعة يرجع إلى العلاقة المتوتّرة مع روسيا و صراع أوكرانيا. إن لم تتذكّر الأحداث، أوربا رفضت انضمام جزيرة القرم إلى روسيا، مع أن أغلب سكانها كانوا مع الانفضال و يتحدّثون الروسية، لكن هذا بحث آخر.

دويتشه ڤيله تبنّت استراتيجية إعلامية شاملة لأوروبا ضد موسكو. و الصراع الجيوسياسي يحتاج لواجهة إعلامية، أينما كان. الروس و إذاعة RT و أوربا بإذاعات دول اتحادها.

خلف الكواليس كان لابد من احتواء التأثير الروسي عن طريق برامج مضادة سياسية تسلّط الأضواء على مشاكل روسيا الداخلية، و لكن أيضاً عن طريق اتخاذ تدابير تقييدية ضد الصحفيين المقرّبية للحكومة. فتقارير الدويتشه ڤيله لا تستقبل ضيوفاً مقرّبين من بوتين و لا تبذل جهداً حقيقياً يمكن فهمه كمحاولة موضوعية و محايدة في حل الأزمة. و من جديد، لا أستغرب ذلك، بل هي سياسة صحفية متوقّعة و تجدها في مناطق مختلفة.

و هذا مايهمني أن يفهمه القارئ العربي: أن الـدويتشه ڤيله عندها أجندة تخضع بشكل ما لسياسات الاتحاد الأوربي و لا تتحلّى بموضوعية حقيقية يمكنك التعويل عليها في الطرح المحايد. كيف و أموالهم حكومية؟ أتفهم قصدي؟

حتى العاملين في القناة و الإذاعة، لايمكن أن يكتبوا سطراً أو يعبّروا عن رأياً مناهضاً لسياسات الاتحاد الأوربي. و من الطبيعي أن يستقطبوا المهاجرين العرب الموهومين بالثالوث المقدّس: الحرّية و المساواة و الأخوّة. و هنا يأتي الأخ جعفر. المقدّم العربي الألماني، الذي درس الميديا في جامعات الصواب السياسي.

برأيك، هل ما يقدّمه و يطرحه من أسئلة و مواضيع مستفزة للشارع العربي، هو مفاجئ لك بعد أن ربطت الحلقات مع بعض؟ فكّر معي قليلاً: هل يمكن لجعفر أن يكون محايداً و هو يعمل لقناة و إذاعة حكومية؟

ممكن. دعنا من ذلك.

في السنوات الماضية، كانت الدويتشه ڤيله تعاني مادياً و تائهة بدون مهمة واضحة، ناهيك عن رؤية، و هذا يعلل مشاكلها الاقتصادية التي دفعتها لإلغاء برامج و مجلّات في ألمانيا، كما أنها لم تشغر حيّزاً جدّياً في الوسط العالمي.

في ٢٠٠٤ كان على الإذاعة توفير ٤,٥ مليون يورو ، في عام ٢٠٠٥ حوالي ٨,٥ مليون يورو. أعقب ذلك صراعات داخلية للتوزيع و مناقشات مرهقة حول أي برنامج يمكن إلغاؤه و أي نشاطات يمكن تقليصها.

لكن مع المشرف الجديد المتبرع پيتر ليمبورگ، الذي تم تعيينه في عام ٢٠١٣، بدأت الأمور تتغيّر. مراسل الناتو السابق لوكالة الأنباء الألمانية لا يرحّب بالسياسة الروسية و موقفه معروف علناً. وهذا حقه طبعاً.

لكنه بدأ يخشى تأثير القنوات الروسية، و بدأ بدعم برامج في اللغة الإنجليزية، و أيضاً عروض في اللغة الروسية. خصوصاً و أن RT روسيا اليوم أطلقت نسخة ألمانية.

و لتحرير الموارد الضرورية كان لابد من الاستغناء عن العديد من البرامج الصغيرة لمنطقة آسيا الوسطى و أمريكا اللاتينية و حتى الصين. في تصريح له لصحيفة التسايت Die Zeit الألمانية يقول ليمبورگ بما معناه

إن العمل ضد وسائل الإعلام الروسي “المتحيّز” هو مهمة ذات أولوية و أنه من واجب الإذاعة تقديم صحافة متماسكة حتى باللغة الروسية. و أعقب “تمثيل قيمنا في العالم مهمة وطنية”. يال هذه الوطنية..

و في أعقاب الاضطرابات في العالم العربي يرى المشرف أن دور القناة مهم و يجب أن يكون حاضراً بـ “قوة ناعمة” على حد قوله.

آه، تذكّرت: جعفر و برنامجه شباب توك.. تادااا

أتسآئل، مالذي يريده من العرب تحديداً؟ عن أي قوة ناعمة يتحدّث؟

الواضح أن ليمبورگ تمكّن من إقناع صنّاع القرار في برلين بمشروعه السياسي، لأنه في الوقت الذي يتم فيه توسيع برامجهم الخاصة باللغة الروسية، دخلت دويتشه ڤيله قبل بضع سنوات في تعاون مع قناة CCTV الصينية. و لربما لن تتفاجئ من ميزانية الإذاعة هذا العام التي وصلت لـ ٣٥٠ مليون يورو من أموال الضرائب. فقط حزب البديل الألماني هو من صوّت ضد القرار. من غير الأموال التي يخصصها الاتحاد الأوربي لـ wait for it: “تعزيز و تطوير وسائل الإعلام الحرة و المستقلة”. ها ها ها، مستقلّة.

دعنا نعود لجعفر عبد الكريم، الصحفي الفائز بجائزة أفضل صحافي في المانيا لعام ٢٠١٦ ـ جائزة تقدّمها مجلّة ميديوم ماگازين Medium Magazin ـ و برنامجه شباب توك و الذي اشتهر على نطاق واسع بسبب إثارته للجدل و طرحه الكثير من القضايا التي تلامس “الخطوط الحمراء” و بالتحديد ما يخص الحريات الفردية.

لاحظ معي المواضيع التي يطرحها البرنامج: مسجد يرحب بالمثليين، إمامة امرأة للرجال في الصلاة، مواضيع حقوق المثليين و الحجاب و الطلاق و المساواة في الأجور و الميراث و حتى حق قيادة المرأة للسيارة في السعودية.

مواضيع لاتشغل العربي الحائر بمصير بلاده و لقمة العيش. لكنها جميعاً مواضيع تشكّل الخطوط العريضة لمابعد الحداثة و الطيف السياسي الحاكم في أوربا. مع أنه من الإنصاف أن أذكر أنه يطرح أيضاً مواضيع عن الفقر و حال الشباب الاقتصادي. تذكّر، أنا لا أفترض أن نواياه سيئة، لكن في نفس الوقت لا أزكّيه من الأدلجة و أعتب على فقر تحرّيه أو طاقمه عن ضيوفه.

بغضّ النظر عن المواضيع و كونك مع أو ضد، لكنني لا أسمّي هذا تبادلاً ثقافياً! و من يظن ذلك فعلاً فهو للأسف ساذج.

قبل أسبوع خرج جعفر ليستضيف مراهقة من العراق تدّعي أن أهلها قد منعوها من التعليم ـ و انهمرت بالبكاء ـ و كيف أنها ضعيفة الحال مضطهدة ـ و دموعها في عينها. لم يتحرّى جعفر عن شخصيتها المعروفة في الأوساط الرقمية، و أسلوبها المبتذل و السوقي في التعامل مع من يخالفها بالفكر و شن حملات غلق الحسابات لمن يعاديها و يعادي نسويتها المتطرّفة. ربما هي فرصة لتعزيز فرص اللجوء. أتفهّم ذلك. مع ذلك، نوعية الضيوف تعكس بشكل أو آخر صورة البرنامج.

برنامج شباب توك لا يجيد التحرّي عن ضيوفه و تاريخهم، و لا يطمح فعلاً للتبادل الثقافي. بل عنده أجندة، و إن كان ذلك بالنسبة لجعفر و لطاقم البرنامج و الإذاعة هو عمل باسل في سبيل “الحرّية”. طبعاً، هم الأحرار و الأفاضل، و العرب هم الرجعيون و من يجب أن يخضع لأفكار أوربا الحديثة..

كل ذلك لا يهم جعفر، ففي النهاية هو يطمح لتحقيق “العدالة و المساواة” على حد تعبيره في بعض لقاءاته. أنا و هو نختلف في الفكر بشكل جوهري، و نقدي هنا ليس من باب الشخصنة، بل لأفهم الآليات خلف برنامجه. لا أعتقد أنه سيتقبّل نقدي برحابة صدر، مع ذلك alles Gute!

العربية مفيدة، العروبة مضرّة.

العربية مفيدة، العروبة مضرّة.

الحضارة تبدأ بعد التدوين، و الثقافة تنمو و تتطوّر عن طريق لغة مشتركة. و اللغة العربية جمعت و ارتقت بواقع المجتمعات في الهلال الخصيب، الجزيرة، مصر و المغرب على مراحل تاريخية متفاوتة أكثر مما نفعته “العروبة” كقومية جامعة.

هنالك فرق بينهما. فرق كبير!

النقاش حول “عروبة” فلان و نقاء سلالة آخر يستقطب الإشكاليات بطبيعته، بحكم المصادر التاريخية القليلة و الأدلّة اللغوية التي تربط تفرّع اللغة العربية عن الأصل الهندوأوربي، و تعدد النظريات التي يفترض بعضها نزوح الأقوام من محيط بحر قزوين، العراق و المناطق المجاورة إلى الجزيرة، و الأخرى التي تفترض هجرة من آثر الحياة قرب الأنهار في شكل أكثر تنظيماً على حياة البدو جنوب الحجاز.

العرب أنفسهم في السابق، حتى قبل الميلاد، كانوا عندما يتحدّثون عن منشئهم يقسّمون أنفسهم إلى أولاد عدنان و أولاد قحطان. لربما يتذكّر البعض الأغاني البعثية في أبان فترة حكم صدام حسين، كانت تتغنى بالعروبة و بأولاد عدنان و قحطان.

أولاد عدنان هم عرب الشمال، و عرب الجنوب، العرب العَارِبة، هم أولاد قحطان. بعض المصادر التاريخية تنقل عن روايات تصف عرب الشمال بالعرب المستعربة. و ربما لو عدنا تاريخياً، فتاريخ العرب يبدأ في الحضارة الجنوبية، يعني تقريباً ٨٠٠ سنة ق. م.، مع أن أقدم دليل على التدوين يعود للقرن الثاني ق.م.، كمثال سبأ و معين و غيرها، بينما حضارة الشمال، تدمر، الحضر و لاحقاً قريش و ما حولها؛ الأخيرة جاءت متأخرة، لكن لهجتها [اللغة التي أكتب بها هذه السطور] استمرت حتى اليوم.

مع ذلك، نحن كـمعاصرين “عرب” أو ناطقين، نتعامل مع واقع اللغة و العروبة من منظور مختلف.

فالعربية، كلغة و ثقافة، احتضنت الإسلام و جمعت الشعوب ثقافياً [التدوين] و دينياً من الهند و خراسان حتى الأندلس لمئات السنين. ليس من العجيب أن تنغرس ثقافات في أخرى و تمتص الجديد و المفيد. فالمصريون و شعوب الساحل الأفريقي الشمالي مثلاً ليسوا من عنصر عربي، لكنهم في الماضي قبلوا بالعربية عندما قبلوا بثقافة الإسلام و آثروا في أغلب المراحل التاريخية الوحدة على الانشقاق.

لذلك “العروبة” لم تكن هي الجامع من باب الوحدة في النسل، بل الثقافة العربية، و هذه أصلاً لما ارتقت في العصور الذهبية للعرب لولا انفتاحها على الأمصار و تمكّن المفكرين و العلماء من مختلف القوميات و الأصول أن يدرسوا، يكتبوا و يتواصلوا بالعربية.

كمثال، إبن سينا أصله عربي فارسي، عباس بن فرناس و إبن بطوطة أمازيغين الأصل، الفارابي من أصول تركية، كردية(؟)، و القائمة قد تطول.

ماجمعهم هو التواصل بالعربية، لا القومية.

لأن القومية العربية أو العروبة، تاريخها مليئ بالانتفاضات و الإقصاء.

يمكننا مثلاً التوقف عند تاريخ الشيعة و نزاعها مع السلطة الأموية العربية. النزاع سياسي أكثر من كونه دينياً: لأن عقيدة الشيعة السياسية تقوم على أساس أن الإمامة وراثية في أهل بيت الرسول، و هو مبدأ غريب على أصول الحكم في المنطقة و عند العرب بشكل عام. فالشيعة دعاة حق إلهي لا حق انتخابي. هذا يتصادم مع التفكير العربي القومي [بنو قريش] الذي كان سائداً آنذاك أن العرب المسلمين أولى بحكم أمة المسلمين في الأمصار، بدعوى أن النبي قرشي و أن العربية لغة القرآن ووو من التبرير الديني/سياسي.

و أظن أن هذا السبب الذي جعل بلاد فارس تستقطب الفكر الشيعي، بجانب القرب الجغرافي طبعاً. لكن لو تأمّلنا قليلاً: الولاة و الحكام الذين عيّنهم الخليفة العربي على الأمصار البعيدة كانوا في الغالب عرباً يحكمون أجانباً، إضافة إلى النزعة المتعالية لعرب الجزيرة تجاه المستعربين، كلها عوامل من الممكن أن تثير السخط عند أهل الأمصار. لربما لانعرف الكثير عن شعور الناس آنذاك، لكن هنالك اقتباسات مدوّنة تعطينا فكرة ما.

يقول إبن خلدون: “من الغريب الواقع أن حَمَلة العِلم في الملّة الإسلامية أكثرهم العجم، وليس في العرب حَمَلة علم لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية إلا في القليل النادر، وإن كان منهم العربي في نسبه فهو أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي”

و أراهن أنك حتى اليوم ستجد متوسّط العربي المسلم المعاصر يجادل أنه أفهم بالإسلام من أي أندنوسي أو باكستاني مسلم.

لكن تلك الصراعات، و إن ألقت بظلالها على مشاكل الواقع المعاصر السياسية، إلا أننا اليوم، و هذا مايهمني هنا، نوصَف من الشعوب الأخرى بالعرب! أي أن التعمّق في نقاء النسل هو مضيعة للوقا و إهدار للطاقات.

اللغة و الكتب و الثقافة العربية هي ما تجمعنا و حتى التاريخ بكل صراعاته، نكباته و أيامه الذهبية أيضاً.

و هنا مربط الفرس: العرب اليوم تائهون، مشتتون، و مايحتاجوه هو البحث عن مشتركات مفيدة، تجمع، لا تفرّق. تحترم التباين في مابينهم، تراعي كل دولة و واقعيها السياسي و الاجتماعي و توحّدهم في نفس الوقت. لسنا بحاجة لمشاريع ناصرية و بعثية، بل لمشاريع تنهض بالواقع، تبحث عن مشتركات و مقوّمات الرقي في التراث و تنظر للمستقبل.

بعيداً عن أي أدلجة: طاقة أكثر من ٣٠٠ مليون نسمة يشتركون في قاعدة معلوماتية أفضل من طاقة قليلة مختزلة في أديولوجيات محصورة.

يتبع..

حجم التنافس العالمي لا يرحم! لماذا لست مع التعليم المجاني؟

التعليم، ثم التعليم و ثم التعليم:

أعلم، الموضوع ممل، لكن، و هنا أريد منك التأني: هناك دراسات ونظريات مختلفة في بناء الإنسان للوصول إلى دولة قوية، و كل نظرية لها أبعاد و نتائج مختلفة. البعض ينجح و الآخر يفشل. هنا أريد باختزال توضيح الأمور ببساطة.

قد تعمد الدولة إلى بناء إنسان وفق استراتيجية تقوية جوانبه العسكرية و الاجتماعية دون المجالات الأخرى. السؤال اللاحق سيكون: مالثمن الذي سندفعه نحن أو الأجيال اللاحقة من إهمالنا للجوانب الأخرى؟

مالفائدة من دولة قوية عسكرياً، لكنها تستنزف كافة الثمار الاقتصادية و طاقاتها البشرية؟ كلها عقود و نجد هذه الدولة تنهار و تتردى أوضاعها.

الآن طبّق نفس الشيء مع الاقتصاد. دولة قوية اقتصادياً غير أنها موضع أطماع من الآخرين، خصوصاً و أن موقعها الجغرافي حرج و محاط بدول لا ترغب بنموها اقتصادياً. دون تحصين هذه المجتمعات، ستصبح بذلك فريسة سهلة و مهددة بالانهيار أيضاً، أو تجدها عاجزة عن النهوض اقتصادياً رغم مواردها الهائلة؛ العراق خير مثال على ما أقول.

إذن، ما هو السبيل وأي استراتيجية نحتاج لنشيّد دولة قوية متقدمة و مزدهرة؟

اسأل نفسك، أو أي خبير اقتصادي: ما هي أهم ثروة انتاجية للبلاد؟

الجواب هو عقول البلد الذكية و المنتجة، لأنها لا تعتمد على العدد، بل على النوعية. ثلة من جهابذة عصرهم يمكن أن ينهضوا بحضارة من جديد. التاريخ وحده يشهد على ذلك. إذن من المفهوم أن نستثمر هنا أولاً قبل كل شيء، صحيح؟

لا تحتاج لأن تكون ملمّاً بقوانين الاقتصاد و السياسة لتفهم دور النظام التعليمي في الارتقاء بالمجتمعات: بعيداً عن سفسطة الكلام:

التعليم القوي ينهض بالأجيال، خصوصاً الصغار، لأن عقولهم مرنة و إمكانياتهم أكبر. و هذا أبسط مثال عن استثمار طويل الأمد لمال الدولة في الأجيال القادمة.

نقطة جوهرية أخرى: طاقات الدول النامية محدودة، و بالأخص الأموال. الجامعات لاتواكب متطلّبات العصر من ناحية التجهيز و لا المصادر و لا التحديث المعلوماتي. كيف إذن تنافس على مستوى عالمي؟

حجم التنافس على المستوى العالمي مخيف: لاحظ هنا حجم الإنفاق الحكومي على البحوث و التعليم لبعض الدول مقارنةً بأخرى:

الولايات المتحدة مثلاً تنفق أكثر من 476 مليار دولار في السنة، مصر حوالي ٦ مليار، بينما العراق: ها ها ها 206 مليون دولار.

نسبة إنفاق الدول على قطّاع التعليم بالدولار

بما أن طاقاتك المادية محدودة، فلابد من أن تنتقي الأفضل و الأجدر في مجتمعك عن طريق الاختبارات و تدعمهم عن طريق منح دراسية و بعثات إلى الخارج. الإنفاق الحكومي ليس ضئيلاً فقط، بل مخزي بشكل عجيب.

لذلك جامعاتك تحتاج لكل درهم يساهم في تجهيزها بما يواكب متطلّبات العصر التقنية، المصادر الكافية لتمويل الأبحاث العلمية، جلب الخبرات العالمية و الاستفادة منها و بما على الأقل يجعلها على مقربة، لا أقول على مستوى، بل على مقربة من مستوى العالم.

لاحظ هنا مستوى الدول العربية في الإنفاق على البحوث العلمية مقارنةً مع العالم:

http://uis.unesco.org/apps/visualisations/research-and-development-spending/

تخيّل أنك تنافس في بطولة كاس العالم، و تريد المنافسة، هل سترسل متطوعين هواة؟ أم أفضل فريق عندك؟ طبيعي أن الغالبية يلعب الكرة أو يشاهدها و من حقه اللعب، لكن عند المنافسة، لا ترسل هواة! لا ملاعبك تكفي و لا مدربيك خبراء و لا دورياتك المحلية قوية. جعل كل شيء مجاني سيزيد من الشلل و يفتح المجال للهواة و يهمّش المحترفين و الموهوبين.

إن كان بيدك القرار و أنت تقرا هذا النص: الموضوع ليس بذلك التعقيد؛ تريد الاستثمار في مستقبل البلاد؟ هذا أفضل مكان لترتقي بمستوى الجيل الحالي و تضمن القادم. المال يحرّك الجبال!

عقلك هو أهم المصادر الإنتاجية الثمينة في البلد

نقطة نقطة:

– عقلك هو “أهم” المصادر الإنتاجية الثمينة من بين الثروات التي يحظى بها أي بلد.

– التعليم و متوسّط ذكاء الشعب مرتبطين بشكل مباشر بالجسور المتينة، الطرق المعبّدة، المباني الكبيرة و الأمينة، المصانع و الاستثمار بشكل عام.

– الاعتماد على الدولة ما يوكل خبز.

– ليس بيدك سوى أن تستثمر في ما لك قدرة عليه: تعليمك، ثقافتك و أطفالك كذلك!

ترجمت هذا النص من كتاب گاريت جونز “عقلية الخلية”، هنا يعلل بالتفصيل الترابط بين الذكاء و ازدهار الدولة:

“بما أن متوسط درجات الاختبار يتباين بين الدول – سواء كنا نتحدث عن اختبارات الرياضيات أو اختبارات القراءة و الكتابة أو اختبارات الذكاء – فإن الارتفاع العام في درجات الاختبار على مستوى الدولة يعني على الأرجح زيادة في عدد الأشخاص الأكثر تعاوناً و أكثر اطلاعاً من بين المواطنين. و هذا بدوره يعني أن اختبار ذكاء على الصعيد الوطني من المحتمل أن يؤثّر بشكل إجمالي على وعي الشعب بشكل لا يمكن تجاهله. وإذا تمكن باحثو التعليم و مسؤولي الصحة العامة من إيجاد طرق موثوقة لرفع درجات الاختبار الوطنية، فإن الإنتاجية و الازدهار الحضاري سيرتفعان حيث تسود البطالة، الفقر و المرض الآن.

يمكنك أن تتخيّل حجم هذه التأثيرات من خلال النظر عبر البلدان و تأمّل التالي: الدول التي تقدّم نتائج عالية في الاختبارات الموحدة – مثل سنغافورة و فنلندا – عادة ما تكون حكوماتها إلى حد كبير خالية من الفساد؛ لديها طرق و جسور رصينة، و لديها الكثير من الاستثمارات الخاصة [القطاع الخاص] في المباني، المكاتب، المصانع و المنازل. الصين أيضاً تقدّم نتائج جيدة في الاختبارات الموحدة، و خاصة في الفترة التي تبعت حكم ماو نما اقتصاد البلاد بشكل سريع. إن درجات الاختبارات العالية في هذه البلدان تعكس متوسّط المهارات المعرفية لمواطنيها و رأس المال البشري اللازم للتعامل مع تعقيدات الاقتصاد الحديث و الحياة الحديثة.

على النقيض من ذلك، فإن الدول التي تكون فيها درجات الاختبار متوسطة أو أقل تميل إلى أن تكون تلك الأماكن التي يضطر فيها الناس إلى رشوة البيروقراطيين الحكوميين لإنجاز الأمور اليومية و الخدماتية، سواء كان ذلك مدير المدرسة، أو البيروقراطيين في مكتب رخصة القيادة، أو شقيق عضو في البرلمان [أو الكونجرس]. و حتى لو لم تكن مضطراً لرشوة الحكومة، فإن احتمالية كون الحكومة ضعيفة و ذي مهنية غير فعّالة ليست بالضئيلة.”

المجتمعات ذات المتوسط المنخفض من درجات الاختبار هي أماكن صعبة لتولي مشاريع معقدة و مكلفة، خاصة الاستثمار، كون العمال المهرة و الطاقة الكهربائية المتوفرة لأربع وعشرين ساعة في اليوم عملة صعبة غير متوفرة في كل مكان. لذلك لا تستقطب مصل هذه الدول المستثمرين الدوليين، و هذا يعلل ضعف الاستثمار الخاص و الاعتماد على القطاع العام.

على المدى الطويل تستطيع تتبع نتيجة درجات الاختبار الضعيفة: إنها خليط من الجسور المتهالكة، المباني المتداعية، سرعة الإنترنت البطيئة و انعدام الازدهار. هذه العلاقة بين الدول ذات نسب اختبار عالية و أخرى ضعيفة، يمكن قياسها من ناحية القوى الاقتصادية و الثراء. فتلك الدول ذات النتائج الأضعف ضمن الـ ١٠ ٪ في جميع أنحاء العالم تكون ذو قوة اقتصادية و ثراء يعادلان ثُمن ١/٨ الدول الأولى ضمن الـ ١٠ ٪ الأوائل.”

المجتمع، المجموعة، العائلة ـ مهمتنا كجيل العصر أن “نحافظ” على هذه المعادلة

هذه المعادلة هي منبع هويتك كإنسان اجتماعي. افهم أصولها بشكل دقيق، كي لا تصبح فريسة لتيارات ما بعد الحداثة، فتلك تحاول إعادة صياغتها بشكل مخيف ناكرة عمقها البايولوجي و التاريخي. الثمن الذي قد ندفعه من ذلك سيكون باهضاً، و أتمنى أن لا تكون جزءاً من هذه الحملة.


عندما نناقش أصول المجتمعات و الثقافات التي ترسم الهوية التي يتبناها الفرد، لابد من مناقشة مفهوم الهوية و ضرورته في كل عصر. أوربا الحديثة تصارع في تجاوز هذا المفهوم دون جدوى. من حسن الحظ.

لكي نستوعب هذا المفهوم [الهوية] من جوانبه العاطفية، الاجتماعية و البايولوجية، فمن الأمثل تفكيكه و إعادة ترتيبه بتفصيل في السطور التالية:

الهوية هي محصّلة لعوامل و ظروف تحتضن الفرد في فراغ ما و تعزله عن آخر. و عليه سأعود إلى العوامل هذه التي تسبق بروز الهوية: المجتمع، المجموعة، العائلة. قبل البحث في هذه، دعني أمضي في طريقي للعودة إلى أسباب بروز هذه العوامل أصلاً.

أحد الأسباب التي تدفع الفرد إلى الاندماج في شكل تجمّعات أو عائلة هو الخوف من الأفراد الآخرين، الحاجة الملحّة للأمن، كما يؤكّد عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو. وفقاً لفرضيته الهرمية التي يعرفها بعضكم و المتجلّية عن محاولة لصياغة نسقاً مترابطاً يفسّر من خلاله طبيعة الدوافع أو الحاجات التي تحوك السلوك الإنساني، يفترض ماسلو أن الحاجات أو الدوافع الإنسانية تنتظم بشكل متصاعد هرمي من حيث الأولوية. إشباع الحاجات الأكثر أولوية و التي تخدم البقاء البيولوجي ستحل في المركز الأول.

حيث أنه ليس من المستغرب أن تكون أول الحاجات الفسيولوجية مثل الجوع، العطش، تجنب الألم، و الجنس هي الأولويات الأساسية لحيوان ذكي ينافس من أجل البقاء.

لكن الملفت و المفهوم في نفس الوقت، هو أن الحاجة الثانية تتجلّى في الأمن. الحاجة المتعلّقة بالحفاظ على الحالة الراهنة، و ضمان نوع من النظام و الأمان المادي و المعنوي، مثل الحاجة إلى الإحساس بالأمن. لأن الأمن يعزز فرص البقاء و بالأخص الاعتماد على مصدر مشبّع للحاجات. أي تهديد لهذه الحاجة الأمنية و لهذا النظام يمكن أن يتبدّى في شكل مخاوف مثل الخوف من المجهول، الغموض و الفوضى. عالم النفسـ تطوّري إيرينيوس آيب أيبينفيلت يوضّح ان الأطفال الرضّع يبدأون منذ الشهر السادس بالتمييز بين الغرباء و الوجوه المألوفة (القرباء)، حيث ينمو الشعور بالرفض تجاه الغير مألوف و الذي يمكن أن يتصاعد إلى العنف. هذا التخوّف من الغريب لا يُفهم كنتيجة لتجارب سلبية للطفل مع أشخاص غرباء، بقدر كونه مزيجاً متردداً يجمع بين فضول الطفل تجاه العالم الخارجي و بين حنان الأم إلى الأمان الأبوي.

المحلل النفساني و الباحث في مجال الخوف، فريدرش هاكر يصف الخوف من الخوف نفسه كواحد من أهم أسباب العنف. من باب آخر، يتفق علماء الاجتماع على أن الخوف يمكن تفريغه أرضياً و التخلّص منه عند تواجد الفرد بين مجموعة، أو داخل مجتمع. حيث أظهرت العديد من التجارب التي أجريت على إثنيات متعددة، أن الأشخاص المفزوعين يبحثون عن آخرين يشاطروهم التجربة، مما يخفف عنهم الأزمة النفسية و حالة الهلع.

هذه الحاجة إلى الأمان دفعت بالفرد إلى البحث عن هوية “الحامي” و صقلها. لذلك تجد المجتمعات البدائية و حتى تلك التي عاشها الجنس البشري هي مجتمعات هرمية التشكيل، يمارس فيها الحامي دوره كقائد و مسؤول. و لأن نواة كل مجتمع هي العائلة، فـ نويّة كل عائلة، هي الأب و الأم. الأب يحميها و يدافع عنها و يتكفّل بالحاجتين الأساسيتين في هرم ماسلو: ١) الصيد، البحث عن مصادر الغذاء، العمل، كسب المال و توفير الغذاء بشكل أو بآخر، و ٢) أمان العائلة و حمايتها من المخاطر. بينما الأم هي مصدر الحنان، العاطفة، تلاحم العائلة، و نضوج الأطفال; دورها في الحقيقة أعمق و تبعاته أطول: فالمجتمع السليم في الجيل السليم.

هذه الأساسيات استوعبها الكثير من الفلاسفة الإغريق و الأسيوين، ففي الفلسفة الرواقية مثلاً، تجد أن الإنسان الصالح و المتكامل، هو ذلك الذي يؤدّي دوره في هذا الكون على أكمل وجه و يدرك مكانه في المجتمع أو النظام. فالأب يتحمّل مسؤولية عائلته، و القائد مسؤولية رعيّته و الطبيب مسؤولية مرضاه و إلخ.

كما أن البشر بحاجة لشخصيات مثالية التوجّه، تلعب دور القدوة و الرفيق المنير لسبيل الارتقاء و النضوج. فالأطفال في المجموعات يقتبسون غالباً الصفات البارزة من الأشخاص الأكثر تأثيراً في محيطهم، و بالتالي دور القدوة و التسلسل الهرمي هو نظام نجح على مر التاريخ في تمرير الميمات الثقافية المهمة و الضرورية للحفاظ على التقاليد المفيدة. من هنا يأتي تعريف الفكر المحافظ: أن تحافظ على الحضارة و حكمة الأجداد.

Live Your Potential

Psychology professor Jordan Peterson gives a lecture about the importance of living out your true self and the impact it can have.

Transcript:

How many hours a day you waste or how many hours a week you waste. The classic answer is something like four to six hours a day and so if your life isn’t everything it could be, you could ask yourself, well what would happen if you just stopped wasting the opportunities that are in front of you? You’d be who knows how much more efficient, 10 times more efficient, 20 times more efficient. That’s the Pareto distribution. You have no idea how efficient, efficient people get. It’s completely, it’s off the charts. Well and if we all got our act together collectively and stopped making things worse, because that’s another thing people do all the time.

Not only do they not do what they should to make things better, they actively attempt to make things worse because they’re spiteful, or resentful, or arrogant, or deceitful, or homicidal, or genocidal, or all of those things all bundled together in an absolutely pathological package. If people stopped really, really trying just to make things worse, we have no idea how much better they would get just because of that. So, there’s this weird dynamic that’s part of the existential system of ideas between human vulnerability, social judgment, both of which are major causes of suffering and a failure of the individuals to adopt the responsibility that they know they should adopt.

If you take people, and I’ve told you this, and you expose them voluntarily to things that they are avoiding and are afraid of. That they know they need to overcome in order to meet their goals, their self-defined goals. If you can teach people to stand up in the face of the things they’re afraid of, they get stronger.

And you don’t know what the upper-limits to that are, because you might ask yourself, if for 10 years, if you didn’t avoid doing what you knew you needed to do, by your own definitions, right? Within the value structure that you’ve created to the degree that you’ve done that. What would you be like?Well, there are remarkable people who come into the world from time to time and they’re people who do find out over decades long periods, what they could be like if they were who they were. If they said, If they spoke their being forward and they get stronger, and stronger, and stronger and we don’t know the limits to that. We do not know the limits to that.

So you could say, well in part perhaps the reason that you’re suffering unbearably can be left at your feet because you’re not everything you could be and you know it. And of course, that’s a terrible thing to admit and it’s a terrible thing to consider, but there’s real promise in it, right? Because it means that perhaps there’s another way that you could look at the world and another way that you could act in the world. What it would reflect back to you would be much better than what it reflects back to you now. So you might say, well, what would happen if you abided by your conscience for five years, or for 10 years? What sort of position might you be in? What sort of family might you have? What sort of relationship might you be able to forget? You can be bloody sure that a relationship that’s forged on the basis of who you actually are, is going to be a lot stronger and more welcome than one that’s forged on the basis of who you aren’t.

Now of course, that the means that the person you’re with has to deal with the full force of you in all your ability and your catastrophe and that’s a very, very difficult thing to negotiate but if you do negotiate it, well at least you have something, you have somewhere solid to stand, and you have somewhere to live. You have a real life and It’s a great basis upon which to bring children into the world for example, because you can have an actual relationship with them instead of torturing them half to death, which is what happens in a tremendously large minority of cases. Because it isn’t merely that your fate depends on whether or not you get your act together and to what degree you decide that you’re going to live out your own genuine being. It isn’t only your fate, it’s the fate of everyone, that you’re networked with.

You think well, there’s seven billion people in the world and who are you? You’re just one little dust mote among that seven billion and so it really doesn’t matter what you do or don’t do, but that’s simply not the case. It’s the wrong model, because you’re at the center of a network. You’re a node in a network, of course that’s even more true now that we have social media.

You’ll know 1,000 people at least over the course of your life and they’ll know 1,000 people each and that puts you one person away from a million and two persons away from a billion. That’s how you’re connected and the things you do, they’re like dropping a stone in a pond, the ripples move outward and they affect things in ways that you can’t fully comprehend and it means that the things that you do and that you don’t do are far more important than you think.

هل التجارة الحرّة مفيدة للجميع؟ لماذا إذن تلجأ بعض الدول إلى الحمائية التجارية؟

هل التجارة الحرّة free trade مفيدة للجميع؟ مالمقصود بالحرّة تحديداً؟ و لماذا تلجأ بعض الدول إلى الحمائية التجارية protectionism؟ هل كان ترامب محقاً في قراره الاقتصادي بفرض تعريفات جمركية على الواردات من الصين؟

لماذا يمسّك هذا الموضوع؟
هل أنت مستهلك؟ هل اقتصاد دولتك، أو السوق التي تعمل فيها و تسترزق منها ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالسوق العالمية أو العملات الصعبة؟ إذن الموضوع يمسّك.

قبل أن تستهل بالقراءة، تمعّن النقاط التالية:

ـ المقال يتعمّق في بعض أصول الاقتصاد لكنه لا يخاطب المتخصصين.

ـ المقال يطرح نظريات اقتصادية و يعلّق عليها. النظريات دققها صديق ماجستير في الاقتصاد في جامعة مونستر في المانيا و أنا أثق به، كما أني مطمئن إلى حد كبير من المصادر التي استندت عليها.

مصطلحات مهمة تحتاجها لفهم المقال:

الاقتصاد الحر مصطلح لابد من أن تطّلع عليه إن كنت مهتماً بالسياسة و الاقتصاد. ببساطة هو أن تترك الدولة الأسواق تضبط نفسها بنفسها. نظرياً، تفاعل العرض و الطلب في السوق هو حجر أساس هذا النظام و هو الذي يتحكّم بالأسعار، فضلاً عن المنافسة الحرّة التي تلعب دوراً مهماً في التحكم بالأسعار و تحرّرها من أي قيود يمكن للدولة أن تستخدمها.
لنفترض أنك المستهلك و أنا البائع. أنا أطلب و أنت تمدّني بالمنتوج، أنا أنتج العدد المطلوب في الشهر و أنت تستهلك العدد اللازم. عدم وجود قيود سيسمح بظهور منافسين في الإنتاج و تنوّع في السلع، الشيئ الذي يوفّر المنتوج بأفضل جودة ممكنة و بأسعار منخفضة أو مناسبة. إلى هنا قد تروق لك الفكرة.

المشكلة أن المستهلك و المنتج هما من البشر. لهما دوافع، مصالح، أهداف و هما أيضاً معرّضان للطمع و الجشع و الهيمنة. الشيئ الذي قد يسمح بالسيطرة على بعض القطاعات و التحكمّ بأسعارها (الاحتكار)، إضافة إلى ازدياد حجم النشاط الاقتصادي في فترة معيّنة و تقلّصه و ركوده في فترة أخرى. هذا مقلق لأنه سيسبّب تقلباً اقتصادياً و ربما زيادة في البطالة. طبعاً لابد من مراعاة النضج المؤسساتي في السوق. فهو يتفاوت بين دولة و أخرى.

على عكس التجارة الحرّة، تتدخّل الدولة بشكل مباشر في تقييد السوق و التجارة بين الدول من خلال رفع الرسوم الجمركية على السلع المستوردة [كما فرض مؤخراً الرئيس الأمريكي ترامب حزمة جديدة من التعريفات الجمركية على الواردات من الصين]، و تحديد كمياتها، و الحصص التقييدية.

مالذي تريده الحكومة من ذلك؟ نظرياً و بعيداً عن الدوافع السياسية الأخرى، تهدف هذه الضوابط إلى تثبيط الواردات، دعم الاقتصاد المحلّي و منع المستثمرين الأجانب من الاستيلاء على الأسواق و الشركات المحلّية. أي أن الدولة تشجّع على استهلاك المنتوجات المحلّية [لذلك دورك أنت مهم أيضاً]. مثلاً، تستطيع أن تشتري الألبان المحلّية الصنع بدل المنتوج الأجنبي، لأنك بالتالي ستدعم المزارعين و سوق الحليب المحلّية و تساهم في زيادة الطلب على المنتوج المحلّي مقارنة بالمنتوج الأجنبي.

الصعوبة التي قد تواجهها كمستهلك هو الفارق في الجودة! إضافةً إلى غلاء أسعار المنتوج الأجنبي بشكل كبير نسبة إلى الرسوم الجمركية العالية.

سياسات الدول يحكمها التنوّع و طبيعة الحكومات المتناوبة التي بدورها تتباين في التوجّه [لبرالي أو محافظ]، و أيضاً المعاهدات الثنائية و الدولية و المصالح السياسية و النفوذ. لذلك ستجد أكثر الدول تحاول التوفيق بين المذهبين و بمراحل متباينة.

فالتاريخ الاقتصادي للدوّل التي تتبنى فلسفة مؤيّدة للعولمة و الاقتصاد الحر يشهد لسياساتها الحمائية أبان نشوءها، و العكس بالنسبة إلى الدول المناهضة للعولمة و التي سبق و أن استخدمت التجارة الحرّة كوسيلة لتسويق المنتوج المحلي و الهيمنة الاقتصادية و الاستعمارية.

سأسلّط الضوء على الدول الاقتصادية الأكبر و الأقدم منذ القرن التاسع عشر و حتى اليوم. قبل ذلك، اعلم أن المتخصص يقسّم الاقتصاد بشكل عام إلى فرعيه الأساسيين: الاقتصاد الكلّي و الاقتصاد الجزئي.

مهم أن تفهم الفرق بين الفرعين: في الكلّي ينظر الاقتصادي إلى حجم الفرس، نمو شعره، عضلات جسمه و سرعته. في الجزئي يتمعّن في خلايا جسمه تحت المجهر: كيف تتفاعل مع بعضها البعض، و ما تأثيرها على محيطها و نمو أو موت أعداد أخرى؟

على الجانب الكلّي: هل ارتفع إجمالي الإنتاج في الولايات المتحدة أو قلّت نسبة البطالة؟ أما على الجانب الجزئي، لنفترض أنني أريد أن أفهم سر نجاح جهاز الأيفون. هنالك عدة أسباب ممكنة، و قد تتشابك أحياناً في التعقيد. لذلك نبدأ من الجانب البسيط الجزئي: من المستهلك؟ مالذي يشدّه في هذه التقنية؟ ما هي علاقته مع البائع [شركة أبل]؟ ما هي صفات الجهاز و ماهي موارده؟ ما هي نسبة المبيعات مقارنةً مع الطلب في السوق؟ هل تزداد كمية الإنتاج رغم زيادة السعر؟ [و هذا ما يفسّر سر نجاح سلسلة الـ iPhone]. و لو ازداد الإنتاج، هل سنلاحظ ذلك على اجمالي الاقتصاد الأمريكي الكلّي مثلاً؟ فقط مثال لتوضيح الفكرة.

ًٌٍَُّ

يهمني أن تعي التالي:
قراراتك الاستهلاكية ـ رغم بساطتها ـ تلعب دوراً في دعم أو إهمال الصناعة المحلّية و تكاسلها. أنت كفرد مستهلك و تريد أن تساهم و تعلب دوراً في المجتمع، لابد من أن تمعّن النظر في سلوكياتك الاستهلاكية و تضع في الحسبان أنك ستساهم بشكل أو بآخر في رسم ملامح السوق. بالطبع هذا التأثير يتمخّض عن مجموع سلوكيات الأفراد في المجتمع. تلك السلوكيات، سواء كانت عقلانية أو غير عقلانية، يمكن التنبّأ بها أو تتبّع أنماطها على المديين القريب و البعيد.

برأيك، عندما تشتري أنت جهاز الأيفون الحديث، ألن تساهم في تعزيز الطلب في السوق؟ و بالتالي استمرار أو زيادة السعر؟ و ربما ستحتاج شركة أبل لتوسيع عدد العمّال في مصانعها، و بالتالي تساهم في التقليل من البطالة الإجمالية و تضيف إلى حجم الإنتاج الكلّي للدولة؟ ربما..

الآن وقد مررنا على فرعي الاقتصاد و مذهبي التجارة الحرّة و السياسة الحمائية، لابد من التذكير بأن العالم الذي نعيش فيه متعدد العوامل و أكثر تعقيداً من التقسيمات التي تطرّقت إليها.

السياسة الحمائية تاريخياً هي في الحقيقة قاعدة قبل أن تكون استثناءً في سياق الاستراتيجيات الاقتصادية. كيف، و على ماذا أستند؟

منذ نهاية القرن السابع عشر و مع توسّع نطاق الثورة الصناعية، حتى الحرب العالمية الثانية، كانت السياسات الحمائية هي السائدة، خصوصاً في ظل هيمنة الفكر القومي على أنظمة الدولة آنذاك.

بما أننا تطرّقنا إلى الثورة الصناعية، دعنا نبدأ من معقلها، المملكة المتّحدة.

في القرن الـ 17 في عام 1815 تحديداً شعرت بريطانيا أنها بحاجة إلى فرض تعريفات جمركية على واردات الحبوب لحماية الاقتصاد المحلّي، حيث حظرت استيراد الحبوب تماماً إذا كان السعر أقل من 80 شلن للربع Quarter [تقريباً ٥٠٠ باوند]، بمجرّد تجاوز السعر هذا الحد، يعفى من الرسوم الجمركية. أي أن بريطانيا حافظت على انتاج الحبوب المحلّي من الأسواق الخارجية لما يقارب الـ ١٥ عاماً. بعد أن تراجعت معدّلات النسبة مع ارتفاع الأسعار، فقدت أهميتها، مما مهّد لـ تأسيس رابطة مكافحة قانون الذرة (الحبوب) في ثلاثينيات القرن التاسع عشر في مانشستر من قبل العديد من المصنّعين و التجّار. هدف الرابطة كان إلغاء قوانين الذرة في و تحديداً عن طريق البرلمان.

لوحة لـرابطة مكافحة قانون الذرة في لندن

عندما تم تعديل تعريفات الحبوب في عام 1842 بتخفيضات طفيفة فقط، استمر التحريض من مؤيّدي التجارة الحرّة بقوة أكبر. حيث استضافت الرابطة أكثر من 200 تجمّع كبير و وزّعت مئات الآلاف من الكتيّبات لصالح التجارة الحرّة. من هنا بدأ الصارع بين مؤيدي التجارة الحرة و مناهضيها يأخذ مناحٍ جديدة.

بعدها بأربع سنوات تمّ إبطال قوانين الحبوب، بعد أن لعبت دوراً تاريخياً للحدّ من واردات القمح الأجنبي وضمان ارتفاع دخل المزارعين البريطانيين على مدى ثلاثة عقود من الزمن.

نستنتج أنها سياسة مؤقّتة و لا تتحمل التمادي لتجنّب التقوقع الاقتصادي. هنالك أمثلة لاحقة تشهد على ذلك.

طبعاً بريطانيا لم تكتفي بهذا فقط، بل فرضت الرسوم الجمركية على العديد من السلع المصنّعة و المهددّة بالمنافسة الأجنبية و علاوة على ذلك، فإن النزعة الحمائية ظلّت قائمة، على الرغم من معاهدة التجارة الحرّة الموقّعة بين فرنسا و المملكة المتحدة سنة 1860.

الظروف في فرنسا لم تختلف عن نظريتها، حيث كانت الزراعة الوطنية خاضعة للحماية أيضاً، حيث وصلت التعريفات من 5% إلى 20% على المنتجات الزراعية المستوردة.

الفائض تم تصديره إلى غرب أوربا و بالتالي تعزيز انخفاض الأسعار إقليمياً. خطة ذكية!

المانيا كذلك لم تتمكن من تفادي الحمائية. فمنذ عام 1873 و المانيا الرايخ الأوّل [عصر بسمارك] تشهد سنواتها الأولى بعد التأسيس و تعاني من أزمات عدة، كان أحدها هبوط حاد في أسعار المنتجات الزراعية و الصناعية – التي ارتقعت بسبب الازدهار الاقتصادي منذ خمسينات القرن التاسع عشر. لذلك، في عام 1879، أدخلت حكومة الرايخ تعريفات حمائية على المنتجات الزراعية و الصناعية الأجنبية: تعريفات هدفها أن تحابي الاقتصاد الألماني و تساعد على استقرار الأسعار. و بالتالي لن تتمكن السلع الأجنبية الغالية ـ بفضل التعريفات ـ من منافسة المنتجات الأقل تكلفة من داخل ألمانيا.

لوحات المانية من عصر بسمارك توثّق نتائج السياسة الحمائية الإيجابية

لكن المانيا، انجلتر و فرنسا ليسوا وحدهم على سطح الكوكب. ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر دخلت الولايات المتحدة، روسيا و الأرجنتين في السوق بقوة من خلال منتجات زراعية بأسعار منخفضة نسبياً. تم تصدير الفوائض المتولّدة إلى دول أوروبا الغربية، مما ساهم في تخفيض الأسعار.

كيف تمكّنت الولايات المتحدة من التفوّق و اجتياح أوربا اقتصادياً؟
الإنتاج الأرخص في الولايات المتحدة سببه استغلال المناطق الغربية من الأرض الجديدة و تنمية الأراضي الشاسعة الصالحة للزراعة، و التي كانت أرخص بكثير من استغلال الزراعية في ألمانيا ـ الولايات المتحدة أكبر بحوالي 26 مرة من ناحية المساحة!

مقارنة بين مساحة المانيا و الولايات المتحدة

في الوقت نفسه، ساهمت المكائن الجديدة للإنتاج الزراعي و كذلك التوسّع السريع في تعبيد طرق السكك الحديدية الأمريكية في انخفاض تكاليف النقل و الشحن بشكل كبير، مما أثر بشكل مباشر على أسعار المنتجات الزراعية و سمح بانخفاضها.

كأمر واقع، هيمنت الولايات المتحدة على السوق و أصبحت قادرة على تصدير سلعها الزراعية بشكل كبير و رخيص حتى في أوربا. و كما يمكنك أن تتوقعّ، حال المنتجات الزراعية الأوربية لم يعد مستقراً، فلا هم قادرون على تصدير فائضهم ـ لأن السلع الأرخص تزاحمهم في السوق العالمية ـ و لا هم في موقف يسمح لهم بفتح السوق للمنتوج الأجنبي، لأنه سيعني الإنهيار المحلّي.

بعض خبراء الاقتصاد يستخدمون مصطلح “الصدمة الاقتصادية” لوصف حالة السوق المحلية بعد العجز أمام السلع الأجنبية.

و ربّما لأنها كانت أحد الحلول الطبيعية و الطويلة على الصدمات الاقتصادية، ظهرت الحمائية أيضاً كجواب واضح على الأزمة التي ضربت الاقتصاد العالمي في أعقاب حادث تحطّم وول ستريت في نهاية عشرينات القرن الماضي. حيث لجأت الحكومات فيما بعد إلى زيادة التعريفات الجمركية وحظر بعض المنتجات و غيرها من الأدوات والمعاملات النقدية، للسيطرة على الأزمات المحلية.

المشكلة هي أن السوق العالمية متشابكة بشكل كبير و معتمدة على كل الأطراف.

حتى السياسة المحلّية كانت رهن التقلّبات الاقتصادية، كما حُتِم على مصير جمهورية ڤايمار الألمانية الانهيار بعد أن تجاوزت البطالة النصف و ارتفع التضخّم المالي بشكل شل الاقتصاد الداخلي و أنهك الدولة. إضافة إلى أن فرض تعريفات جمركية لن يقتصر على طرف فحسب. كل دولة ستحاول حماية قطاعاتها الصناعية المحلية، و بالتالي لا يمكن سوى أن نستنتج تراجع التجارة الدولية من تصدير و استيراد. و هذا ما تثبته الأرقام آنذاك. حيث انخفض حجمها بنسبة 40% بين 1929 و1932 وخلافًا للاعتقاد السائد، فلم تختفِ الحمائية بعد عام 1945، حيث وقّع 23 بلداً اتفاقاً عاماً حول التعريفات الجمركية و التجارية، يهدف إلى تخفيض التعريفات و الحفاظ على حجم التجارة الدولية. في الصورة التالية خارطة تبيّن حجم التبادل الاقتصادي العالمي. مثلاً حجم التبادل بين روسيا و الاتحاد الأوربي يفوق الـ 407 مليار دولار سنوياً، و ما يعادل 2,2% من حجم التبادل التجاري العالمي.

حجم الاقتصاد العالمي

من هنا نلاحظ كيف أن الدول لم تعد في موقف يسمح لها بفرض تعريفات دون ضوابط أو دون ثمن مقابل أو خسارة حليف اقتصادي أو نشوب حرب اقتصادية بشكل من الأشكال.

الدول العربية في هذا الوقت تمثّل ساحة حرب و مصدر للموارد الرئيسية للصناعة، أهمها البترول بالتأكيد.

كيف احتوى العالم الصناعي الجديد هذه المشكلة؟

واقع الحال الجديد مهّد لتأسيس منظمة التجارة العالمية، لتضمن انسياب التبادل التجاري بأكبر قدر من السلاسة و إيجاد وضع تنافسي دولي يعتمد على الكفاءة الاقتصادية في تخصص الموارد. عملياً، هي المنظمة العالمية الوحيدة المختصة بالقوانين الدولية المعنية بالتجارة ما بين الدول. تضم 164 دولة و هدفها الرئيسي تقليص الحواجز الحمائية القائمة في وجه التجارة إلى حد أكبر، و تستخدم الدول نظام تسوية النزاعات في منظمة التجارة العالمية من أجل التطبيق القسري لهذه الاتفاقات و الأنظمة. كما تتأكد من مباشرة الأعضاء الجدد بالالتزام بالتخلص من النظام الحمائي.

و عليه، فالدولة الحديثة أمام خيارين: الالتزام بقوانين المنظّمة لكي تنفتح على السوق عالمياً، أو (في حالة عدم انتمائها للمنظّمة) تلجأ إلى المعاهدات الثنائية أو التحالفات على المستوى القاري، كـ نافتا (NAFTA) اتفاقية التجارة الحرّة لأمريكا الشمالية بين الولايات المتحدة، كندا و المكسيك.

حتى مع وجود قواعد أو أنظمة تجارية واضحة، من المحتمل أن تبرز ضغوط حمائية ضمن الخلافات حول ما إذا كانت إجراءات معينة تنتهك القواعد المتفق عليها، كما هو الحال مع قرار ترامب الأخير بفرض تعريفات على سلع الصين المستوردة من الحديد و الألمينيوم. الاتحاد الأوربي كان أول المعترضين قبل أن يستثنيه ترامب، مع أن الاتحاد الأوربي نفسه يمارس سياسات حمائية مثيرة للجدل. سأتطرّق إليها في لاحقاً.

لك أن تتخيّل أنه منذ العام 1995، رفعت أكثر من 55 دولة قضايا ضد دول أخرى، و تم تشكيل أكثر من 120 هيئة لتسوية النزاعات (كما قرأت على موقع المنظّمة) و نظراً لأن العملية تبدأ بمشاورات إلزامية، تم التوصل إلى تسوية مئات من النزاعات.

النزاع الأكبر و الأحدث هو بين أكبر اقتصادين عالميين: الولايات المتحدة و الصين.

في مطلع 2018 وقع الرئيس الأمريكي مذكرّة رئاسية تفرض حزمة جديدة من التعريفات الجمركية على الواردات من الصين ـ قد تصل قيمتها الى نحو 60 مليار دولار، و تحديد الاستثمارات فيها رداً على ما تراه واشنطن سنوات من “انتهاك الملكية الفكرية و سرقة التكنولوجيا من الشركات الأمريكية”. من غير تضييق الخناق على ملكية الشركات الأمريكية في الصين.

المثير أن حجم التبادل الاقتصادي بين الولايات و الصين هائل جداً و يصل لـ 570 مليار دولار سنوياً! و الاقتصادان مرتبطان بشكل وثيق. المشكلة أن الصين تراوغ فعلاً على مستوى الحقوق الفكرية و الملكية، أو كما يقول صديق لي “الصين اليوم ترفع لواء الحرب الاقتصادية”.

الشركات الأمريكية الكبرى و الصغيرة أيضاً، تتفادى الشكوى على الصين عند منظمة التجارة العلمية عند تعرّضها لعرقلات أو مضايقات أو انتهاك لحقوق ملكية، لأنها ستجازف اقتصادياً أو تتعرّض لمضايقات قد تصيبها بخسائر فادحة، كونها مرتبطة بالأيدي العاملة الصينية الرخيصة و المصانع الكبيرة.

قد يتخذ دونالد ترامب خطوات رمزية في الأجل القصير، مثل إدخال ضرائب جديدة على المنتجات الصينية والمكسيكية أو تدابير مكافحة الإغراق لكن على المدى الطويل، سيتوجب عليه المناورة و تخفيض التعريفات لأنها قد تسبب ضرراً كبيراً للمستهلكين الأمريكيين و للشركات الصناعية الكبرى. سياسة ترامب و إن تعرّضت لانتقادات كبيرة، خصوصاً على المستوى الأوربي، إلا أنها خطوة صحيحة سياسياً و اقتصادياً و بالطبع تكوي في طيّاتها المجازفة و تصعيد الحرب الاقتصادية، مع أن الحرب موجودة منذ مئات السنين.

لكي تفهم السياسة التجارية للدول بشكل أكثر دقة، دعنا نستخدام نظرية الألعاب (Game theory):

الأرقام في الجدول تشير إلى مدى الفائدة التي يتلقّاها اللاعب المعني [الدولة].

الوضع في الزاوية العليا اليمنى [10/10] من الجدول يُفهَم على أن الولايات المتحدة و الصين هما رابحان دون أي خاسر، أي win-win. في أعلى يسار الجدول [10-/ 20] ، تجد الوضع يختلف عندما تتصرّف الصين بشكل حمائي تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ستكسب الصين ضعف الربح و ستخسر أمريكا كل الربح. أما بالنسبة إلى أسفل اليمين [20 /10-] فهذا هو العكس . في أسفل اليسار، فالاثنتان خاسرتان lose-lose.

التبادل وفق التجارة الحرّة يؤدي إلى فائدة 10 لكل من البلدين. حينها يستفيدان من تقسيم العمل في هذه الحالة، و بالتالي يكون لكل منهما فائدة إيجابية إذا كان كل بلد ينتج ما له من مزايا في الإنتاج. في هذه الحالة، ستتعرّض شركات الدولتين للضغط التنافسي من الخارج، و نتيجة لذلك يكون مصير عديد من الشركات الضعيفة على المدى الطويل الإغلاق. إضافة إلى ذلك، يشترط أن لا تحصل سرقة للملكية الفكرية.

أما إذا تصرّف بلد ما على أساس الحمائية بينما يتبع الآخر التجارة الحرّة، فإن البلد الذي يفرض تعريفات سيحصل على فوائد هائلة. يتم التعبير عن هذه في 20 وحدة منافع. تستطيع الدولة الحمائية حماية شركاتها من المنافسة الأجنبية، في حين أن الدولة الأخرى معرّضة بالكامل للضغط التنافسي من الخارج، و هو ما ينعكس في شكل خسائر -10.

لو طبقّتا الولايات المتحدة و الصين السياسة الحمائية معاً، فإن النتيجة هي الضرر لكلا البلدين، فبدلاً من التعاون، سيسعى الجميع لمصلحتهم الخاصة و لشركاتهم و يحاول طرف ما الضرر بالاقتصاد الأجنبي الآخر.

في كثير من الأحيان تكون الصراعات السياسية مسؤولة عن تخلّي الدول عن حالة تجارة حرّة / تجارة حرّة من أجل إلحاق الضرر بالدولة الأخرى. و مع ذلك، فإن مجموعة التدابير الحمائية من جانب واحد عادة ما تؤدي إلى اتخاذ تدابير مضادة.

السياسة لعبة أكثر تعقيداً مما يظن البعض و تحتاج إلى متخصصين اقتصاديين و رجال سياسة حذقين. هذه أحد مشاكل الحكومات الكبيرة المنتخبة: الناخب لا يفهم في التفاصيل و يصر رغم ذلك على “حقه” في تقرير مصير الدولة: ثمار ما بعد الحداثة.

***
موضوع هذا المقال يشغل الكثير، من ضمنهم أصدقاء عرب مطّلعين سألتهم عن رأيهم حول الموضوع:
الصديق حسام الدين محمد يكتب: “بعالم مثالي، الـ protectionism هي عدو الاقتصاد السليم. لكن بعالم معقد ومتعدد العوامل احيانا تحتاج الدولة لفرض حماية لاهداف سياسية. الترويج لها كحل اقتصادي هو كذب على الشعوب. الاقتصاد الحر هو مصطلح مثالي بعالم اناركي يعتمد على فرضية الطيبة عند الناس والمنطق المجرد من عشوائية التفكير البشري ولهذا هي نظرية فاشلة مثل الشيوعية او التخطيط المركزي.”

الصديق رعد طالب يعلّق: “القاعدة الاولى باعتقادي هي: احمِ نفسك ومواردك خصوصا ان كنت قوياً بما فيه الكفاية لرد الاعتداء، بعد ذلك تفاوض على تعظيم مواردك من خلال الانفتاح على الاخرين والاستفادة من خبراتهم وتبادل المنفعة . بعد ذلك، كلما كان الانفتاح اكثر فائدة لك واكثر ميلا لاستقرارك ورفاهيتك ورفاهية قومك، استعمله اذن . عندما تستشعر الخطر، وان هناك من يريد استغلال انفتاحك عُد مرة اخرى للحمائية حتى لو اضطرك ذلك للقتال “اجعل القتال اخر اساليبك وحاول ان يكون محدودا حتى لا يستنزف قدراتك ومواردك”، عندما يزول الخطر مرة اخرى عُد للانفتاح.”

أحمد محمود من مصر يكتب: “بعض الناس يهيمن عليهم ما هو إقتصادي على ما هو سياسي، و ما هو أخلاقي، و ديني. ينبغي أن تهدف السياسة الإقتصادية للدولة إلى الإكتفاء و التحكم الذاتي Autarchy، أن تزود إحتياجاتها و رغباتها الصحية دون الإعتماد على التجارة الحرة مع البلدان الأخرى قدر الإمكان. كما يتجنب الإنسان السليم الأكل و الشرب المفرط أو الغير صحي و يمارس الرياضة بإنتظام. فإن الأمة السليمة تمنح إمتيازا للإستقلال و التعاون و الروح المعنوية الحربية على الرخاء الإقتصادي الخالص والإستهلاك من جهة، أو على تخطيط إقتصادي مركزي خاضع للسيطرة الكاملة من جهة اخرى”.

ما رأيك أنت؟