العربية مفيدة، العروبة مضرّة.

العربية مفيدة، العروبة مضرّة.

الحضارة تبدأ بعد التدوين، و الثقافة تنمو و تتطوّر عن طريق لغة مشتركة. و اللغة العربية جمعت و ارتقت بواقع المجتمعات في الهلال الخصيب، الجزيرة، مصر و المغرب على مراحل تاريخية متفاوتة أكثر مما نفعته “العروبة” كقومية جامعة.

هنالك فرق بينهما. فرق كبير!

النقاش حول “عروبة” فلان و نقاء سلالة آخر يستقطب الإشكاليات بطبيعته، بحكم المصادر التاريخية القليلة و الأدلّة اللغوية التي تربط تفرّع اللغة العربية عن الأصل الهندوأوربي، و تعدد النظريات التي يفترض بعضها نزوح الأقوام من محيط بحر قزوين، العراق و المناطق المجاورة إلى الجزيرة، و الأخرى التي تفترض هجرة من آثر الحياة قرب الأنهار في شكل أكثر تنظيماً على حياة البدو جنوب الحجاز.

العرب أنفسهم في السابق، حتى قبل الميلاد، كانوا عندما يتحدّثون عن منشئهم يقسّمون أنفسهم إلى أولاد عدنان و أولاد قحطان. لربما يتذكّر البعض الأغاني البعثية في أبان فترة حكم صدام حسين، كانت تتغنى بالعروبة و بأولاد عدنان و قحطان.

أولاد عدنان هم عرب الشمال، و عرب الجنوب، العرب العَارِبة، هم أولاد قحطان. بعض المصادر التاريخية تنقل عن روايات تصف عرب الشمال بالعرب المستعربة. و ربما لو عدنا تاريخياً، فتاريخ العرب يبدأ في الحضارة الجنوبية، يعني تقريباً ٨٠٠ سنة ق. م.، مع أن أقدم دليل على التدوين يعود للقرن الثاني ق.م.، كمثال سبأ و معين و غيرها، بينما حضارة الشمال، تدمر، الحضر و لاحقاً قريش و ما حولها؛ الأخيرة جاءت متأخرة، لكن لهجتها [اللغة التي أكتب بها هذه السطور] استمرت حتى اليوم.

مع ذلك، نحن كـمعاصرين “عرب” أو ناطقين، نتعامل مع واقع اللغة و العروبة من منظور مختلف.

فالعربية، كلغة و ثقافة، احتضنت الإسلام و جمعت الشعوب ثقافياً [التدوين] و دينياً من الهند و خراسان حتى الأندلس لمئات السنين. ليس من العجيب أن تنغرس ثقافات في أخرى و تمتص الجديد و المفيد. فالمصريون و شعوب الساحل الأفريقي الشمالي مثلاً ليسوا من عنصر عربي، لكنهم في الماضي قبلوا بالعربية عندما قبلوا بثقافة الإسلام و آثروا في أغلب المراحل التاريخية الوحدة على الانشقاق.

لذلك “العروبة” لم تكن هي الجامع من باب الوحدة في النسل، بل الثقافة العربية، و هذه أصلاً لما ارتقت في العصور الذهبية للعرب لولا انفتاحها على الأمصار و تمكّن المفكرين و العلماء من مختلف القوميات و الأصول أن يدرسوا، يكتبوا و يتواصلوا بالعربية.

كمثال، إبن سينا أصله عربي فارسي، عباس بن فرناس و إبن بطوطة أمازيغين الأصل، الفارابي من أصول تركية، كردية(؟)، و القائمة قد تطول.

ماجمعهم هو التواصل بالعربية، لا القومية.

لأن القومية العربية أو العروبة، تاريخها مليئ بالانتفاضات و الإقصاء.

يمكننا مثلاً التوقف عند تاريخ الشيعة و نزاعها مع السلطة الأموية العربية. النزاع سياسي أكثر من كونه دينياً: لأن عقيدة الشيعة السياسية تقوم على أساس أن الإمامة وراثية في أهل بيت الرسول، و هو مبدأ غريب على أصول الحكم في المنطقة و عند العرب بشكل عام. فالشيعة دعاة حق إلهي لا حق انتخابي. هذا يتصادم مع التفكير العربي القومي [بنو قريش] الذي كان سائداً آنذاك أن العرب المسلمين أولى بحكم أمة المسلمين في الأمصار، بدعوى أن النبي قرشي و أن العربية لغة القرآن ووو من التبرير الديني/سياسي.

و أظن أن هذا السبب الذي جعل بلاد فارس تستقطب الفكر الشيعي، بجانب القرب الجغرافي طبعاً. لكن لو تأمّلنا قليلاً: الولاة و الحكام الذين عيّنهم الخليفة العربي على الأمصار البعيدة كانوا في الغالب عرباً يحكمون أجانباً، إضافة إلى النزعة المتعالية لعرب الجزيرة تجاه المستعربين، كلها عوامل من الممكن أن تثير السخط عند أهل الأمصار. لربما لانعرف الكثير عن شعور الناس آنذاك، لكن هنالك اقتباسات مدوّنة تعطينا فكرة ما.

يقول إبن خلدون: “من الغريب الواقع أن حَمَلة العِلم في الملّة الإسلامية أكثرهم العجم، وليس في العرب حَمَلة علم لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية إلا في القليل النادر، وإن كان منهم العربي في نسبه فهو أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي”

و أراهن أنك حتى اليوم ستجد متوسّط العربي المسلم المعاصر يجادل أنه أفهم بالإسلام من أي أندنوسي أو باكستاني مسلم.

لكن تلك الصراعات، و إن ألقت بظلالها على مشاكل الواقع المعاصر السياسية، إلا أننا اليوم، و هذا مايهمني هنا، نوصَف من الشعوب الأخرى بالعرب! أي أن التعمّق في نقاء النسل هو مضيعة للوقا و إهدار للطاقات.

اللغة و الكتب و الثقافة العربية هي ما تجمعنا و حتى التاريخ بكل صراعاته، نكباته و أيامه الذهبية أيضاً.

و هنا مربط الفرس: العرب اليوم تائهون، مشتتون، و مايحتاجوه هو البحث عن مشتركات مفيدة، تجمع، لا تفرّق. تحترم التباين في مابينهم، تراعي كل دولة و واقعيها السياسي و الاجتماعي و توحّدهم في نفس الوقت. لسنا بحاجة لمشاريع ناصرية و بعثية، بل لمشاريع تنهض بالواقع، تبحث عن مشتركات و مقوّمات الرقي في التراث و تنظر للمستقبل.

بعيداً عن أي أدلجة: طاقة أكثر من ٣٠٠ مليون نسمة يشتركون في قاعدة معلوماتية أفضل من طاقة قليلة مختزلة في أديولوجيات محصورة.

يتبع..