مع الإنسان، ضد حقوق الإنسان

مع الإنسان، ضد حقوق الإنسان.

دين الإنسانية الجديد هو لعبة جديدة لاستغلال الأجيال القادمة و السيطرة على بعد جيوسياسي واسع النطاق: منافع اقتصادية، موارد مادية و بشرية، و سوق ضخم! خصوصاً و أن فضاء الإنترنت يجعلك هدفاً و إن سكنت في قعر الشرق الأوسط.

إن كانت الأديان الإبراهيمية قد انتشرت بالسيف، فالسيف يُصدّ بالسيف و الكلمة تُصدّ بالكلمة. لكن هبالة بني جنسنا من البشر ـ و هم يتضاعفون عدداً في كل يوم ـ لن يتمكّن منها العقل مهما حاول، و لا يوجد ما يصدّها فعلاً سوى الوقوع مراراً في نفس الخطأ حتى يتعلّموا الدرس. و يا صاح، لا أعتقد أنني سأتجاوز هذا العقد من الزمن حتى أملك الوقت لأنتظر الخراف تساق إلى الهلاك و هي فرحة، و من ثم نحاول مجدداً.

ما يسمّى بـ “حقوق الإنسان”، وثن القرن العشرين، هو إله زائف يفترض مسبقاً أن الحديث الأخلاقي قد انتهى، أن كل من يخالفه هو شاذّ و ضالّ، و أن كل تاريخ البشرية و كل ثقافاتها هي تافهة أمام علوّه الأخلاقي.

التسويق العاطفي لمجموعة من الامتيازات (حقوق؟) و التي كتبها المنتصرون بعد الحرب العالمية الثانية في ما يسمّى بـ “الإعلان العالمي”، صار مثل وظيفة كل أهبل لا يعرف استقطاب عاطفة الآخرين و رضاهم سوى عن طريق التلويح بتفوّقه الأخلاقي و تبنّيه أو دفاعه عن “قوقوق الإنسان” و ارتقائه عن “الشرّيرين” المتخلّفين، الذين لا يشترون بضاعة قوس قزح و لا يرضخون لكل قانون يفرض وصايته الأخلاقية المستنبطة من مزاجيات الفنّانين و شركات التسويق و الإعلانات.

من له سلطة ليعطي الحقوق و من ثم يعتبرها مطلقة لا نقاش فيها؟ من؟

و لماذا من هذا البلد، لا من ذاك؟ هل الولوج للإنترنت حق من حقوق الإنسان؟ أو هل امتلاك الروبوتات حق أيضاً؟ عن أي إنسان يتكلّمون؟ هل هنالك ممثّل عن البشرية و متحدّث عن شعوبها بشكل رسمي و اختياري؟
أرجوك، وفرّ على نفسك التفكير بمسرحية الأمم المتحدة، احتراماً لعقلك.

بالطبع هنالك مشتركات أخلاقية، لكن هنالك اختلافات كثيرة أيضاً. من يريد أن يفرض رأيه الأخلاقي بتسنين القوانين و تثبيتها في الدساتير محاولاً تجاوز الطبيعة الأم و أبسط بديهيات العلاقات الاجتماعية البشرية، فهذا حتماً لن يفلح كثيراً، كلها عقود من الزمن و تنتهي و تنتصر الطبيعة مجدداً، كما هو الحال دائماً و أبداً.

الفكرة الجوهرية للأديان الإنسانية مثل الليبرالية و الشيوعية و النازية هي أن الإنسان العاقل يحمل في داخله جوهر فريد و مقدّس و الذي هو مصدر كل معنى و سلطة في الكون [حركات حقوق الإنسان الحديثة تستنبط أخلاقياتها من هذا التفسير]. وكل ما يحدث في الكون هو جيّد أو سيّئ في الحكم وفقاً لتأثيره على الإنسان. لكن ما يتجاهلوه هو حقيقة أن البشر يتصرّف عادة بشكل لا عقلاني، بل روتيني. يفكّر و يتعقّل فقط عندما تستدعي الضرورة. هو سهل الخداع و قصوره المعلوماتي و انشغاله اليومي لا يؤهله لاستنباط الأحكام الصحيحة من الفيضان المعلوماتي حوله في كل يوم. من السهل جداً اللعب على أوتار العواطف و استقطاب عاطفته و أدلجته في مسار معيّن. قد يكون سياسياً و قد يكون اقتصادياً. لا أحد ينجو من محاولات الشركات الكبرى و الأنظمة السياسسة المستمرة، فكلنا مرتبطون بالاستهلاك و السوق، و إن نجينا اليوم، فلربما سنكون غداً عرضة للخطأ.

قد يزعج الزعيب المستمر بـ قوقوق الإنسان؛ لكن تستّرك خلف “التفوّقك الأخلاقي” و عدم تشكيك بما تسلّم به بشكل مطلق هو أمر مثير للشفقة فعلاً و للسخرية كذلك.