الثقافة = الطاقة x التقنية

الثقافة = الطاقة x التقنية

عالم الأنثروبولوجيا ليزلي وايت Leslie White [توفي في سبعينيات القرن الماضي]، شدد على أن تسخير الطاقة هو المحرّك في تطوّر أي مجتمع و قسّم التاريخ إلى مراحل [المجتمعات البدائية، المدنية و المعقّدة/متقدّمة]، و هذا التقسيم ليس بالغريب لو تتبّعت تطوّر المجتمع البشري في آخر 7 آلاف سنة.

لكنه ناوأ معظم أسلافه في الجدل قائلاً:

“تتطور الثقافة عندما يتم زيادة »كمية« الطاقة التي نسخّرها لكل فرد سنوياً؛ أو عند زيادة »كفاءة« الوسائل التكنولوجية لاستثمار هذه الطاقة في العمل؛ أو حين يتم زيادة كلاهما في آن واحد.”

لخّص كلامه أعلاه في معادلة بسيطة جداً: الثقافة = الطاقة X التقنية.

و عليه، لن نستغرب عندما نجد الدول النامية أو الضعيفة اقتصادياً عاجزة عن تسخير الموارد و استغلال الطاقة بشكل ذكي. فضلاً عن الاستهلاك المفرط للطاقة دون اعتبار للمستقبل.

كي تتصور بشكل أدق أين نحن اليوم من الطاقة: جزء كبير من الطاقة المستهلكة يستخدم كحرارة و ليس لإنتاج شغل؛ تقريباً 50% من الطاقة المستهلكة تضيع كخسائر حرارية ، فقدان الطاقة [الطاقة تضيع و لا تنعدم] نجده بالأخص عند محطات توليد الطاقة الكهربائية حيث تساوي نسبة الضياع على شكل حرارة 64% من الطاقة المستهلكة (الداخلة) مقابل 36% من الطاقة الكهربائية المنتجة أو المفيدة، أي أن الكفاءة تساوي 36% فقط. هذه النسبة محبطة و تعكس قدرتنا الضعيفة في استثمار الطاقة. ربما لهذا السبب لم نستوطن محيط الكوكب بعد.

متى تمكّنا من تقليل نسبة ضياع الطاقة، ازدادت حظوظنا في تقليل المشاكل التي ستواجهنا في المستقبل، فضلاً عن التقدّم الحضاري الذي سنكسبه، و الذي سيغيّر كل قوانين اللعبة!

في أي دولة تعيش؟ كيف يتم استهلاك الطاقة فيها؟ على أي مصادر تعتمد؟ هل تسرف في استخدام الطاقة في بيتك؟ هل هنالك علاقة بين تأخر المجتمع الذي تعيش فيه و استغلال الطاقة فيه؟.

شاهد هذا الفيديو القصير عن 10 أنواع من الطاقة ممكن استغلالها في المستقبل

العربية مفيدة، العروبة مضرّة.

العربية مفيدة، العروبة مضرّة.

الحضارة تبدأ بعد التدوين، و الثقافة تنمو و تتطوّر عن طريق لغة مشتركة. و اللغة العربية جمعت و ارتقت بواقع المجتمعات في الهلال الخصيب، الجزيرة، مصر و المغرب على مراحل تاريخية متفاوتة أكثر مما نفعته “العروبة” كقومية جامعة.

هنالك فرق بينهما. فرق كبير!

النقاش حول “عروبة” فلان و نقاء سلالة آخر يستقطب الإشكاليات بطبيعته، بحكم المصادر التاريخية القليلة و الأدلّة اللغوية التي تربط تفرّع اللغة العربية عن الأصل الهندوأوربي، و تعدد النظريات التي يفترض بعضها نزوح الأقوام من محيط بحر قزوين، العراق و المناطق المجاورة إلى الجزيرة، و الأخرى التي تفترض هجرة من آثر الحياة قرب الأنهار في شكل أكثر تنظيماً على حياة البدو جنوب الحجاز.

العرب أنفسهم في السابق، حتى قبل الميلاد، كانوا عندما يتحدّثون عن منشئهم يقسّمون أنفسهم إلى أولاد عدنان و أولاد قحطان. لربما يتذكّر البعض الأغاني البعثية في أبان فترة حكم صدام حسين، كانت تتغنى بالعروبة و بأولاد عدنان و قحطان.

أولاد عدنان هم عرب الشمال، و عرب الجنوب، العرب العَارِبة، هم أولاد قحطان. بعض المصادر التاريخية تنقل عن روايات تصف عرب الشمال بالعرب المستعربة. و ربما لو عدنا تاريخياً، فتاريخ العرب يبدأ في الحضارة الجنوبية، يعني تقريباً ٨٠٠ سنة ق. م.، مع أن أقدم دليل على التدوين يعود للقرن الثاني ق.م.، كمثال سبأ و معين و غيرها، بينما حضارة الشمال، تدمر، الحضر و لاحقاً قريش و ما حولها؛ الأخيرة جاءت متأخرة، لكن لهجتها [اللغة التي أكتب بها هذه السطور] استمرت حتى اليوم.

مع ذلك، نحن كـمعاصرين “عرب” أو ناطقين، نتعامل مع واقع اللغة و العروبة من منظور مختلف.

فالعربية، كلغة و ثقافة، احتضنت الإسلام و جمعت الشعوب ثقافياً [التدوين] و دينياً من الهند و خراسان حتى الأندلس لمئات السنين. ليس من العجيب أن تنغرس ثقافات في أخرى و تمتص الجديد و المفيد. فالمصريون و شعوب الساحل الأفريقي الشمالي مثلاً ليسوا من عنصر عربي، لكنهم في الماضي قبلوا بالعربية عندما قبلوا بثقافة الإسلام و آثروا في أغلب المراحل التاريخية الوحدة على الانشقاق.

لذلك “العروبة” لم تكن هي الجامع من باب الوحدة في النسل، بل الثقافة العربية، و هذه أصلاً لما ارتقت في العصور الذهبية للعرب لولا انفتاحها على الأمصار و تمكّن المفكرين و العلماء من مختلف القوميات و الأصول أن يدرسوا، يكتبوا و يتواصلوا بالعربية.

كمثال، إبن سينا أصله عربي فارسي، عباس بن فرناس و إبن بطوطة أمازيغين الأصل، الفارابي من أصول تركية، كردية(؟)، و القائمة قد تطول.

ماجمعهم هو التواصل بالعربية، لا القومية.

لأن القومية العربية أو العروبة، تاريخها مليئ بالانتفاضات و الإقصاء.

يمكننا مثلاً التوقف عند تاريخ الشيعة و نزاعها مع السلطة الأموية العربية. النزاع سياسي أكثر من كونه دينياً: لأن عقيدة الشيعة السياسية تقوم على أساس أن الإمامة وراثية في أهل بيت الرسول، و هو مبدأ غريب على أصول الحكم في المنطقة و عند العرب بشكل عام. فالشيعة دعاة حق إلهي لا حق انتخابي. هذا يتصادم مع التفكير العربي القومي [بنو قريش] الذي كان سائداً آنذاك أن العرب المسلمين أولى بحكم أمة المسلمين في الأمصار، بدعوى أن النبي قرشي و أن العربية لغة القرآن ووو من التبرير الديني/سياسي.

و أظن أن هذا السبب الذي جعل بلاد فارس تستقطب الفكر الشيعي، بجانب القرب الجغرافي طبعاً. لكن لو تأمّلنا قليلاً: الولاة و الحكام الذين عيّنهم الخليفة العربي على الأمصار البعيدة كانوا في الغالب عرباً يحكمون أجانباً، إضافة إلى النزعة المتعالية لعرب الجزيرة تجاه المستعربين، كلها عوامل من الممكن أن تثير السخط عند أهل الأمصار. لربما لانعرف الكثير عن شعور الناس آنذاك، لكن هنالك اقتباسات مدوّنة تعطينا فكرة ما.

يقول إبن خلدون: “من الغريب الواقع أن حَمَلة العِلم في الملّة الإسلامية أكثرهم العجم، وليس في العرب حَمَلة علم لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية إلا في القليل النادر، وإن كان منهم العربي في نسبه فهو أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي”

و أراهن أنك حتى اليوم ستجد متوسّط العربي المسلم المعاصر يجادل أنه أفهم بالإسلام من أي أندنوسي أو باكستاني مسلم.

لكن تلك الصراعات، و إن ألقت بظلالها على مشاكل الواقع المعاصر السياسية، إلا أننا اليوم، و هذا مايهمني هنا، نوصَف من الشعوب الأخرى بالعرب! أي أن التعمّق في نقاء النسل هو مضيعة للوقا و إهدار للطاقات.

اللغة و الكتب و الثقافة العربية هي ما تجمعنا و حتى التاريخ بكل صراعاته، نكباته و أيامه الذهبية أيضاً.

و هنا مربط الفرس: العرب اليوم تائهون، مشتتون، و مايحتاجوه هو البحث عن مشتركات مفيدة، تجمع، لا تفرّق. تحترم التباين في مابينهم، تراعي كل دولة و واقعيها السياسي و الاجتماعي و توحّدهم في نفس الوقت. لسنا بحاجة لمشاريع ناصرية و بعثية، بل لمشاريع تنهض بالواقع، تبحث عن مشتركات و مقوّمات الرقي في التراث و تنظر للمستقبل.

بعيداً عن أي أدلجة: طاقة أكثر من ٣٠٠ مليون نسمة يشتركون في قاعدة معلوماتية أفضل من طاقة قليلة مختزلة في أديولوجيات محصورة.

يتبع..

حجم التنافس العالمي لا يرحم! لماذا لست مع التعليم المجاني؟

التعليم، ثم التعليم و ثم التعليم:

أعلم، الموضوع ممل، لكن، و هنا أريد منك التأني: هناك دراسات ونظريات مختلفة في بناء الإنسان للوصول إلى دولة قوية، و كل نظرية لها أبعاد و نتائج مختلفة. البعض ينجح و الآخر يفشل. هنا أريد باختزال توضيح الأمور ببساطة.

قد تعمد الدولة إلى بناء إنسان وفق استراتيجية تقوية جوانبه العسكرية و الاجتماعية دون المجالات الأخرى. السؤال اللاحق سيكون: مالثمن الذي سندفعه نحن أو الأجيال اللاحقة من إهمالنا للجوانب الأخرى؟

مالفائدة من دولة قوية عسكرياً، لكنها تستنزف كافة الثمار الاقتصادية و طاقاتها البشرية؟ كلها عقود و نجد هذه الدولة تنهار و تتردى أوضاعها.

الآن طبّق نفس الشيء مع الاقتصاد. دولة قوية اقتصادياً غير أنها موضع أطماع من الآخرين، خصوصاً و أن موقعها الجغرافي حرج و محاط بدول لا ترغب بنموها اقتصادياً. دون تحصين هذه المجتمعات، ستصبح بذلك فريسة سهلة و مهددة بالانهيار أيضاً، أو تجدها عاجزة عن النهوض اقتصادياً رغم مواردها الهائلة؛ العراق خير مثال على ما أقول.

إذن، ما هو السبيل وأي استراتيجية نحتاج لنشيّد دولة قوية متقدمة و مزدهرة؟

اسأل نفسك، أو أي خبير اقتصادي: ما هي أهم ثروة انتاجية للبلاد؟

الجواب هو عقول البلد الذكية و المنتجة، لأنها لا تعتمد على العدد، بل على النوعية. ثلة من جهابذة عصرهم يمكن أن ينهضوا بحضارة من جديد. التاريخ وحده يشهد على ذلك. إذن من المفهوم أن نستثمر هنا أولاً قبل كل شيء، صحيح؟

لا تحتاج لأن تكون ملمّاً بقوانين الاقتصاد و السياسة لتفهم دور النظام التعليمي في الارتقاء بالمجتمعات: بعيداً عن سفسطة الكلام:

التعليم القوي ينهض بالأجيال، خصوصاً الصغار، لأن عقولهم مرنة و إمكانياتهم أكبر. و هذا أبسط مثال عن استثمار طويل الأمد لمال الدولة في الأجيال القادمة.

نقطة جوهرية أخرى: طاقات الدول النامية محدودة، و بالأخص الأموال. الجامعات لاتواكب متطلّبات العصر من ناحية التجهيز و لا المصادر و لا التحديث المعلوماتي. كيف إذن تنافس على مستوى عالمي؟

حجم التنافس على المستوى العالمي مخيف: لاحظ هنا حجم الإنفاق الحكومي على البحوث و التعليم لبعض الدول مقارنةً بأخرى:

الولايات المتحدة مثلاً تنفق أكثر من 476 مليار دولار في السنة، مصر حوالي ٦ مليار، بينما العراق: ها ها ها 206 مليون دولار.

نسبة إنفاق الدول على قطّاع التعليم بالدولار

بما أن طاقاتك المادية محدودة، فلابد من أن تنتقي الأفضل و الأجدر في مجتمعك عن طريق الاختبارات و تدعمهم عن طريق منح دراسية و بعثات إلى الخارج. الإنفاق الحكومي ليس ضئيلاً فقط، بل مخزي بشكل عجيب.

لذلك جامعاتك تحتاج لكل درهم يساهم في تجهيزها بما يواكب متطلّبات العصر التقنية، المصادر الكافية لتمويل الأبحاث العلمية، جلب الخبرات العالمية و الاستفادة منها و بما على الأقل يجعلها على مقربة، لا أقول على مستوى، بل على مقربة من مستوى العالم.

لاحظ هنا مستوى الدول العربية في الإنفاق على البحوث العلمية مقارنةً مع العالم:

http://uis.unesco.org/apps/visualisations/research-and-development-spending/

تخيّل أنك تنافس في بطولة كاس العالم، و تريد المنافسة، هل سترسل متطوعين هواة؟ أم أفضل فريق عندك؟ طبيعي أن الغالبية يلعب الكرة أو يشاهدها و من حقه اللعب، لكن عند المنافسة، لا ترسل هواة! لا ملاعبك تكفي و لا مدربيك خبراء و لا دورياتك المحلية قوية. جعل كل شيء مجاني سيزيد من الشلل و يفتح المجال للهواة و يهمّش المحترفين و الموهوبين.

إن كان بيدك القرار و أنت تقرا هذا النص: الموضوع ليس بذلك التعقيد؛ تريد الاستثمار في مستقبل البلاد؟ هذا أفضل مكان لترتقي بمستوى الجيل الحالي و تضمن القادم. المال يحرّك الجبال!

عقلك هو أهم المصادر الإنتاجية الثمينة في البلد

نقطة نقطة:

– عقلك هو “أهم” المصادر الإنتاجية الثمينة من بين الثروات التي يحظى بها أي بلد.

– التعليم و متوسّط ذكاء الشعب مرتبطين بشكل مباشر بالجسور المتينة، الطرق المعبّدة، المباني الكبيرة و الأمينة، المصانع و الاستثمار بشكل عام.

– الاعتماد على الدولة ما يوكل خبز.

– ليس بيدك سوى أن تستثمر في ما لك قدرة عليه: تعليمك، ثقافتك و أطفالك كذلك!

ترجمت هذا النص من كتاب گاريت جونز “عقلية الخلية”، هنا يعلل بالتفصيل الترابط بين الذكاء و ازدهار الدولة:

“بما أن متوسط درجات الاختبار يتباين بين الدول – سواء كنا نتحدث عن اختبارات الرياضيات أو اختبارات القراءة و الكتابة أو اختبارات الذكاء – فإن الارتفاع العام في درجات الاختبار على مستوى الدولة يعني على الأرجح زيادة في عدد الأشخاص الأكثر تعاوناً و أكثر اطلاعاً من بين المواطنين. و هذا بدوره يعني أن اختبار ذكاء على الصعيد الوطني من المحتمل أن يؤثّر بشكل إجمالي على وعي الشعب بشكل لا يمكن تجاهله. وإذا تمكن باحثو التعليم و مسؤولي الصحة العامة من إيجاد طرق موثوقة لرفع درجات الاختبار الوطنية، فإن الإنتاجية و الازدهار الحضاري سيرتفعان حيث تسود البطالة، الفقر و المرض الآن.

يمكنك أن تتخيّل حجم هذه التأثيرات من خلال النظر عبر البلدان و تأمّل التالي: الدول التي تقدّم نتائج عالية في الاختبارات الموحدة – مثل سنغافورة و فنلندا – عادة ما تكون حكوماتها إلى حد كبير خالية من الفساد؛ لديها طرق و جسور رصينة، و لديها الكثير من الاستثمارات الخاصة [القطاع الخاص] في المباني، المكاتب، المصانع و المنازل. الصين أيضاً تقدّم نتائج جيدة في الاختبارات الموحدة، و خاصة في الفترة التي تبعت حكم ماو نما اقتصاد البلاد بشكل سريع. إن درجات الاختبارات العالية في هذه البلدان تعكس متوسّط المهارات المعرفية لمواطنيها و رأس المال البشري اللازم للتعامل مع تعقيدات الاقتصاد الحديث و الحياة الحديثة.

على النقيض من ذلك، فإن الدول التي تكون فيها درجات الاختبار متوسطة أو أقل تميل إلى أن تكون تلك الأماكن التي يضطر فيها الناس إلى رشوة البيروقراطيين الحكوميين لإنجاز الأمور اليومية و الخدماتية، سواء كان ذلك مدير المدرسة، أو البيروقراطيين في مكتب رخصة القيادة، أو شقيق عضو في البرلمان [أو الكونجرس]. و حتى لو لم تكن مضطراً لرشوة الحكومة، فإن احتمالية كون الحكومة ضعيفة و ذي مهنية غير فعّالة ليست بالضئيلة.”

المجتمعات ذات المتوسط المنخفض من درجات الاختبار هي أماكن صعبة لتولي مشاريع معقدة و مكلفة، خاصة الاستثمار، كون العمال المهرة و الطاقة الكهربائية المتوفرة لأربع وعشرين ساعة في اليوم عملة صعبة غير متوفرة في كل مكان. لذلك لا تستقطب مصل هذه الدول المستثمرين الدوليين، و هذا يعلل ضعف الاستثمار الخاص و الاعتماد على القطاع العام.

على المدى الطويل تستطيع تتبع نتيجة درجات الاختبار الضعيفة: إنها خليط من الجسور المتهالكة، المباني المتداعية، سرعة الإنترنت البطيئة و انعدام الازدهار. هذه العلاقة بين الدول ذات نسب اختبار عالية و أخرى ضعيفة، يمكن قياسها من ناحية القوى الاقتصادية و الثراء. فتلك الدول ذات النتائج الأضعف ضمن الـ ١٠ ٪ في جميع أنحاء العالم تكون ذو قوة اقتصادية و ثراء يعادلان ثُمن ١/٨ الدول الأولى ضمن الـ ١٠ ٪ الأوائل.”

المجتمع، المجموعة، العائلة ـ مهمتنا كجيل العصر أن “نحافظ” على هذه المعادلة

هذه المعادلة هي منبع هويتك كإنسان اجتماعي. افهم أصولها بشكل دقيق، كي لا تصبح فريسة لتيارات ما بعد الحداثة، فتلك تحاول إعادة صياغتها بشكل مخيف ناكرة عمقها البايولوجي و التاريخي. الثمن الذي قد ندفعه من ذلك سيكون باهضاً، و أتمنى أن لا تكون جزءاً من هذه الحملة.


عندما نناقش أصول المجتمعات و الثقافات التي ترسم الهوية التي يتبناها الفرد، لابد من مناقشة مفهوم الهوية و ضرورته في كل عصر. أوربا الحديثة تصارع في تجاوز هذا المفهوم دون جدوى. من حسن الحظ.

لكي نستوعب هذا المفهوم [الهوية] من جوانبه العاطفية، الاجتماعية و البايولوجية، فمن الأمثل تفكيكه و إعادة ترتيبه بتفصيل في السطور التالية:

الهوية هي محصّلة لعوامل و ظروف تحتضن الفرد في فراغ ما و تعزله عن آخر. و عليه سأعود إلى العوامل هذه التي تسبق بروز الهوية: المجتمع، المجموعة، العائلة. قبل البحث في هذه، دعني أمضي في طريقي للعودة إلى أسباب بروز هذه العوامل أصلاً.

أحد الأسباب التي تدفع الفرد إلى الاندماج في شكل تجمّعات أو عائلة هو الخوف من الأفراد الآخرين، الحاجة الملحّة للأمن، كما يؤكّد عالم النفس الأمريكي أبراهام ماسلو. وفقاً لفرضيته الهرمية التي يعرفها بعضكم و المتجلّية عن محاولة لصياغة نسقاً مترابطاً يفسّر من خلاله طبيعة الدوافع أو الحاجات التي تحوك السلوك الإنساني، يفترض ماسلو أن الحاجات أو الدوافع الإنسانية تنتظم بشكل متصاعد هرمي من حيث الأولوية. إشباع الحاجات الأكثر أولوية و التي تخدم البقاء البيولوجي ستحل في المركز الأول.

حيث أنه ليس من المستغرب أن تكون أول الحاجات الفسيولوجية مثل الجوع، العطش، تجنب الألم، و الجنس هي الأولويات الأساسية لحيوان ذكي ينافس من أجل البقاء.

لكن الملفت و المفهوم في نفس الوقت، هو أن الحاجة الثانية تتجلّى في الأمن. الحاجة المتعلّقة بالحفاظ على الحالة الراهنة، و ضمان نوع من النظام و الأمان المادي و المعنوي، مثل الحاجة إلى الإحساس بالأمن. لأن الأمن يعزز فرص البقاء و بالأخص الاعتماد على مصدر مشبّع للحاجات. أي تهديد لهذه الحاجة الأمنية و لهذا النظام يمكن أن يتبدّى في شكل مخاوف مثل الخوف من المجهول، الغموض و الفوضى. عالم النفسـ تطوّري إيرينيوس آيب أيبينفيلت يوضّح ان الأطفال الرضّع يبدأون منذ الشهر السادس بالتمييز بين الغرباء و الوجوه المألوفة (القرباء)، حيث ينمو الشعور بالرفض تجاه الغير مألوف و الذي يمكن أن يتصاعد إلى العنف. هذا التخوّف من الغريب لا يُفهم كنتيجة لتجارب سلبية للطفل مع أشخاص غرباء، بقدر كونه مزيجاً متردداً يجمع بين فضول الطفل تجاه العالم الخارجي و بين حنان الأم إلى الأمان الأبوي.

المحلل النفساني و الباحث في مجال الخوف، فريدرش هاكر يصف الخوف من الخوف نفسه كواحد من أهم أسباب العنف. من باب آخر، يتفق علماء الاجتماع على أن الخوف يمكن تفريغه أرضياً و التخلّص منه عند تواجد الفرد بين مجموعة، أو داخل مجتمع. حيث أظهرت العديد من التجارب التي أجريت على إثنيات متعددة، أن الأشخاص المفزوعين يبحثون عن آخرين يشاطروهم التجربة، مما يخفف عنهم الأزمة النفسية و حالة الهلع.

هذه الحاجة إلى الأمان دفعت بالفرد إلى البحث عن هوية “الحامي” و صقلها. لذلك تجد المجتمعات البدائية و حتى تلك التي عاشها الجنس البشري هي مجتمعات هرمية التشكيل، يمارس فيها الحامي دوره كقائد و مسؤول. و لأن نواة كل مجتمع هي العائلة، فـ نويّة كل عائلة، هي الأب و الأم. الأب يحميها و يدافع عنها و يتكفّل بالحاجتين الأساسيتين في هرم ماسلو: ١) الصيد، البحث عن مصادر الغذاء، العمل، كسب المال و توفير الغذاء بشكل أو بآخر، و ٢) أمان العائلة و حمايتها من المخاطر. بينما الأم هي مصدر الحنان، العاطفة، تلاحم العائلة، و نضوج الأطفال; دورها في الحقيقة أعمق و تبعاته أطول: فالمجتمع السليم في الجيل السليم.

هذه الأساسيات استوعبها الكثير من الفلاسفة الإغريق و الأسيوين، ففي الفلسفة الرواقية مثلاً، تجد أن الإنسان الصالح و المتكامل، هو ذلك الذي يؤدّي دوره في هذا الكون على أكمل وجه و يدرك مكانه في المجتمع أو النظام. فالأب يتحمّل مسؤولية عائلته، و القائد مسؤولية رعيّته و الطبيب مسؤولية مرضاه و إلخ.

كما أن البشر بحاجة لشخصيات مثالية التوجّه، تلعب دور القدوة و الرفيق المنير لسبيل الارتقاء و النضوج. فالأطفال في المجموعات يقتبسون غالباً الصفات البارزة من الأشخاص الأكثر تأثيراً في محيطهم، و بالتالي دور القدوة و التسلسل الهرمي هو نظام نجح على مر التاريخ في تمرير الميمات الثقافية المهمة و الضرورية للحفاظ على التقاليد المفيدة. من هنا يأتي تعريف الفكر المحافظ: أن تحافظ على الحضارة و حكمة الأجداد.

هل التجارة الحرّة مفيدة للجميع؟ لماذا إذن تلجأ بعض الدول إلى الحمائية التجارية؟

هل التجارة الحرّة free trade مفيدة للجميع؟ مالمقصود بالحرّة تحديداً؟ و لماذا تلجأ بعض الدول إلى الحمائية التجارية protectionism؟ هل كان ترامب محقاً في قراره الاقتصادي بفرض تعريفات جمركية على الواردات من الصين؟

لماذا يمسّك هذا الموضوع؟
هل أنت مستهلك؟ هل اقتصاد دولتك، أو السوق التي تعمل فيها و تسترزق منها ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالسوق العالمية أو العملات الصعبة؟ إذن الموضوع يمسّك.

قبل أن تستهل بالقراءة، تمعّن النقاط التالية:

ـ المقال يتعمّق في بعض أصول الاقتصاد لكنه لا يخاطب المتخصصين.

ـ المقال يطرح نظريات اقتصادية و يعلّق عليها. النظريات دققها صديق ماجستير في الاقتصاد في جامعة مونستر في المانيا و أنا أثق به، كما أني مطمئن إلى حد كبير من المصادر التي استندت عليها.

مصطلحات مهمة تحتاجها لفهم المقال:

الاقتصاد الحر مصطلح لابد من أن تطّلع عليه إن كنت مهتماً بالسياسة و الاقتصاد. ببساطة هو أن تترك الدولة الأسواق تضبط نفسها بنفسها. نظرياً، تفاعل العرض و الطلب في السوق هو حجر أساس هذا النظام و هو الذي يتحكّم بالأسعار، فضلاً عن المنافسة الحرّة التي تلعب دوراً مهماً في التحكم بالأسعار و تحرّرها من أي قيود يمكن للدولة أن تستخدمها.
لنفترض أنك المستهلك و أنا البائع. أنا أطلب و أنت تمدّني بالمنتوج، أنا أنتج العدد المطلوب في الشهر و أنت تستهلك العدد اللازم. عدم وجود قيود سيسمح بظهور منافسين في الإنتاج و تنوّع في السلع، الشيئ الذي يوفّر المنتوج بأفضل جودة ممكنة و بأسعار منخفضة أو مناسبة. إلى هنا قد تروق لك الفكرة.

المشكلة أن المستهلك و المنتج هما من البشر. لهما دوافع، مصالح، أهداف و هما أيضاً معرّضان للطمع و الجشع و الهيمنة. الشيئ الذي قد يسمح بالسيطرة على بعض القطاعات و التحكمّ بأسعارها (الاحتكار)، إضافة إلى ازدياد حجم النشاط الاقتصادي في فترة معيّنة و تقلّصه و ركوده في فترة أخرى. هذا مقلق لأنه سيسبّب تقلباً اقتصادياً و ربما زيادة في البطالة. طبعاً لابد من مراعاة النضج المؤسساتي في السوق. فهو يتفاوت بين دولة و أخرى.

على عكس التجارة الحرّة، تتدخّل الدولة بشكل مباشر في تقييد السوق و التجارة بين الدول من خلال رفع الرسوم الجمركية على السلع المستوردة [كما فرض مؤخراً الرئيس الأمريكي ترامب حزمة جديدة من التعريفات الجمركية على الواردات من الصين]، و تحديد كمياتها، و الحصص التقييدية.

مالذي تريده الحكومة من ذلك؟ نظرياً و بعيداً عن الدوافع السياسية الأخرى، تهدف هذه الضوابط إلى تثبيط الواردات، دعم الاقتصاد المحلّي و منع المستثمرين الأجانب من الاستيلاء على الأسواق و الشركات المحلّية. أي أن الدولة تشجّع على استهلاك المنتوجات المحلّية [لذلك دورك أنت مهم أيضاً]. مثلاً، تستطيع أن تشتري الألبان المحلّية الصنع بدل المنتوج الأجنبي، لأنك بالتالي ستدعم المزارعين و سوق الحليب المحلّية و تساهم في زيادة الطلب على المنتوج المحلّي مقارنة بالمنتوج الأجنبي.

الصعوبة التي قد تواجهها كمستهلك هو الفارق في الجودة! إضافةً إلى غلاء أسعار المنتوج الأجنبي بشكل كبير نسبة إلى الرسوم الجمركية العالية.

سياسات الدول يحكمها التنوّع و طبيعة الحكومات المتناوبة التي بدورها تتباين في التوجّه [لبرالي أو محافظ]، و أيضاً المعاهدات الثنائية و الدولية و المصالح السياسية و النفوذ. لذلك ستجد أكثر الدول تحاول التوفيق بين المذهبين و بمراحل متباينة.

فالتاريخ الاقتصادي للدوّل التي تتبنى فلسفة مؤيّدة للعولمة و الاقتصاد الحر يشهد لسياساتها الحمائية أبان نشوءها، و العكس بالنسبة إلى الدول المناهضة للعولمة و التي سبق و أن استخدمت التجارة الحرّة كوسيلة لتسويق المنتوج المحلي و الهيمنة الاقتصادية و الاستعمارية.

سأسلّط الضوء على الدول الاقتصادية الأكبر و الأقدم منذ القرن التاسع عشر و حتى اليوم. قبل ذلك، اعلم أن المتخصص يقسّم الاقتصاد بشكل عام إلى فرعيه الأساسيين: الاقتصاد الكلّي و الاقتصاد الجزئي.

مهم أن تفهم الفرق بين الفرعين: في الكلّي ينظر الاقتصادي إلى حجم الفرس، نمو شعره، عضلات جسمه و سرعته. في الجزئي يتمعّن في خلايا جسمه تحت المجهر: كيف تتفاعل مع بعضها البعض، و ما تأثيرها على محيطها و نمو أو موت أعداد أخرى؟

على الجانب الكلّي: هل ارتفع إجمالي الإنتاج في الولايات المتحدة أو قلّت نسبة البطالة؟ أما على الجانب الجزئي، لنفترض أنني أريد أن أفهم سر نجاح جهاز الأيفون. هنالك عدة أسباب ممكنة، و قد تتشابك أحياناً في التعقيد. لذلك نبدأ من الجانب البسيط الجزئي: من المستهلك؟ مالذي يشدّه في هذه التقنية؟ ما هي علاقته مع البائع [شركة أبل]؟ ما هي صفات الجهاز و ماهي موارده؟ ما هي نسبة المبيعات مقارنةً مع الطلب في السوق؟ هل تزداد كمية الإنتاج رغم زيادة السعر؟ [و هذا ما يفسّر سر نجاح سلسلة الـ iPhone]. و لو ازداد الإنتاج، هل سنلاحظ ذلك على اجمالي الاقتصاد الأمريكي الكلّي مثلاً؟ فقط مثال لتوضيح الفكرة.

ًٌٍَُّ

يهمني أن تعي التالي:
قراراتك الاستهلاكية ـ رغم بساطتها ـ تلعب دوراً في دعم أو إهمال الصناعة المحلّية و تكاسلها. أنت كفرد مستهلك و تريد أن تساهم و تعلب دوراً في المجتمع، لابد من أن تمعّن النظر في سلوكياتك الاستهلاكية و تضع في الحسبان أنك ستساهم بشكل أو بآخر في رسم ملامح السوق. بالطبع هذا التأثير يتمخّض عن مجموع سلوكيات الأفراد في المجتمع. تلك السلوكيات، سواء كانت عقلانية أو غير عقلانية، يمكن التنبّأ بها أو تتبّع أنماطها على المديين القريب و البعيد.

برأيك، عندما تشتري أنت جهاز الأيفون الحديث، ألن تساهم في تعزيز الطلب في السوق؟ و بالتالي استمرار أو زيادة السعر؟ و ربما ستحتاج شركة أبل لتوسيع عدد العمّال في مصانعها، و بالتالي تساهم في التقليل من البطالة الإجمالية و تضيف إلى حجم الإنتاج الكلّي للدولة؟ ربما..

الآن وقد مررنا على فرعي الاقتصاد و مذهبي التجارة الحرّة و السياسة الحمائية، لابد من التذكير بأن العالم الذي نعيش فيه متعدد العوامل و أكثر تعقيداً من التقسيمات التي تطرّقت إليها.

السياسة الحمائية تاريخياً هي في الحقيقة قاعدة قبل أن تكون استثناءً في سياق الاستراتيجيات الاقتصادية. كيف، و على ماذا أستند؟

منذ نهاية القرن السابع عشر و مع توسّع نطاق الثورة الصناعية، حتى الحرب العالمية الثانية، كانت السياسات الحمائية هي السائدة، خصوصاً في ظل هيمنة الفكر القومي على أنظمة الدولة آنذاك.

بما أننا تطرّقنا إلى الثورة الصناعية، دعنا نبدأ من معقلها، المملكة المتّحدة.

في القرن الـ 17 في عام 1815 تحديداً شعرت بريطانيا أنها بحاجة إلى فرض تعريفات جمركية على واردات الحبوب لحماية الاقتصاد المحلّي، حيث حظرت استيراد الحبوب تماماً إذا كان السعر أقل من 80 شلن للربع Quarter [تقريباً ٥٠٠ باوند]، بمجرّد تجاوز السعر هذا الحد، يعفى من الرسوم الجمركية. أي أن بريطانيا حافظت على انتاج الحبوب المحلّي من الأسواق الخارجية لما يقارب الـ ١٥ عاماً. بعد أن تراجعت معدّلات النسبة مع ارتفاع الأسعار، فقدت أهميتها، مما مهّد لـ تأسيس رابطة مكافحة قانون الذرة (الحبوب) في ثلاثينيات القرن التاسع عشر في مانشستر من قبل العديد من المصنّعين و التجّار. هدف الرابطة كان إلغاء قوانين الذرة في و تحديداً عن طريق البرلمان.

لوحة لـرابطة مكافحة قانون الذرة في لندن

عندما تم تعديل تعريفات الحبوب في عام 1842 بتخفيضات طفيفة فقط، استمر التحريض من مؤيّدي التجارة الحرّة بقوة أكبر. حيث استضافت الرابطة أكثر من 200 تجمّع كبير و وزّعت مئات الآلاف من الكتيّبات لصالح التجارة الحرّة. من هنا بدأ الصارع بين مؤيدي التجارة الحرة و مناهضيها يأخذ مناحٍ جديدة.

بعدها بأربع سنوات تمّ إبطال قوانين الحبوب، بعد أن لعبت دوراً تاريخياً للحدّ من واردات القمح الأجنبي وضمان ارتفاع دخل المزارعين البريطانيين على مدى ثلاثة عقود من الزمن.

نستنتج أنها سياسة مؤقّتة و لا تتحمل التمادي لتجنّب التقوقع الاقتصادي. هنالك أمثلة لاحقة تشهد على ذلك.

طبعاً بريطانيا لم تكتفي بهذا فقط، بل فرضت الرسوم الجمركية على العديد من السلع المصنّعة و المهددّة بالمنافسة الأجنبية و علاوة على ذلك، فإن النزعة الحمائية ظلّت قائمة، على الرغم من معاهدة التجارة الحرّة الموقّعة بين فرنسا و المملكة المتحدة سنة 1860.

الظروف في فرنسا لم تختلف عن نظريتها، حيث كانت الزراعة الوطنية خاضعة للحماية أيضاً، حيث وصلت التعريفات من 5% إلى 20% على المنتجات الزراعية المستوردة.

الفائض تم تصديره إلى غرب أوربا و بالتالي تعزيز انخفاض الأسعار إقليمياً. خطة ذكية!

المانيا كذلك لم تتمكن من تفادي الحمائية. فمنذ عام 1873 و المانيا الرايخ الأوّل [عصر بسمارك] تشهد سنواتها الأولى بعد التأسيس و تعاني من أزمات عدة، كان أحدها هبوط حاد في أسعار المنتجات الزراعية و الصناعية – التي ارتقعت بسبب الازدهار الاقتصادي منذ خمسينات القرن التاسع عشر. لذلك، في عام 1879، أدخلت حكومة الرايخ تعريفات حمائية على المنتجات الزراعية و الصناعية الأجنبية: تعريفات هدفها أن تحابي الاقتصاد الألماني و تساعد على استقرار الأسعار. و بالتالي لن تتمكن السلع الأجنبية الغالية ـ بفضل التعريفات ـ من منافسة المنتجات الأقل تكلفة من داخل ألمانيا.

لوحات المانية من عصر بسمارك توثّق نتائج السياسة الحمائية الإيجابية

لكن المانيا، انجلتر و فرنسا ليسوا وحدهم على سطح الكوكب. ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر دخلت الولايات المتحدة، روسيا و الأرجنتين في السوق بقوة من خلال منتجات زراعية بأسعار منخفضة نسبياً. تم تصدير الفوائض المتولّدة إلى دول أوروبا الغربية، مما ساهم في تخفيض الأسعار.

كيف تمكّنت الولايات المتحدة من التفوّق و اجتياح أوربا اقتصادياً؟
الإنتاج الأرخص في الولايات المتحدة سببه استغلال المناطق الغربية من الأرض الجديدة و تنمية الأراضي الشاسعة الصالحة للزراعة، و التي كانت أرخص بكثير من استغلال الزراعية في ألمانيا ـ الولايات المتحدة أكبر بحوالي 26 مرة من ناحية المساحة!

مقارنة بين مساحة المانيا و الولايات المتحدة

في الوقت نفسه، ساهمت المكائن الجديدة للإنتاج الزراعي و كذلك التوسّع السريع في تعبيد طرق السكك الحديدية الأمريكية في انخفاض تكاليف النقل و الشحن بشكل كبير، مما أثر بشكل مباشر على أسعار المنتجات الزراعية و سمح بانخفاضها.

كأمر واقع، هيمنت الولايات المتحدة على السوق و أصبحت قادرة على تصدير سلعها الزراعية بشكل كبير و رخيص حتى في أوربا. و كما يمكنك أن تتوقعّ، حال المنتجات الزراعية الأوربية لم يعد مستقراً، فلا هم قادرون على تصدير فائضهم ـ لأن السلع الأرخص تزاحمهم في السوق العالمية ـ و لا هم في موقف يسمح لهم بفتح السوق للمنتوج الأجنبي، لأنه سيعني الإنهيار المحلّي.

بعض خبراء الاقتصاد يستخدمون مصطلح “الصدمة الاقتصادية” لوصف حالة السوق المحلية بعد العجز أمام السلع الأجنبية.

و ربّما لأنها كانت أحد الحلول الطبيعية و الطويلة على الصدمات الاقتصادية، ظهرت الحمائية أيضاً كجواب واضح على الأزمة التي ضربت الاقتصاد العالمي في أعقاب حادث تحطّم وول ستريت في نهاية عشرينات القرن الماضي. حيث لجأت الحكومات فيما بعد إلى زيادة التعريفات الجمركية وحظر بعض المنتجات و غيرها من الأدوات والمعاملات النقدية، للسيطرة على الأزمات المحلية.

المشكلة هي أن السوق العالمية متشابكة بشكل كبير و معتمدة على كل الأطراف.

حتى السياسة المحلّية كانت رهن التقلّبات الاقتصادية، كما حُتِم على مصير جمهورية ڤايمار الألمانية الانهيار بعد أن تجاوزت البطالة النصف و ارتفع التضخّم المالي بشكل شل الاقتصاد الداخلي و أنهك الدولة. إضافة إلى أن فرض تعريفات جمركية لن يقتصر على طرف فحسب. كل دولة ستحاول حماية قطاعاتها الصناعية المحلية، و بالتالي لا يمكن سوى أن نستنتج تراجع التجارة الدولية من تصدير و استيراد. و هذا ما تثبته الأرقام آنذاك. حيث انخفض حجمها بنسبة 40% بين 1929 و1932 وخلافًا للاعتقاد السائد، فلم تختفِ الحمائية بعد عام 1945، حيث وقّع 23 بلداً اتفاقاً عاماً حول التعريفات الجمركية و التجارية، يهدف إلى تخفيض التعريفات و الحفاظ على حجم التجارة الدولية. في الصورة التالية خارطة تبيّن حجم التبادل الاقتصادي العالمي. مثلاً حجم التبادل بين روسيا و الاتحاد الأوربي يفوق الـ 407 مليار دولار سنوياً، و ما يعادل 2,2% من حجم التبادل التجاري العالمي.

حجم الاقتصاد العالمي

من هنا نلاحظ كيف أن الدول لم تعد في موقف يسمح لها بفرض تعريفات دون ضوابط أو دون ثمن مقابل أو خسارة حليف اقتصادي أو نشوب حرب اقتصادية بشكل من الأشكال.

الدول العربية في هذا الوقت تمثّل ساحة حرب و مصدر للموارد الرئيسية للصناعة، أهمها البترول بالتأكيد.

كيف احتوى العالم الصناعي الجديد هذه المشكلة؟

واقع الحال الجديد مهّد لتأسيس منظمة التجارة العالمية، لتضمن انسياب التبادل التجاري بأكبر قدر من السلاسة و إيجاد وضع تنافسي دولي يعتمد على الكفاءة الاقتصادية في تخصص الموارد. عملياً، هي المنظمة العالمية الوحيدة المختصة بالقوانين الدولية المعنية بالتجارة ما بين الدول. تضم 164 دولة و هدفها الرئيسي تقليص الحواجز الحمائية القائمة في وجه التجارة إلى حد أكبر، و تستخدم الدول نظام تسوية النزاعات في منظمة التجارة العالمية من أجل التطبيق القسري لهذه الاتفاقات و الأنظمة. كما تتأكد من مباشرة الأعضاء الجدد بالالتزام بالتخلص من النظام الحمائي.

و عليه، فالدولة الحديثة أمام خيارين: الالتزام بقوانين المنظّمة لكي تنفتح على السوق عالمياً، أو (في حالة عدم انتمائها للمنظّمة) تلجأ إلى المعاهدات الثنائية أو التحالفات على المستوى القاري، كـ نافتا (NAFTA) اتفاقية التجارة الحرّة لأمريكا الشمالية بين الولايات المتحدة، كندا و المكسيك.

حتى مع وجود قواعد أو أنظمة تجارية واضحة، من المحتمل أن تبرز ضغوط حمائية ضمن الخلافات حول ما إذا كانت إجراءات معينة تنتهك القواعد المتفق عليها، كما هو الحال مع قرار ترامب الأخير بفرض تعريفات على سلع الصين المستوردة من الحديد و الألمينيوم. الاتحاد الأوربي كان أول المعترضين قبل أن يستثنيه ترامب، مع أن الاتحاد الأوربي نفسه يمارس سياسات حمائية مثيرة للجدل. سأتطرّق إليها في لاحقاً.

لك أن تتخيّل أنه منذ العام 1995، رفعت أكثر من 55 دولة قضايا ضد دول أخرى، و تم تشكيل أكثر من 120 هيئة لتسوية النزاعات (كما قرأت على موقع المنظّمة) و نظراً لأن العملية تبدأ بمشاورات إلزامية، تم التوصل إلى تسوية مئات من النزاعات.

النزاع الأكبر و الأحدث هو بين أكبر اقتصادين عالميين: الولايات المتحدة و الصين.

في مطلع 2018 وقع الرئيس الأمريكي مذكرّة رئاسية تفرض حزمة جديدة من التعريفات الجمركية على الواردات من الصين ـ قد تصل قيمتها الى نحو 60 مليار دولار، و تحديد الاستثمارات فيها رداً على ما تراه واشنطن سنوات من “انتهاك الملكية الفكرية و سرقة التكنولوجيا من الشركات الأمريكية”. من غير تضييق الخناق على ملكية الشركات الأمريكية في الصين.

المثير أن حجم التبادل الاقتصادي بين الولايات و الصين هائل جداً و يصل لـ 570 مليار دولار سنوياً! و الاقتصادان مرتبطان بشكل وثيق. المشكلة أن الصين تراوغ فعلاً على مستوى الحقوق الفكرية و الملكية، أو كما يقول صديق لي “الصين اليوم ترفع لواء الحرب الاقتصادية”.

الشركات الأمريكية الكبرى و الصغيرة أيضاً، تتفادى الشكوى على الصين عند منظمة التجارة العلمية عند تعرّضها لعرقلات أو مضايقات أو انتهاك لحقوق ملكية، لأنها ستجازف اقتصادياً أو تتعرّض لمضايقات قد تصيبها بخسائر فادحة، كونها مرتبطة بالأيدي العاملة الصينية الرخيصة و المصانع الكبيرة.

قد يتخذ دونالد ترامب خطوات رمزية في الأجل القصير، مثل إدخال ضرائب جديدة على المنتجات الصينية والمكسيكية أو تدابير مكافحة الإغراق لكن على المدى الطويل، سيتوجب عليه المناورة و تخفيض التعريفات لأنها قد تسبب ضرراً كبيراً للمستهلكين الأمريكيين و للشركات الصناعية الكبرى. سياسة ترامب و إن تعرّضت لانتقادات كبيرة، خصوصاً على المستوى الأوربي، إلا أنها خطوة صحيحة سياسياً و اقتصادياً و بالطبع تكوي في طيّاتها المجازفة و تصعيد الحرب الاقتصادية، مع أن الحرب موجودة منذ مئات السنين.

لكي تفهم السياسة التجارية للدول بشكل أكثر دقة، دعنا نستخدام نظرية الألعاب (Game theory):

الأرقام في الجدول تشير إلى مدى الفائدة التي يتلقّاها اللاعب المعني [الدولة].

الوضع في الزاوية العليا اليمنى [10/10] من الجدول يُفهَم على أن الولايات المتحدة و الصين هما رابحان دون أي خاسر، أي win-win. في أعلى يسار الجدول [10-/ 20] ، تجد الوضع يختلف عندما تتصرّف الصين بشكل حمائي تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ستكسب الصين ضعف الربح و ستخسر أمريكا كل الربح. أما بالنسبة إلى أسفل اليمين [20 /10-] فهذا هو العكس . في أسفل اليسار، فالاثنتان خاسرتان lose-lose.

التبادل وفق التجارة الحرّة يؤدي إلى فائدة 10 لكل من البلدين. حينها يستفيدان من تقسيم العمل في هذه الحالة، و بالتالي يكون لكل منهما فائدة إيجابية إذا كان كل بلد ينتج ما له من مزايا في الإنتاج. في هذه الحالة، ستتعرّض شركات الدولتين للضغط التنافسي من الخارج، و نتيجة لذلك يكون مصير عديد من الشركات الضعيفة على المدى الطويل الإغلاق. إضافة إلى ذلك، يشترط أن لا تحصل سرقة للملكية الفكرية.

أما إذا تصرّف بلد ما على أساس الحمائية بينما يتبع الآخر التجارة الحرّة، فإن البلد الذي يفرض تعريفات سيحصل على فوائد هائلة. يتم التعبير عن هذه في 20 وحدة منافع. تستطيع الدولة الحمائية حماية شركاتها من المنافسة الأجنبية، في حين أن الدولة الأخرى معرّضة بالكامل للضغط التنافسي من الخارج، و هو ما ينعكس في شكل خسائر -10.

لو طبقّتا الولايات المتحدة و الصين السياسة الحمائية معاً، فإن النتيجة هي الضرر لكلا البلدين، فبدلاً من التعاون، سيسعى الجميع لمصلحتهم الخاصة و لشركاتهم و يحاول طرف ما الضرر بالاقتصاد الأجنبي الآخر.

في كثير من الأحيان تكون الصراعات السياسية مسؤولة عن تخلّي الدول عن حالة تجارة حرّة / تجارة حرّة من أجل إلحاق الضرر بالدولة الأخرى. و مع ذلك، فإن مجموعة التدابير الحمائية من جانب واحد عادة ما تؤدي إلى اتخاذ تدابير مضادة.

السياسة لعبة أكثر تعقيداً مما يظن البعض و تحتاج إلى متخصصين اقتصاديين و رجال سياسة حذقين. هذه أحد مشاكل الحكومات الكبيرة المنتخبة: الناخب لا يفهم في التفاصيل و يصر رغم ذلك على “حقه” في تقرير مصير الدولة: ثمار ما بعد الحداثة.

***
موضوع هذا المقال يشغل الكثير، من ضمنهم أصدقاء عرب مطّلعين سألتهم عن رأيهم حول الموضوع:
الصديق حسام الدين محمد يكتب: “بعالم مثالي، الـ protectionism هي عدو الاقتصاد السليم. لكن بعالم معقد ومتعدد العوامل احيانا تحتاج الدولة لفرض حماية لاهداف سياسية. الترويج لها كحل اقتصادي هو كذب على الشعوب. الاقتصاد الحر هو مصطلح مثالي بعالم اناركي يعتمد على فرضية الطيبة عند الناس والمنطق المجرد من عشوائية التفكير البشري ولهذا هي نظرية فاشلة مثل الشيوعية او التخطيط المركزي.”

الصديق رعد طالب يعلّق: “القاعدة الاولى باعتقادي هي: احمِ نفسك ومواردك خصوصا ان كنت قوياً بما فيه الكفاية لرد الاعتداء، بعد ذلك تفاوض على تعظيم مواردك من خلال الانفتاح على الاخرين والاستفادة من خبراتهم وتبادل المنفعة . بعد ذلك، كلما كان الانفتاح اكثر فائدة لك واكثر ميلا لاستقرارك ورفاهيتك ورفاهية قومك، استعمله اذن . عندما تستشعر الخطر، وان هناك من يريد استغلال انفتاحك عُد مرة اخرى للحمائية حتى لو اضطرك ذلك للقتال “اجعل القتال اخر اساليبك وحاول ان يكون محدودا حتى لا يستنزف قدراتك ومواردك”، عندما يزول الخطر مرة اخرى عُد للانفتاح.”

أحمد محمود من مصر يكتب: “بعض الناس يهيمن عليهم ما هو إقتصادي على ما هو سياسي، و ما هو أخلاقي، و ديني. ينبغي أن تهدف السياسة الإقتصادية للدولة إلى الإكتفاء و التحكم الذاتي Autarchy، أن تزود إحتياجاتها و رغباتها الصحية دون الإعتماد على التجارة الحرة مع البلدان الأخرى قدر الإمكان. كما يتجنب الإنسان السليم الأكل و الشرب المفرط أو الغير صحي و يمارس الرياضة بإنتظام. فإن الأمة السليمة تمنح إمتيازا للإستقلال و التعاون و الروح المعنوية الحربية على الرخاء الإقتصادي الخالص والإستهلاك من جهة، أو على تخطيط إقتصادي مركزي خاضع للسيطرة الكاملة من جهة اخرى”.

ما رأيك أنت؟

العائق الأكبر للشاب قبل أن يستهل بالزواج ـ هل يمكن تجاوزه؟

نقطة مهمة للقارئ العزيز، عند مناقشة المواضيع الاجتماعية ذات البعد الشامل و التأثيرات المهمة على مستقبل و حاضر المجتمع، لابد من التمييز بين الآراء الفردية ذات الطابع الشخصي و بين وجهات النظر من باب موضوعي. فمن الطبيعي أن يتبلور عندك رأي معادي للفكرة بسبب تجارب شخصية غير موفّقة أو بسبب ظرف اقتصادي عصيب أو بسبب مطالب اجتماعية مبالغ بها و يفرضها الأمر الواقع.

عندما أتكلّم عن الزواج كمؤسسة على نطاق المجتمع، فرأيي هنا أو الأمثلة التي أشهدها حولي [كي نتجنّب المغالطات المنطقية] لا تصلح لكي أستند عليها كلياً في تبرير أي رأي، لماذا؟

لأن الزواج مؤسسة اجتماعية نمت ملامحها وفقاً لضرورات، على الأقل هذا ما نفهمه حتى الآن من العلوم الاجتماعية و علم النفس التطوّري تحديداً، ضرورات نتجت عن التعقيد الاجتماعي و طبيعة “الجموعات” البشرية التي نمت لاحقاً و تطوّرت إلى حضارات و مجتمعات متقدّمة نسبياً.

طبيعة التعقيد هذه اقتضت أن تكون الأسرة هي الاستراتيجية الأمثل لاحتضان الأطفال و التركيز لا على “النجاة” من مخاطر الطبيعة فقط، بل على التأقلم مع الهيكلية الجديدة التي تتجسّد في تعاملات البشر فيما بينهم، قوانينهم، تجارتهم، طقوسهم، حروبهم، أخلاقهم و اقترانهم [التعقيد هذا أخذ وقته قبل عشرات آلالاف من السنين].

من هنا أخذت الأسرة موقعها كنواة للمجتمع، على مر التاريخ البشري الحديث و في تقريباً [مع بعض الاستثناءات القبلية القليلة] كل العالم.

إذن الزواج كان و مازال استراتيجية مهمة لنمو و دوام الحضارات. هذا ما يتفق عليه التاريخ و العلوم الاجتماعية اليوم. مثلاً، لا توجد حضارة نجت على مر التاريخ و معدّل الولادة فيها أقل من 2,3! هذه مشكلة على نطاق المجتمع، لا على نطاق الفرد. و عليه، مشروع الزواج هو خطوة ضرورية من وجهة نظر موضوعية تراعي دوام المجتمع، و هي تقبل الاستثناء في الحالات الشخصية. مهم جداً أن تراعي هذه النقطة، كي لا تقع في فخ إنكار دور هذه المؤسسة التي تضمن نشوء العائلة، كينونة المجتمع.

الآن البعض، و أغلب اعتراضاتهم مشروعة صراحةً، يعترض على مؤسسة الزواج الحالية و ينفر منها.

أ) التكاليف الخيالية قبل الزواج تقع في رقبة الذكر مثلاً، و التي تتناقض أخلاقياً و مادياً مع معطيات و ظروف الواقع [هنا أتكلّم عن المجتمعات العربية خصوصاً].
ب) هيمنة العادات القبلية.

ج) الإنجاب فوق حدود المعقول و دون مراعاة الحالة المادية.
ح) الكثير من مشاريع الزواج دوافعها مبنية على “رغبة جنسية وعدم فهم جيد للمقابل و انجذاب للشكل والتصرفات المتصنّعة”، كما يشكو أحد الأصدقاء.
خ) “النزاع الأسري” بين أهل الزوجة و الزوج و تدخّلاتهم في شؤونهم و استقرارهم العائلي.

د) البحث عن “محيط أمين” و بيئة تعليمية سليمة للطفل.
ذ) الضغط النفسي الذي تمارسه العائلة لإقناع الشاب بالزواج خوفاً من صيت العزوبية أو تهم الشذوذ

و القائمة قد تطول…

قبل عدة أيام اصطحبني سائق تكسي شاب من بغداد في بداية عقده الثالث، كان يشكو من قلة الزبائن في ظل حاجته الماسة إلى المال لسد تكلفة الزواج المنهكة على حد قوله. خوفه كان لدرجة أنه لم يعد يستبعد إمكانية فسخ الخطوبة لضعف الحالة المادية. فمطالب أهل الزوجة باهضة و هي مشروعة من وجهة نظرهم، التي يقرّها الشاب نفسه. حيث أنه لم يكمل دراسته الإعدادية بعد و لا يملك الوقت، فهو المعين الوحيد لأهله. أهل الزوجة يريدون الاطمئنان على مستقبل ابنتهم المادي، و هنا مربط الفرس.
هذا الشاب يمثّل بمعاناته شريحة واسعة من الشباب.

طبعاً أنا لم أتطرّق بعد إلى التسابق الطبقي بين العوائل لإبراز القدرات المالية و المكانة الاجتماعية على حساب الآخرين. التسابق في اختيار الأماكن و النوادي الأشهر و الأغلى و الأكل الراقي و الغالي و اللباس الثمين و الفرق الموسيقية الشهيرة و إلخ.. هنالك هوس مريض متفشّي في المجتمع، لا بد من تحجيمه. العطش الاستعراضي في الحفلات و الابتعاد عن التواضع و البساطة هو ما يمثّل واقع مشاريع الزيجات العربية الحديث بشكل عام.

لكن هذه مشاكل تتباين بين مجتمع و آخر، وفقاً لمتوسّط ذكاء الشاب، ثقافته، انفتاحه و الحالة الاقتصادية طبعاً. هل يعني ذلك أن ننفر تماماً و نعارض الزواج كحل؟ أنا لا أجد ذلك منطقياً و لا مفيداً لو نظرنا للأمر من ناحية المستقبل.
الخطر الأكبر هو عندما يكتمل المشروع بأواصر متسرّعة و ضعيفة، دوافعها إشباع جنسي و تخلّص من مسؤولية تربوية و اجتماعية (غالباً من جانب أهل البنت). لأنها ستفسح المجال لإنجاب أطفال تحت خيمة زيجات قصيرة الأمد مصيرها الانهيار. حينها سيضطر الأطفال للترعرع في بيئة انفصالية.

و هنالك مانع من الإنجاب خارج الخيمة الأسرية، لأسباب كثيرة نلاحظها في أوربا و المجتمعات الاقتصادية المتطوّرة مثلاً، من بينها:

أ) تفاقم الاضطرابات النفسية التي يسجّلها الأخصائيون النفسيون و التربوين في المدارس عند الأطفال الذين يفتقرون لأب أو لأم أو نتجوا عن علاقات جانبية.

ب) لا يوجد طبيباً نفسياً و لا شخصاً تربوياً يؤيّد نشوء الطفل في بيئة يخلو فيها الأبوان أو أحدهما. كل الدراسات الاجتماعية التي تدرس نمو شخصية الطفل، تؤكّد على دور الأم المهم و الأب كذلك في نضوج سليم لشخصية الطفل.

أستطيع أن أدخل بتفاصيل أكثر للأزمات الناتجة عن تفكك هيكلية الأسرة، كارتفاع معدّلات الاكتئاب النفسي، تزايد الشذوذ، ارتفاع معدّلات الانتحار و إلخ.. لكن هذه لوحدها تحتاج عدة مقالات.

بيت القصيد، الزواج مؤسسة تعاني في مجتمع هنا من “س” و في مجتمع آخر من “ص”، لكن هل المعاناة هذه تستدعي أن نثور كلّياً على الزواج؟ ماهي تداعيات هذا الأمر لو حدثت؟ أليس من المفروض أن نتّعض من تجارب المجتمعات التي جازفت قبلنا؟

علمياً و عملياً النيل المنظّم من المؤسسة الزوجية يشكّل مجازفة عواقبها غير حميدة و ضارة. أين المشكلة في الحفاظ على الميمات الناجحة التي مهّدت لتشييد حضارات و مجتمعات عبر آلاف الأجيال؟ أن تنتقد الزواج شيء، و تثور بشكل يحاول تهديم الأسرة شيء آخر، لذلك احذر هذا الفخ.

اعتراض الكثير على مشاكل الزواج في الوطن العربي مشروع و أنا أتفهّمه، بل أزيدك من الشِعر بيتاً، قبل فترة نشر صديقي حيدر راشد مقالاً تناول فيه سبب نفور الشباب من الزواج:

“فالذكور العراقيون عموما يشعرون بأنهم في حصار خانق متعدد الأبعاد، وقبضة لا تزيدها الأيام إلا قساوة وإحكاما. سيطرة الإسلام السياسي على المشهد الاجتماعي والواقع السياسي قد ضيّقت من أفق التجارب العاطفية الممكنة وزادت كلفتها على المال والحياة بشكل خطر، وصعود طبقة المقاولات وموظفي الرئاسات الثلاث دفع بأسر الطبقة المتوسطة فما فوق «والناس على دين ملوكهم» إلى رفع مستوى المهور من 4 آلاف دولار في بداية الحرب الطائفية، إلى 12 ألفاً قبل بضعة أعوام، والآن تتردد أنباء عن أسر تتفق على مهور تبدأ من 25 ألف دولار [وهذا مقدم المهر وحده، أما المؤخر فيتجاوز ذلك بكثير، مما يثبت أن هذه الزيجات لا يراد لها أن تدوم من البداية]… علماً بأن الراتب الذي يتقاضاه موظف حكومي حديث التخرج لن يتجاوز 500 دولار شهريا، رغم ندرة الوظائف والرشاوى المكلفة التي تفرض قبل التعيين.”

في مصر تجد أن تكلفة الزواج تقترب من مليون جنيه، حيث يصل سعر الوحدة السكنية إلى 400 ألف جنيه، و بالنسبة لشبكة العروس فإن هناك تفاوتاً في بعض المدن، فمنها من يشترط عدد غرامات معينة تصل إلى 500 غرام، ما يعني أن تكلفة الشبكة وحدها تتجاوز نحو 300 ألف جنيه. بل إن بعض الأصدقاء من مصر يذكرون أن سعر شقة متواضعة على أطراف المدينة لا يقل عن المليون جنيه.
يشكو لي أحد الأصدقاء: “والشاب مفروض عليه فوق تمن الشقة وتشطيبها انه يفرشها.. اوضة نوم وصالون وسفرة ومعيشة واطفال.. وهى عليها الاجهزة الكهربائية والسجاد والستاير والمراتب وغيره من الرفايع. الراجل دافع تقريبا 95% من تمن المشروع دة.. مش هو، بتبقي تحويشة عمر اهله. في الريف المهور والشبكة اغلى جدا وتكاليف الفرح اكثر بذخا، وده لان البيت غالبا بيبقي بيت اهله من زمان وبيكون ارض زراعية وطالع عليها مخالف بالعمارة، فا هو مش متكلف الا التشطيبات.. بيعوض الناقص من تمن الشقة في مهر وشبكة واجهزة.”

في السعودية يصل المهر لـ 100.000 ريال، أما في لبنان فيصل لـ 100.000 دولار! الأرقام العالية تجدها كذلك عندما تبحث عن مبالغ المهور في المغرب العربي.

العائق المالي هو فعلاً المشكلة الأكبر، و أظنني أستطيع أن أتكلّم بإسم الأغلبية من الشباب الذين يرغبون بتوفير المال لبناء الأسرة بدل إسرافه في الحفلات الباهضة و مبالغ المهور التي لا تتناسب مع الواقع المادي للشاب و لا مع المعقول.
طيّب، من يستطيع أن يساعد الشباب؟
برأيي كل أب و أم يريدان فعلاً ضمان دوام الزواج السليم لابنتهما أو ابنهما، عليهما أن لا يجهضان المشروع قبل ولادته. فلا هو بيع و شراء لسلعة ما، و لا ضمان الحياة المتناغمة و المستقرة هو المال الكثير، و لعل تجارب المتزوّجين تؤكّد أن مصدر السعادة هو التفاهم و الصدق و الإشباع الجنسي الطبيعي بين الزوجين، لا مقدار مقدّم المهر و لا مؤخّره.
و عندما يعاني الشاب، ستعاني الشابة أيضاً، فالأمر الواقع يفرض نفسه على الطرفين.
الابتعاد عن الترف و الإفراط في الإنفاق سيعود بالخير على خزينة الزوجين الحديثين حتى ينفقوه على ما هو أهم و أنفع. إضافة إلى ذلك، هي مسؤولية اجتماعية نبيلة أن نساهم في تقديم مثال حي للمحيط الاجتماعي، كيف نفرح و نحتفل و نضمن مستقبل الزواج الحديث بأقل المال، لا أكثره. فالقيمة الأهم هي أنه سيكون زواجاً موفّقاً و بذرة صالحة لنشوء أسرة، لا قيمة النوادي و لا الأكل الفاخر.

أختم بقصيدة طريفة لا أعرف كاتبها، عن شاب أراد أن يخطِب فتاة .. فكتب لأبيها:

أيا عماه .. يشرفني أمد يدي لكي أحظى كريمتكمْ وأن تعطوننا وعداً أتينا الله داعينا
فإن وافقت يا عماه دعنا نفصّل المهرَ وخير البرِّ عاجله ونحن البرَّ راجينا
فقال: أيا ولدي ..لنا الشرف، فنعم الأهل من رباك ونعم العلم في يمناك وإن العلم يغنينا
وأما المهر يا ولدي فلا تسأل لأننا نشتري رجلاً وليس المال يعنينا
ولكن هكذا العرف وإن العرف يا ولدي يحميكم ويحمينا

فمائة ألف مقدمها وأربعون مؤخرها وضع في البنك للتأمين عشرينا
و بيت بإسم إبنتنا ملبوس على البدن من الفستان لـ أحلا المصممينا
وأما العرس يا ولدي ففي “الشيراتون” فشأن صغيرتي شأن سعادٍ بنت خالتها وهندٍ بنت عمتها وشيرينا

فإن وافقت ..قلنا بارك الله لنا ولكم وقال الكل آمينا

رتّب الأفكار في موسوعتك أولاً: ماذا نعني بالليبرالية أو السياسة المحافظة؟ الكلاسيكية أو الديمقراطية الحديثة؟ الليبرتارية أو النيوليبرالية؟

قبل أن استهل بالتوضيح و التمييز بين المصطلحات التي ذكرتها في العنوان أعلاه، حاول كقارئ عربي أن تتقبّل أن السياسة العربية بشكل عام تستورد و تخلط المزيج المحلّي الخاص بها منذ قرون من الزمن بدل أن تساهم في صياغة التاريخ السياسي الحديث. بالطبع، ظروف المناطق العربية استثنائية و هي ضحية لأيديولوجية قديمة و مهيمنة حتى اليوم، بغضّ النظر عن الاستعمار، الحروب و التدخّلات و التقسيمات التي أنهكتها على مدى القرون الماضية.
من باب، أنا أتهم القارئ العربي العام بعجزه عن التمييز بين المذاهب السياسية الرئيسية، و من باب آخر أعذره، لأن واقعنا السياسي و الاجتماعي لايفسح المجال للإنسان بأن يجد الوقت اللازم و المزاج الصافي للدخول في هكذا تفاصيل قد تبدوا مملة للكثير و ربما محبطة للبعض الآخر.

سأحاول هنا وضع حجر الأساس لكي تفهم السياسة العالمية أكثر في حالة كونك لم تتعمّق في الموضوع بعد، لأنك شئت أم أبيت مقيّد بالظروف الاقتصادية و الحروب و الاتفاقيات العالمية. العولمة و التقنية غيّرتا قوانين اللعبة. من الذكاء أن تحاول فهم العالم حولك كي تتجنّب الوقوع في مشاكل كثيرة و تقليل نسبة الخطأ. لذلك لن أتحيّز لأي مذهب في الطرح و سأكتفي بالتركيز على الأسس الجوهرية التي تميّز مذهباً سياسياً عن الآخر و تفاصيل الفلسفة السياسية التي تشكّل القاعدة التشريعية لتلك المذاهب.
قبل أن نبدأ، دعنا نتناول تعريفي المذهبين المحافظ و الليبرالي بشكل مقتضب:

السياسة المحافظة Conservatism[من اللاتينية: conservare = “حفظ” أو “الحفاظ”] هي مذهب سياسي يشير إلى الفلسفات السياسية و الاجتماعية التي تعزز الحفاظ على المؤسسات الاجتماعية التقليدية و بقاء الوضع الراهن مع القليل من التغيير الحذر، فهي تعتبر الاستقرار شيء ثمين و يجب أن يتم التغيير بشكل تدريجي من أجل الحفاظ عليه. الفلسفة السياسية المحافظة يمكن وصفها بـشكل بسيط و غير مفصّل بأنها حالة ذهنية و فلسفة سياسية تنفر من التغيير السريع و الابتكار، و تسعى جاهدة لتحقيق التوازن و النظام، و في الوقت نفسه تتفادى التطرّف. بشكل عام تفضّل التسلسل الهرمي على المساواة و القيم الجماعية على الفردية. هي سياسة ظهرت كـ رد فعل ضد الأفكار الليبرالية التي بدأت تترسخ في أوروبا خلال الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر.

في المقابل، يواجهها كمذهب السياسة الـتقدّمية، التي تعرّف نفسها كـ فلسفة سياسية تمضي إلى التقدّم و التحرر من الماضي كجزء من تطوّر المجتمع و تصارع لصالح الإصلاحات التدريجية الاجتماعية، السياسية و الاقتصادية عن طريق حكومة كبيرة تتدخّل في فرض تلك الإصلاحات. هذا المذهب يمكنك أن تضعه في خانة اليسار في الطيف السياسي. الطيف الأكثر تطرّفاً في المطالب هو ما يوصف بالـفكر الثوري اليساري، فالأخير يرفض المنهج التدريجي و يطالب بالثورة. على عكس المذهب المحافظ، تفضّل التقدّمية المساواة على التسلسل الهرمي و القيم الفردية على الجماعية. و الصراع بين الفكرين يدور في جوهره حول عقلانية الإنسان أو الفرد نفسه. فالفكر المحافظ لايثق بعقلانية الفرد و عدم تحيّزه، بعكس الليبرالية التي تبالغ في تقدير البشر كفرد حر و عقلاني في اختيار مصيره. لكن كما ستقرأ لاحقاً، الواقع أكثر تعقيداً و يتشابك كثيراً و يتباين حسب الوقت و المكان. سأتناول المزيج الشائع في الدول الغربية القوية كي تفهم الصورة أكثر:

السياسة المحافظة الليبرالية Liberal Conservatism

[لا ينبغي الخلط بينها و بين السياسة المحافظة الليبرتارية]

السياسة المحافظة الليبرالية هي أيديولوجية سياسية تجمع بين السياسات المحافظة و المواقف الليبرالية، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الأخلاقية و الاجتماعية، أي بكل بساطة سياسة محافظة متأثرة بشدة بالليبرالية [كما هو الحال في بعض دول أوربا الغربية].

تشمل السياسة المحافظة الليبرالية النظرة الليبرالية الكلاسيكية Classical Liberalism [من روادها آدم سميث، ديفد هيوم و فولتير] للحد الأدنى من التدخّل الحكومي في الاقتصاد؛ حيث يؤمن الليبراليون الكلاسيكيون أن تحرير السوق من التدخل الخارجي الحكومي سيقود في نهاية المطاف إلى نظام يخدم المجتمع بصورة مثالية. كذلك يجب أن يكون للأفراد حرّية المشاركة في السوق و إنتاج الثروة دون تدخّل الحكومة. في نفس الوقت، من الموهم أن نثق بالأفراد بشكل كامل على التصرف بمسؤولية في مجالات أخرى من الحياة، و لذلك فإن المحافظين الليبراليون يعتقدون أن وجود دولة قوية أمر ضروري لضمان القانون و النظام. إضافةً إلى ذلك ضرورية و دور المؤسسات الاجتماعية لتعزيز الشعور بالواجب و المسؤولية تجاه المجتمع. من الأسم نفسه نستنبط أن السياسة المحافظة الليبرالية هي موقف سياسي يدعم الحريات المدنية إلى جانب بعض التقاليد الاجتماعية المحافظة. تستطيع أن تفهم هذا المذهب كـ أيديولوجية يمين الوسط. في أوروبا الغربية هو الشكل المهيمن للسياسة المحافظة المعاصرة.

بما أن لكل من “المحافظة” و “الليبرالية” معان مختلفة تباينت على مر الزمن و عبر البلدان، فقد استخدم مصطلح “المحافظة الليبرالية” بشكل متباين أيضاً. فالواقع السياسي و الخليط الديني، العرقي، الموقع الجغرافي و التاريخ السياسي للبلد،كلها عوامل تحدد الاتجاه السياسي و مراكز ثقله. لذلك حاول أن تبتعد عن التفكير الأبيض و الأسود في وصف هذه المذاهب و اطلق العنان لمخيّلتك كي تتصوّر نظام إحداثيات تمثّل محاوره التوجّهات الأساسية [محافظ ـ تقدّمي ـ سلطوي ـ ديمقراطي/تحرري]. لاحظ أنني أتجنّب مصطلحي اليمين و اليسار، لأنهما يتباينان جداً من مجتمع و ثقافة إلى أخرى. لكن بصورة عامة تفضّل الإحداثيات السياسية لليسار اللون الأخضر و تتداخل مع اللون البنفسجي. اليمين على العكس تجد إحداثياته تتكرّر في النطاق الأزرق و البنفسجي.

أظنك ستفهم مدى صعوبة تحديد ماهو اليسار و ما هو اليمين عندما نتكلّم بصورة عامة. لذلك يلجأ الكثير إلى تعريفات إضافية كـ “ما بعد الحداثة” أو “اليسار التقدّمي المعاصر” ليصف مثلاً الطيف السياسي السائد في ديمقراطيات الغرب و الذي يتبنّى سياسات التحرّر، الديمقراطية، السلامية [مناهضة الحرب و العنف]، الحكومة الكبيرة، الانفتاح على الهجرة، العولمة، التخلّص من تقاليد الماضي و الهويات القومية، النسوية، سياسات الصواب السياسي، المساواة، التركيز على حقوق الأقلّيات و حماية البيئة. اليمين المحافظ لا يعني أنه لا يهتم بحقوق الأقليات أو يؤيد العنف أو حتى يرفض الانفتاح على العالم، بالعكس، لكن برامجهم السياسية تركّز على الجانب المعاكس من المعادلة أكثر و تفضّل المصالح القومية و أهل البلد على حساب العولمة مثلاً، أو يجدون في بعض الحروب و التدخّلات العسكرية ضرورة سياسية أو إنسانية و أهمية اجتماعية في التمحور حول تقاليد و ثقافة البلد. التأدلج و التطرّف يمكن أن يظهران في كل مربّع و لون مختلف.

كمثال آخر على التباين الفلسفي في السياسة: تتناقض السياسة المحافظة الليبرالية مع المحافظة الأرستقراطية. فالأخيرة ترفض مبدأ المساواة كشيء يتناقض مع الطبيعة البشرية، و تحث بدلاً من ذلك على فكرة عدم المساواة الطبيعية و التي تؤكّد على التباين الجيني في الذكاء، القدرات و الطموح بين البشر. و مع احتفاظ المحافظين في البلدان الديمقراطية بالمؤسسات الليبرالية النموذجية مثل سيادة القانون، حق التملّك الخاص، اقتصاد السوق الحر و الحكومة التمثيلية الدستورية، أصبح العنصر الليبرالي في السياسة المحافظة الليبرالية توافقياً بين المحافظين.

مع ذلك يفرض الواقع السياسي نفسه دائماً: ففي بعض البلدان، مثل المملكة المتحدة و الولايات المتحدة الأمريكية، يُفهَم مصطلح “المحافظة الليبرالية” ببساطة على أنه “محافظ” في الثقافة الشعبية، مما دفع بعض المحافظين الذين اعتنقوا القيم الليبرالية الكلاسيكية القديمة ليطلقوا على أنفسهم إسم “الليبرتاريون”. بشكل مقتضب: يؤمن الليبرتاريون بأن الفرد في المجتمع يملك نفسه تماماً و بالتالي فإن لديه الحرّية في التصرّف فيها و في ممتلكاته و في عقائده كما يشاء، شرط ألا يتعدى على حريات الآخرين و ممتلكاتهم. و عليه فهم يؤيّدون التحرّر و إزالة القيود المفروضة على الفرد من قبل الدولة و المجتمع،كالعادات و التقاليد، و تقليص حجمها قدر المستطاع.

مع ذلك، فإن التقليد الليبرالي ـ المحافظ في الولايات المتحدة غالباً ما يجمع بين الفردية الاقتصادية للليبراليين الكلاسيكيين مع توجّه محافظ “بيركي” يشدّد على عدم المساواة الطبيعية بين البشر و عدم عقلانية السلوك البشري كمعلّل للدافع البشري نحو النظام و الاستقرار و رفض الحقوق الطبيعية كأساس للحكومة [ما أقصده بـ “بيركي” هو التأثّر بفلسفة إدموند بيرك، فيلسوف سياسي إيرلندي يعتبره الكثير من روّاد المذهب المحافظ الحديث و أهم نقّاد الثورة الفرنسية ١٧٨٩].

و مع ذلك، تجد التيار المحافظ الأمريكي هجيناً من مبادئ محافظة و ليبرالية كلاسيكية احتفظ ببعض المبادئ الأصلية و تجاهل أخرى. و بالتالي، لا يستخدم في الولايات المتحدة مصطلح “المحافظة الليبرالية”، في نفس الوقت تختلف توجّهات و نقاط ثقل الليبرالية الأمريكية الحديثة عن نظيرتها الأوروبية. و العكس تجده مثلاً في أمريكا اللاتينية، حيث يوصف المحافظ الليبرالي اقتصادياً تحت عنوان النيوليبرالية، سواء في الثقافة الشعبية أو الخطاب الأكاديمي. تتذّكر ما قلته عن التشابك في المصطلحات؟ الأمر يزداد تعقيداً عندما نعود لأوربا مجدداً.

في اعتناقهم لمبادئ الليبرالية و السوق الحرّة، مازال بإمكانك التمييز بين هؤلاء المحافظين الأوروبيين عن المحافظين الذين اعتنقوا آراءً و مواقف أكثر تحفّظاً اجتماعياً و فلسفياً. البعض يلصق بهم مصطلح “الشعبوية” و هم طبعاً في خندق اليمين. كمثال للوتضيح، في أوروبا الوسطى و الشمالية الغربية، خاصةً في الدول الجرمانية و البروتستانتية التقليدية، لا تزال هنالك فجوة بين المحافظين، حتى داخل التحالفات نفسها، كتحالف الديمقراطيين المسيحيين الحاكم في المانيا و الذي تقوده ميركل [CDU/CSU]. على سبيل المثال، فكرة الزواج كمؤسسة اجتماعية تحتاج دعم الدولة و تقتصر على الرجل و المرأة و تشكّل موقفاً رئيسياً عند المحافظين المسيحيين الديمقراطيين، بينما يحتضن نفس التحالف الحزبي محافظين ليبراليين ساهموا في كسر قدسية الزواج و فتحه على المثليين مثلاً، لانهم يؤمنون بالتحرر أكثر من الالتزام بالتقاليد.

على العكس من ذلك، في البلدان التي دخلت فيها الحركات الليبرالية المحافظة التيار السياسي الرئيسي مؤخراً، مثل إيطاليا و إسبانيا، يمكن فهم المصطلحين “الليبرالي” و “المحافظ” على أنهما مرادفان سياسيان، و كثيراً ما ينطوي ذلك على التشديد على اقتصاد السوق الحر و الاعتقاد بالمسؤولية الفردية جنباً إلى جنب مع الدفاع عن الحقوق المدنية، دعم الأقلّيات و دعم نظام الرعاية الاجتماعية المحدود. لذلك من المهم جداً أن تفهم الجغرافية السياسية لكل دولة و تتناولها بمعزل عن التعريفات العامة.

مقارنةً بالسياسة التقليدية التي يمثّلها يمين الوسط مثلاً [كـ الديمقراطيين المسيحيين في المانيا ، حزب المحافظين البريطاني، الحزب المحافظ في كندا، حزب العدالة و القانون البولندي، حزب الشعب الهندي، الحزب الاشتراكي المسيحي الديمقراطي في البرازيل ] فإن المحافظين الليبراليون [كـ حزب المحافظين النرويجي، الائتلاف الوطني الفنلندي، الحزب الليبرالي الديمقراطي في المانيا، المعتدلون الجدد في النرويج] يميلون لسياسات أقل تقليدية و أكثر تحرراً من الناحية الاقتصادية، يحبّذون ضرائب منخفضة وأدنى تدخل للدولة في الاقتصاد. في الخطاب الأوروبي الحديث تجدهم يرفضون، على الأقل إلى حد ما، المحافظة الاجتماعية و التشبّث بالتقاليد.

أظنك قد لاحظت أنني لم أتطرّق إلى الدول العربية. ببساطة لأن الأوضاع السياسية غير مستقرة و تاريخ السياسة العربية مليئ بالمطبّات و الثورات. إضافةً إلى ذلك، الديمقراطيات العربية غارقة إما بالفساد، بالتطرّف الديني أو الحرب الأهلية. حتى الدول المستقرة نسبياً تحكمها أنظمة لا تتحلّى بحرية سياسية كافية لتسمح للفرد بأن يتعمّق في هكذا سياسات، أو يعبّر عنها. مع ذلك، تميل الأنظمة السلطوية في المنطقة إلى الاستقرار و تبنّي سياسات طويلة المدى أكثر من تلك الديمقراطية، و هو ما يفتح باب الجدل السياسي عن كون تحديد المصير و تدخّل الفرد في السياسة يصب في النهاية فعلاً في الصالح العام. لذلك تجد الناقد العربي السياسي المهتم يضطر لاستيراد الفلسفات السياسية الغربية و تحويرها محلياً، بدل التنظير لسياسة محلية مناسبة للتاريخ، الجغرافية و الواقع. كذلك لا ننسى الواقع العربي المرتبط بثقافة صحراوية دينية تفرض نفسها كنظام دين و دولة و اقتصاد لا تتسامح مع المختلفين، مما يعيق نشوء مدارس سياسية تنظّر لمستقبل على أساس واقع متهالك.

السياسة و إن كانت مملة، فهية شيّقة أحياناً في التنظير الفلسفي و تبدأ من سلوكياتك كفرد و في إطار العائلة إلى نطاق أكبر. لذلك من المهم أن تتعمّق أكثر و تحاول إيجاد المزيج الفكري المناسب لك و لمستقبلك و أيضاً للأجيال القادمة.

يوڤال نوح هراري: ربما يكون انهيار الإنسانية مفيداً أيضاً

“لقد شهد التاريخ صعود و هبوط العديد من الأديان و الإمبراطوريات و الثقافات البشرية. هذه الاضطرابات ليست بالضرورة سيئة. فقد هيمنت الإنسانية على العالم لمدة 300 سنة، وهو ليس وقتاً طويلاً. حكم الفراعنة مصر لمدة 3000 سنة، و سادت الباباوات أوروبا لألفية كاملة. إذا قلت للمصريين في وقت رمسيس الثاني أنه في يوم من الأيام سوف يزول الفراعنة عن الوجود، لربما سيكون جوابهم على الأرجح كالتالي: “كيف يمكننا العيش بدون فرعون؟! من الذي سيضمن النظام، السلام والعدالة؟”

تخيّل لو قلت للناس في القرون الوسطى أنه في غضون قرون قليلة سوف يموت الله و ينتهي عصره، فسيصيبهم الفزع حال ما تنتهي من كلامك: “كيف يمكننا العيش بدون الله؟ من سيعطي معنى للحياة و يحمينا من الفوضى؟” [أو كما يقول بعض أبناء الحاضر عندما تناقشهم في السوشيال ميديا: من سيمنعك من مضاجعة أختك].

[…]

في الوقت الذي مهّدت فيه الثورة الزراعية إلى نشوء الأديان، ولدت الثورة العلمية ديانات إنسانية جديدة، حيث حلّ البشر محلّ الآلهة. في حين أن اللاهوتيين يعبدون الله، يقدّس الإنسانيون الإنسان.

الفكرة الجوهرية للأديان الإنسانية مثل الليبرالية و الشيوعية و النازية هي أن الإنسان العاقل يحمل في داخله جوهر فريد و مقدّس و الذي هو مصدر كل معنى و سلطة في الكون [حركات حقوق الإنسان الحديثة تستنبط أخلاقياتها من هذا التفسير]. وكل ما يحدث في الكون هو جيّد أو سيّئ في الحكم وفقاً لتأثيره على الإنسان.

و في حين أن الأديان تبرر الزراعة التقليدية بإسم الله [(وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ) (يّـس32،34); كذلك من سورة النحل: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، أو كما ينقل عن عيسى قوله: قال “يشبه ملكوت الله رجلاً يبذر الزرع في حقله. فينام في الليل و يقوم في النهار، و الزرع ينبت و ينمو، و هو لا يعرف كيف كان ذلك. فالأرض من ذاتها تنبت العشب أولاً، ثم السنبل، ثم القمح الذي يملأ السنبل. حتى إذا نضج القمح، حمل الرجل منجله في الحال، لأن الحصاد جاء”]، فقد بررت الإنسانية الزراعة الصناعية الحديثة بإسم الإنسان. فالزراعة الصناعية تقيس احتياجات الإنسان، رغباته و العائد الاقتصادي كمعيار أساسي، في حين تتجاهل كل شيء آخر.

و الزراعة الصناعية ليس لها مصلحة حقيقية في الحيوانات، التي لا تتقاسم “حرمة” الطبيعة البشرية. كما لا تحتاج للآلهة [كتلك التي آمن بها أسلافنا ظنناً بأنها تتحكّم بالحصاد، المطر و الريح و الشمس]، لأن العلم الحديث و التكنولوجيا يمدّان البشر بقوى و طاقة تتجاوز بكثير تلك عند الآلهة القديمة. إضافةً إلى أن العلم الحديث يمكّن الشركات الحديثة من إخضاع الأبقار و الخنازير و الدجاج إلى ظروف أكثر قساوةً من تلك التي سادت في المجتمعات الزراعية التقليدية القديمة.

في مصر القديمة، في الإمبراطورية الرومانية أو في الصين أبان العصور الوسطى، أمتلك البشر فهماً يسيراً فيما يخص الكيمياء أو علم الوراثة […]”.

إذا نظرنا إلى الوراء، يعتقد كثيرون أن سقوط الفراعنة و موت الله كانا تطوران إيجابيين. و ربما يكون انهيار الإنسانية مفيداً أيضاً. فالناس عادة ما يخافون من التغيير لأنهم يخشون المجهول. و لكن أعظم ثابت من التاريخ هو أن كل شيء يتغير!

من كتابه “لمحة تاريخية عن الغد”

Hive mind: how your nation’s IQ matters so much more than your own?

“THIS ISN’T A BOOK ABOUT HOW TO RAISE IQ: it’s a book about the benefits of raising IQ. And a higher IQ helps in ways you might not have realized: on average, people who do better on standardized tests are more patient, are more cooperative, and have better memories.

But while dozens of studies by psychologists and economists have established these links, few researchers have connected the dots to ask what this means for entire nations. And since average test scores vary across nations—whether we’re talking about math tests, literacy tests, or IQ tests—an overall rise in national test scores likely means a rise in the number of more patient, more cooperative, and better-informed citizens.

This in turn means that higher national test scores will probably matter in ways too big to ignore. And if education researchers and public health officials can find reliable ways to raise national test scores, productivity and prosperity will rise where poverty and disease now flourish.You can get a sense of how big these effects are by looking across countries: nations that do the best on standardized tests—nations such as Singapore and Finland—usually have governments that are reasonably free of corruption; have decent roads and bridges; and have plenty of private investment in office buildings, factories, and homes. China does well on standardized tests, and particularly in the post-Mao decades, the nation’s economy has grown rapidly.

The high test scores in these countries are a sign that their citizens have the cognitive skills, the human capital, to take on the complexity of a modern economy.By contrast, nations where test scores are average or lower tend to be the kinds of places where people have to bribe government bureaucrats to get things done, whether it’s the school principal, the bureaucrat at the driver’s license office, or the congressman’s brother-in-law. And even if you don’t have to bribe the government, it’s a good bet that the government will be inefficient, sluggish less than competent.

Nations with lower average test scores are usually tough places to take on complex, costly private investment projects, since skilled workers and twenty-four-hour-a-day electricity are hard to come by. Lower-scoring nations aren’t places that appeal to international investors, and so private investment tends to drift away. The long-run result of lower test scores? It’s often a mixture of rickety bridges, decrepit buildings, slower Internet connections, and less prosperity.

On average, nations with test scores in the bottom 10 percent worldwide are only about one-eighth as rich and productive as nations with scores in the top 10 percent.Outside of a few countries with abundant natural resources, the most important productive asset in each nation is the human mind. And while standardised tests can’t tell us everything about how productive the mind is, the tests can tell us more than you might think.

Boosting broad mental skills boosts a nation’s prosperity, and while standardized tests are obviously not perfect—no statistic ever is—they are a good way to measure those skills.”