في نقد العلموية ـ الطبيعيون الجدد

ميثولوجيا بروميثيوس

يهمني عزيزي القارئ، أن تعرف دوافع الكاتب قبل أن تستهل بالقراءة، لأن العنوان جريء بعض الشيء و قد يساء فهمه. و أنا لا أكتب كي يساء فهمي، بل لكي أوصّل للقارى فكرة ما. طالما فهمها بنقاء، سهل هضمها و التعامل معها بشكل نقدي.

العِلم نور، لا شك في ذلك. و في اكتسابه و ممارسته متعة يدركها من اهتم بظواهر الطبيعة و اطّلع على أسرارها و ما اكتشفناه و نكتشفه. لست هنا أهاجم العِلم؛ كيف و أنا نفسي أمارسه و مهنتي تدور حول مكاسبه؟

إنها الأيديولوجية خلف الإنسانية التبشيرية التي يتبناها البعض (على عكس رئيس الوزراء العراقي السابق، العبّادي، سأكشف لاحقاً من هم هؤلاء البعض) و التي توهم الإنسان أن للعِلم السلطة المطلقة في حسم كل ما يشغل جوارح الإنسان و أسئلته. هذه الأيديولوجية التي توهم الإنسان الحديث بأنه قادر على تجاوز قصوره الطبيعي و ترويض الطبيعة، هي ما أسميها العلموية.

النزعة العلموية الزاعمة أن العِلم وحده يكفي لمعالجة جميع مشاكل الإنسان، و أن حقوق الإنسان المعاصرة هي المحطّة الأخلاقية الأخيرة في قصة الإنسان، تدفع بي للعودة خطوة إلى الوراء لأفهم دوافع و تبعات هذا الاستنتاج.

هل العِلم و حقوق الإنسان التي أقرّها المنتصر بعد الحرب العالمية الثانية، هي فعلاً المزيج الساحر الختامي؟

هي ليست محاولة لإعادة سلطة الدين و تقويمها بعد أن خسرت احتكارها لسلطة المعرفة أمام العِلم، بل هي تذكير بأن العِلم ـ بجانب كونه أفضل أداة نملكها لرؤية العالم بأقرب صورة ممكنة إلى الواقع الموضوعي، هو أداة تطوّرية تخضع للطبيعة لا تترفّع عنها. النقطة الأخيرة تحديداً هي ادعاء قد يصدم البعض، سأحاول دعمه بحجج مقنعة. دورك كقارئ سيكون في تلقّي الفكرة و معالجتها و البحث عن الثغرات.

كما قلت، لايهمني التهكّم، بل النقاش.

النقطة الجوهرية الأخرى في المقال ستتمحور حول الإلحاد الجديد و قصوره في تقديم البديل المشبع لروح الإنسان الفضولية و الخائفة و ميوله كتيار فكري للوقوع في فخ الأدلجة بلباس العلموية.

هذا الادعاء وحده قد يحبط أو يغضب البعض. و هذا لابأس، طالما حافظت عزيز القارئ على فضولك في معرفة ما في جعبتي.

سأحاول أيضاً في هذا المقال أن أعرّف القارئ بالمفكّر الطبيعي كموقف فكري معاصر و متوزان، و كي يكون مرجعاً لما سأكتبه أو يكتبه غيري في المستقبل. هنالك مشتركات تجمع بعض المفكّرين الذين يحاولون الخروج من دوامة الصراع العقيم بين المذهبين الأبستمولوجيين، العقلاني و التجريبي، و يسعون لفهم قوانين الطبيعة و مجرى التاريخ دون تشنّجات مؤدلجة و دون تكرار الأخطاء السابقة لأسلافنا؛ أي قدر المستطاع بعقل منفتح على مستقبل مجهول و إدراك صريح بنقاط ضعف الإنسان و لاعقلانيته كواقع حال بجانب قدرته على تعقّل الأمور. أنا أسميهم الطبيعيون الجدد، لأنني بحاجة إلى تمييز فئة عن أخرى، و نحن كما تعرف، عزيزي القارئ، نجيد التمييز و تنوّع التسميات، و ربما قد لانحتاجه في المستقبل؛ لكن هذه المرة الحاجة وحدها هي الدافع خلف ذلك.

ما تشبعّ منه عقلي من التفكير العلمي هو الحذر في الطرح و الالتزام بالموضوعية قدر الإمكان، و إن كان ذلك عسيراً أحياناً، و قد أحس بشيء من القلق يساور بعض القـرّاء􏰂 إذا تـصـوّروا أن ما يـقـرأونه مناف لعقائدهم،􏰂 و لكنني أسارع فأذكّرهم أن عقل النقدي لا يخشى الأفكار المخالفة، بل يعتبرها امتحاناً لما يحسبه من عين الصواب. و عليه أدعوك لمشاطرتي بعض الأفكار هنا بعقل نقدي.

العِلم أداة

العِلم ممتع كأداة لاستكشاف غموض الكون الشاسع حولنا و هو شعور تستطيع أن تقرأه في عين الكثير من البشر الذين يقضون أياماً من حياتهم في مطالعة الكتب العلمية و متابعة الوثائقيات و النقاش حول نشأة الحياة؛ فضلاً عن الدخول في السياق العلمي المهني. و بغض النظر عن الفرضيات و النظريات العلمية المختلفة، هنالك حقيقة واحدة عن نشأة الحياة تبدو شبه مؤكدة􏰂 وهي أنها􏰂 أياً كان الـزمان والمكان الـلـذان حدثت فيهما،􏰂 لابد و أنها نشات قبل زمن طويل جداً􏰂 يعجز الإنسان البسيط على استيعابه أو تكوين أي فكرة واقعية عنه.

و مع إن خبرتنا الشخصية 􏰉تمتد إلى عشرات السنين إلى الماضي إلا أنها عرضة للنسيان. كم شخص برأيك يستطيع تذكّر شبابه و شعوره و الظروف حوله بشكل دقيق؟ كم دقيقة تستطيع ذاكرتك أن ترجع بك في الزمن إلى الوراء؟ منذ مائة عام كانت الأرض مأهولة بـأناس منهمكة􏰁 في أمورهم الخاصـة􏰂 يـأكلون ويـشربـون ويعشقون ويكسبون􏰂، كل منهم تشغله مشاكـلـه الخاصة. أغلبهم خرج تواً من صدمة الحرب العالمية الأولى. مشاكلهم آنذاك حتماً أشد من تلك التي نمر بها نحن اليوم. و هذا القصور في ذاكرة الإنسان يجعل منه حيواناً بحاجة لتوثيق أفكاره و استنتاجاته و نقلها عبر الأجيال.

لذلك لجأنا إلى التدوين لنحفظ خبرات السنين و كي لا نكرر الأخطاء مراراً و تكراراً. و هذا ما يعكسه تطوّر الحضارات البشرية من الرسوم على جدران الكهوف، إلى القصص و الروايات الشفوية و حتى اختراع الكتابة.

فالحاجة أم الاختراع، و الاختراع أداة لتجاوز قصور الإنسان. و العِلم ليس إلا أداة يستخدمها الإنسان لتجاوز قصوره. من استخدمها في طلب المعرفة و اكتساب الحكمة، أنار دربه أمامه، و من أراد به باطلاً، ظلم غيره و نفسه و صار ضحية لأدلجة تبيع نفس الوهم و البضاعة الدينية التي حاربها العِلم في البداية: أن الجنس البشري اليوم قادر على تخطّي كل عوائق الطبيعة و حدوده بفضل العِلم.

لماذا هذا التشاؤم؟

هو قراءة للواقع أكثر من كونه تشاؤماً. دعني أوضّح أكثر:

التطوّر

أتذكر عندما كنت مندفعاً بفضول و عطش معلوماتي في مطلع الـ ٢٠٠٩ نحو آخر الاكتشافات و المقالات العلمية التي أترجمها بشكل مختصر و أشاركها مع مجموعة من الأصدقاء في اليوتيوب و الفيسبوك. و كأن باب جنة المعلومات و الأخبار العلمية قد انفتح في وجهي فجأة. في الوقت الذي بدأت فيه بالتخلّص شيئاً فشيئاً من كاهل التراث الديني و إشباع الفراغ بالجديد، المبهر و المتتع: العِلم.

عندما تقرأ أننا بدأنا نتغلّب على أمراض و نحوّل علم الخيال إلى واقع، لا يسعني سوى أن أشاطر هذه المعلومة كنوع من الاحتفال و الأمل. و كأنها رغبة عميقة منغرسة في جذور الإنسان المعاصر بالتغلّب على ما فشل أمامه الإنسان السابق.

لا أخفي شغفي بالعلوم حتى اليوم، لكنني لست ذلك الشاب نفسه كما كان قبل عقد من الآن. فالحرب التي كنت أخوضها ضد قصص الخرافة و الدين لم تعد تشغلني كثيراً، بل صارت مملة؛ لربما في السابق كان العِلم أداة أستخدمها لتبرير هجومي على الماضي و تراثه الفكري. لم أمرّ وحدي من خلال هذا الطريق، و أظن أن بعض من يقرأ هذه السطور يعي جيداً ما أقول.

لا شك أن مانعرفه اليوم عن العالم حولنا، و إن كان تافهاً مقارنةً بالحجم الشاسع للكون، هو بحد ذاته مصدر للإلهام و التعجّب، بل و حتى التأمّل. فكرة الوجود و عمر الكون و احتمالية وجودنا على أرض هذا الكوكب كلها كافية لتنهك عقولنا في تصوّر الأسباب و الهدف وراءها. لن يختلف العلموي معي حول هذه النقطة. لكن الإنسانوية الجديدة، و هي ملجأ لكثير من العلمويين، و حتى منذ بداياتها في نهاية الألفية الثانية بعد الميلاد، سوّقت بإيمان و شغف لفكرة أن الإنسان من خلال العِلم سيتخلّص من هيمنة الطبيعة و يتحرر.

هنا اعتراضي: لو سلّمنا بنظرية داروين عن الانتخاب الطبيعي، فخلاص الإنسان هنا يتعارض معها.

كيف؟

العقل البشري يخدم غرضاً تطوّرياً جوهرياً: النجاح، البقاء، لا البحث عن الحقيقة و التحرر.

التفكير بشكل مخالف لهذه المعادلة يفترض أننا نختلف عن بقية الكائنات الذكية، و هذا الافتراض وحده لايصمد علمياً، و يكاد يضفي عليها في نفس الوقت طابعاً قدسياً.

التطوّر الدارويني لا يهتم بالحقيقة، و لا يحتاجها للبقاء و تمرير الجينات. على العكس، قد يقلل البحث عن الحقيقة من فرص بقائك على قيد الحياة.

ثم من قال أن الخداع أو التضليل، على عكس الحقيقة، ليس من ضمن السلوك الطبيعي؟

الغربان، على سبيل المثال، تمارس التضليل أحياناً من خلال التظاهر بدسّ الطعام في مخبأ ما بينما يدسّوه لاحقاً في مكان آخر كي لا يكشفه سرب غريب أو حيوان آخر.

دعك من الغراب، نحن أنفسنا البشر، أفضل من يجيد الخداع، خصوصاً مهارة خداع النفس. البعض يخدع نفسه كي يجيد خداع الآخرين. ماذا يقول ”أبو المثل‟؟: كذّب الكذبة و صدّقها.

الخداع سلوك نفسي و اجتماعي على مايبدو مهم. هذا ما يفسّره أيضاً بعض علماء النفس التطوّري، أي أن الصراع حول البقاء و المكانة و القرين المناسب، يفضّل من يتحلّى بقدرة جيدة على المراوغة من غيره.

تأمّل أنجح السياسيين في العالم و الأغنياء المشاهير؛ ها؟.. أظنك بدأت تفهم قصدي بشكل جيد.

لا أعتقد أن الحقيقة تمتاز بأفضلية تطوّرية على الخطأ، بل أحياناً العكس. فالانتخاب الطبيعي يفضل أحياناً الخطأ المفيد، الطفرة المفيدة.

الفكر السائد بأن الانتخاب الطبيعي يصطفي الأنظمة العصبية التي تعكس أدق صورة عن العالم حولها هو تصوّر ساذج للطبيعة. ففي خضمّ الحياة و فرص البقاء، لذة الحقيقة هي ترف، و أحياناً عائق.

الأكل، الشرب، النوم، الجنس، الجاه .. غرائز لن نتخلّى عنها برقاء الفكر و لا بتسامي الأخلاق. تهذيبها و ترويضها هذا بحث آخر. في إطار الممكن هو شيء يبعث الفضيلة في روح الإنسان و لا ضرر فيه، و هو ما تحث عليه بعض الفلسفات، كالرواقية مثلاً. من باب هي ترضخ لواقع الطبيعة الفسيولوجية، و من باب ثانٍ تجد فسحة لتهذيب الذات.

لا أخفيك أنني لم أعد قادراً على شراء سلعة أن العِلم سيستخدم لإنقاذ البشرية من لاعقلانيتها و غرائزها. كما لا أظن أن هدف العلِم الأول و الأخير هو البحث عن الحقيقة.

السبب الأوّل: العِلم نفسه هو وسيلة ابتكرتها الطبيعة أصلاً و بمراعاة تباين التعقيد التقني، هو أداة تستخدمها حيوانات أخرى.

السبب الثاني: القوانين التي تتحكّم بسلوكياتنا و تشييدنا للمجتمعات و نظرتنا نحو المستقبل و قصور تفكيرنا الشمولي و مستوى ذكائنا الحالي لا تمنحنا حتى الأمل بمستقبل أعقل و أكثر حكمة. جيناتنا تريد البقاء و الاستمرار، الاستمتاع بالحياة و التلذذ بها و بتقنيتها في تجاوز القصور، لا البحث المستمر عن الحقيقة. على الأقل ليس هذا هو الهدف السامي الذي يجتمع عليه البشر، لو سألني كائن فضائي عن بني جنسي البشر.

هنالك حلم، رغبة خيالية تخالج عقول الإنسانويين: أن العِلم هو المنقذ الذي سيجلب العقلانية إلى العالم اللاعقلاني.

حملات التنوير مازالت حتى اليوم تكتسح الكتب و المنظمات و تعشعش في عقول الكفاءات العلمية و الفلاسفة المعاصرين. كما أنها فكرة تلهم عقول الشباب و المندفعين للتغيير.

لست هنا أتكلّم عن محاربة الجهل، بالعكس، فطلب العِلم فضيلة، بل مصدر قوة، و من يرغب باعتلاء المكانة الاجتماعية في محيطه، لاخيار أمامه سوى التسلّح و المنافسة. إفهم قصدي جيداً: الدوافع العقائدية هي ما تهمني.

ما هو الدافع العقائدي الذي يدفع بتنويري علموي لمحاربة منظومات دينية عقائدية أيضاً؟ بالنسبة لي الإثنان في صراع أفكار سينتصر به من يجيد استخدام الميمات الثقافية الناجحة.

العقائد الإبراهيمية صارمة في طرحها المطلق. ومع أن الإنسانويين أقل حدة و أكثر شكاً في تصوّرهم العالم، إلا أن ”إيمانهم‟ بأن العِلم هو المنقذ و أن البشرية يجب و سوف تنتصر على اللاعقلانية، لا يختلف كثيراً عن الدين. فلسفة التنوير بزي الإنسانية Humanism هي عقيدة يائسة للأسف.

لكن البشر بحاجة لوهم. لوهم غير عاقل يروّج للتقدّم نحو الأفضل. دونه سنكون فريسة سهلة للعدمية. والأمل بالمستقبل يفتح الأبواب أمام الكثير من الفرص، لكننا ننسى أنها دائماً تتأرجح بين النجاح و الفشل.

و لا أخفي عنك، أنا نفسي آمل نحو الأفضل، لأن أسلوبي في الحياة يتطلّب مني ذلك. لكن ذلك لايعني أنه هو الخيار العقلاني حتماً.

فمن الطبيعي أن نستبشر بالعِلم كوسيلة لتجاوز مشاكل البشرية. فشرعية العِلم تنبثق من السلطة التي يمكّن بها البشر على الطبيعة حوله. و العِلم أنقذ الملايين من البشر، سهّل حياتنا اليومية، قرّب المسافات بيننا، خلق أبعاداً جديدة كانت في السابق لا تجدها سوى في بعض قصص الخيال العلمي. ناهيك عن التقدّم الطبي و تمديد عمر الإنسان. هذا لوحده كافٍ لأن يدفع بالبعض ليؤمن بأن العِلم هو المنقذ، الخلاص البشري.

مع ذلك، تجريد العِلم من الحاجة البشرية و الملذات الدنيوية و اللاعقلانية لبني جنسنا، يعني أننا نعزل العِلم عن أصله و وظيفته كأداة لا أكثر و نعطيه بعداً يتسامى لدرجة تخلق منه عقيدة واهمة هدفها البحث عن الحقيقة.

و لذلك أجد أن العلموية أو الإلحاد الجديد قد وقعا في هذا الفخ تحديداً، و هو مادفع ببزوغ فكر جديد حاول العودة إلى الماضي، إلى الفلسفات و إلى الأديان القديمة و الأساطير و حتى العلِم الحديث. فكر يحاول أن يعود بخطوة إلى الوراء، ليعيد تنقيح مرحلة الفهم، فهم الطبيعة و قوانينها و ارتباطنا المباشر بها، أسس الحضارة و مقوّماتها و أيضاً قدرتنا على الحكمة و الجهالة في نفس الوقت، قبل أن ننتقل إلى مرحلة أخرى، ناهيك عن الحكم على الكون و الإفتاء به. إنهم الطبيعيون الجدد.

لنعرّف أولاً أن الطبيعي هو ذاك الذي يجمع بين حقيقة التطوّر و دور الطبيعة المتجذّر في جيناتنا، أهمية العِلم (كأداة لا كمخلّص)، و دور الفلسفة و الأساطير و الأديان (في جوهرها) في تهذيب ذات الإنسان و تسليحه بما يمكّنه من عيش حياة فاضلة ذات معنى في مجتمعه. و هنا لا أقصد الأديان كمؤسسات و كأنظمة سياسية، بل كهيكل اجتماعي حافظ على قوانين و حكم تراكمية بشرية و أطّرها بشكل مكّنها من عبور الأجيال و الصمود لآلاف السنين.

الطبيعي يحاول فهم أصول الدين، دوافعه و نشأته، قبل أن يحكم عليه بالنفي من الوجود أو يزاحمه. الطبيعي يقرّ بقوانين الطبيعية الأم و تأثيرها المباشر علينا. الطبيعي يدرك قصور الإنسان في فهم التعقيد حوله. الطبيعي يدرك أهمية الحكمة و الهرمية في خلق بعد اجتماعي متوازن و صالح، كما يدرك أن العِلم هو أفضل أداة نملكها لتفسير الكون، كوسيلة، لا كمحرر من كل القيود.

عن الطبيعية سأتكلّم في مقال آخر. لذلك دعنا نعود إلى النقطة الجوهرية الأخرى في المقال حول الإلحاد الجديد و قصوره في تقديم البديل المشبع لروح الإنسان الفضولية.

هل العلموية و الإنسانوية هما البديل الأفضل فعلاً؟

الإلحاد الجديد، على عكس الأديان الإبراهيمية، لم يبطش بأرواح البشر على مر التاريخ من أجل فرض نفسه على الساحة. و هذا الفارق يحسب له، لا شك. كما أن عدد اللادينيين من بين سكان الكوكب قد يتراوح بين الربع و الثلث، أي حجم لا يستهان به. لكن تزايد أعدادهم لا يعلله التنوير فقط، كما قد يظن البعض. هنالك عوامل أخرى، و لو ناقشناها سويةً، سنفهم الصورة أكثر؛ أو بالأحرى ستفهم عزيزي القارئ الصورة في ذهني بشكل أفضل.

يمكن تلخيص أسباب فقدان الكنائس و المعابد الدينية للتابعين في الدول المتقدمة من حيث القيمة السوقية مثلاً.

دعني أبسّط الفرضية هذه على شكل نقاط مختصرة:

أولاً، المستوى العِلمي اليوم أفضل؛ شبكات الضمان الاجتماعية الحكومية توفّر نوعاً من الأمن، خصوصاً للأسر الصغيرة، و بالتالي هناك قدر أقل من الخوف و عدم اليقين في حياة الناس اليومية، و هذا ما يحجّم تسويق البضاعة الدينية في الحياة اليومية.

ثانياً، هنالك اليوم العديد من المنتجات البديلة، مثل الأدوية النفسية و التسلية الإلكترونية التي لا تتطلّب الإيمان و الالتزام بتعاليم صارمة، التي تضيق الخناق هي أيضاً على الدين. مع ذلك، تجد أن أي تخبّط اقتصادي و عاطفي يدفع بالكثير إلى العودة إلى الدين كمفر من قساوة الحياة و الواقع. و هذا بغضّ النظر عن كونه سلبياً أو إيجابياً، يعكس لون من ألوان النفسية البشرية، لربما حاجة نفسية عميقة؟ و مع أني على يقين أن البعض قادر على العيش بشكل سعيد و بنهج صالح دون هيكلية دينية أو روحانية، إلا أن الإنسان العادي بطبعه و الذي يمثّل الأغلبية من بني جنسنا، يحتاج لبوصلة في حياته اليومية تمكّن الفرد من الاندماج مع المحيط و الملاحة بين المعضلات الأخلاقية و الواجبات الاجتماعية.

عدم اليقين الاقتصادي أو التحديات العاطفية هي مخاوف تهيمن على واقع الإنسان المعاصر، سواء دفعت به إلى العودة أو النفور من الدين.

و مع ذلك، بالنسبة للكثير من الناس، الدين ليس مجرد وسيلة للتعامل مع الخوف و عدم اليقين أو الصعوبات العاطفية. فالعديد من الناس يتبّع طريقة حياة دينية معينة إما لأنهم يعتقدون أنها صحيحة أو لأنها تضفي على وجودهم معناً في هذا الكون الشاسع الغريب. حاول أن تضع في الحسبان أننا لا نتكلّم عن كائن عاقل ٢٤ ساعة في اليوم. نحن البشر ما نحن عليه، بعقلانيتنا و بلاعقلانيتنا.

كما أنه بالنسبة لي من غير الواضح كيف سيحل الإلحاد الجديد أو الإنسانوية محل الدين ويضمن توريث الحكم البشرية التي لا تتحمّل التقنين، كالاحترام، العطف، الإحسان، الشهامة، الرفق بالآخرين و تقديس العائلة كنواة المجتمع و غيرها من حكم الأجيال السابقة؟ عن طريق قوانين و تشريعات؟ بالفرض و الإجبار؟ أو بسياسات الصواب السياسية؟

مع أن الكثير من الأديان بزغ نجمها على مجازر لا تحصى حلّت بالبشرية، إلا أن إهمال حقيقة كون الدين نتج عن مراحل عديدة من تطوّر وعي و تجارب الإنسان، سيدفع بنا إلى المجازفة بـ آلاف السنين من التجارب البشرية و الحكم المتراكمة.

كشخص طبيعي أحاول فهم دور الدين، الدافع لنشوءه؛ لماذا وجد؟ لماذا هذه المشتركات الكثيرة بين الأديان رغم اختلاف المكان و الإثنيات؟ مالحكمة وراء ذلك؟ مالذي يمكن أن نفهمه من دراسات الحيوانات الأخرى التي تتصرّف بشكل يمكن تشبيهه بالقوانين الأخلاقية؟ (أنصح بمتابعة أو قراءة كتب البرايموتولوجست الرائع فرانس دي ڤال). ماهو دور الميثيولوجيات في نشوء الحضارة؟ و هل كان من الممكن أن تنهض دونها؟

من السذاجة و الغرور أن نخلط الغثّ و السّمين معاً، لأن الموضوع أعمق و أقدم من أن ينهيه حديث واحد. لكن ما يمكن استنتاجه من التاريخ، هو أن الدين أقرب عملياً إلى الحياة اليومية و أكثر خبرة في تقديم طرق لخوض حياة صالحة من الإلحاد الجديد، على الأقل للعوام بشكل شمولي. من خلال تشكيل و ممارسة المعتقدات يمكن أن يبني الإنسان حياة متماسكة و ذات مغزى. والإلحاد الجديد هو في الأصل جواب على سؤال وجودي، لا أكثر. لا يملك منظومة تعاليم مشتركة أو مدوّنة.

و لذلك تجد الملحدين الجدد لاينفكون عن الدفاع و التفاخر بحقوق الإنسان و الإنسانوية كبديل عن الاضطهاد الديني. بكل بساطة لأنه لا يوجد بديل آخر.

و مع أنني أجد حقوق الإنسان متبلورة عن الأديان نفسها و فلسفات البشر السابقين، إلا أنها بدأت تأخذ طابعاً عقائدياً يثير مخاوفي أكثر من أن يجذب اهتمامي.

لذا، إذا كان هناك شيء يحل محل الدين، فلن يكون ذلك هو الإلحاد كبديل؛ ربما الفلسفات ذات الطابع الديني أو الفلسفة التجريبية كالرواقية، أو ربما بعض أشكال الإنسانية العلمانية في مناطق صغيرة و منظّمة حضارياً سوف تنجز هذه المهمة. فالحاجة موجودة و السوق واسع.

و مع أنني أفضلّ الفلسفة التجريبية على الدين، إلا أني أقر بأن الدين يبرع في المحافظة على الهرمية الاجتماعية و الأسرية و يمتلك ورقة ”القداسة‟، الميمة الأنجح في تاريخ الثقافة البشرية.

نعم، القداسة سيف ذو حدين. و لاشك أن ماضي و حاضر البشر مليئان بالأحداث و المذاهب التي تقدّس البغض و التقاليد الجاهلة؛ هذه الهالة من القداسة لابد من أن تُرضّ و تُحطَّم بين الحين و الآخر حتى لا تتحوّل إلى تقاليد جامدة أو تشريعات متطرّفة. لكنها أيضاً إحدى المفاهيم الفلسفية الدينية التي حافظت على قيم جوهرية نحتت الإنسان الاجتماعي كما نعرفه اليوم.

فعندما تتصارع الميمات على مر التاريخ، تجد أن الدين يملك الحظ الأوفر، خصوصاً و أن مستوى ذكاء البشر لم يتغيّر كثيراً مقارنةً بالانفجار العلمي و التقني في آخر ١٠٠ سنة.

وهذا ماسينقلني إلى سؤالي الأخير هنا: هل سيتمكن البشر بلاعقلانيته و مستوى ذكائه هذا من إخضاع العِلم تحت سيطرته؟

تقنيات القرن الحادي و العشرين – علم الوراثة، علم النانوتكنولوجي، العلوم الذرية و علم الروبوتات – قاهرة لدرجة أنها تستطيع إنتاج أشكال جديدة من الحوادث و الكوارث التي لم تشهدها البشرية بعد. والأخطر من ذلك كله، أن هذه الكوارث لو حدثت فستكون على نطاق واسع جداً، و ربما في متناول أفراد أو مجموعات صغيرة. و بالتالي، ليس لدينا إمكانية أسلحة الدمار الشامل فحسب، وإنما احتمالية إنهاء كل شيء في غضون دقائق معدودة.

لاحظ أن التقنية تحدث، تجتاح الواقع اليومي للإنسان و تعيد رسم ملامحه. هي تغيّر حياة الإنسان و هو لا يتحكّم بها بشكل تام؛ و لن يستطيع يوماً. سواء كانت التقنية هي النار، العجلة، الطائرة، الهاتف، الإنترنت، وسائل النقل و إلخ..

العِلم أو التقنية تحديداً أقدم من البشر بمئات ملايين السنين.

النمل مثلاً، يقوم بحفر أعشاش كبيرة تحت الأرض تسكنها المستعمرة. يخرج ”العمال‟ بحثًا عن الأوراق التي يقطعونها بفكوكهم و يعودون إلى القرية. تستخدم هذه الأوراق لنمو مستعمرات من الفطريات، والتي يمكنها بفضل إنزيماتها أن تهضم جدران الخلايا السليولوزية، مما يجعل الورق مناسباً للأكل. هذا النمل ينغمس في مشروع زراعي يحافظ على بقاءه بشكل منهجي.

الأرضة أو النمل الأبيض (أو دابة الأرض كما ذكرت في أحد الكتب الإبراهيمية) الذي يقتات على الخشب في الدور، يستخدم الهايدروجين كمصدر للطاقة من خلال مضغ لب الخشب.

على مايبدو فإن تقنيتهم فعّالة للغاية لدرجة أن وزارة الطاقة الأمريكية تدرسها على أمل فهم أسلوبها و توسيع نطاقه بحيث يمكن إنتاج الهيدروجين تجارياً مع نفس العملية. من غير أنها تبني أكوامًا ضخمة معقدة تتجاوز بضع الأمتار، و ذلك باستخدام شكل منظّم من التلال و الأنفاق لدفع حركة الهواء الساخن إلى مواقع المستعمرات الفطرية على سطح أوراق الشجر المجمّع.

بعض الحيوانات البحرية تستخدم النحت على الرمل للتزاوج، و بعضها التضليل بالألوان و الأضواء الفلورية، و بعض أنواع الحبّار تجيد التلوّن بألوان الأشياء المحيطة بها في عضوان ثواني. أو تقنية الموجات الصوتية للتواصل، أو الأغصان الخشبية للبحث عن الديدان، كما تفعل بعض الطيور، أو تفتح الأقفال كما عند بعض الغربان الذكية، أو تسافر آلاف الكيلومترات مستخدمة المجال المغناطيسي الأرضي للملاحة في السماء.

المدن ليست اصطناعية أكثر من خلايا النحل و الإنترنت أشبه بالشبكة العنكبوتية.

إذن التقنية وسيلة ضمن إطار الانتخاب الطبيعي، و ليست حكراً على البشر. بالطبع لا يمكن المقارنة بين تقنيتنا و تقنية الحيوانات الأخرى، لكن فهم أن التقنية جزء من الطبيعة و التطوّر نفسه مهم جداً!

لا أريد بكلامي هذا أن أقلل من شأن العِلم، بالعكس، كعالم شاب لا أنكر الشغف و الولع بجوانب العِلم الممتعة و تخيّل القدرات التي من الممكن أن نحصل عليها بفضله. لكنني أحذّر من تقديسه، أو الوقوع في فخ الإنسانوية بجعله المخلّص الحتمي لكل مشاكل البشرية. لأننا كبشر أكثر تعقيداً و أحياناً أقل ذكاءً من أن يكون العِلم وحده هو الحل الأخير.

يقول بيرتراند راسل، أحد أعمدة الفلسفة العلمية في القرن العشرين: ”عندما أتحدث عن أهمية المنهج العلمي فيما يتعلق بتنظيم الحياة البشرية، أفكر في المنهج العلمي في أشكاله الدنيوية. لست هنا في صدد التقليل من شأن العِلم باعتباره ميتافيزيقيا، لكن قيمة العِلم كميتافيزيقيا تنتمي إلى مجال آخر؛ إلى الدين و الفن و الحب، مع السعي وراء الرؤية البهيجة ، مع جنون بروميثيان الذي يقود أعظم الرجال ليسعوا كي يصبحوا آلهة. ربما تكون القيمة النهائية الوحيدة للحياة البشرية موجودة في جنون بروميثيان هذا. إنها قيمة دينية، و ليست سياسية أو حتى أخلاقية.‟

بروميثيوس، ربما أهم و أشهر الشخصيات الأسطورية في الغرب، و الذي أوجد البشر الأوائل و كثيراً ما يرمز إلى الثوران و التقدّم العلمي ـ بعد أن سرق ”تقنية النار‟ (النور و المعرفة و الدفء) من الآلهة و جازف بسخط زيوس ليعطيها إلى الإنسان.

أجده يجسّد الموقف الفكري هذا بصورة أسطورية قديمة: النار مجرّد أداة، العالم أوسع مما قد نتخيّل و الإنسان لن يعتلي يوماً مقام التيتان و الجبابرة.

التيتان بروميثيوس

أو….. ربما في عصر ما بعد التفرّدية التقنية؟