في نقد العلموية ـ الطبيعيون الجدد

ميثولوجيا بروميثيوس

يهمني عزيزي القارئ، أن تعرف دوافع الكاتب قبل أن تستهل بالقراءة، لأن العنوان جريء بعض الشيء و قد يساء فهمه. و أنا لا أكتب كي يساء فهمي، بل لكي أوصّل للقارى فكرة ما. طالما فهمها بنقاء، سهل هضمها و التعامل معها بشكل نقدي.

العِلم نور، لا شك في ذلك. و في اكتسابه و ممارسته متعة يدركها من اهتم بظواهر الطبيعة و اطّلع على أسرارها و ما اكتشفناه و نكتشفه. لست هنا أهاجم العِلم؛ كيف و أنا نفسي أمارسه و مهنتي تدور حول مكاسبه؟

إنها الأيديولوجية خلف الإنسانية التبشيرية التي يتبناها البعض (على عكس رئيس الوزراء العراقي السابق، العبّادي، سأكشف لاحقاً من هم هؤلاء البعض) و التي توهم الإنسان أن للعِلم السلطة المطلقة في حسم كل ما يشغل جوارح الإنسان و أسئلته. هذه الأيديولوجية التي توهم الإنسان الحديث بأنه قادر على تجاوز قصوره الطبيعي و ترويض الطبيعة، هي ما أسميها العلموية.

النزعة العلموية الزاعمة أن العِلم وحده يكفي لمعالجة جميع مشاكل الإنسان، و أن حقوق الإنسان المعاصرة هي المحطّة الأخلاقية الأخيرة في قصة الإنسان، تدفع بي للعودة خطوة إلى الوراء لأفهم دوافع و تبعات هذا الاستنتاج.

هل العِلم و حقوق الإنسان التي أقرّها المنتصر بعد الحرب العالمية الثانية، هي فعلاً المزيج الساحر الختامي؟

هي ليست محاولة لإعادة سلطة الدين و تقويمها بعد أن خسرت احتكارها لسلطة المعرفة أمام العِلم، بل هي تذكير بأن العِلم ـ بجانب كونه أفضل أداة نملكها لرؤية العالم بأقرب صورة ممكنة إلى الواقع الموضوعي، هو أداة تطوّرية تخضع للطبيعة لا تترفّع عنها. النقطة الأخيرة تحديداً هي ادعاء قد يصدم البعض، سأحاول دعمه بحجج مقنعة. دورك كقارئ سيكون في تلقّي الفكرة و معالجتها و البحث عن الثغرات.

كما قلت، لايهمني التهكّم، بل النقاش.

النقطة الجوهرية الأخرى في المقال ستتمحور حول الإلحاد الجديد و قصوره في تقديم البديل المشبع لروح الإنسان الفضولية و الخائفة و ميوله كتيار فكري للوقوع في فخ الأدلجة بلباس العلموية.

هذا الادعاء وحده قد يحبط أو يغضب البعض. و هذا لابأس، طالما حافظت عزيز القارئ على فضولك في معرفة ما في جعبتي.

سأحاول أيضاً في هذا المقال أن أعرّف القارئ بالمفكّر الطبيعي كموقف فكري معاصر و متوزان، و كي يكون مرجعاً لما سأكتبه أو يكتبه غيري في المستقبل. هنالك مشتركات تجمع بعض المفكّرين الذين يحاولون الخروج من دوامة الصراع العقيم بين المذهبين الأبستمولوجيين، العقلاني و التجريبي، و يسعون لفهم قوانين الطبيعة و مجرى التاريخ دون تشنّجات مؤدلجة و دون تكرار الأخطاء السابقة لأسلافنا؛ أي قدر المستطاع بعقل منفتح على مستقبل مجهول و إدراك صريح بنقاط ضعف الإنسان و لاعقلانيته كواقع حال بجانب قدرته على تعقّل الأمور. أنا أسميهم الطبيعيون الجدد، لأنني بحاجة إلى تمييز فئة عن أخرى، و نحن كما تعرف، عزيزي القارئ، نجيد التمييز و تنوّع التسميات، و ربما قد لانحتاجه في المستقبل؛ لكن هذه المرة الحاجة وحدها هي الدافع خلف ذلك.

ما تشبعّ منه عقلي من التفكير العلمي هو الحذر في الطرح و الالتزام بالموضوعية قدر الإمكان، و إن كان ذلك عسيراً أحياناً، و قد أحس بشيء من القلق يساور بعض القـرّاء􏰂 إذا تـصـوّروا أن ما يـقـرأونه مناف لعقائدهم،􏰂 و لكنني أسارع فأذكّرهم أن عقل النقدي لا يخشى الأفكار المخالفة، بل يعتبرها امتحاناً لما يحسبه من عين الصواب. و عليه أدعوك لمشاطرتي بعض الأفكار هنا بعقل نقدي.

العِلم أداة

العِلم ممتع كأداة لاستكشاف غموض الكون الشاسع حولنا و هو شعور تستطيع أن تقرأه في عين الكثير من البشر الذين يقضون أياماً من حياتهم في مطالعة الكتب العلمية و متابعة الوثائقيات و النقاش حول نشأة الحياة؛ فضلاً عن الدخول في السياق العلمي المهني. و بغض النظر عن الفرضيات و النظريات العلمية المختلفة، هنالك حقيقة واحدة عن نشأة الحياة تبدو شبه مؤكدة􏰂 وهي أنها􏰂 أياً كان الـزمان والمكان الـلـذان حدثت فيهما،􏰂 لابد و أنها نشات قبل زمن طويل جداً􏰂 يعجز الإنسان البسيط على استيعابه أو تكوين أي فكرة واقعية عنه.

و مع إن خبرتنا الشخصية 􏰉تمتد إلى عشرات السنين إلى الماضي إلا أنها عرضة للنسيان. كم شخص برأيك يستطيع تذكّر شبابه و شعوره و الظروف حوله بشكل دقيق؟ كم دقيقة تستطيع ذاكرتك أن ترجع بك في الزمن إلى الوراء؟ منذ مائة عام كانت الأرض مأهولة بـأناس منهمكة􏰁 في أمورهم الخاصـة􏰂 يـأكلون ويـشربـون ويعشقون ويكسبون􏰂، كل منهم تشغله مشاكـلـه الخاصة. أغلبهم خرج تواً من صدمة الحرب العالمية الأولى. مشاكلهم آنذاك حتماً أشد من تلك التي نمر بها نحن اليوم. و هذا القصور في ذاكرة الإنسان يجعل منه حيواناً بحاجة لتوثيق أفكاره و استنتاجاته و نقلها عبر الأجيال.

لذلك لجأنا إلى التدوين لنحفظ خبرات السنين و كي لا نكرر الأخطاء مراراً و تكراراً. و هذا ما يعكسه تطوّر الحضارات البشرية من الرسوم على جدران الكهوف، إلى القصص و الروايات الشفوية و حتى اختراع الكتابة.

فالحاجة أم الاختراع، و الاختراع أداة لتجاوز قصور الإنسان. و العِلم ليس إلا أداة يستخدمها الإنسان لتجاوز قصوره. من استخدمها في طلب المعرفة و اكتساب الحكمة، أنار دربه أمامه، و من أراد به باطلاً، ظلم غيره و نفسه و صار ضحية لأدلجة تبيع نفس الوهم و البضاعة الدينية التي حاربها العِلم في البداية: أن الجنس البشري اليوم قادر على تخطّي كل عوائق الطبيعة و حدوده بفضل العِلم.

لماذا هذا التشاؤم؟

هو قراءة للواقع أكثر من كونه تشاؤماً. دعني أوضّح أكثر:

التطوّر

أتذكر عندما كنت مندفعاً بفضول و عطش معلوماتي في مطلع الـ ٢٠٠٩ نحو آخر الاكتشافات و المقالات العلمية التي أترجمها بشكل مختصر و أشاركها مع مجموعة من الأصدقاء في اليوتيوب و الفيسبوك. و كأن باب جنة المعلومات و الأخبار العلمية قد انفتح في وجهي فجأة. في الوقت الذي بدأت فيه بالتخلّص شيئاً فشيئاً من كاهل التراث الديني و إشباع الفراغ بالجديد، المبهر و المتتع: العِلم.

عندما تقرأ أننا بدأنا نتغلّب على أمراض و نحوّل علم الخيال إلى واقع، لا يسعني سوى أن أشاطر هذه المعلومة كنوع من الاحتفال و الأمل. و كأنها رغبة عميقة منغرسة في جذور الإنسان المعاصر بالتغلّب على ما فشل أمامه الإنسان السابق.

لا أخفي شغفي بالعلوم حتى اليوم، لكنني لست ذلك الشاب نفسه كما كان قبل عقد من الآن. فالحرب التي كنت أخوضها ضد قصص الخرافة و الدين لم تعد تشغلني كثيراً، بل صارت مملة؛ لربما في السابق كان العِلم أداة أستخدمها لتبرير هجومي على الماضي و تراثه الفكري. لم أمرّ وحدي من خلال هذا الطريق، و أظن أن بعض من يقرأ هذه السطور يعي جيداً ما أقول.

لا شك أن مانعرفه اليوم عن العالم حولنا، و إن كان تافهاً مقارنةً بالحجم الشاسع للكون، هو بحد ذاته مصدر للإلهام و التعجّب، بل و حتى التأمّل. فكرة الوجود و عمر الكون و احتمالية وجودنا على أرض هذا الكوكب كلها كافية لتنهك عقولنا في تصوّر الأسباب و الهدف وراءها. لن يختلف العلموي معي حول هذه النقطة. لكن الإنسانوية الجديدة، و هي ملجأ لكثير من العلمويين، و حتى منذ بداياتها في نهاية الألفية الثانية بعد الميلاد، سوّقت بإيمان و شغف لفكرة أن الإنسان من خلال العِلم سيتخلّص من هيمنة الطبيعة و يتحرر.

هنا اعتراضي: لو سلّمنا بنظرية داروين عن الانتخاب الطبيعي، فخلاص الإنسان هنا يتعارض معها.

كيف؟

العقل البشري يخدم غرضاً تطوّرياً جوهرياً: النجاح، البقاء، لا البحث عن الحقيقة و التحرر.

التفكير بشكل مخالف لهذه المعادلة يفترض أننا نختلف عن بقية الكائنات الذكية، و هذا الافتراض وحده لايصمد علمياً، و يكاد يضفي عليها في نفس الوقت طابعاً قدسياً.

التطوّر الدارويني لا يهتم بالحقيقة، و لا يحتاجها للبقاء و تمرير الجينات. على العكس، قد يقلل البحث عن الحقيقة من فرص بقائك على قيد الحياة.

ثم من قال أن الخداع أو التضليل، على عكس الحقيقة، ليس من ضمن السلوك الطبيعي؟

الغربان، على سبيل المثال، تمارس التضليل أحياناً من خلال التظاهر بدسّ الطعام في مخبأ ما بينما يدسّوه لاحقاً في مكان آخر كي لا يكشفه سرب غريب أو حيوان آخر.

دعك من الغراب، نحن أنفسنا البشر، أفضل من يجيد الخداع، خصوصاً مهارة خداع النفس. البعض يخدع نفسه كي يجيد خداع الآخرين. ماذا يقول ”أبو المثل‟؟: كذّب الكذبة و صدّقها.

الخداع سلوك نفسي و اجتماعي على مايبدو مهم. هذا ما يفسّره أيضاً بعض علماء النفس التطوّري، أي أن الصراع حول البقاء و المكانة و القرين المناسب، يفضّل من يتحلّى بقدرة جيدة على المراوغة من غيره.

تأمّل أنجح السياسيين في العالم و الأغنياء المشاهير؛ ها؟.. أظنك بدأت تفهم قصدي بشكل جيد.

لا أعتقد أن الحقيقة تمتاز بأفضلية تطوّرية على الخطأ، بل أحياناً العكس. فالانتخاب الطبيعي يفضل أحياناً الخطأ المفيد، الطفرة المفيدة.

الفكر السائد بأن الانتخاب الطبيعي يصطفي الأنظمة العصبية التي تعكس أدق صورة عن العالم حولها هو تصوّر ساذج للطبيعة. ففي خضمّ الحياة و فرص البقاء، لذة الحقيقة هي ترف، و أحياناً عائق.

الأكل، الشرب، النوم، الجنس، الجاه .. غرائز لن نتخلّى عنها برقاء الفكر و لا بتسامي الأخلاق. تهذيبها و ترويضها هذا بحث آخر. في إطار الممكن هو شيء يبعث الفضيلة في روح الإنسان و لا ضرر فيه، و هو ما تحث عليه بعض الفلسفات، كالرواقية مثلاً. من باب هي ترضخ لواقع الطبيعة الفسيولوجية، و من باب ثانٍ تجد فسحة لتهذيب الذات.

لا أخفيك أنني لم أعد قادراً على شراء سلعة أن العِلم سيستخدم لإنقاذ البشرية من لاعقلانيتها و غرائزها. كما لا أظن أن هدف العلِم الأول و الأخير هو البحث عن الحقيقة.

السبب الأوّل: العِلم نفسه هو وسيلة ابتكرتها الطبيعة أصلاً و بمراعاة تباين التعقيد التقني، هو أداة تستخدمها حيوانات أخرى.

السبب الثاني: القوانين التي تتحكّم بسلوكياتنا و تشييدنا للمجتمعات و نظرتنا نحو المستقبل و قصور تفكيرنا الشمولي و مستوى ذكائنا الحالي لا تمنحنا حتى الأمل بمستقبل أعقل و أكثر حكمة. جيناتنا تريد البقاء و الاستمرار، الاستمتاع بالحياة و التلذذ بها و بتقنيتها في تجاوز القصور، لا البحث المستمر عن الحقيقة. على الأقل ليس هذا هو الهدف السامي الذي يجتمع عليه البشر، لو سألني كائن فضائي عن بني جنسي البشر.

هنالك حلم، رغبة خيالية تخالج عقول الإنسانويين: أن العِلم هو المنقذ الذي سيجلب العقلانية إلى العالم اللاعقلاني.

حملات التنوير مازالت حتى اليوم تكتسح الكتب و المنظمات و تعشعش في عقول الكفاءات العلمية و الفلاسفة المعاصرين. كما أنها فكرة تلهم عقول الشباب و المندفعين للتغيير.

لست هنا أتكلّم عن محاربة الجهل، بالعكس، فطلب العِلم فضيلة، بل مصدر قوة، و من يرغب باعتلاء المكانة الاجتماعية في محيطه، لاخيار أمامه سوى التسلّح و المنافسة. إفهم قصدي جيداً: الدوافع العقائدية هي ما تهمني.

ما هو الدافع العقائدي الذي يدفع بتنويري علموي لمحاربة منظومات دينية عقائدية أيضاً؟ بالنسبة لي الإثنان في صراع أفكار سينتصر به من يجيد استخدام الميمات الثقافية الناجحة.

العقائد الإبراهيمية صارمة في طرحها المطلق. ومع أن الإنسانويين أقل حدة و أكثر شكاً في تصوّرهم العالم، إلا أن ”إيمانهم‟ بأن العِلم هو المنقذ و أن البشرية يجب و سوف تنتصر على اللاعقلانية، لا يختلف كثيراً عن الدين. فلسفة التنوير بزي الإنسانية Humanism هي عقيدة يائسة للأسف.

لكن البشر بحاجة لوهم. لوهم غير عاقل يروّج للتقدّم نحو الأفضل. دونه سنكون فريسة سهلة للعدمية. والأمل بالمستقبل يفتح الأبواب أمام الكثير من الفرص، لكننا ننسى أنها دائماً تتأرجح بين النجاح و الفشل.

و لا أخفي عنك، أنا نفسي آمل نحو الأفضل، لأن أسلوبي في الحياة يتطلّب مني ذلك. لكن ذلك لايعني أنه هو الخيار العقلاني حتماً.

فمن الطبيعي أن نستبشر بالعِلم كوسيلة لتجاوز مشاكل البشرية. فشرعية العِلم تنبثق من السلطة التي يمكّن بها البشر على الطبيعة حوله. و العِلم أنقذ الملايين من البشر، سهّل حياتنا اليومية، قرّب المسافات بيننا، خلق أبعاداً جديدة كانت في السابق لا تجدها سوى في بعض قصص الخيال العلمي. ناهيك عن التقدّم الطبي و تمديد عمر الإنسان. هذا لوحده كافٍ لأن يدفع بالبعض ليؤمن بأن العِلم هو المنقذ، الخلاص البشري.

مع ذلك، تجريد العِلم من الحاجة البشرية و الملذات الدنيوية و اللاعقلانية لبني جنسنا، يعني أننا نعزل العِلم عن أصله و وظيفته كأداة لا أكثر و نعطيه بعداً يتسامى لدرجة تخلق منه عقيدة واهمة هدفها البحث عن الحقيقة.

و لذلك أجد أن العلموية أو الإلحاد الجديد قد وقعا في هذا الفخ تحديداً، و هو مادفع ببزوغ فكر جديد حاول العودة إلى الماضي، إلى الفلسفات و إلى الأديان القديمة و الأساطير و حتى العلِم الحديث. فكر يحاول أن يعود بخطوة إلى الوراء، ليعيد تنقيح مرحلة الفهم، فهم الطبيعة و قوانينها و ارتباطنا المباشر بها، أسس الحضارة و مقوّماتها و أيضاً قدرتنا على الحكمة و الجهالة في نفس الوقت، قبل أن ننتقل إلى مرحلة أخرى، ناهيك عن الحكم على الكون و الإفتاء به. إنهم الطبيعيون الجدد.

لنعرّف أولاً أن الطبيعي هو ذاك الذي يجمع بين حقيقة التطوّر و دور الطبيعة المتجذّر في جيناتنا، أهمية العِلم (كأداة لا كمخلّص)، و دور الفلسفة و الأساطير و الأديان (في جوهرها) في تهذيب ذات الإنسان و تسليحه بما يمكّنه من عيش حياة فاضلة ذات معنى في مجتمعه. و هنا لا أقصد الأديان كمؤسسات و كأنظمة سياسية، بل كهيكل اجتماعي حافظ على قوانين و حكم تراكمية بشرية و أطّرها بشكل مكّنها من عبور الأجيال و الصمود لآلاف السنين.

الطبيعي يحاول فهم أصول الدين، دوافعه و نشأته، قبل أن يحكم عليه بالنفي من الوجود أو يزاحمه. الطبيعي يقرّ بقوانين الطبيعية الأم و تأثيرها المباشر علينا. الطبيعي يدرك قصور الإنسان في فهم التعقيد حوله. الطبيعي يدرك أهمية الحكمة و الهرمية في خلق بعد اجتماعي متوازن و صالح، كما يدرك أن العِلم هو أفضل أداة نملكها لتفسير الكون، كوسيلة، لا كمحرر من كل القيود.

عن الطبيعية سأتكلّم في مقال آخر. لذلك دعنا نعود إلى النقطة الجوهرية الأخرى في المقال حول الإلحاد الجديد و قصوره في تقديم البديل المشبع لروح الإنسان الفضولية.

هل العلموية و الإنسانوية هما البديل الأفضل فعلاً؟

الإلحاد الجديد، على عكس الأديان الإبراهيمية، لم يبطش بأرواح البشر على مر التاريخ من أجل فرض نفسه على الساحة. و هذا الفارق يحسب له، لا شك. كما أن عدد اللادينيين من بين سكان الكوكب قد يتراوح بين الربع و الثلث، أي حجم لا يستهان به. لكن تزايد أعدادهم لا يعلله التنوير فقط، كما قد يظن البعض. هنالك عوامل أخرى، و لو ناقشناها سويةً، سنفهم الصورة أكثر؛ أو بالأحرى ستفهم عزيزي القارئ الصورة في ذهني بشكل أفضل.

يمكن تلخيص أسباب فقدان الكنائس و المعابد الدينية للتابعين في الدول المتقدمة من حيث القيمة السوقية مثلاً.

دعني أبسّط الفرضية هذه على شكل نقاط مختصرة:

أولاً، المستوى العِلمي اليوم أفضل؛ شبكات الضمان الاجتماعية الحكومية توفّر نوعاً من الأمن، خصوصاً للأسر الصغيرة، و بالتالي هناك قدر أقل من الخوف و عدم اليقين في حياة الناس اليومية، و هذا ما يحجّم تسويق البضاعة الدينية في الحياة اليومية.

ثانياً، هنالك اليوم العديد من المنتجات البديلة، مثل الأدوية النفسية و التسلية الإلكترونية التي لا تتطلّب الإيمان و الالتزام بتعاليم صارمة، التي تضيق الخناق هي أيضاً على الدين. مع ذلك، تجد أن أي تخبّط اقتصادي و عاطفي يدفع بالكثير إلى العودة إلى الدين كمفر من قساوة الحياة و الواقع. و هذا بغضّ النظر عن كونه سلبياً أو إيجابياً، يعكس لون من ألوان النفسية البشرية، لربما حاجة نفسية عميقة؟ و مع أني على يقين أن البعض قادر على العيش بشكل سعيد و بنهج صالح دون هيكلية دينية أو روحانية، إلا أن الإنسان العادي بطبعه و الذي يمثّل الأغلبية من بني جنسنا، يحتاج لبوصلة في حياته اليومية تمكّن الفرد من الاندماج مع المحيط و الملاحة بين المعضلات الأخلاقية و الواجبات الاجتماعية.

عدم اليقين الاقتصادي أو التحديات العاطفية هي مخاوف تهيمن على واقع الإنسان المعاصر، سواء دفعت به إلى العودة أو النفور من الدين.

و مع ذلك، بالنسبة للكثير من الناس، الدين ليس مجرد وسيلة للتعامل مع الخوف و عدم اليقين أو الصعوبات العاطفية. فالعديد من الناس يتبّع طريقة حياة دينية معينة إما لأنهم يعتقدون أنها صحيحة أو لأنها تضفي على وجودهم معناً في هذا الكون الشاسع الغريب. حاول أن تضع في الحسبان أننا لا نتكلّم عن كائن عاقل ٢٤ ساعة في اليوم. نحن البشر ما نحن عليه، بعقلانيتنا و بلاعقلانيتنا.

كما أنه بالنسبة لي من غير الواضح كيف سيحل الإلحاد الجديد أو الإنسانوية محل الدين ويضمن توريث الحكم البشرية التي لا تتحمّل التقنين، كالاحترام، العطف، الإحسان، الشهامة، الرفق بالآخرين و تقديس العائلة كنواة المجتمع و غيرها من حكم الأجيال السابقة؟ عن طريق قوانين و تشريعات؟ بالفرض و الإجبار؟ أو بسياسات الصواب السياسية؟

مع أن الكثير من الأديان بزغ نجمها على مجازر لا تحصى حلّت بالبشرية، إلا أن إهمال حقيقة كون الدين نتج عن مراحل عديدة من تطوّر وعي و تجارب الإنسان، سيدفع بنا إلى المجازفة بـ آلاف السنين من التجارب البشرية و الحكم المتراكمة.

كشخص طبيعي أحاول فهم دور الدين، الدافع لنشوءه؛ لماذا وجد؟ لماذا هذه المشتركات الكثيرة بين الأديان رغم اختلاف المكان و الإثنيات؟ مالحكمة وراء ذلك؟ مالذي يمكن أن نفهمه من دراسات الحيوانات الأخرى التي تتصرّف بشكل يمكن تشبيهه بالقوانين الأخلاقية؟ (أنصح بمتابعة أو قراءة كتب البرايموتولوجست الرائع فرانس دي ڤال). ماهو دور الميثيولوجيات في نشوء الحضارة؟ و هل كان من الممكن أن تنهض دونها؟

من السذاجة و الغرور أن نخلط الغثّ و السّمين معاً، لأن الموضوع أعمق و أقدم من أن ينهيه حديث واحد. لكن ما يمكن استنتاجه من التاريخ، هو أن الدين أقرب عملياً إلى الحياة اليومية و أكثر خبرة في تقديم طرق لخوض حياة صالحة من الإلحاد الجديد، على الأقل للعوام بشكل شمولي. من خلال تشكيل و ممارسة المعتقدات يمكن أن يبني الإنسان حياة متماسكة و ذات مغزى. والإلحاد الجديد هو في الأصل جواب على سؤال وجودي، لا أكثر. لا يملك منظومة تعاليم مشتركة أو مدوّنة.

و لذلك تجد الملحدين الجدد لاينفكون عن الدفاع و التفاخر بحقوق الإنسان و الإنسانوية كبديل عن الاضطهاد الديني. بكل بساطة لأنه لا يوجد بديل آخر.

و مع أنني أجد حقوق الإنسان متبلورة عن الأديان نفسها و فلسفات البشر السابقين، إلا أنها بدأت تأخذ طابعاً عقائدياً يثير مخاوفي أكثر من أن يجذب اهتمامي.

لذا، إذا كان هناك شيء يحل محل الدين، فلن يكون ذلك هو الإلحاد كبديل؛ ربما الفلسفات ذات الطابع الديني أو الفلسفة التجريبية كالرواقية، أو ربما بعض أشكال الإنسانية العلمانية في مناطق صغيرة و منظّمة حضارياً سوف تنجز هذه المهمة. فالحاجة موجودة و السوق واسع.

و مع أنني أفضلّ الفلسفة التجريبية على الدين، إلا أني أقر بأن الدين يبرع في المحافظة على الهرمية الاجتماعية و الأسرية و يمتلك ورقة ”القداسة‟، الميمة الأنجح في تاريخ الثقافة البشرية.

نعم، القداسة سيف ذو حدين. و لاشك أن ماضي و حاضر البشر مليئان بالأحداث و المذاهب التي تقدّس البغض و التقاليد الجاهلة؛ هذه الهالة من القداسة لابد من أن تُرضّ و تُحطَّم بين الحين و الآخر حتى لا تتحوّل إلى تقاليد جامدة أو تشريعات متطرّفة. لكنها أيضاً إحدى المفاهيم الفلسفية الدينية التي حافظت على قيم جوهرية نحتت الإنسان الاجتماعي كما نعرفه اليوم.

فعندما تتصارع الميمات على مر التاريخ، تجد أن الدين يملك الحظ الأوفر، خصوصاً و أن مستوى ذكاء البشر لم يتغيّر كثيراً مقارنةً بالانفجار العلمي و التقني في آخر ١٠٠ سنة.

وهذا ماسينقلني إلى سؤالي الأخير هنا: هل سيتمكن البشر بلاعقلانيته و مستوى ذكائه هذا من إخضاع العِلم تحت سيطرته؟

تقنيات القرن الحادي و العشرين – علم الوراثة، علم النانوتكنولوجي، العلوم الذرية و علم الروبوتات – قاهرة لدرجة أنها تستطيع إنتاج أشكال جديدة من الحوادث و الكوارث التي لم تشهدها البشرية بعد. والأخطر من ذلك كله، أن هذه الكوارث لو حدثت فستكون على نطاق واسع جداً، و ربما في متناول أفراد أو مجموعات صغيرة. و بالتالي، ليس لدينا إمكانية أسلحة الدمار الشامل فحسب، وإنما احتمالية إنهاء كل شيء في غضون دقائق معدودة.

لاحظ أن التقنية تحدث، تجتاح الواقع اليومي للإنسان و تعيد رسم ملامحه. هي تغيّر حياة الإنسان و هو لا يتحكّم بها بشكل تام؛ و لن يستطيع يوماً. سواء كانت التقنية هي النار، العجلة، الطائرة، الهاتف، الإنترنت، وسائل النقل و إلخ..

العِلم أو التقنية تحديداً أقدم من البشر بمئات ملايين السنين.

النمل مثلاً، يقوم بحفر أعشاش كبيرة تحت الأرض تسكنها المستعمرة. يخرج ”العمال‟ بحثًا عن الأوراق التي يقطعونها بفكوكهم و يعودون إلى القرية. تستخدم هذه الأوراق لنمو مستعمرات من الفطريات، والتي يمكنها بفضل إنزيماتها أن تهضم جدران الخلايا السليولوزية، مما يجعل الورق مناسباً للأكل. هذا النمل ينغمس في مشروع زراعي يحافظ على بقاءه بشكل منهجي.

الأرضة أو النمل الأبيض (أو دابة الأرض كما ذكرت في أحد الكتب الإبراهيمية) الذي يقتات على الخشب في الدور، يستخدم الهايدروجين كمصدر للطاقة من خلال مضغ لب الخشب.

على مايبدو فإن تقنيتهم فعّالة للغاية لدرجة أن وزارة الطاقة الأمريكية تدرسها على أمل فهم أسلوبها و توسيع نطاقه بحيث يمكن إنتاج الهيدروجين تجارياً مع نفس العملية. من غير أنها تبني أكوامًا ضخمة معقدة تتجاوز بضع الأمتار، و ذلك باستخدام شكل منظّم من التلال و الأنفاق لدفع حركة الهواء الساخن إلى مواقع المستعمرات الفطرية على سطح أوراق الشجر المجمّع.

بعض الحيوانات البحرية تستخدم النحت على الرمل للتزاوج، و بعضها التضليل بالألوان و الأضواء الفلورية، و بعض أنواع الحبّار تجيد التلوّن بألوان الأشياء المحيطة بها في عضوان ثواني. أو تقنية الموجات الصوتية للتواصل، أو الأغصان الخشبية للبحث عن الديدان، كما تفعل بعض الطيور، أو تفتح الأقفال كما عند بعض الغربان الذكية، أو تسافر آلاف الكيلومترات مستخدمة المجال المغناطيسي الأرضي للملاحة في السماء.

المدن ليست اصطناعية أكثر من خلايا النحل و الإنترنت أشبه بالشبكة العنكبوتية.

إذن التقنية وسيلة ضمن إطار الانتخاب الطبيعي، و ليست حكراً على البشر. بالطبع لا يمكن المقارنة بين تقنيتنا و تقنية الحيوانات الأخرى، لكن فهم أن التقنية جزء من الطبيعة و التطوّر نفسه مهم جداً!

لا أريد بكلامي هذا أن أقلل من شأن العِلم، بالعكس، كعالم شاب لا أنكر الشغف و الولع بجوانب العِلم الممتعة و تخيّل القدرات التي من الممكن أن نحصل عليها بفضله. لكنني أحذّر من تقديسه، أو الوقوع في فخ الإنسانوية بجعله المخلّص الحتمي لكل مشاكل البشرية. لأننا كبشر أكثر تعقيداً و أحياناً أقل ذكاءً من أن يكون العِلم وحده هو الحل الأخير.

يقول بيرتراند راسل، أحد أعمدة الفلسفة العلمية في القرن العشرين: ”عندما أتحدث عن أهمية المنهج العلمي فيما يتعلق بتنظيم الحياة البشرية، أفكر في المنهج العلمي في أشكاله الدنيوية. لست هنا في صدد التقليل من شأن العِلم باعتباره ميتافيزيقيا، لكن قيمة العِلم كميتافيزيقيا تنتمي إلى مجال آخر؛ إلى الدين و الفن و الحب، مع السعي وراء الرؤية البهيجة ، مع جنون بروميثيان الذي يقود أعظم الرجال ليسعوا كي يصبحوا آلهة. ربما تكون القيمة النهائية الوحيدة للحياة البشرية موجودة في جنون بروميثيان هذا. إنها قيمة دينية، و ليست سياسية أو حتى أخلاقية.‟

بروميثيوس، ربما أهم و أشهر الشخصيات الأسطورية في الغرب، و الذي أوجد البشر الأوائل و كثيراً ما يرمز إلى الثوران و التقدّم العلمي ـ بعد أن سرق ”تقنية النار‟ (النور و المعرفة و الدفء) من الآلهة و جازف بسخط زيوس ليعطيها إلى الإنسان.

أجده يجسّد الموقف الفكري هذا بصورة أسطورية قديمة: النار مجرّد أداة، العالم أوسع مما قد نتخيّل و الإنسان لن يعتلي يوماً مقام التيتان و الجبابرة.

التيتان بروميثيوس

أو….. ربما في عصر ما بعد التفرّدية التقنية؟

العربية مفيدة، العروبة مضرّة.

العربية مفيدة، العروبة مضرّة.

الحضارة تبدأ بعد التدوين، و الثقافة تنمو و تتطوّر عن طريق لغة مشتركة. و اللغة العربية جمعت و ارتقت بواقع المجتمعات في الهلال الخصيب، الجزيرة، مصر و المغرب على مراحل تاريخية متفاوتة أكثر مما نفعته “العروبة” كقومية جامعة.

هنالك فرق بينهما. فرق كبير!

النقاش حول “عروبة” فلان و نقاء سلالة آخر يستقطب الإشكاليات بطبيعته، بحكم المصادر التاريخية القليلة و الأدلّة اللغوية التي تربط تفرّع اللغة العربية عن الأصل الهندوأوربي، و تعدد النظريات التي يفترض بعضها نزوح الأقوام من محيط بحر قزوين، العراق و المناطق المجاورة إلى الجزيرة، و الأخرى التي تفترض هجرة من آثر الحياة قرب الأنهار في شكل أكثر تنظيماً على حياة البدو جنوب الحجاز.

العرب أنفسهم في السابق، حتى قبل الميلاد، كانوا عندما يتحدّثون عن منشئهم يقسّمون أنفسهم إلى أولاد عدنان و أولاد قحطان. لربما يتذكّر البعض الأغاني البعثية في أبان فترة حكم صدام حسين، كانت تتغنى بالعروبة و بأولاد عدنان و قحطان.

أولاد عدنان هم عرب الشمال، و عرب الجنوب، العرب العَارِبة، هم أولاد قحطان. بعض المصادر التاريخية تنقل عن روايات تصف عرب الشمال بالعرب المستعربة. و ربما لو عدنا تاريخياً، فتاريخ العرب يبدأ في الحضارة الجنوبية، يعني تقريباً ٨٠٠ سنة ق. م.، مع أن أقدم دليل على التدوين يعود للقرن الثاني ق.م.، كمثال سبأ و معين و غيرها، بينما حضارة الشمال، تدمر، الحضر و لاحقاً قريش و ما حولها؛ الأخيرة جاءت متأخرة، لكن لهجتها [اللغة التي أكتب بها هذه السطور] استمرت حتى اليوم.

مع ذلك، نحن كـمعاصرين “عرب” أو ناطقين، نتعامل مع واقع اللغة و العروبة من منظور مختلف.

فالعربية، كلغة و ثقافة، احتضنت الإسلام و جمعت الشعوب ثقافياً [التدوين] و دينياً من الهند و خراسان حتى الأندلس لمئات السنين. ليس من العجيب أن تنغرس ثقافات في أخرى و تمتص الجديد و المفيد. فالمصريون و شعوب الساحل الأفريقي الشمالي مثلاً ليسوا من عنصر عربي، لكنهم في الماضي قبلوا بالعربية عندما قبلوا بثقافة الإسلام و آثروا في أغلب المراحل التاريخية الوحدة على الانشقاق.

لذلك “العروبة” لم تكن هي الجامع من باب الوحدة في النسل، بل الثقافة العربية، و هذه أصلاً لما ارتقت في العصور الذهبية للعرب لولا انفتاحها على الأمصار و تمكّن المفكرين و العلماء من مختلف القوميات و الأصول أن يدرسوا، يكتبوا و يتواصلوا بالعربية.

كمثال، إبن سينا أصله عربي فارسي، عباس بن فرناس و إبن بطوطة أمازيغين الأصل، الفارابي من أصول تركية، كردية(؟)، و القائمة قد تطول.

ماجمعهم هو التواصل بالعربية، لا القومية.

لأن القومية العربية أو العروبة، تاريخها مليئ بالانتفاضات و الإقصاء.

يمكننا مثلاً التوقف عند تاريخ الشيعة و نزاعها مع السلطة الأموية العربية. النزاع سياسي أكثر من كونه دينياً: لأن عقيدة الشيعة السياسية تقوم على أساس أن الإمامة وراثية في أهل بيت الرسول، و هو مبدأ غريب على أصول الحكم في المنطقة و عند العرب بشكل عام. فالشيعة دعاة حق إلهي لا حق انتخابي. هذا يتصادم مع التفكير العربي القومي [بنو قريش] الذي كان سائداً آنذاك أن العرب المسلمين أولى بحكم أمة المسلمين في الأمصار، بدعوى أن النبي قرشي و أن العربية لغة القرآن ووو من التبرير الديني/سياسي.

و أظن أن هذا السبب الذي جعل بلاد فارس تستقطب الفكر الشيعي، بجانب القرب الجغرافي طبعاً. لكن لو تأمّلنا قليلاً: الولاة و الحكام الذين عيّنهم الخليفة العربي على الأمصار البعيدة كانوا في الغالب عرباً يحكمون أجانباً، إضافة إلى النزعة المتعالية لعرب الجزيرة تجاه المستعربين، كلها عوامل من الممكن أن تثير السخط عند أهل الأمصار. لربما لانعرف الكثير عن شعور الناس آنذاك، لكن هنالك اقتباسات مدوّنة تعطينا فكرة ما.

يقول إبن خلدون: “من الغريب الواقع أن حَمَلة العِلم في الملّة الإسلامية أكثرهم العجم، وليس في العرب حَمَلة علم لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية إلا في القليل النادر، وإن كان منهم العربي في نسبه فهو أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي”

و أراهن أنك حتى اليوم ستجد متوسّط العربي المسلم المعاصر يجادل أنه أفهم بالإسلام من أي أندنوسي أو باكستاني مسلم.

لكن تلك الصراعات، و إن ألقت بظلالها على مشاكل الواقع المعاصر السياسية، إلا أننا اليوم، و هذا مايهمني هنا، نوصَف من الشعوب الأخرى بالعرب! أي أن التعمّق في نقاء النسل هو مضيعة للوقا و إهدار للطاقات.

اللغة و الكتب و الثقافة العربية هي ما تجمعنا و حتى التاريخ بكل صراعاته، نكباته و أيامه الذهبية أيضاً.

و هنا مربط الفرس: العرب اليوم تائهون، مشتتون، و مايحتاجوه هو البحث عن مشتركات مفيدة، تجمع، لا تفرّق. تحترم التباين في مابينهم، تراعي كل دولة و واقعيها السياسي و الاجتماعي و توحّدهم في نفس الوقت. لسنا بحاجة لمشاريع ناصرية و بعثية، بل لمشاريع تنهض بالواقع، تبحث عن مشتركات و مقوّمات الرقي في التراث و تنظر للمستقبل.

بعيداً عن أي أدلجة: طاقة أكثر من ٣٠٠ مليون نسمة يشتركون في قاعدة معلوماتية أفضل من طاقة قليلة مختزلة في أديولوجيات محصورة.

يتبع..

المجتمع، المجموعة، العائلة ـ مهمتنا كجيل العصر أن “نحافظ” على هذه المعادلة

هذه المعادلة هي منبع هويتك كإنسان اجتماعي. افهم أصولها بشكل دقيق، كي لا تصبح فريسة لتيارات ما بعد الحداثة، فتلك تحاول إعادة صياغتها بشكل مخيف ناكرة عمقها البايولوجي و التاريخي. الثمن الذي قد ندفعه من ذلك سيكون باهضاً، و أتمنى أن لا تكون جزءاً من هذه الحملة.


عندما نناقش أصول المجتمعات و الثقافات التي ترسم الهوية التي يتبناها الفرد، لابد من مناقشة مفهوم الهوية و ضرورته في كل عصر. أوربا الحديثة تصارع في تجاوز هذا المفهوم دون جدوى. من حسن الحظ.

لكي نستوعب هذا المفهوم [الهوية] من جوانبه العاطفية، الاجتماعية و البايولوجية، فمن الأمثل تفكيكه و إعادة ترتيبه بتفصيل في السطور التالية:

الهوية هي محصّلة لعوامل و ظروف تحتضن الفرد في فراغ ما و تعزله عن آخر. و عليه سأعود إلى العوامل هذه التي تسبق بروز الهوية: المجتمع، المجموعة، العائلة. قبل البحث في هذه، دعني أمضي في طريقي للعودة إلى أسباب بروز هذه العوامل أصلاً.

أحد الأسباب التي تدفع الفرد إلى الاندماج في شكل تجمّعات أو عائلة هو الخوف من الأفراد الآخرين، الحاجة الملحّة للأمن، كما يؤكّد عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو. وفقاً لفرضيته الهرمية التي يعرفها بعضكم و المتجلّية عن محاولة لصياغة نسقاً مترابطاً يفسّر من خلاله طبيعة الدوافع أو الحاجات التي تحوك السلوك الإنساني، يفترض ماسلو أن الحاجات أو الدوافع الإنسانية تنتظم بشكل متصاعد هرمي من حيث الأولوية. إشباع الحاجات الأكثر أولوية و التي تخدم البقاء البيولوجي ستحل في المركز الأول.

حيث أنه ليس من المستغرب أن تكون أول الحاجات الفسيولوجية مثل الجوع، العطش، تجنب الألم، و الجنس هي الأولويات الأساسية لحيوان ذكي ينافس من أجل البقاء.

لكن الملفت و المفهوم في نفس الوقت، هو أن الحاجة الثانية تتجلّى في الأمن. الحاجة المتعلّقة بالحفاظ على الحالة الراهنة، و ضمان نوع من النظام و الأمان المادي و المعنوي، مثل الحاجة إلى الإحساس بالأمن. لأن الأمن يعزز فرص البقاء و بالأخص الاعتماد على مصدر مشبّع للحاجات. أي تهديد لهذه الحاجة الأمنية و لهذا النظام يمكن أن يتبدّى في شكل مخاوف مثل الخوف من المجهول، الغموض و الفوضى. عالم النفسـ تطوّري إيرينيوس آيب أيبينفيلت يوضّح ان الأطفال الرضّع يبدأون منذ الشهر السادس بالتمييز بين الغرباء و الوجوه المألوفة (القرباء)، حيث ينمو الشعور بالرفض تجاه الغير مألوف و الذي يمكن أن يتصاعد إلى العنف. هذا التخوّف من الغريب لا يُفهم كنتيجة لتجارب سلبية للطفل مع أشخاص غرباء، بقدر كونه مزيجاً متردداً يجمع بين فضول الطفل تجاه العالم الخارجي و بين حنان الأم إلى الأمان الأبوي.

المحلل النفساني و الباحث في مجال الخوف، فريدرش هاكر يصف الخوف من الخوف نفسه كواحد من أهم أسباب العنف. من باب آخر، يتفق علماء الاجتماع على أن الخوف يمكن تفريغه أرضياً و التخلّص منه عند تواجد الفرد بين مجموعة، أو داخل مجتمع. حيث أظهرت العديد من التجارب التي أجريت على إثنيات متعددة، أن الأشخاص المفزوعين يبحثون عن آخرين يشاطروهم التجربة، مما يخفف عنهم الأزمة النفسية و حالة الهلع.

هذه الحاجة إلى الأمان دفعت بالفرد إلى البحث عن هوية “الحامي” و صقلها. لذلك تجد المجتمعات البدائية و حتى تلك التي عاشها الجنس البشري هي مجتمعات هرمية التشكيل، يمارس فيها الحامي دوره كقائد و مسؤول. و لأن نواة كل مجتمع هي العائلة، فـ نويّة كل عائلة، هي الأب و الأم. الأب يحميها و يدافع عنها و يتكفّل بالحاجتين الأساسيتين في هرم ماسلو: ١) الصيد، البحث عن مصادر الغذاء، العمل، كسب المال و توفير الغذاء بشكل أو بآخر، و ٢) أمان العائلة و حمايتها من المخاطر. بينما الأم هي مصدر الحنان، العاطفة، تلاحم العائلة، و نضوج الأطفال; دورها في الحقيقة أعمق و تبعاته أطول: فالمجتمع السليم في الجيل السليم.

هذه الأساسيات استوعبها الكثير من الفلاسفة الإغريق و الأسيوين، ففي الفلسفة الرواقية مثلاً، تجد أن الإنسان الصالح و المتكامل، هو ذلك الذي يؤدّي دوره في هذا الكون على أكمل وجه و يدرك مكانه في المجتمع أو النظام. فالأب يتحمّل مسؤولية عائلته، و القائد مسؤولية رعيّته و الطبيب مسؤولية مرضاه و إلخ.

كما أن البشر بحاجة لشخصيات مثالية التوجّه، تلعب دور القدوة و الرفيق المنير لسبيل الارتقاء و النضوج. فالأطفال في المجموعات يقتبسون غالباً الصفات البارزة من الأشخاص الأكثر تأثيراً في محيطهم، و بالتالي دور القدوة و التسلسل الهرمي هو نظام نجح على مر التاريخ في تمرير الميمات الثقافية المهمة و الضرورية للحفاظ على التقاليد المفيدة. من هنا يأتي تعريف الفكر المحافظ: أن تحافظ على الحضارة و حكمة الأجداد.

Live Your Potential

Psychology professor Jordan Peterson gives a lecture about the importance of living out your true self and the impact it can have.

Transcript:

How many hours a day you waste or how many hours a week you waste. The classic answer is something like four to six hours a day and so if your life isn’t everything it could be, you could ask yourself, well what would happen if you just stopped wasting the opportunities that are in front of you? You’d be who knows how much more efficient, 10 times more efficient, 20 times more efficient. That’s the Pareto distribution. You have no idea how efficient, efficient people get. It’s completely, it’s off the charts. Well and if we all got our act together collectively and stopped making things worse, because that’s another thing people do all the time.

Not only do they not do what they should to make things better, they actively attempt to make things worse because they’re spiteful, or resentful, or arrogant, or deceitful, or homicidal, or genocidal, or all of those things all bundled together in an absolutely pathological package. If people stopped really, really trying just to make things worse, we have no idea how much better they would get just because of that. So, there’s this weird dynamic that’s part of the existential system of ideas between human vulnerability, social judgment, both of which are major causes of suffering and a failure of the individuals to adopt the responsibility that they know they should adopt.

If you take people, and I’ve told you this, and you expose them voluntarily to things that they are avoiding and are afraid of. That they know they need to overcome in order to meet their goals, their self-defined goals. If you can teach people to stand up in the face of the things they’re afraid of, they get stronger.

And you don’t know what the upper-limits to that are, because you might ask yourself, if for 10 years, if you didn’t avoid doing what you knew you needed to do, by your own definitions, right? Within the value structure that you’ve created to the degree that you’ve done that. What would you be like?Well, there are remarkable people who come into the world from time to time and they’re people who do find out over decades long periods, what they could be like if they were who they were. If they said, If they spoke their being forward and they get stronger, and stronger, and stronger and we don’t know the limits to that. We do not know the limits to that.

So you could say, well in part perhaps the reason that you’re suffering unbearably can be left at your feet because you’re not everything you could be and you know it. And of course, that’s a terrible thing to admit and it’s a terrible thing to consider, but there’s real promise in it, right? Because it means that perhaps there’s another way that you could look at the world and another way that you could act in the world. What it would reflect back to you would be much better than what it reflects back to you now. So you might say, well, what would happen if you abided by your conscience for five years, or for 10 years? What sort of position might you be in? What sort of family might you have? What sort of relationship might you be able to forget? You can be bloody sure that a relationship that’s forged on the basis of who you actually are, is going to be a lot stronger and more welcome than one that’s forged on the basis of who you aren’t.

Now of course, that the means that the person you’re with has to deal with the full force of you in all your ability and your catastrophe and that’s a very, very difficult thing to negotiate but if you do negotiate it, well at least you have something, you have somewhere solid to stand, and you have somewhere to live. You have a real life and It’s a great basis upon which to bring children into the world for example, because you can have an actual relationship with them instead of torturing them half to death, which is what happens in a tremendously large minority of cases. Because it isn’t merely that your fate depends on whether or not you get your act together and to what degree you decide that you’re going to live out your own genuine being. It isn’t only your fate, it’s the fate of everyone, that you’re networked with.

You think well, there’s seven billion people in the world and who are you? You’re just one little dust mote among that seven billion and so it really doesn’t matter what you do or don’t do, but that’s simply not the case. It’s the wrong model, because you’re at the center of a network. You’re a node in a network, of course that’s even more true now that we have social media.

You’ll know 1,000 people at least over the course of your life and they’ll know 1,000 people each and that puts you one person away from a million and two persons away from a billion. That’s how you’re connected and the things you do, they’re like dropping a stone in a pond, the ripples move outward and they affect things in ways that you can’t fully comprehend and it means that the things that you do and that you don’t do are far more important than you think.

الفصل الأوّل من كتاب “كيف تكون رواقيّاً”

الفصل الأوّل: المسار الملتوي

في كل ثقافة نعرفها، سواء كانت علمانية أو دينية، متنوّعة عرقياً أم لا، تجد أن السؤال عن كيفية عيش و خوض حياة صالحة جوهرياً في أبعاده. كيف ينبغي لنا التعامل مع تحدّيات الحياة و تقلّباتها؟ كيف ينبغي لنا أن نهذّب سلوكياتنا في العالم و أن نتعامل مع الآخرين؟ و السؤال النهائي: كيف يمكننا أن نستعد بشكل أفضل للاختبار النهائي لشخصيتنا، اللحظة التي نموت فيها؟

العديد من الأديان و الفلسفات التي شهدها التاريخ البشري و حاولت معالجة هذه القضايا، تقدّم إجابات تتراوح بين الروحانيات و حتى تلك المفرطة عقلانياً. حتى العلم نفسه دخل في الآونة الأخيرة في مجال تسويق الأوراق التقنية و الكتب الشعبوية التي تتناول فكرة السعادة و كيفية تحقيقها، ترافقها حزمة من المسوحات الدماغية و الدراسات التي تقترح ما يمكن أن يزيد أو يقلّل من السعادة نفسها. في المقابل، أدوات البحث عن إجابات للأسئلة الوجودية التي تشغل الإنسان منذ بداية التاريخ تتباين بقدر المناهج التي استخدمت من قبل – من النصوص المقدسة إلى التأمّل العميق، الحجج الفلسفية و التجارب العلمية.

إن الصورة البانورامية الناتجة مذهلة حقاً و تعكس كلا من إبداع الروح الإنسانية و الإلحاح الذي يصاحب الاستفسارات حول المعنى و الغرض من الوجود. يمكنك كإنسان تبنّي مجموعة كبيرة و متنوّعة من الخيارات العقائدية و الفلسفية داخل الديانات الإبراهيمية، على سبيل المثال؛ أو اختيار مدرسة من المدارس البوذية؛ أو الطاوية، أو الكونفوشيوسية، و غيرها الكثير. أما إذا كنت ممن يفضّل الفلسفة، بدلاً عن الدين، فيمكنك أن تتناول الوجودية، الإنسانوية العلمانية، البوذية العلمانية، الثقافة الأخلاقية، و إلخ. أو يمكن أن تصل بدلاً من ذلك إلى الاستنتاج بأنه لا يوجد معنى أصلاً – أي أن البحث عن ذلك المعنى نفسه لا مغزى له – و ربما تعتنق نوعاً “سعيداً” من العدمية (نعم، هناك شيء من هذا القبيل).

بالنسبة لشخصي، فأنا أصبحت رواقياً. و أنا لا أقصد أنني قد بدأت بالتعامل مع قسوة الواقع و الإحباط بأسلوب حليم يقمع مشاعري تماماً. بقدر ما أحب شخصية السيد سپوك Mr. Spock [شخصية خيالية في الفيلم والمسلسل التليفزيوني المتميز إعلامياً ستار تريك] التي ألّفها جين رودنبيري [كاتب المسلسل]، إلا أنها تعكس فهماً ساذجاً للمؤلّف عن الرواقية ـ في مايتضح لاحقاً. حيث أن هذه الصفات [شخصية سپوك في المسلسل باردة و لاتظهر العواطف] تمثّل إثنين من المفاهيم الخاطئة الأكثر شيوعاً حول معنى أن تكون رواقياً. في الواقع، لا تقتصر الرواقية على قمع المشاعر أو إخفائها، بل العكس تماماً، فهي تتعلّق بالاعتراف بمشاعرنا و التأمّل في أسبابها، ثم إعادة توجيهها إلى صالحنا. الرواقية تحث على أن نأخذ في الاعتبار ما هو خاضع تحت سيطرتنا و ما يستعصي عليها، مع تركيز جهودنا على الأول و عدم التفريط بها و إضاعتها على الأخير. هي ببساطة تعني ممارسة »الفضيلة« و التميّز و الارتقاء في العالم إلى أفضل قدراتنا، مع الأخذ في الاعتبار البعد الأخلاقي لجميع أعمالنا.

كما سأشرح في هذا الكتاب، فالممارسة العملية للرواقية تقتضي مزيجاً ديناميكياً من التفكير في المفاهيم النظرية، قراءة النصوص الملهمة، و الانخراط في التأمّل، التعقّل، و غيرها من التدريبات الروحية [الكاتب يتناول مصطلح الروحيات بشكل عام يتضمّن حتى المفاهيم العقلانية، الوعي و الشعور النفسي بالـ الأنا]. واحد من المبادئ الرئيسية للفلسفة الرواقية هي أننا يجب أن ندرك و نأخذ على محمل الجد، التفريق بين ما يمكننا و ما لا يمكننا السيطرة عليه. هذا التمييز – الذي أدلت به أيضاً بعض المذاهب البوذية – غالباً ما يُفهَم كـ انسحاب من المشاركة الاجتماعية و الحياة العامة، لكن نظرة فاحصة على كل من الكتابات الرواقية و حياة مشاهير رواقيين تبدّد هذا الانطباع و تثبت العكس: الرواقية كانت منذ العصور الماضية فلسفة عملية تحث على المشاركة الاجتماعية و تشجّع على النية الحسنة تجاه البشرية جمعاء و الطبيعة أيضاً. هذا التوتّر المتناقض فيما يبدو بين نصيحة التركيز على أفكارنا الخاصة و البعد الاجتماعي الذي يتنضمن المسؤولية تجاه المجتمع، هو ما شدّ انتباهي و دفعني إليها كفلسفة عملية.

وصلت إلى الرواقية، لا في طريقي إلى دمشق، و لكن من خلال مزيج من صدف و وقائع ثقافية، تقلّبات في حياتي، و خيار فلسفي مقصود. الآن و بعد كل ذلك، يبدو أنه لا مفر من أن يؤدي طريقي في نهاية المطاف إلى الرواقية. كشخص ترعرع في روما، اعتبرت الرواقية جزءاً من تراثي الثقافي منذ أن درست التاريخ الروماني و الإغريقي القديم و الفلسفة في المدرسة الثانوية، على الرغم من أنه لم يكن حتى وقت قريب منذ أن سعيت لجعل مبادئها جزءاً من حياتي اليومية. أنا كتعريف مهني فيلسوف و عالِم، و لذلك كنت دائماً أميل إلى البحث عن طرق أكثر تماسكاً و تناسقاً لفهم العالم (من خلال العِلم) و البحث عن خيارات أفضل لعيش حياة صالحة و سعيدة (من خلال الفلسفة). قبل بضع سنوات، كتبت كتاباً: “أجوبة عن أرسطو: كيف يمكن للعلم و الفلسفة أن يقودانا إلى حياة أكثر معناً و وضوحاً”، و الذي تناولت فيه منهجاً سميّته sciphi السايـ فاي [science+philosophy]. كان النهج الأساسي هو الجمع بين الفكرة القديمة من الأخلاق الفضيلة، و التي تركّز على تنمية الشخصية و السعي للارتقاء الشخصي، كالركائز التي تضفي معناً على حياتنا، مع آخر ثمار العلوم الطبيعية و الاجتماعية التي تخبرنا عن الطبيعة البشرية و كيف نعمل، نفشل و نتعلّم. هذا كان سوى بدايةً لرحلتي نحو الوعي الفلسفي الذاتي. لكن شيء آخر كان يشغل تفكيري آنذاك. أنا لم أكن شخصاً متديّناً منذ سنوات المراهقة (دفعتني قراءة كتاب برتراند راسل الشهير “لماذا أنا لست مسيحياً” في أيام المدرسة الثانوية إلى مغادرة الكاثوليكية بشكل تدريجي)، و على هذا النحو استمرّت التساؤلات حول الأسئلة الأخلاقية و مصادر الاستنباط الفلسفية. أظن أن عدداً متزايداً من الناس، سواء في الولايات المتحدة و في جميع أنحاء العالم، يواجه معضلة مماثلة.

في الوقت الذي أتعاطف فيه مع فكرة أن يكون عدم الانتماء الديني خياراً مقبولاً في الحياة مثل أي خيار انتماء ديني مدعوم بحزم بالفصل الدستوري بين الدولة و الدين، ينمو عندي عدم رضا على نحو متزايد مع الغضب المتعصّب لما يسمّى بالملحدين الجدد، ممثلين بريتشارد داوكينز و سام هاريس و آخرين. و على الرغم من أن الانتقاد العلني للدين (أو أي فكرة) هو العنصر الأساسي لمجتمع ديمقراطي سليم، فإن الناس لا يستجيبون بشكل جيّد للتجريح أو التصغير من شأنهم. في ما يخص هذه النقطة، يوافقني الفيلسوف الرواقي إبيكتيتوس الرأي بوضوح:

“عند هذه النقطة، أنت تخاطر بأن تدفعه للقول:”ما دخلك أنت؟ من أنت بالنسبة لي؟” ضايقه أكثر، وستكون عرضة لـ لكمة في الأنف. أنا شخصياً كنت حريصاً على هذا النوع من الخطاب، حتى جوبهت بمثل هذا الاستقبال”.

هناك بالطبع، بدائل الإلحاد الجديد إذا كنت ترغب في اتباع نهج غير ديني في الحياة، بما في ذلك البوذية العلمانية و العلمانية الإنسانوية. مع ذلك، فإن هذين المسارين – و هما الطريقان الرئيسيان اللذان يخاطبان أولئك الذين يسعون إلى تشييد وجود علماني – أجدهما نوعاً ما غير مرضيين بالنسبة لي. أما بالنسبة للبوذية، فأجد أساليب مذاهبها السائدة حالياً غيبية و روحانية بشكل مفرط، و نصوصها غامضة و يصعب تفسيرها، خاصة في ضوء ما نعرفه عن العالم و الحالة الإنسانية من العِلم الحديث (على الرغم من عدد من الدراسات في علم الأعصاب التي تظهر بشكل مقنع فوائد التأمّل).

إن الإنسانوية العلمانية التي اعتنقتها لسنوات، تعاني من مشكلة عكسية: فهي، أيضاً، تعتمد بشكل مفرط على العِلم و التصوّرات الحديثة للعقلانية، و نتيجة لذلك – و على الرغم من أفضل الجهود التي يبذلها مؤيدوها – فهي تهب بشكل بارد و خالية من المفاهيم التي قد تريد تعليمها لأطفالك في صباح يوم الأحد [أو صلاة الجمعة]. و هو ما أعوز إليه النقص المذهل في نجاح (عددياً) المنظمات الإنسانية العلمانية. على النقيض من ذلك، وجدت أن في الرواقية فلسفة عقلانية، تماسي و لا تناقض العلم و تشمل في نفس الوقت بعداً روحانياً، و تفتح باباً صريحاً للمراجعة. و الأهم من ذلك كلّه، أنها فلسفة عملية بشكل بارز. أقرّ الرواقيون بالمبدأ العلمي للسببية: كل شيء له سبب، و كل شيء في الكون يتكشّف وفقاً لعمليات طبيعية. ليس هناك مجالاً للخرافات. في نفس الوقت كانوا يعتقدون أيضاً، أن الكون منظّم وفقاً لما أسموه Logos لوگوس [مصطلح فلسفي و ديني قديم من الثقافة الأوربية يدل في سياقات شتّى على مدلولات متعددة، كالخطاب، اللغة، العقل الكلّي، كلمة الإله أو القانون الكلّي للكون، كما يصفه هرقليطس]، والتي يمكن أن تفسّر على أنها إما الله أو ببساطة ما يسمى أحياناً بـ »إله آينشتاين«: الحقيقة البسيطة المطلقة أن الطبيعة قابلة للفهم و الاستيعاب بواسطة العقل.

على الرغم من أن المكوّنات الأخرى للفلسفة الرواقية محورية، إلا أن السمة المميّزة و الأهم هي طبيعتها العملية: فهي منذ بدايتها تنظّر لفلسفة عملية غير معقّدة تساعد الفرد في سعيه للحصول على حياة سعيدة و ذات مغزى. إذن ليس من المستغرب أن نقرأ في نصوصها الأساسية – معظم الكتابات وصلتنا إلى حد كبير من فترة الرواقية الرومانية المتأخّرة (كما كانت تسمّى سابقاً)، لأن معظم الكتابات في وقت مبكر مازالت مفقودة – تعاليم واضحة و بسيطة. إبيكتيتوس، سينيكا، موسونيوس روفوس، و ماركوس أوريليوس كلّهم يتحدثون معنا بلغة واضحة، بعيداً عن النصوص البوذية المشفّرة برموز غيبية أو حتى اللغة المزخرفة بالاستعارات و القصص الرمزية من الثقافة المسيحية المبكّرة. واحد من الاقتباسات المفضّلة عندي، هي من إبيكتيتوس، و التي تجسّد هذا الواقع العملي للرواقية:

“الموت ضروري و لا يمكن تجنّبه. أعني، لو أردت، إلى أين سأذهب بعيداً عنه؟”

السبب النهائي الذي دفعني إلى الرواقية هو أن هذه الفلسفة تتحدّث بشكل مباشر و مقنع حول حتمية الموت و مواجهته. لقد أكملت مؤخّراً نصف قرن من العمر، و هي نقطة تبدو تعسّفية في الحياة التي دفعتني مع ذلك إلى الانخراط في أفكار و تأمّلات أوسع حول من أنا، و ماذا أفعل؟ كشخص غير متدين، كنت أيضاً أبحث عن أشبه بكراس تعليمات حول كيفية الاستعداد لمواجهة نهاية المطاف من حياتي. و بعيداً عن مشاغلي الوجودية، نحن نعيش اليوم في مجتمعات تتوسّع فيها الحياة من خلال العلم الحديث، و بالتالي سيجد الكثير منا أنفسنا بحاجة إلى اتخاذ قرار بشأن استمرار وجودنا لعقود بعد التقاعد و دخول آخر مراحل الحياة. و علاوة على ذلك، مهما كان قرارنا بشأن معنى حياتنا و هدفنا فيها، لا بد من إيجاد سبل لتهيئة أنفسنا و أحبائنا لمواجهة الزوال الدائم لوعينا، و وجودنا الفريد في هذا العالم. فنحن بحاجة إلى معرفة كيفية الموت بطريقة كريمة تسمح لعقولنا بالولوج إلى الهدوء و الصفاء و كيف نواسي أولئك المقرّبون و العزيزون علينا بعد أن نرحل.

من الجدير بالذكر أن الرواقيين الأوّليون كرّسوا قدراً كبيراً من الجهد و الكثير من الكتابات لما وصفه سينيكا بأنه الاختبار النهائي للشخصية و المبدأ. “نموت كل يوم”، كتب إلى صديقه جايوس لوسيليوس. و قد ربط سينيكا هذا الاختبار ببقية وجودنا على الأرض: “لا يمكن للرجل أن يعيش صالحاً، إذا لم يعرف كيف يموت بشكل صالح”. الحياة، بالنسبة للرواقيين، هي مشروع مستمر، و الموت، كما فهموه، هو نقطة نهاية طبيعية منطقية، لا شيء مميز في حد ذاته و لا هو شيء يجب أن نخشاه بشكل مبالغ. هذا الموقف الفكري انتشر صداه في ذهني و خاطب التناسق في جوارحي، بعيداً عن تصوّرات الخيال حول الخلود التي لا يوجد دليل عليها و لا سبب عقلاني للاعتقاد بها، و بعيداً عن التهرّب من الواقع الحتمي نفسه.

لهذه الأسباب و أسباب أخرى، أنا لست وحيداً في بحثي لإحياء هذه الفلسفة العملية القديمة و تكييفها مع الحياة في القرن الحادي والعشرين.

في حدث سنوي، يحضر الآلاف من الناس إلى المشاركة في أسبوع الرواقية الذي ينظّمه فريق في جامعة إكستر في إنجلترا، بالتعاون مع الفلاسفة الأكاديميين و المعالجين المتخصصين بالعلوم، و مشاركين مهتمين من جميع أنحاء العالم. الهدف من هذا الأسبوع الرواقي له جانبين: من ناحية، هي فرصة لتعريف الناس بتاريخ هذه الفلسفة القديمة و أهميتها لحياتهم المعاصرة، و من ناحية أخرى، لجمع البيانات المنهجية لمعرفة ما إذا كانت ممارسة الرواقية تحدث فرقاً واضحاً على أرض الواقع. النتائج الأوّلية من مبادرة إكستر هي مؤقّتة حتى الآن (في أسابيع الرواقية في المستقبل، سيتم استخدام بروتوكولات تجريبية أكثر تطوراً و جمع أحجام عيّنات أكبر)، لكنها واعدة. فعلى سبيل المثال، أفاد المشاركون في الأسبوع السنوي الثالث من المبادرة بأن المشاعر الإيجابية ارتفعت بحوالي ٩٪، مع انخفاض المشاعر السلبية بنسبة ١١٪، و حسن رضا نفسي بنسبة ١٤٪ بعد أسبوع كامل من الحدث الأسبوعي. (في العام السابق أجرى الفريق متابعة طويلة الأمد للتأكّد من البيانات، و أكّدوا النتائج الأولية للأشخاص المشاركين). و يبدو أيضاً أن المشاركين يعتقدون أن الرواقية تجعلهم أكثر فطنة و أقرب إلى الفضيلة في التعامل اليومي، على الأقل هذا ما أدلى به ٥٦٪ من المشاركين في الاستبيانات.

لابد من التنويه أن هذه هي عيّنة مختارة من الناس الذين لديهم مصلحة و رغبة سابقة في التعمّق في هذه الفلسفة، و بالتالي فهم من البداية حاضرون بجرعة فضول و رغبة في التأمّل. نتائج مثل هذه ليست مثيرة للدهشة تماماً، بالنظر إلى أن الرواقية هي الجذر الفلسفي لعدد كبير من العلاجات النفسية المعتمدة على الأدلّة. بطبيعة الحال، الرواقية هي فلسفة بالدرجة الأولى، و ليست نوعاً من العلاج النفسي. الفرق هنا بالغ الأهمية: فالعلاج وفق تعريفه و هدفه، هو نهج قصير الأجل هدفه مساعدة الناس على التغلّب على مشاكل محددة ذات طبيعة نفسية. هو لا يوفّر بالضرورة صورة عامة، أو فلسفة كاملة عن الحياة. فلسفة الحياة هي شيء نحتاجه و نطوّره جميعاً، بوعي أو بدون. بعض الناس ببساطة يكتسبون تعاليمهم و فلسفتهم التي تحدد إطار الحياة من الدين في المجتمع الذي يولدون فيه. البعض الآخر يشكّل فلسفته الخاصة أثناء السير في دروب الحياة، دون أن يفكّر كثيراً في ذلك، و لكن مع ذلك ينخرط في أعمال و قرارات تعكس بعض الفهم الضمني للحياة. أما البعض الآخر يفضّل – كما وصفه سقراط – أن يأخذ الوقت الكافي لدراسة و تأمّل حياته من أجل العيش بشكل أفضل. الرواقية، حالها حال أي فلسفة حياة أخرى، قد لا تخاطب جوارح أو تشدّ انتباه عقل كل إنسان. بل هي متطلّبة بطبيعتها، مشدّدة على أن الشخصية الأخلاقية الفاضلة هي الشيء الوحيد الذي يستحق أن ننمّيه. الصحة، التعليم، و حتى الثروة تعتبر مزايا جانبية (على الرغم من أن الرواقيون لا يدعون إلى الزهد، و كثير منهم تمتع تاريخياً بالأشياء الجيّدة في حياتهم). هذه “المزايا” لا تعرّف هويتنا كأفراد و ليس لها علاقة بقيمتنا الشخصية التي تعتمد على سلوكياتنا و ممارستنا للفضائل. و بهذا المعنى، فإن الرواقية هي ديمقراطية بارزة، تتقاطع عبر الطبقات الاجتماعية: سواء كنت غنياً أو فقيراً، صحيّاً أو مريضاً، متعلّماً أو جاهلاً، فإنه لا فرق في قدرتك على عيش حياة أخلاقية فاضلة، و بالتالي تحقيق ما سمّاه الرواقيون أتاراكسيا، أو صفاء الذهن.

رغم تميّزها، تشترك الرواقية بالكثير من المبادئ الأخلاقية مع الفلسفات الأخرى و مع الأدیان (البوذیة و الطاویة و الیھودیة و المسيحیة)، و الحرکات الحدیثة مثل الإنسانیة العلمانیة و الثقافة الأخلاقیة. هناك شيء جذّاب جداً بالنسبة لي، كشخص غير متديّن، في مثل هذه الفلسفة المتنوّعة التي يمكن أن تشترك في الأهداف أو على الأقل في بعض المواقف العامة مع التقاليد الأخلاقية الرئيسية الأخرى في جميع أنحاء العالم. هذه القواسم المشتركة دفعتني لأن أرفض الإلحاد الجديد الذي انتقدته في وقت سابق، كما أنها تسمح للأشخاص الدينيين بأن ينأوا بأنفسهم عن الأصوليات المتطرّفة التي عانا منها تاريخنا الحديث.

في نهاية المطاف، لا يهم للشخص الرواقي إذا كنّا نعتقد أن اللوگوس Logos [إله آينشتاين، مصطلح فلسفي و ديني قديم من الثقافة الأوربية يدل في سياقات شتّى على مدلولات متعددة، كالخطاب، اللغة، العقل الكلّي، كلمة الإله أو القانون الكلّي للكون، كما يصفه هرقليطس] هو الله أو الطبيعة، ما دمنا ندرك أن حياة إنسانية كريمة هي حصاد تهذيب شخصيتنا و سلوكياتنا بشكل فاضل و اهتمامنا بالآخرين (و حتى الطبيعة نفسها) و في ظل التحرّر ـ بشكّل معقول و ليس متطرّفاً ـ من استهلاك السلع الدنيوية. هناك بطبيعة الحال تحدّيات لا تزال دون حل، و التي سوف أتناولها مع القارئ في الفصول القادمة. الرواقية الأصلية، على سبيل المثال، كانت فلسفة شاملة شملت ليس فقط الأخلاق، بل أيضاً الميتافيزيقيا، العلوم الطبيعية و نهج محددة للمنطق و المعرفة (أي نظرية المعرفة). هم اعتبروا أن هذه الجوانب الأخرى من فلسفتهم مهمة، لأنها احتوت قلقهم الرئيسي: كيف يعيش المرء حياته؟

الفكرة هي أنه من أجل اتخاذ قرار بشأن النهج الأمثل للعيش، نحن بحاجة أيضاً إلى فهم طبيعة العالم حولنا (الميتافيزيقيا)، و كيف يعمل (العلوم الطبيعية)، و كيف (بشكل غير كامل) نأتي لفهم ذلك (نظرية المعرفة). لكن العديد من المفاهيم الخاصة التي وضعتها الوراقية القديمة فسحت المجال لمفاهيم حديثة أدق أدخلتها العلوم الحديثة و الفلسفة، و بالتالي تحتاج إلى تحديث. على سبيل المثال، كما يوضّح الكاتب الرواقي الحديث ويليام إير ڤاين في “دليل لحياة صالحة“، فإن الفاصل الواضح الذي بيّنه الرواقيين بين ما هو غير خاضع لسيطرتنا و ما هو خارج عنها، صارم جداً: فخارج إطار أفكارنا و مواقفنا، هناك بعض الأشياء التي يمكننا و من المفروض ـ تبعاً للظروف ـ أن نؤثّر عليها، حتى النقطة التي ندرك فيها أن لا شيء أكثر في وسعنا القيام به. صحيح أيضاً أن الرواقيينكانوا متفائلين بشكل مفرط حول مدى سيطرة البشر على أفكارهم و مزاجهم. فقد أظهرت العلوم المعرفية الحديثة مراراً و تكراراً أننا غالباً ما نكون فريسة للتحيّز المعرفي و المغالطات.

و لكن من وجهة نظري، هذه المعرفة تعزّز فكرة أننا بحاجة إلى تدريب أنفسنا في التفكير الفاضل و الصحيح، كما نصح الرواقيون. و أخيراً، واحدة من السمات الأكثر جاذبية في الفلسفة الرواقية هي أن الرواقيين كانوا منفتحين أمام فكرة إعادة النظر في النقد و التحدّيات التي تواجه مذاهبهم و تغييرها وفقاً لذلك. بعبارة أخرى، هي فلسفة مفتوحة، و مستعدّة لإدراج النقد من المدارس الأخرى (على سبيل المثال، ما يسمّى بالمتشككين من العصور القديمة)، فضلاً عن الاكتشافات الجديدة التي يجلبها العِلم الحديث. كما قال سينيكا: “الرجال الذين قاموا بهذه الاكتشافات من قبلنا هم ليسوا أسيادنا، و لكن مرشدينا. فالحقيقة مفتوحة للجميع؛ هي لم تُحتكر بعد. و هناك الكثير منها متروك للأجيال القادمة لاكتشافه.”

في عالم تسوده الأصولية المتطرّفة و المذاهب الصلبة، من المنعش احتضان نظرة فلسفية عن الحياة هي في جوهرها مفتوحة للمراجعة و النقد. في ظل هذه الأسباب، قرّرت الالتزام بالرواقية كفلسفة للحياة، و استكشافها و دراستها و إيجاد مجالات للتحسين إن أمكن، و ثم أشاطرها مع الآخرين. في النهاية، الرواقية هي مسار آخر (ملتوي) رسمته الإنسانية لتطوير نظرة أكثر تماسكاً عن العالم، عن من نحن، و كيف نتناسب مع مخطط أوسع من الأطياف و الأنظمة حولنا. الحاجة إلى هذا النوع من البصيرة تبدو مطلباً عالمياً، و في هذا الكتاب سوف أبذل قصارى جهدي لتوجيه القارئ في هذا الطريق القديم و الحديث في نفس الوقت.

في البداية، خياري لمرشد يشاطرنا الرحلة سيكون إبيكتيتوس، أول فيلسوف رواقي واجهت كتاباته عندما بدأت برحلتي الخاصة في استكشاف تلك الفلسفة. ولد إبيكتيتوس في هيرابوليس (مدينة باموكالي الحالية في تركيا) حوالي عام ٥٥ م. إبيكتيتوس لم يكن اسمه الحقيقي، الذي لا نعرفه. الكلمة ببساطة تعني “مكتسب”، مما يعكس حقيقة أنه كان عبداً. سيّده كان معروفاً تحت إسم إبافروديتوس، وهو عبد معتق غني عمل سكرتيراً للإمبراطور نيرو في روما، حيث قضى إبيكتيتوس شبابه. و قد أصيب بالشلل، إما بالولادة أو بسبب إصابة أصيب بها عندما كان عبداً تحت سيّد سابق. على أي حال، تعامل إبافروديتوس مع إبيكتيتوس بشكل طيّب و سمح له بدراسة الفلسفة الرواقية عند واحد من المعلمين الأكثر شهرة في روما، موسونيوس روفوس. بعد وفاة نيرو في ٦٨ م، تم تحرير إبيكتيتوس من قبل سيّده – و هي ممارسة شائعة في روما مع العبيد الأذكياء و خاصة المتعلّمين منهم. ثم أنشأ مدرسة خاصة به في عاصمة الإمبراطورية، و درس هناك حتى ٩٣ م، عندما حظر الإمبراطور دوميتيان جميع الفلاسفة من المدينة. (الفلاسفة بشكل عام، و الموسيقيين على وجه الخصوص، اُضطِهدوا من قبل عدد من الأباطرة، خاصة فيسباسيان و دوميتيان، و عشرات من الفلاسفة إما قتلوا – بما في ذلك سينيكا ـ أو نفيوا، كما حدث مرّتين لموسونيوس. بعدها نقل إبيكتيتوس مدرسته إلى مدينة نيكوبوليس في شمال غرب اليونان، حيث قد زاره الإمبراطور هادريان (واحد من الأباطرة الصالحين الخمسة في تاريخ الإمبراطورية الرومانية، آخرهم ماركوس أوريليوس، الرواقي الأكثر شهرة في كل العصور). اشتهر إبيكتيتوسكمعلّم و جذب عدداً من الطلاب رفيعي المستوى، بما في ذلك آريان نيكوميديا، الذي دوّن بعض محاضرات معلّمه. هذه المحاضرات معروفة اليوم بـ خطابات يونانية، و التي سأستخدمها كقاعدة في استكشافنا للرواقية في هذا الكتاب. إبيكتيتوس لم يتزوج أبداً، على الرغم من أنه و في وقت متأخر من حياته بدأ يعيش مع امرأة ساعدته في تربية طفل لرجل صديق له، كان قد تُرِك للموت قبل أن يتبناه هو. إبيكتيتوس نفسه توفي حوالي ١٣٥ م.

شخصية مثيرة، أليس كذلك؟ عبد مشلول يكسب علماً و معرفة ليصبح رجلاً حرّاً و يؤسس مدرسته الخاصة، ينفيه إمبراطور واحد، و يبني مع آخر علاقة ودّية، يساعد بلا أنانية طفلاً صغيراً و يربّيه.

أوه، و الأهم من ذلك كله، ينطق بعضاً من أقوى الكلمات الحكيمة التي تحدّث بها الحكماء في العالم الغربي بأكمله و ما وراءه.

إن إبيكتيتوس هو المرشد المثالي لرحلتنا، ليس فقط لأنه أول رواقي قرأت له، لكن بسبب فطنته و ذكائه، و حسّه الداكن من الفكاهة. كذلك لاختلافي معه حول عدد من النقاط الهامة، و التي سوف تظهر المرونة الفائقة للفلسفة الرواقية و قدرتها على التكيّف مع الأزمان و الأماكن المختلفة، من القرن الثاني في روما و حتى القرن الحادي و العشرين في نيويورك. لذلك دعونا نستكشف الرواقية معاً في محادثة نخوضها مع إبيكتيتوس عبر خطاباته. سوف نتحدّث عن مواضيع متنوّعة مثل الله، العولمية في عالم مزدحم على نحو متزايد، رعاية أسرنا، أهمية تهذيب سلوكنا و شخصيتنا، التحكّم بالغضب و تقبّل الإعاقة، الموقف الأخلاقي من (أو عدم) الانتحار، و أكثر من ذلك بكثير. أما الكتّاب الآخرون، القدامى و الحديثون، فسوف يضيفون لما نتعلّمه من إبيكتيتوس. في نفس الوقت سأقوم أحياناً بالتراجع بلطف عن بعض مفاهيم مرشدنا، متناولاً التقدّم في الفلسفة و العلوم الحديثة على مدى القرون المتداخلة. الهدف هو تعلّم شيء عن كيفية الإجابة على هذا السؤال الأساسي: كيف يجب علينا أن نعيش حياتنا؟”

Massimo Pigliucci ماسيمو بيغليوتشي. “كيف تكون رواقياً”.
***

هل شدّك الفصل الأوّل من الكتاب؟ اعلمني بذلك حتى أباشر بترجمة بقية الفصول. شارك في المدوّنة حتى أعلمك بالجديد و لا تنسى بأن تشاطر محيطك الرقمي ما قرأت، فتعود الفائدة على الجميع.

رتّب الأفكار في موسوعتك أولاً: ماذا نعني بالليبرالية أو السياسة المحافظة؟ الكلاسيكية أو الديمقراطية الحديثة؟ الليبرتارية أو النيوليبرالية؟

قبل أن استهل بالتوضيح و التمييز بين المصطلحات التي ذكرتها في العنوان أعلاه، حاول كقارئ عربي أن تتقبّل أن السياسة العربية بشكل عام تستورد و تخلط المزيج المحلّي الخاص بها منذ قرون من الزمن بدل أن تساهم في صياغة التاريخ السياسي الحديث. بالطبع، ظروف المناطق العربية استثنائية و هي ضحية لأيديولوجية قديمة و مهيمنة حتى اليوم، بغضّ النظر عن الاستعمار، الحروب و التدخّلات و التقسيمات التي أنهكتها على مدى القرون الماضية.
من باب، أنا أتهم القارئ العربي العام بعجزه عن التمييز بين المذاهب السياسية الرئيسية، و من باب آخر أعذره، لأن واقعنا السياسي و الاجتماعي لايفسح المجال للإنسان بأن يجد الوقت اللازم و المزاج الصافي للدخول في هكذا تفاصيل قد تبدوا مملة للكثير و ربما محبطة للبعض الآخر.

سأحاول هنا وضع حجر الأساس لكي تفهم السياسة العالمية أكثر في حالة كونك لم تتعمّق في الموضوع بعد، لأنك شئت أم أبيت مقيّد بالظروف الاقتصادية و الحروب و الاتفاقيات العالمية. العولمة و التقنية غيّرتا قوانين اللعبة. من الذكاء أن تحاول فهم العالم حولك كي تتجنّب الوقوع في مشاكل كثيرة و تقليل نسبة الخطأ. لذلك لن أتحيّز لأي مذهب في الطرح و سأكتفي بالتركيز على الأسس الجوهرية التي تميّز مذهباً سياسياً عن الآخر و تفاصيل الفلسفة السياسية التي تشكّل القاعدة التشريعية لتلك المذاهب.
قبل أن نبدأ، دعنا نتناول تعريفي المذهبين المحافظ و الليبرالي بشكل مقتضب:

السياسة المحافظة Conservatism[من اللاتينية: conservare = “حفظ” أو “الحفاظ”] هي مذهب سياسي يشير إلى الفلسفات السياسية و الاجتماعية التي تعزز الحفاظ على المؤسسات الاجتماعية التقليدية و بقاء الوضع الراهن مع القليل من التغيير الحذر، فهي تعتبر الاستقرار شيء ثمين و يجب أن يتم التغيير بشكل تدريجي من أجل الحفاظ عليه. الفلسفة السياسية المحافظة يمكن وصفها بـشكل بسيط و غير مفصّل بأنها حالة ذهنية و فلسفة سياسية تنفر من التغيير السريع و الابتكار، و تسعى جاهدة لتحقيق التوازن و النظام، و في الوقت نفسه تتفادى التطرّف. بشكل عام تفضّل التسلسل الهرمي على المساواة و القيم الجماعية على الفردية. هي سياسة ظهرت كـ رد فعل ضد الأفكار الليبرالية التي بدأت تترسخ في أوروبا خلال الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر.

في المقابل، يواجهها كمذهب السياسة الـتقدّمية، التي تعرّف نفسها كـ فلسفة سياسية تمضي إلى التقدّم و التحرر من الماضي كجزء من تطوّر المجتمع و تصارع لصالح الإصلاحات التدريجية الاجتماعية، السياسية و الاقتصادية عن طريق حكومة كبيرة تتدخّل في فرض تلك الإصلاحات. هذا المذهب يمكنك أن تضعه في خانة اليسار في الطيف السياسي. الطيف الأكثر تطرّفاً في المطالب هو ما يوصف بالـفكر الثوري اليساري، فالأخير يرفض المنهج التدريجي و يطالب بالثورة. على عكس المذهب المحافظ، تفضّل التقدّمية المساواة على التسلسل الهرمي و القيم الفردية على الجماعية. و الصراع بين الفكرين يدور في جوهره حول عقلانية الإنسان أو الفرد نفسه. فالفكر المحافظ لايثق بعقلانية الفرد و عدم تحيّزه، بعكس الليبرالية التي تبالغ في تقدير البشر كفرد حر و عقلاني في اختيار مصيره. لكن كما ستقرأ لاحقاً، الواقع أكثر تعقيداً و يتشابك كثيراً و يتباين حسب الوقت و المكان. سأتناول المزيج الشائع في الدول الغربية القوية كي تفهم الصورة أكثر:

السياسة المحافظة الليبرالية Liberal Conservatism

[لا ينبغي الخلط بينها و بين السياسة المحافظة الليبرتارية]

السياسة المحافظة الليبرالية هي أيديولوجية سياسية تجمع بين السياسات المحافظة و المواقف الليبرالية، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الأخلاقية و الاجتماعية، أي بكل بساطة سياسة محافظة متأثرة بشدة بالليبرالية [كما هو الحال في بعض دول أوربا الغربية].

تشمل السياسة المحافظة الليبرالية النظرة الليبرالية الكلاسيكية Classical Liberalism [من روادها آدم سميث، ديفد هيوم و فولتير] للحد الأدنى من التدخّل الحكومي في الاقتصاد؛ حيث يؤمن الليبراليون الكلاسيكيون أن تحرير السوق من التدخل الخارجي الحكومي سيقود في نهاية المطاف إلى نظام يخدم المجتمع بصورة مثالية. كذلك يجب أن يكون للأفراد حرّية المشاركة في السوق و إنتاج الثروة دون تدخّل الحكومة. في نفس الوقت، من الموهم أن نثق بالأفراد بشكل كامل على التصرف بمسؤولية في مجالات أخرى من الحياة، و لذلك فإن المحافظين الليبراليون يعتقدون أن وجود دولة قوية أمر ضروري لضمان القانون و النظام. إضافةً إلى ذلك ضرورية و دور المؤسسات الاجتماعية لتعزيز الشعور بالواجب و المسؤولية تجاه المجتمع. من الأسم نفسه نستنبط أن السياسة المحافظة الليبرالية هي موقف سياسي يدعم الحريات المدنية إلى جانب بعض التقاليد الاجتماعية المحافظة. تستطيع أن تفهم هذا المذهب كـ أيديولوجية يمين الوسط. في أوروبا الغربية هو الشكل المهيمن للسياسة المحافظة المعاصرة.

بما أن لكل من “المحافظة” و “الليبرالية” معان مختلفة تباينت على مر الزمن و عبر البلدان، فقد استخدم مصطلح “المحافظة الليبرالية” بشكل متباين أيضاً. فالواقع السياسي و الخليط الديني، العرقي، الموقع الجغرافي و التاريخ السياسي للبلد،كلها عوامل تحدد الاتجاه السياسي و مراكز ثقله. لذلك حاول أن تبتعد عن التفكير الأبيض و الأسود في وصف هذه المذاهب و اطلق العنان لمخيّلتك كي تتصوّر نظام إحداثيات تمثّل محاوره التوجّهات الأساسية [محافظ ـ تقدّمي ـ سلطوي ـ ديمقراطي/تحرري]. لاحظ أنني أتجنّب مصطلحي اليمين و اليسار، لأنهما يتباينان جداً من مجتمع و ثقافة إلى أخرى. لكن بصورة عامة تفضّل الإحداثيات السياسية لليسار اللون الأخضر و تتداخل مع اللون البنفسجي. اليمين على العكس تجد إحداثياته تتكرّر في النطاق الأزرق و البنفسجي.

أظنك ستفهم مدى صعوبة تحديد ماهو اليسار و ما هو اليمين عندما نتكلّم بصورة عامة. لذلك يلجأ الكثير إلى تعريفات إضافية كـ “ما بعد الحداثة” أو “اليسار التقدّمي المعاصر” ليصف مثلاً الطيف السياسي السائد في ديمقراطيات الغرب و الذي يتبنّى سياسات التحرّر، الديمقراطية، السلامية [مناهضة الحرب و العنف]، الحكومة الكبيرة، الانفتاح على الهجرة، العولمة، التخلّص من تقاليد الماضي و الهويات القومية، النسوية، سياسات الصواب السياسي، المساواة، التركيز على حقوق الأقلّيات و حماية البيئة. اليمين المحافظ لا يعني أنه لا يهتم بحقوق الأقليات أو يؤيد العنف أو حتى يرفض الانفتاح على العالم، بالعكس، لكن برامجهم السياسية تركّز على الجانب المعاكس من المعادلة أكثر و تفضّل المصالح القومية و أهل البلد على حساب العولمة مثلاً، أو يجدون في بعض الحروب و التدخّلات العسكرية ضرورة سياسية أو إنسانية و أهمية اجتماعية في التمحور حول تقاليد و ثقافة البلد. التأدلج و التطرّف يمكن أن يظهران في كل مربّع و لون مختلف.

كمثال آخر على التباين الفلسفي في السياسة: تتناقض السياسة المحافظة الليبرالية مع المحافظة الأرستقراطية. فالأخيرة ترفض مبدأ المساواة كشيء يتناقض مع الطبيعة البشرية، و تحث بدلاً من ذلك على فكرة عدم المساواة الطبيعية و التي تؤكّد على التباين الجيني في الذكاء، القدرات و الطموح بين البشر. و مع احتفاظ المحافظين في البلدان الديمقراطية بالمؤسسات الليبرالية النموذجية مثل سيادة القانون، حق التملّك الخاص، اقتصاد السوق الحر و الحكومة التمثيلية الدستورية، أصبح العنصر الليبرالي في السياسة المحافظة الليبرالية توافقياً بين المحافظين.

مع ذلك يفرض الواقع السياسي نفسه دائماً: ففي بعض البلدان، مثل المملكة المتحدة و الولايات المتحدة الأمريكية، يُفهَم مصطلح “المحافظة الليبرالية” ببساطة على أنه “محافظ” في الثقافة الشعبية، مما دفع بعض المحافظين الذين اعتنقوا القيم الليبرالية الكلاسيكية القديمة ليطلقوا على أنفسهم إسم “الليبرتاريون”. بشكل مقتضب: يؤمن الليبرتاريون بأن الفرد في المجتمع يملك نفسه تماماً و بالتالي فإن لديه الحرّية في التصرّف فيها و في ممتلكاته و في عقائده كما يشاء، شرط ألا يتعدى على حريات الآخرين و ممتلكاتهم. و عليه فهم يؤيّدون التحرّر و إزالة القيود المفروضة على الفرد من قبل الدولة و المجتمع،كالعادات و التقاليد، و تقليص حجمها قدر المستطاع.

مع ذلك، فإن التقليد الليبرالي ـ المحافظ في الولايات المتحدة غالباً ما يجمع بين الفردية الاقتصادية للليبراليين الكلاسيكيين مع توجّه محافظ “بيركي” يشدّد على عدم المساواة الطبيعية بين البشر و عدم عقلانية السلوك البشري كمعلّل للدافع البشري نحو النظام و الاستقرار و رفض الحقوق الطبيعية كأساس للحكومة [ما أقصده بـ “بيركي” هو التأثّر بفلسفة إدموند بيرك، فيلسوف سياسي إيرلندي يعتبره الكثير من روّاد المذهب المحافظ الحديث و أهم نقّاد الثورة الفرنسية ١٧٨٩].

و مع ذلك، تجد التيار المحافظ الأمريكي هجيناً من مبادئ محافظة و ليبرالية كلاسيكية احتفظ ببعض المبادئ الأصلية و تجاهل أخرى. و بالتالي، لا يستخدم في الولايات المتحدة مصطلح “المحافظة الليبرالية”، في نفس الوقت تختلف توجّهات و نقاط ثقل الليبرالية الأمريكية الحديثة عن نظيرتها الأوروبية. و العكس تجده مثلاً في أمريكا اللاتينية، حيث يوصف المحافظ الليبرالي اقتصادياً تحت عنوان النيوليبرالية، سواء في الثقافة الشعبية أو الخطاب الأكاديمي. تتذّكر ما قلته عن التشابك في المصطلحات؟ الأمر يزداد تعقيداً عندما نعود لأوربا مجدداً.

في اعتناقهم لمبادئ الليبرالية و السوق الحرّة، مازال بإمكانك التمييز بين هؤلاء المحافظين الأوروبيين عن المحافظين الذين اعتنقوا آراءً و مواقف أكثر تحفّظاً اجتماعياً و فلسفياً. البعض يلصق بهم مصطلح “الشعبوية” و هم طبعاً في خندق اليمين. كمثال للوتضيح، في أوروبا الوسطى و الشمالية الغربية، خاصةً في الدول الجرمانية و البروتستانتية التقليدية، لا تزال هنالك فجوة بين المحافظين، حتى داخل التحالفات نفسها، كتحالف الديمقراطيين المسيحيين الحاكم في المانيا و الذي تقوده ميركل [CDU/CSU]. على سبيل المثال، فكرة الزواج كمؤسسة اجتماعية تحتاج دعم الدولة و تقتصر على الرجل و المرأة و تشكّل موقفاً رئيسياً عند المحافظين المسيحيين الديمقراطيين، بينما يحتضن نفس التحالف الحزبي محافظين ليبراليين ساهموا في كسر قدسية الزواج و فتحه على المثليين مثلاً، لانهم يؤمنون بالتحرر أكثر من الالتزام بالتقاليد.

على العكس من ذلك، في البلدان التي دخلت فيها الحركات الليبرالية المحافظة التيار السياسي الرئيسي مؤخراً، مثل إيطاليا و إسبانيا، يمكن فهم المصطلحين “الليبرالي” و “المحافظ” على أنهما مرادفان سياسيان، و كثيراً ما ينطوي ذلك على التشديد على اقتصاد السوق الحر و الاعتقاد بالمسؤولية الفردية جنباً إلى جنب مع الدفاع عن الحقوق المدنية، دعم الأقلّيات و دعم نظام الرعاية الاجتماعية المحدود. لذلك من المهم جداً أن تفهم الجغرافية السياسية لكل دولة و تتناولها بمعزل عن التعريفات العامة.

مقارنةً بالسياسة التقليدية التي يمثّلها يمين الوسط مثلاً [كـ الديمقراطيين المسيحيين في المانيا ، حزب المحافظين البريطاني، الحزب المحافظ في كندا، حزب العدالة و القانون البولندي، حزب الشعب الهندي، الحزب الاشتراكي المسيحي الديمقراطي في البرازيل ] فإن المحافظين الليبراليون [كـ حزب المحافظين النرويجي، الائتلاف الوطني الفنلندي، الحزب الليبرالي الديمقراطي في المانيا، المعتدلون الجدد في النرويج] يميلون لسياسات أقل تقليدية و أكثر تحرراً من الناحية الاقتصادية، يحبّذون ضرائب منخفضة وأدنى تدخل للدولة في الاقتصاد. في الخطاب الأوروبي الحديث تجدهم يرفضون، على الأقل إلى حد ما، المحافظة الاجتماعية و التشبّث بالتقاليد.

أظنك قد لاحظت أنني لم أتطرّق إلى الدول العربية. ببساطة لأن الأوضاع السياسية غير مستقرة و تاريخ السياسة العربية مليئ بالمطبّات و الثورات. إضافةً إلى ذلك، الديمقراطيات العربية غارقة إما بالفساد، بالتطرّف الديني أو الحرب الأهلية. حتى الدول المستقرة نسبياً تحكمها أنظمة لا تتحلّى بحرية سياسية كافية لتسمح للفرد بأن يتعمّق في هكذا سياسات، أو يعبّر عنها. مع ذلك، تميل الأنظمة السلطوية في المنطقة إلى الاستقرار و تبنّي سياسات طويلة المدى أكثر من تلك الديمقراطية، و هو ما يفتح باب الجدل السياسي عن كون تحديد المصير و تدخّل الفرد في السياسة يصب في النهاية فعلاً في الصالح العام. لذلك تجد الناقد العربي السياسي المهتم يضطر لاستيراد الفلسفات السياسية الغربية و تحويرها محلياً، بدل التنظير لسياسة محلية مناسبة للتاريخ، الجغرافية و الواقع. كذلك لا ننسى الواقع العربي المرتبط بثقافة صحراوية دينية تفرض نفسها كنظام دين و دولة و اقتصاد لا تتسامح مع المختلفين، مما يعيق نشوء مدارس سياسية تنظّر لمستقبل على أساس واقع متهالك.

السياسة و إن كانت مملة، فهية شيّقة أحياناً في التنظير الفلسفي و تبدأ من سلوكياتك كفرد و في إطار العائلة إلى نطاق أكبر. لذلك من المهم أن تتعمّق أكثر و تحاول إيجاد المزيج الفكري المناسب لك و لمستقبلك و أيضاً للأجيال القادمة.

يوڤال نوح هراري: ربما يكون انهيار الإنسانية مفيداً أيضاً

“لقد شهد التاريخ صعود و هبوط العديد من الأديان و الإمبراطوريات و الثقافات البشرية. هذه الاضطرابات ليست بالضرورة سيئة. فقد هيمنت الإنسانية على العالم لمدة 300 سنة، وهو ليس وقتاً طويلاً. حكم الفراعنة مصر لمدة 3000 سنة، و سادت الباباوات أوروبا لألفية كاملة. إذا قلت للمصريين في وقت رمسيس الثاني أنه في يوم من الأيام سوف يزول الفراعنة عن الوجود، لربما سيكون جوابهم على الأرجح كالتالي: “كيف يمكننا العيش بدون فرعون؟! من الذي سيضمن النظام، السلام والعدالة؟”

تخيّل لو قلت للناس في القرون الوسطى أنه في غضون قرون قليلة سوف يموت الله و ينتهي عصره، فسيصيبهم الفزع حال ما تنتهي من كلامك: “كيف يمكننا العيش بدون الله؟ من سيعطي معنى للحياة و يحمينا من الفوضى؟” [أو كما يقول بعض أبناء الحاضر عندما تناقشهم في السوشيال ميديا: من سيمنعك من مضاجعة أختك].

[…]

في الوقت الذي مهّدت فيه الثورة الزراعية إلى نشوء الأديان، ولدت الثورة العلمية ديانات إنسانية جديدة، حيث حلّ البشر محلّ الآلهة. في حين أن اللاهوتيين يعبدون الله، يقدّس الإنسانيون الإنسان.

الفكرة الجوهرية للأديان الإنسانية مثل الليبرالية و الشيوعية و النازية هي أن الإنسان العاقل يحمل في داخله جوهر فريد و مقدّس و الذي هو مصدر كل معنى و سلطة في الكون [حركات حقوق الإنسان الحديثة تستنبط أخلاقياتها من هذا التفسير]. وكل ما يحدث في الكون هو جيّد أو سيّئ في الحكم وفقاً لتأثيره على الإنسان.

و في حين أن الأديان تبرر الزراعة التقليدية بإسم الله [(وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ) (يّـس32،34); كذلك من سورة النحل: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، أو كما ينقل عن عيسى قوله: قال “يشبه ملكوت الله رجلاً يبذر الزرع في حقله. فينام في الليل و يقوم في النهار، و الزرع ينبت و ينمو، و هو لا يعرف كيف كان ذلك. فالأرض من ذاتها تنبت العشب أولاً، ثم السنبل، ثم القمح الذي يملأ السنبل. حتى إذا نضج القمح، حمل الرجل منجله في الحال، لأن الحصاد جاء”]، فقد بررت الإنسانية الزراعة الصناعية الحديثة بإسم الإنسان. فالزراعة الصناعية تقيس احتياجات الإنسان، رغباته و العائد الاقتصادي كمعيار أساسي، في حين تتجاهل كل شيء آخر.

و الزراعة الصناعية ليس لها مصلحة حقيقية في الحيوانات، التي لا تتقاسم “حرمة” الطبيعة البشرية. كما لا تحتاج للآلهة [كتلك التي آمن بها أسلافنا ظنناً بأنها تتحكّم بالحصاد، المطر و الريح و الشمس]، لأن العلم الحديث و التكنولوجيا يمدّان البشر بقوى و طاقة تتجاوز بكثير تلك عند الآلهة القديمة. إضافةً إلى أن العلم الحديث يمكّن الشركات الحديثة من إخضاع الأبقار و الخنازير و الدجاج إلى ظروف أكثر قساوةً من تلك التي سادت في المجتمعات الزراعية التقليدية القديمة.

في مصر القديمة، في الإمبراطورية الرومانية أو في الصين أبان العصور الوسطى، أمتلك البشر فهماً يسيراً فيما يخص الكيمياء أو علم الوراثة […]”.

إذا نظرنا إلى الوراء، يعتقد كثيرون أن سقوط الفراعنة و موت الله كانا تطوران إيجابيين. و ربما يكون انهيار الإنسانية مفيداً أيضاً. فالناس عادة ما يخافون من التغيير لأنهم يخشون المجهول. و لكن أعظم ثابت من التاريخ هو أن كل شيء يتغير!

من كتابه “لمحة تاريخية عن الغد”

عديم قلب من لم يكن يسارياً في فُتوّته، بليد عقل من لم يكن محافظاً بعد بلوغه

قالها لي رجل جهبذ قبل فترة من الزمن … [لا تأخذ الجملة بشكل حرفي]

قد لا يستعصي عليك فهم العنوان، لكن القصد خلفه قد يثير بعض التساؤل. إن كنت تميل إلى اليسار، لا تقلق، لست هنا لتهميشك، بل لأفهمك و أكشف عن ما فهمته، و ما خسر من حاول فهم خصمه، لذلك تريّث معي قليلاً. ليس لأنني قرأت و تابعت ثم توصّلت لنتيجة، بل لأنني كنت يوماً ما أميل إليه، فلربما تكسب شيئاً مما أكتب، و إن كان العكس، أنتظر ردك.

أنا أحاول أن أرسم لك الصورة التي أنظر إليها عندما أحاول فهم الفكر الثوري و النضال السياسي، خصوصاً عندما أشهد انجذاب شريحة الشباب للشيوعية و الحركات المساواتية الثورية بغض النظر عن الإثنية أو الجنس.

لن أتطرّق للنزال الفكري بين مؤيدي الشيوعية و بين الرافضين، لأن فهم أسباب صمود مثل هكذا أفكار غير ناجحة عملياً [على الأقل ما قد يتفق عليه بعض الطرفين و هذا ما استنتجه من القرن العشرين] يحتاج إلى وقفة لفهم العلاقة خلف هذا الانجذاب.

بجملة واحدة؟ علاقة الثورة و الشباب كعلاقة النار و الحطب، و الفكر الذي يعوّل على النار، يحتاج الحطب.

سأوضح أكثر:

لو سألت نفسك، مالذي تهدف إليه الثورة؟ مالذي يشعل فتيلها؟ التغيير؟ البداية الجديدة؟ الصمود؟ الطغيان؟

مرادفات الكلمة في العربية قد تكشف عن العمق النفسي لأصل الكلمة: ثار، هاج، هبّ، احتدّ، إغتاظ، انفعَل، غضب، ماج. برأيك، ما أهمية الثورة بدون طغيان؟ بدون قتال مستمر؟ بدون حالتي تمرّد و تغيير دؤوبتين؟ هل سنحتاج للثورة و قادتها بعد مرحلة الصفر؟ هل سبق و أن قرأت في التاريخ عن ثورة وأدت نفسها حية بعد أن حققت غايتها؟
إبن الثورة الفرنسية جورج جاك دانتون ـ الذي خلّده الكاتب الألماني فريدريش شيلر في رواية شهيرة جسّدت بعض المحطّات الدموية للثورة الفرنسية ـ قال وهو أمام مقصلة الإعدام: “إن الثورة تأكل أبنائها”، مستكملاً المثل الفرنسي القائل “من السهل أن تبتدئ الثورات و لكن من الصعب أن تنهيها بسلام”. حتى من أمر بقصاصه [روبسبيار، أحد سفّاحي الثورة] لم يفلت رأسه من المقصلة.

أنا هنا لا أرفض الانتفاض على الظلم، على العكس، لكن هنالك ثورة كـ”وسيلة” للانتفاض، و هنالك ثورة كـقاعدة “أيديولوجية”. الأخيرة هي ما أخشاها، لأنها تعادي الاستقرار و البناء على المدى الطويل. كيف؟

الثورة تحتاج إلى الحطب لتلهب، لتشعل قلوب الأجيال القادمة، و هي لن تكتفي بالتهامهم فحسب، بل تحمل في باطنها نواة التمرّد و الانتفاضة. فالاستقرار يخمد لهيبها و الاطمئنان يتفه نورها، لذلك لو لاحظت، الفكر الثورچي يعشق الالتفاف خلف الأفكار المثالية، لأن المثالية تحتم دوام لهيب الثورة. البارحة كان رغيف الخبز، اليوم حقوق المتحوّلين، و ربما غداً حقوق الروبوتات أو الحشرات المضيئة ليلاً…

أمزح معك، هنالك شوارع في أوربا لا يسمح فيها بتجاوز سرعة معيّنة حوفاً على الحشرات. أتكلّم بجد.

دعك من ذلك، لندخل في صلب التحليل: أنا أجد علاقة سببية بين اليسار/الفكر الثوري، و بين الشباب. سأتناول هذه العلاقة بشكل نقاط أعلل في كل واحدة منها السبب المحتمل:

☚ الشباب غالباً ما تجذبهم الحداثة و التجديد. كبار السن، على العكس و في الكثير من الأحيان، يحذرون التجديد. لأن البناء [العائلة، المؤسسات] يقتضي الاستقرار و الرؤية المستقبلية، و هذان بدورهما بحاجة ماسة إلى واقع يمكن فهمه و التنبّؤ بمستقبله. هذه الرؤية نفسها تتبلور مع تراكم التجارب و الخبرة، وبالتالي فهي مفقودة عند الشباب، مما يجعلها المانع الغائب في وجه التجديد المستمر. قد لا تكون الطبيعة و الساعة البايولوجية الدافع الأكبر وراء ذلك، لكنها حتماً تلعباً دوراً ما.

☚ ذكريات الأجيال الأكبر سناً تجعلهم يرغبون في نموذج اجتماعي لن يتكرر مرة أخرى. الشباب بدورهم لا يتحملون هذا العبء، و العالم الوحيد الذي يعرفونه هو الذي عرفوه و ولدوا فيه. لذلك الثورة على التقاليد هي تعبير صريح عن ذلك.

☚ يواجه الشباب اليوم العديد من العجائب الفكرية الجديدة و المحطّات التكنولوجية كل يوم، و الكم المعلوماتي يتسارع بشكل لا يستوعبه أحد، و هنالك الكثير ما يدفع بهم للقلق، خصوصاً و أنهم لا يمتلكون الوقت الكافي لتأمّل هذه التنوّعات و ذلك الكم الشاسع من الجديد و المتغيّر. هذا التراكم ثقيل على وعي الأجيال الحديثة و تبعاته يجب أن تؤخذ بالحسبان.
لنفترض أننا عرضنا الشباب اليوم على ثقافة قروية تخرج جثث الميتى من قبورهم كل ما مر عقد من الزمن ليرقصوا معهم ويحتفلوا بهم [هنالك قبائل أفريقية تعيش هذه التقاليد فعلاً]. بغض النظر عن موقفهم من الفكرة، هضم الثقافات و التقاليد المختلفة قد يتطلّب قراءة تاريخية و استيعاب متكررين، و هذان يستغرقان أحياناً عقوداً من الزمن، و بعضها قد لا ينتهي أبداً. برأيك هل تظن أن الجيلين الأخيران استوعبا النكسة الاقتصادية العالمية مثالاً؟ أو السبب الفعلي خلف انهيار البورصة؟ أنا أتحدّث عن الوعي العام بالأخص.

☚ في أوربا مثلاً، تجد أن العديد من الشباب قد نشأ مع الأطفال المهاجرين [خصوصاً وأن المهاجرين لديهم معدّل خصوبة أعلى نسبياً]، و هم أكثر دراية بتلك الثقافات من الأجيال التي سبقتهم. لكنني هنا لا أقصد ثقافة الهوية، بل معرفة سطحية لا تستوعب الإطار التاريخي و الأخلاقي بشكل تام و لا تقارنه مع الثقافة المحلّية بماضيها و حضارتها. لذلك يجدون صعوبة في تبنّي أفكار تريد حصر الإطار الثقافي، و بالتالي يلجأون إلى سياسات عولمية منفتحة كردة فعل.

☚ شريحة الشباب شريحة تحسب إلى غرباء المجتمع، حيث أنهم لا يعتلون مراكز القرار و لا يتحلّون بالقوة الاقتصادية بعد، وبالتالي فهي شريحة تميل إلى سياسات تستأنس الغرباء أكثر من غيرها و تستعطف أكثر من قابليتها على التحمّل. حتى تصبح مطلّعة، حينها تريد سياسات للمطلّعين.

☚ الشباب الذي يقرأ نصوص الفلسفة اليسارية [المناهج الجامعية لا تخلوا من نصوص هيربرت ماركوزة و رواد مدرسة فرانكفورت، أو أدبيات النضال الثوري] مهووس بالاندماج الاجتماعي بين أقرانه، و هو حوّل الكثير من الشباب إلى منبذين اجتماعيين تجاه كل من يملك أفكاراً غير مطابقة لعالمهم. هذا ما فسح المجال لبزوغ حركات الصواب السياسي المؤدلجة و الـ SJWs. خصوصاً و أن ديدن الأدب الفلسفي ما بعد الحرب العالمية الثانية كان يتمحور حول توبيخ ضمير الأجداد و تحذير الشباب من السكوت و حثّهم على الانتفاض في وجه المجتمع. فتوبيخات أدورنو طالت حتى الشعراء في خمسينيات القرن الماضي كونهم تجرّأوا على الابتسامة للحياة رغم فاجعة الهولوكوست. [هذه الفترة شهدت بزوغ عقول أدبية في أوربا، خصوصاً في المانيا، تنظر بصورة إيجابية نحو مستقبل واعد و إعادة البناء]. و بالتالي هم على تماس عاطفي مباشر مع شؤون المجتمع، و يفهمون أنفسهم كفرسان مناضلين من أجل حقوق الآخرين، و هو ما يبعث في داخلهم شعوراً بالأهمية و الغاية النبيلة.

☚ طبيعة البشر الاندماج و التأقلم بأقل حجم ممكن من الخلافات. الشاب خصوصاً يكون في مرحلة اكتشاف و بناء ذاته. موارده ضئيلة و خبرته خجولة، على الجانب الآخر من المعادلة، رغبته في أن يحظى بالاعتراف و التأييد تكاد تصل الحاجة القصوى، لذلك لا أستغرب هيمنة أفكار تروّج للتساوي، الجموعية و الحرية المطلقة، لأنها تحقن شغفهم بالهدوء و تقلل من حدة الخلافات مسبقاً. الناضج عمراً يكون قد تجاوز مرحلة البحث عن هوية جديدة على أنقاض الماضي، و يبدأ بتوطيد مؤسساته.

لنعد إلى ما قبل السطرين الأخيرين: الحاجة القصوى للاعتراف تعني الكثير و دورها في صقل نرجسية الإنسان لا يمكن الاستهانة به. لأن الثورة و النضال يتاجران بمثاليات تطفئ ظمأ الحاجة هذه. إنه ما قد يسميه البعض عنفوان الشباب: طاقة استثمرتها الثورات كحطب على مر التاريخ، حتى يومنا هذا.

أنا لا أكتب من باب التنديد بالشباب، بالعكس، هم طاقة و مستقبل شعوب، لكن مصدر قوّتهم هو مصدر ضعفهم في نفس الوقت.

يتبع..

Warum wir Philosophie mehr denn je brauchen?

Auch wenn ich die Vorstellung des freien Willens allzu verlockend finde, halte ich mich davon fern, an diese zu glauben; auch macht es mir die Wissenschaft nicht leichter. Trotzdem verstehen wir uns als Menschen, die “frei” und verantwortlich agieren.
Schon mal daran gezweifelt, dass Sie es nicht tun? Dass Sie nicht immer frei und verantwortlich handeln? Dass Sie eigentlich oft erst handeln und dann nachdenken?

Wissenschaftler und Verhaltenspsychologen sind davon überzeugt, dass wir alles andere als 24h*7d-rationale Wesen sind; und sie haben auch Recht. Abgesehen von der objektiven Erkenntnis der heutigen Verhaltens- und Kognitionswissenschaften, halten sich die meisten für a) gut, b) frei und c) verantwortlich agierend.

Das ist dahingehend wichtig, da wir einander unsere Handlungen moralisch zuschreiben und letztlich in reziproker Anerkennung unsere Würde aufrechterhalten wollen. Wir verarbeiten nicht alle Sachverhalte, denn obwohl wir vieles vermuten, nehmen wir den größten Teil als sicheres Wissen an. Das kann in dem Moment sinnvoll sein, wenn ich mit dem Auto fahre. Warum sollte ich die Funktion des Motors in Frage stellen, während ich mit 130 km/h auf der Autobahn fahre, oder gar meine Fähigkeit “richtig” und verkehrsgerecht zu fahren anzweifeln?

Schließlich sind wir auf ein Grundmaß existenzieller Sicherheit angewiesen, was einhergeht mit der Notwendigkeit, eine vermeintlich verlässliche Weltordnung zu pflegen und auch zu suchen.
(Natur-)Gesetze, Verhaltensmuster und Erfahrungen sind die Orientierungspunkte, die uns helfen, Neues zu erlernen und unsere Mündigkeit zum zukünftigen “rationalen” Planen verschärfen bzw. überhaupt ermöglichen. Wir sind allerdings auch intelligente Wesen, die sowohl zur Selbstdistanz, als auch zum kritischen Hinterfragen ihrer eigenen Wahrheitsansprüche fähig sind.

D.h., sobald wir realisieren, welche dieser Wahrheiten für uns wichtig sind, und wir sie zum Thema rationalen Nachdenkens machen, drängen sich Zweifel auf. Geben wir den Zweifeln nach, versetzen wir uns in die Perspektive des Skeptikers. Der Skeptiker ist sowohl aus eigenem Interesse, als auch aus kollektiven Motiven darum bemüht, sein soziales Umfeld auf Probleme aufmerksam zu machen, die unser Selbstverständnis als “wissende” Menschen in Frage stellen.
Und genau das ist eine der Hauptaufgaben der Philosophen. Auch wenn einige Möchtegernphilosophen, die ich in der Uni treffe, oft das Gesicht verziehen, wenn ich seinen Namen erwähne, erfüllt Richard David Precht die Rolle des sozialen Kritikers und Vermittlers. Er spricht soziale Probleme an, bemüht sich neutral und wissenschaftstreu zu bleiben und trägt zu Diskussionen bei – ob im Fernsehen, in seinen Büchern oder in seinen Vorträgen.

Das ist u.a. genau das, was sich uralte Philosophen unter diesem Beruf vorgestellt haben. Nicht das hochgestochene habermas’sche Schreiben, so dass man sie kaum versteht [auch wenn ich seine sprachliche Fähigkeit bewundere], sondern nach der Tugendhaftigkeit im Menschen suchen; uns an das Wesentliche erinnern, vor allem in einer Welt, in der wir kaum noch innere Ruhe finden und oft eher “automatisiert” handeln, bevor wir reflektieren.

Aus diesem Grund brauchen wir Philosophie als Schule des kritischen Hinterfragens und des Weiterdenkens, wir brauchen Menschen, die sich bemühen, uns auf unsere Irrationalität, aber auch auf das Mögliche, aufmerksam zu machen, und unseren Kollektivsinn zu sensibilisieren… mehr denn je.

Hier ein empfehlenswerter Vortag von Richard David Precht:

https://www.youtube.com/watch?v=XWX8vqAzgm4

الاستمناء: هل الإفراط فيه مفيد فعلاً؟ [للذكر]

الصورة للفنان أليكساندر كابانيل [1892] أونان والعادة السرية.. وثمار الأرملة اللعوب

الصورة استوقفتني في كتاب قرأته قبل عامين عن تاريخ الجنس في اللوحات الفنية في مختلف الثقافات.
الرجل في الصورة هو أونان، شخصية من التوراة و رائد العادة السرية عند الرجال في العالم القديم، فهو أول من مارسها أمام أرملة أخيه بعد أن رفض مضاجعة أرملة أخيه و تحبيلها بنسل قريب من نسل زوجها كما كان سائداً، حيث جاء في سفر التكوين من العهد القديم من الكتاب المقدس ٨:٣٨ [٨ فَقَالَ يَهُوذَا لأُونَانَ: «ادْخُلْ عَلَى امْرَأَةِ أَخِيكَ وَتَزَوَّجْ بِهَا، وَأَقِمْ نَسْلاً لأَخِيكَ». ٩ فَعَلِمَ أُونَانُ أَنَّ النَّسْلَ لاَ يَكُونُ لَهُ، فَكَانَ إِذْ دَخَلَ عَلَى امْرَأَةِ أَخِيهِ أَنَّهُ أَفْسَدَ عَلَى الأَرْضِ، لِكَيْ لاَ يُعْطِيَ نَسْلاً لأَخِيهِ.]

معنى “أَفْسَدَ عَلَى الأَرْضِ” الواردة في النص أي أَفرغ منيّهُ على الأرض، و هي بمثابة “إضاعة” و تبذير، و منها انتقلت الرؤية الدينية هذه إلى المسيحية و من ثم الإسلام.
هذه القصة كان لها تأثيراً كبيراً على عقول أجيال الماضي القديم و نحتت موقفهم الديني و الاجتماعي بشكل كبير. و لكي نفهم الحاضر، لابد من المرور بالماضي.

الاستمناء: هل الإفراط فيه مفيد فعلاً؟

قبل أن أستهل في الإجابة على هذا السؤال، دعنا نميّز بين ما نعرفه، ما يستطيع العِلم الحديث الإجابة عنه و بين النتائج التي مازالت في طور الأبحاث و لا فصل فيها بعد.

أريدك أنت تستدعي حقيقتين واقعيتين إلى ذهنك قبل أن تكمل معي هنا: الأولى، هي أن الاستمناء ليس عندنا نحن البشر فقط، بل كذلك عند بعض الثدييات الأخرى، و الحقيقة الثانية هي أن الاستمناء وسيلة طبيعية لاستثارة الأعضاء الجنسية بهدف الوصول إلى النشوة، لكنه ليس بديلاً عن العلاقة الجنسية.

المجتمعات البشرية تعاملت مع الموضوع بشكل تفاوت بين حقبة و أخرى و خضع لعوامل متعددة كالدين، و الثقافة القبلية. وكعادة الإنسان الذي يخشى ما لا يعلم، اعتبرته بعض المجتمعات سلوكاً مضرّاً، بينما أفرطت الأخرى في الترويج له. أتذكّر أول مرة استمنيت فيها، عند دخولي المراهقة مبكّراً جداً، كانت بعكس المردود الممتع الذي يقتضيه كوكتيل الهرمونات الذي يحفّزه الدماغ بعيدة كل البعد عن المتعة. كوني ولدت في مجتمع شرقي تحكمه قبضة الأحكام الدينية المانعة بالوعيد و الترهيب، فالتعامل مع الموضوع لم يكن بذلك التفصيل و لا حتى تطرّق له المعلّم في درس الأحياء و في وقت لم يتطوّر الإنترنت فيه بعد. الخوف و القلق من ذلك السائل الغريب على جسمي ولّدا شعوراً مضطرباً في البداية، شعوراً مخيفاً لطفل يدخل المراهقة من أسوأ أبوابها. اليوم، الأجيال الحديثة أكثر انفتاحاً على الموضوع من قبل و تتعامل مع الموضوع بشكل أقل توتّراً.

لاحظ أنني ذكرت التفاوت بين المجتمعات في التعامل مع الأمر، و هذا التفاوت يصقل أجيال المستقبل في سلوكهم و نشاطهم، و هذا هو سبب كتابتي لهذا المقال: النشاط و السلوك، لأنه يمسّك أنت أيضاً.

في اليونان القديمة مثلاً، كانت الإباحية الجنسية في بعض المدن خالية من المحرّمات، ومع ذلك، كان هنالك مفكّرون يهدفون إلى العودة إلى الحالة الطبيعية، السلوك الطبيعي الذي يعيد الإنسان إلى واقعه كحيوان من الطبيعة. ديوجانس الكلبي [٤٠٠ ق.م.]، أحد الفلاسفة الذين عاشروا الاسكندر المقدوني، كان ديدنه الاستفزاز في الطرح، حتى استمنى في يوم من الأيام علناً في وسط السوق قائلاً: “يمكنك بالمناسبة أن تفرك قضيبك ببطنك حتى تتخلّص من الجوع” في وقت كان للعديد من الفلاسفة اليونانيين موقفاً محافظاً و متردداً من الاستمناء.

حتى أواخر العصور الوسطى في أوربا مثلاً، لم يكن الاستمناء بذلك الثقل من الرذيلة، حتى تم تجريمه دينياً من الكنيسة الكاثوليكية مثل سائر أشكال النشاط الجنسي التي لا تخدم التكاثر “الشرعي”، حينها بدأت الكنيسة تروّج لها كخطيئة حالها حال اللواط و تعاقب عليها بالتعذيب البدني. المناطق العربية الإسلامية لم تختلف في نظرتها الفقهية و الاجتماعية حول الاستمناء، لأن الأديان الإبراهيمية عموماً تنطلق من فكرة أن جسد الإنسان قد “نُفِخَ فيه” من روح الله و بالتالي الاستمناء هو “تدنيس” بحد ذاته، و لذلك و إن اختلفت المصادر و الدوافع، فالسبب هو تصوّري في أصله.

في عصر التنوير لاحقا [في أوربا] بدأ الموضوع يأخذ بعداً اجتماعياً جديداً خارج إطار الدين، عندما بدأ يصفه البعض بـ”لخطر الاجتماعي” و “السلوك غير الطبيعي”، في وقت كان فيه الإفتاء لا يقتصر على رجال الدين فقط.

هذه الفترة شهدت مصطلحات جديدة كالتلوّث الذاتي و الشنيعة الملوّثة و هي الفترة التي شهدت ارتباط الاستمناء لأوّل مرة ببعض الأمراض الشائعة آنذاك مثل الجدري و السل. الكثير من أطباء تلك الحقبة وجدوا في تلك الفرضية توافقاً بين آراءهم الطبية و الدينية و فرصة لإغلاق سيل الكم الهائل من الحالات المرضية و الاضطرابات الجسدية التي لم يجدوا لها جواباً شافياً بعد.

لاحقاً، في القرنين الـ 18 والـ 19 بدأت تنمو في أوربا حملة واسعة النطاق ضد الاستمناء، أخذت أشكالاً متعددة، من الخطب و المواعض الدينية في أيام الأحد إلى عدد لا يحصى من المطبوعات العلمية و الشعبية التي استنكرت في مضمونها الأخطار المزعومة من ممارسة العادة السرية. هذه الحملة حتى الآن لها تأثير على عقليات الكثير من البشر، و أنا على ثقة أن بعض ممن سيقرأ هذا النص سيبتسم لأنه سمع يوماً أن الاستمناء يسبب زيادة حب الشباب في البشرة. بكل بساطة الموضوع يقف على علاقة ترابطية لا سببية، حيث أن المراهق يعيش ثورة هرمونية في هذه الفترة من العمر تقف وراء هذا التغيّر في البشرة، و هي نفس الفترة التي يفرط فيها المراهق أو المراهقة من الاستمناء.

الأمر بدأ يتغيّر مع تطوّر الطب الحديث، و الموضوع لم يعد يتعلّق بالأمراض، بل العكس تماماً، الدراسات الحديثة تجد إيجابيات واضحة في الاستمناء. لكن الحذر مازل مواكباً للموضوع، لماذا يا ترى؟

المفاهيم المتراكمة من سوء فهم مبني على ادعاءات خاطئة تعيق التطوّر الجنسي الصحي للطفل و تجعل الطفل و المراهق يعانيان من اضطرابات نفسية و تناشجز إدراكي، خصوصاً عندما يتدخّل الدين أيضاً في وعيده.

لكن ماذا عن الإدمان و الإفراط في ذلك؟ ماذا عن من يستخدم الاستمناء كوسيلة للهروب من مشاكل حياته حتى يقع في فخ الإدمان؟ هل الإفراط فيه فعلاً مفيد لهذه الدرجة كما تدّعي بعض الدراسات الحديثة؟

العِلم الحديث لم يعطي كلمة الفصل في هذا النقاش بعد، بل البحث مازال مستمراً. هنالك علاقات ترابطية بين الاستمناء و تجنّب الإصابة بالسرطان، في نفس الوقت هنالك دراسات تتناول الإدمان الناجم عن الإفراط في الاستمناء و علاقته بانخفاض مستوى التيستوستيرون.

الموقف المناهض للرأي السائد أن الاستمناء مفيد للجسم و أن تعدد العلاقات مفيد صحياً، بغض النظر عن كونه محقاً أو مخطئاً، يستند في طرحه على نقاط تتكرر دائماً:

> ارتفاع نسبة الأمراض الجنسية بين الشباب في المجتمعات المتحضرة.

> السلوك الإدماني الناتج عن الإفراط في الاستمناء و الذي يصاحبه تشتت ذهني خصوصاً عند الشباب. بغض النظر عن أن ما يقارب الـ ٢٥ ٪ من المواضيع التي يتم البحث عليها في الإنترنت تتعلّق بالجنس، أي ما يقارب الـ ٦٨ مليون بحث في الجوجل في اليوم الواحد.

> ارتفاع مستوى التيستوستيرون بعد فترة [أعلى نسبة يصل إليها الجسم بعد ٧ أيام] من الامتناع و إراحة الجسد.

المجموعة الأولى تمثّل الأشخاص الذين امتنعوا لمدة عن الاستمناء

خلال الاستثارة الجنسية و الوصول إلى النشوة تشهد الخلايا العصبية مرحلةكبيرة من الإثارة،حيث يفرز الدماغ الكثير من هرمون الدوبامين الذي يتسبب في نوع من الثمالة و “الإدمان”، الشعور الذي يصاحب النشوة عادةً. أيضاً الاسترخاء أثناء الوصول إلى النشوة يسببه الأندورفين، هرمون آخر له تأثير مهم على الدماغ. يمكنك اعتباره كنوع من المسكّنات التي يصنعها الجسم نفسه ليمحي التوتر و يهيّئ الدماغ للنشوة. هذا الهرمون مثلاً يُلاحَظ تناقص مستواه و مستوى السيروتونين عند الأشخاص المصابين بالاكتئاب.

طبعاً الأمر لا يقتصر على هذين الهرمونين فقط، فهنالك هرمونات أخرى مماثلة تلعب دوراً بارزاً كهرمون الأوكسيتوسين الذي من بين تأثيراته المتعددة أن يحفّز شعور التقارب و الإحساس بالأمن أثناء ممارسة الجنس، مما يمهّد للإسترخاء.

لذلك تجد الكثير من الباحثين يحث على ممارسة الجنس لأنه “يلطّف” الكيمياء في الدماغ.

لكن ماذا لو أصبح الأمر مهرباً من مشاكل المجتمع و ملجئاً بعيداً عن مواجهة الواقع؟

بالفعل هنالك دراسات تدرس تأثير الدوبامين على الدماغ المدمن، حيث أن الكثير من المخدرات تحفّز نفس الماكنة الهرمونية التي تلعب دوراً في توليد النشوة. فعندما يتم مشاهدة المواد الإباحية، فإن كميات كبيرة من الدوبامين، وغيرها من المواد الكيميائية الطبيعية في الدماغ يتم إفرازها عند رؤية الصورة(المحفّزة)، مما يمنح الإحساس بالنشوة بسبب الكميات الهائلة من الدوبامين المرسلة إلي الدماغ في تلك اللحظة، المشكلة هي أن الدماغ يجيد التكيّف. توقّف على هذه الكلمة لوهلة: أدمغتنا تتكيّف مع المحفّزات السابقة و المألوفة و لذا يحتاج الشخص إلى المزيد من الصور و المزيد من التنوع ،بشكل أكثر تواتراً للحصول على الاندفاع نفسه. الآن تأمّل معي لثواني: أين أجد مثل هذا التنوّع المتواصل بشكل مجاني و سريع؟ نعم.. الإنترنت و مواقع البورن الإباحية.

لست هنا لأبعث الخوف في داخلك، فلا ضرر في المشاهدة طالما لم تفرط في ذلك. لكن من المهم أن تفهم كيف يعمل جسمك و كيف يفكّر دماغك.

الخطوة الأولى قبل النشوة الجنسية، فيها يتم تفعيل مراكز المكافأة في الدماغ
الخطوة الثانية، أثناءها يتم تفعيل القشرة الدماغية
في الخطوة الثالثة يتم تفعيل مراكز المتعة و السيطرة في الدماغ

الرواقيون مثلاً، كانوا ينظرون إلى الأمر من باب تهذيب الذات و السيطرة على الشهوات. فالإنسان الفاضل هو من يجيد السيطرة على غرائزه و شهواته دون الإفراط و السقوط في فخ الإدمان، هذه الملاحظة حتى أقدم من الرواقية نفسها و تجدها في بعض الأديان و الفلسفات القديمة حاضرة في إطار مختلف.

لا أستغرب عندما اقرأ عن انتشار حركات شبابية خارج إطار الدين أو الوعيض، تبحث عن الهدوء النفسي في عالمنا الفوضوي هذا في الامتناع عن الاستمناء لفترة معيّنة و التركيز على الحياة و الأهداف الخاصة.
لعل بعضكم سبق و أن قرأ عن حركة الـ NoFap التي انتشرت قبل عدة سنوات مروّجة للآثار الإيجابية للامتناع كالشعور بالنشوة و الصحة البدنية و القوة الذهنية. أو حتى الشباب الذي يخرج عن عالم الفيسبوك لعدة شهور و عندما يعود يخبر غالباً عن الأمور الإيجابية التي حصدها في الوقت الذي كسبه.

شخصياً قمت بهذه التجربة [الامتناع] لمدّة ٨ أيام و لم أشهد تغيّراً كبيراً، لكنني كنت نشيطاً جداً و مستوى التيستوستيرون صعد عندي بعد اليوم السابع، إضافة إلى أن الشعور بالنشوة قد ازداد عمقاً و كثافةً لفترة طويلة بعدها.

الموضوع نسبي أكثر من كونه موضوعياً، فالأحاسيس و التجارب الشخصية غير كافية من منظور علمي، لكنها بدأت تجذب انتباه الباحثين، و بالفعل هذا ما بدأ يحدث. الدراسات التي حاولت كشف ما وراء ادعاءات هؤلاء الشباب لربما لم تؤكّد على وجود علاقة واضحة بعد، لكنها لاحظت ارتفاع في مستويات هرمون التيستوستيرون الذكوري و إن كان طفيفاً، إضافة إلى توازن المستوى الأيضي.

الفكرة خلف كل ذلك بسيطة جداً بغضّ النظر عن القيمة العلمية: فالسيطرة على الذات و الشهوات شيء يبعث بشعور من القوّة و المتانة البدنية. كذلك راحة البال المصاحبة للتركيز على الأهداف الأهم في الحياة بدل تضييع الوقت هنا و هناك أو في صفحات البورن، التي هي نفسها بدأت تجذب انتباه الباحثين حول تأثيرها على الانطباعات و التوقّعات الجنسية و الإدمان.

الإنسان عموماً كائن غير عاقل إلا لو طلب منه التركيز على مهمّة أو فكرة أو أراد ذلك بنفسه، لذلك تذكير أنفسنا بنقاط ضعفنا يقلل من نسبة الخطأ و يجعلنا نستمتع أكثر عندما نقدّر قيمة المتعة و لا نفرط فيها.

إذن الامتناع التام عن الاستمناء يستطيع العِلم الإجابة عليه: و الجواب هو واضح، الاستمناء طبيعي طالما لم يفرط الشخص فيه. و كلّما سيطر أكثر على سلوكياته، كلما ازداد راحة و نشاطاً.