حجم التنافس العالمي لا يرحم! لماذا لست مع التعليم المجاني؟

التعليم، ثم التعليم و ثم التعليم:

أعلم، الموضوع ممل، لكن، و هنا أريد منك التأني: هناك دراسات ونظريات مختلفة في بناء الإنسان للوصول إلى دولة قوية، و كل نظرية لها أبعاد و نتائج مختلفة. البعض ينجح و الآخر يفشل. هنا أريد باختزال توضيح الأمور ببساطة.

قد تعمد الدولة إلى بناء إنسان وفق استراتيجية تقوية جوانبه العسكرية و الاجتماعية دون المجالات الأخرى. السؤال اللاحق سيكون: مالثمن الذي سندفعه نحن أو الأجيال اللاحقة من إهمالنا للجوانب الأخرى؟

مالفائدة من دولة قوية عسكرياً، لكنها تستنزف كافة الثمار الاقتصادية و طاقاتها البشرية؟ كلها عقود و نجد هذه الدولة تنهار و تتردى أوضاعها.

الآن طبّق نفس الشيء مع الاقتصاد. دولة قوية اقتصادياً غير أنها موضع أطماع من الآخرين، خصوصاً و أن موقعها الجغرافي حرج و محاط بدول لا ترغب بنموها اقتصادياً. دون تحصين هذه المجتمعات، ستصبح بذلك فريسة سهلة و مهددة بالانهيار أيضاً، أو تجدها عاجزة عن النهوض اقتصادياً رغم مواردها الهائلة؛ العراق خير مثال على ما أقول.

إذن، ما هو السبيل وأي استراتيجية نحتاج لنشيّد دولة قوية متقدمة و مزدهرة؟

اسأل نفسك، أو أي خبير اقتصادي: ما هي أهم ثروة انتاجية للبلاد؟

الجواب هو عقول البلد الذكية و المنتجة، لأنها لا تعتمد على العدد، بل على النوعية. ثلة من جهابذة عصرهم يمكن أن ينهضوا بحضارة من جديد. التاريخ وحده يشهد على ذلك. إذن من المفهوم أن نستثمر هنا أولاً قبل كل شيء، صحيح؟

لا تحتاج لأن تكون ملمّاً بقوانين الاقتصاد و السياسة لتفهم دور النظام التعليمي في الارتقاء بالمجتمعات: بعيداً عن سفسطة الكلام:

التعليم القوي ينهض بالأجيال، خصوصاً الصغار، لأن عقولهم مرنة و إمكانياتهم أكبر. و هذا أبسط مثال عن استثمار طويل الأمد لمال الدولة في الأجيال القادمة.

نقطة جوهرية أخرى: طاقات الدول النامية محدودة، و بالأخص الأموال. الجامعات لاتواكب متطلّبات العصر من ناحية التجهيز و لا المصادر و لا التحديث المعلوماتي. كيف إذن تنافس على مستوى عالمي؟

حجم التنافس على المستوى العالمي مخيف: لاحظ هنا حجم الإنفاق الحكومي على البحوث و التعليم لبعض الدول مقارنةً بأخرى:

الولايات المتحدة مثلاً تنفق أكثر من 476 مليار دولار في السنة، مصر حوالي ٦ مليار، بينما العراق: ها ها ها 206 مليون دولار.

نسبة إنفاق الدول على قطّاع التعليم بالدولار

بما أن طاقاتك المادية محدودة، فلابد من أن تنتقي الأفضل و الأجدر في مجتمعك عن طريق الاختبارات و تدعمهم عن طريق منح دراسية و بعثات إلى الخارج. الإنفاق الحكومي ليس ضئيلاً فقط، بل مخزي بشكل عجيب.

لذلك جامعاتك تحتاج لكل درهم يساهم في تجهيزها بما يواكب متطلّبات العصر التقنية، المصادر الكافية لتمويل الأبحاث العلمية، جلب الخبرات العالمية و الاستفادة منها و بما على الأقل يجعلها على مقربة، لا أقول على مستوى، بل على مقربة من مستوى العالم.

لاحظ هنا مستوى الدول العربية في الإنفاق على البحوث العلمية مقارنةً مع العالم:

http://uis.unesco.org/apps/visualisations/research-and-development-spending/

تخيّل أنك تنافس في بطولة كاس العالم، و تريد المنافسة، هل سترسل متطوعين هواة؟ أم أفضل فريق عندك؟ طبيعي أن الغالبية يلعب الكرة أو يشاهدها و من حقه اللعب، لكن عند المنافسة، لا ترسل هواة! لا ملاعبك تكفي و لا مدربيك خبراء و لا دورياتك المحلية قوية. جعل كل شيء مجاني سيزيد من الشلل و يفتح المجال للهواة و يهمّش المحترفين و الموهوبين.

إن كان بيدك القرار و أنت تقرا هذا النص: الموضوع ليس بذلك التعقيد؛ تريد الاستثمار في مستقبل البلاد؟ هذا أفضل مكان لترتقي بمستوى الجيل الحالي و تضمن القادم. المال يحرّك الجبال!