المجتمع، المجموعة، العائلة ـ مهمتنا كجيل العصر أن “نحافظ” على هذه المعادلة

هذه المعادلة هي منبع هويتك كإنسان اجتماعي. افهم أصولها بشكل دقيق، كي لا تصبح فريسة لتيارات ما بعد الحداثة، فتلك تحاول إعادة صياغتها بشكل مخيف ناكرة عمقها البايولوجي و التاريخي. الثمن الذي قد ندفعه من ذلك سيكون باهضاً، و أتمنى أن لا تكون جزءاً من هذه الحملة.


عندما نناقش أصول المجتمعات و الثقافات التي ترسم الهوية التي يتبناها الفرد، لابد من مناقشة مفهوم الهوية و ضرورته في كل عصر. أوربا الحديثة تصارع في تجاوز هذا المفهوم دون جدوى. من حسن الحظ.

لكي نستوعب هذا المفهوم [الهوية] من جوانبه العاطفية، الاجتماعية و البايولوجية، فمن الأمثل تفكيكه و إعادة ترتيبه بتفصيل في السطور التالية:

الهوية هي محصّلة لعوامل و ظروف تحتضن الفرد في فراغ ما و تعزله عن آخر. و عليه سأعود إلى العوامل هذه التي تسبق بروز الهوية: المجتمع، المجموعة، العائلة. قبل البحث في هذه، دعني أمضي في طريقي للعودة إلى أسباب بروز هذه العوامل أصلاً.

أحد الأسباب التي تدفع الفرد إلى الاندماج في شكل تجمّعات أو عائلة هو الخوف من الأفراد الآخرين، الحاجة الملحّة للأمن، كما يؤكّد عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو. وفقاً لفرضيته الهرمية التي يعرفها بعضكم و المتجلّية عن محاولة لصياغة نسقاً مترابطاً يفسّر من خلاله طبيعة الدوافع أو الحاجات التي تحوك السلوك الإنساني، يفترض ماسلو أن الحاجات أو الدوافع الإنسانية تنتظم بشكل متصاعد هرمي من حيث الأولوية. إشباع الحاجات الأكثر أولوية و التي تخدم البقاء البيولوجي ستحل في المركز الأول.

حيث أنه ليس من المستغرب أن تكون أول الحاجات الفسيولوجية مثل الجوع، العطش، تجنب الألم، و الجنس هي الأولويات الأساسية لحيوان ذكي ينافس من أجل البقاء.

لكن الملفت و المفهوم في نفس الوقت، هو أن الحاجة الثانية تتجلّى في الأمن. الحاجة المتعلّقة بالحفاظ على الحالة الراهنة، و ضمان نوع من النظام و الأمان المادي و المعنوي، مثل الحاجة إلى الإحساس بالأمن. لأن الأمن يعزز فرص البقاء و بالأخص الاعتماد على مصدر مشبّع للحاجات. أي تهديد لهذه الحاجة الأمنية و لهذا النظام يمكن أن يتبدّى في شكل مخاوف مثل الخوف من المجهول، الغموض و الفوضى. عالم النفسـ تطوّري إيرينيوس آيب أيبينفيلت يوضّح ان الأطفال الرضّع يبدأون منذ الشهر السادس بالتمييز بين الغرباء و الوجوه المألوفة (القرباء)، حيث ينمو الشعور بالرفض تجاه الغير مألوف و الذي يمكن أن يتصاعد إلى العنف. هذا التخوّف من الغريب لا يُفهم كنتيجة لتجارب سلبية للطفل مع أشخاص غرباء، بقدر كونه مزيجاً متردداً يجمع بين فضول الطفل تجاه العالم الخارجي و بين حنان الأم إلى الأمان الأبوي.

المحلل النفساني و الباحث في مجال الخوف، فريدرش هاكر يصف الخوف من الخوف نفسه كواحد من أهم أسباب العنف. من باب آخر، يتفق علماء الاجتماع على أن الخوف يمكن تفريغه أرضياً و التخلّص منه عند تواجد الفرد بين مجموعة، أو داخل مجتمع. حيث أظهرت العديد من التجارب التي أجريت على إثنيات متعددة، أن الأشخاص المفزوعين يبحثون عن آخرين يشاطروهم التجربة، مما يخفف عنهم الأزمة النفسية و حالة الهلع.

هذه الحاجة إلى الأمان دفعت بالفرد إلى البحث عن هوية “الحامي” و صقلها. لذلك تجد المجتمعات البدائية و حتى تلك التي عاشها الجنس البشري هي مجتمعات هرمية التشكيل، يمارس فيها الحامي دوره كقائد و مسؤول. و لأن نواة كل مجتمع هي العائلة، فـ نويّة كل عائلة، هي الأب و الأم. الأب يحميها و يدافع عنها و يتكفّل بالحاجتين الأساسيتين في هرم ماسلو: ١) الصيد، البحث عن مصادر الغذاء، العمل، كسب المال و توفير الغذاء بشكل أو بآخر، و ٢) أمان العائلة و حمايتها من المخاطر. بينما الأم هي مصدر الحنان، العاطفة، تلاحم العائلة، و نضوج الأطفال; دورها في الحقيقة أعمق و تبعاته أطول: فالمجتمع السليم في الجيل السليم.

هذه الأساسيات استوعبها الكثير من الفلاسفة الإغريق و الأسيوين، ففي الفلسفة الرواقية مثلاً، تجد أن الإنسان الصالح و المتكامل، هو ذلك الذي يؤدّي دوره في هذا الكون على أكمل وجه و يدرك مكانه في المجتمع أو النظام. فالأب يتحمّل مسؤولية عائلته، و القائد مسؤولية رعيّته و الطبيب مسؤولية مرضاه و إلخ.

كما أن البشر بحاجة لشخصيات مثالية التوجّه، تلعب دور القدوة و الرفيق المنير لسبيل الارتقاء و النضوج. فالأطفال في المجموعات يقتبسون غالباً الصفات البارزة من الأشخاص الأكثر تأثيراً في محيطهم، و بالتالي دور القدوة و التسلسل الهرمي هو نظام نجح على مر التاريخ في تمرير الميمات الثقافية المهمة و الضرورية للحفاظ على التقاليد المفيدة. من هنا يأتي تعريف الفكر المحافظ: أن تحافظ على الحضارة و حكمة الأجداد.