في نقد العلموية ـ الطبيعيون الجدد

ميثولوجيا بروميثيوس

يهمني عزيزي القارئ، أن تعرف دوافع الكاتب قبل أن تستهل بالقراءة، لأن العنوان جريء بعض الشيء و قد يساء فهمه. و أنا لا أكتب كي يساء فهمي، بل لكي أوصّل للقارى فكرة ما. طالما فهمها بنقاء، سهل هضمها و التعامل معها بشكل نقدي.

العِلم نور، لا شك في ذلك. و في اكتسابه و ممارسته متعة يدركها من اهتم بظواهر الطبيعة و اطّلع على أسرارها و ما اكتشفناه و نكتشفه. لست هنا أهاجم العِلم؛ كيف و أنا نفسي أمارسه و مهنتي تدور حول مكاسبه؟

إنها الأيديولوجية خلف الإنسانية التبشيرية التي يتبناها البعض (على عكس رئيس الوزراء العراقي السابق، العبّادي، سأكشف لاحقاً من هم هؤلاء البعض) و التي توهم الإنسان أن للعِلم السلطة المطلقة في حسم كل ما يشغل جوارح الإنسان و أسئلته. هذه الأيديولوجية التي توهم الإنسان الحديث بأنه قادر على تجاوز قصوره الطبيعي و ترويض الطبيعة، هي ما أسميها العلموية.

النزعة العلموية الزاعمة أن العِلم وحده يكفي لمعالجة جميع مشاكل الإنسان، و أن حقوق الإنسان المعاصرة هي المحطّة الأخلاقية الأخيرة في قصة الإنسان، تدفع بي للعودة خطوة إلى الوراء لأفهم دوافع و تبعات هذا الاستنتاج.

هل العِلم و حقوق الإنسان التي أقرّها المنتصر بعد الحرب العالمية الثانية، هي فعلاً المزيج الساحر الختامي؟

هي ليست محاولة لإعادة سلطة الدين و تقويمها بعد أن خسرت احتكارها لسلطة المعرفة أمام العِلم، بل هي تذكير بأن العِلم ـ بجانب كونه أفضل أداة نملكها لرؤية العالم بأقرب صورة ممكنة إلى الواقع الموضوعي، هو أداة تطوّرية تخضع للطبيعة لا تترفّع عنها. النقطة الأخيرة تحديداً هي ادعاء قد يصدم البعض، سأحاول دعمه بحجج مقنعة. دورك كقارئ سيكون في تلقّي الفكرة و معالجتها و البحث عن الثغرات.

كما قلت، لايهمني التهكّم، بل النقاش.

النقطة الجوهرية الأخرى في المقال ستتمحور حول الإلحاد الجديد و قصوره في تقديم البديل المشبع لروح الإنسان الفضولية و الخائفة و ميوله كتيار فكري للوقوع في فخ الأدلجة بلباس العلموية.

هذا الادعاء وحده قد يحبط أو يغضب البعض. و هذا لابأس، طالما حافظت عزيز القارئ على فضولك في معرفة ما في جعبتي.

سأحاول أيضاً في هذا المقال أن أعرّف القارئ بالمفكّر الطبيعي كموقف فكري معاصر و متوزان، و كي يكون مرجعاً لما سأكتبه أو يكتبه غيري في المستقبل. هنالك مشتركات تجمع بعض المفكّرين الذين يحاولون الخروج من دوامة الصراع العقيم بين المذهبين الأبستمولوجيين، العقلاني و التجريبي، و يسعون لفهم قوانين الطبيعة و مجرى التاريخ دون تشنّجات مؤدلجة و دون تكرار الأخطاء السابقة لأسلافنا؛ أي قدر المستطاع بعقل منفتح على مستقبل مجهول و إدراك صريح بنقاط ضعف الإنسان و لاعقلانيته كواقع حال بجانب قدرته على تعقّل الأمور. أنا أسميهم الطبيعيون الجدد، لأنني بحاجة إلى تمييز فئة عن أخرى، و نحن كما تعرف، عزيزي القارئ، نجيد التمييز و تنوّع التسميات، و ربما قد لانحتاجه في المستقبل؛ لكن هذه المرة الحاجة وحدها هي الدافع خلف ذلك.

ما تشبعّ منه عقلي من التفكير العلمي هو الحذر في الطرح و الالتزام بالموضوعية قدر الإمكان، و إن كان ذلك عسيراً أحياناً، و قد أحس بشيء من القلق يساور بعض القـرّاء􏰂 إذا تـصـوّروا أن ما يـقـرأونه مناف لعقائدهم،􏰂 و لكنني أسارع فأذكّرهم أن عقل النقدي لا يخشى الأفكار المخالفة، بل يعتبرها امتحاناً لما يحسبه من عين الصواب. و عليه أدعوك لمشاطرتي بعض الأفكار هنا بعقل نقدي.

العِلم أداة

العِلم ممتع كأداة لاستكشاف غموض الكون الشاسع حولنا و هو شعور تستطيع أن تقرأه في عين الكثير من البشر الذين يقضون أياماً من حياتهم في مطالعة الكتب العلمية و متابعة الوثائقيات و النقاش حول نشأة الحياة؛ فضلاً عن الدخول في السياق العلمي المهني. و بغض النظر عن الفرضيات و النظريات العلمية المختلفة، هنالك حقيقة واحدة عن نشأة الحياة تبدو شبه مؤكدة􏰂 وهي أنها􏰂 أياً كان الـزمان والمكان الـلـذان حدثت فيهما،􏰂 لابد و أنها نشات قبل زمن طويل جداً􏰂 يعجز الإنسان البسيط على استيعابه أو تكوين أي فكرة واقعية عنه.

و مع إن خبرتنا الشخصية 􏰉تمتد إلى عشرات السنين إلى الماضي إلا أنها عرضة للنسيان. كم شخص برأيك يستطيع تذكّر شبابه و شعوره و الظروف حوله بشكل دقيق؟ كم دقيقة تستطيع ذاكرتك أن ترجع بك في الزمن إلى الوراء؟ منذ مائة عام كانت الأرض مأهولة بـأناس منهمكة􏰁 في أمورهم الخاصـة􏰂 يـأكلون ويـشربـون ويعشقون ويكسبون􏰂، كل منهم تشغله مشاكـلـه الخاصة. أغلبهم خرج تواً من صدمة الحرب العالمية الأولى. مشاكلهم آنذاك حتماً أشد من تلك التي نمر بها نحن اليوم. و هذا القصور في ذاكرة الإنسان يجعل منه حيواناً بحاجة لتوثيق أفكاره و استنتاجاته و نقلها عبر الأجيال.

لذلك لجأنا إلى التدوين لنحفظ خبرات السنين و كي لا نكرر الأخطاء مراراً و تكراراً. و هذا ما يعكسه تطوّر الحضارات البشرية من الرسوم على جدران الكهوف، إلى القصص و الروايات الشفوية و حتى اختراع الكتابة.

فالحاجة أم الاختراع، و الاختراع أداة لتجاوز قصور الإنسان. و العِلم ليس إلا أداة يستخدمها الإنسان لتجاوز قصوره. من استخدمها في طلب المعرفة و اكتساب الحكمة، أنار دربه أمامه، و من أراد به باطلاً، ظلم غيره و نفسه و صار ضحية لأدلجة تبيع نفس الوهم و البضاعة الدينية التي حاربها العِلم في البداية: أن الجنس البشري اليوم قادر على تخطّي كل عوائق الطبيعة و حدوده بفضل العِلم.

لماذا هذا التشاؤم؟

هو قراءة للواقع أكثر من كونه تشاؤماً. دعني أوضّح أكثر:

التطوّر

أتذكر عندما كنت مندفعاً بفضول و عطش معلوماتي في مطلع الـ ٢٠٠٩ نحو آخر الاكتشافات و المقالات العلمية التي أترجمها بشكل مختصر و أشاركها مع مجموعة من الأصدقاء في اليوتيوب و الفيسبوك. و كأن باب جنة المعلومات و الأخبار العلمية قد انفتح في وجهي فجأة. في الوقت الذي بدأت فيه بالتخلّص شيئاً فشيئاً من كاهل التراث الديني و إشباع الفراغ بالجديد، المبهر و المتتع: العِلم.

عندما تقرأ أننا بدأنا نتغلّب على أمراض و نحوّل علم الخيال إلى واقع، لا يسعني سوى أن أشاطر هذه المعلومة كنوع من الاحتفال و الأمل. و كأنها رغبة عميقة منغرسة في جذور الإنسان المعاصر بالتغلّب على ما فشل أمامه الإنسان السابق.

لا أخفي شغفي بالعلوم حتى اليوم، لكنني لست ذلك الشاب نفسه كما كان قبل عقد من الآن. فالحرب التي كنت أخوضها ضد قصص الخرافة و الدين لم تعد تشغلني كثيراً، بل صارت مملة؛ لربما في السابق كان العِلم أداة أستخدمها لتبرير هجومي على الماضي و تراثه الفكري. لم أمرّ وحدي من خلال هذا الطريق، و أظن أن بعض من يقرأ هذه السطور يعي جيداً ما أقول.

لا شك أن مانعرفه اليوم عن العالم حولنا، و إن كان تافهاً مقارنةً بالحجم الشاسع للكون، هو بحد ذاته مصدر للإلهام و التعجّب، بل و حتى التأمّل. فكرة الوجود و عمر الكون و احتمالية وجودنا على أرض هذا الكوكب كلها كافية لتنهك عقولنا في تصوّر الأسباب و الهدف وراءها. لن يختلف العلموي معي حول هذه النقطة. لكن الإنسانوية الجديدة، و هي ملجأ لكثير من العلمويين، و حتى منذ بداياتها في نهاية الألفية الثانية بعد الميلاد، سوّقت بإيمان و شغف لفكرة أن الإنسان من خلال العِلم سيتخلّص من هيمنة الطبيعة و يتحرر.

هنا اعتراضي: لو سلّمنا بنظرية داروين عن الانتخاب الطبيعي، فخلاص الإنسان هنا يتعارض معها.

كيف؟

العقل البشري يخدم غرضاً تطوّرياً جوهرياً: النجاح، البقاء، لا البحث عن الحقيقة و التحرر.

التفكير بشكل مخالف لهذه المعادلة يفترض أننا نختلف عن بقية الكائنات الذكية، و هذا الافتراض وحده لايصمد علمياً، و يكاد يضفي عليها في نفس الوقت طابعاً قدسياً.

التطوّر الدارويني لا يهتم بالحقيقة، و لا يحتاجها للبقاء و تمرير الجينات. على العكس، قد يقلل البحث عن الحقيقة من فرص بقائك على قيد الحياة.

ثم من قال أن الخداع أو التضليل، على عكس الحقيقة، ليس من ضمن السلوك الطبيعي؟

الغربان، على سبيل المثال، تمارس التضليل أحياناً من خلال التظاهر بدسّ الطعام في مخبأ ما بينما يدسّوه لاحقاً في مكان آخر كي لا يكشفه سرب غريب أو حيوان آخر.

دعك من الغراب، نحن أنفسنا البشر، أفضل من يجيد الخداع، خصوصاً مهارة خداع النفس. البعض يخدع نفسه كي يجيد خداع الآخرين. ماذا يقول ”أبو المثل‟؟: كذّب الكذبة و صدّقها.

الخداع سلوك نفسي و اجتماعي على مايبدو مهم. هذا ما يفسّره أيضاً بعض علماء النفس التطوّري، أي أن الصراع حول البقاء و المكانة و القرين المناسب، يفضّل من يتحلّى بقدرة جيدة على المراوغة من غيره.

تأمّل أنجح السياسيين في العالم و الأغنياء المشاهير؛ ها؟.. أظنك بدأت تفهم قصدي بشكل جيد.

لا أعتقد أن الحقيقة تمتاز بأفضلية تطوّرية على الخطأ، بل أحياناً العكس. فالانتخاب الطبيعي يفضل أحياناً الخطأ المفيد، الطفرة المفيدة.

الفكر السائد بأن الانتخاب الطبيعي يصطفي الأنظمة العصبية التي تعكس أدق صورة عن العالم حولها هو تصوّر ساذج للطبيعة. ففي خضمّ الحياة و فرص البقاء، لذة الحقيقة هي ترف، و أحياناً عائق.

الأكل، الشرب، النوم، الجنس، الجاه .. غرائز لن نتخلّى عنها برقاء الفكر و لا بتسامي الأخلاق. تهذيبها و ترويضها هذا بحث آخر. في إطار الممكن هو شيء يبعث الفضيلة في روح الإنسان و لا ضرر فيه، و هو ما تحث عليه بعض الفلسفات، كالرواقية مثلاً. من باب هي ترضخ لواقع الطبيعة الفسيولوجية، و من باب ثانٍ تجد فسحة لتهذيب الذات.

لا أخفيك أنني لم أعد قادراً على شراء سلعة أن العِلم سيستخدم لإنقاذ البشرية من لاعقلانيتها و غرائزها. كما لا أظن أن هدف العلِم الأول و الأخير هو البحث عن الحقيقة.

السبب الأوّل: العِلم نفسه هو وسيلة ابتكرتها الطبيعة أصلاً و بمراعاة تباين التعقيد التقني، هو أداة تستخدمها حيوانات أخرى.

السبب الثاني: القوانين التي تتحكّم بسلوكياتنا و تشييدنا للمجتمعات و نظرتنا نحو المستقبل و قصور تفكيرنا الشمولي و مستوى ذكائنا الحالي لا تمنحنا حتى الأمل بمستقبل أعقل و أكثر حكمة. جيناتنا تريد البقاء و الاستمرار، الاستمتاع بالحياة و التلذذ بها و بتقنيتها في تجاوز القصور، لا البحث المستمر عن الحقيقة. على الأقل ليس هذا هو الهدف السامي الذي يجتمع عليه البشر، لو سألني كائن فضائي عن بني جنسي البشر.

هنالك حلم، رغبة خيالية تخالج عقول الإنسانويين: أن العِلم هو المنقذ الذي سيجلب العقلانية إلى العالم اللاعقلاني.

حملات التنوير مازالت حتى اليوم تكتسح الكتب و المنظمات و تعشعش في عقول الكفاءات العلمية و الفلاسفة المعاصرين. كما أنها فكرة تلهم عقول الشباب و المندفعين للتغيير.

لست هنا أتكلّم عن محاربة الجهل، بالعكس، فطلب العِلم فضيلة، بل مصدر قوة، و من يرغب باعتلاء المكانة الاجتماعية في محيطه، لاخيار أمامه سوى التسلّح و المنافسة. إفهم قصدي جيداً: الدوافع العقائدية هي ما تهمني.

ما هو الدافع العقائدي الذي يدفع بتنويري علموي لمحاربة منظومات دينية عقائدية أيضاً؟ بالنسبة لي الإثنان في صراع أفكار سينتصر به من يجيد استخدام الميمات الثقافية الناجحة.

العقائد الإبراهيمية صارمة في طرحها المطلق. ومع أن الإنسانويين أقل حدة و أكثر شكاً في تصوّرهم العالم، إلا أن ”إيمانهم‟ بأن العِلم هو المنقذ و أن البشرية يجب و سوف تنتصر على اللاعقلانية، لا يختلف كثيراً عن الدين. فلسفة التنوير بزي الإنسانية Humanism هي عقيدة يائسة للأسف.

لكن البشر بحاجة لوهم. لوهم غير عاقل يروّج للتقدّم نحو الأفضل. دونه سنكون فريسة سهلة للعدمية. والأمل بالمستقبل يفتح الأبواب أمام الكثير من الفرص، لكننا ننسى أنها دائماً تتأرجح بين النجاح و الفشل.

و لا أخفي عنك، أنا نفسي آمل نحو الأفضل، لأن أسلوبي في الحياة يتطلّب مني ذلك. لكن ذلك لايعني أنه هو الخيار العقلاني حتماً.

فمن الطبيعي أن نستبشر بالعِلم كوسيلة لتجاوز مشاكل البشرية. فشرعية العِلم تنبثق من السلطة التي يمكّن بها البشر على الطبيعة حوله. و العِلم أنقذ الملايين من البشر، سهّل حياتنا اليومية، قرّب المسافات بيننا، خلق أبعاداً جديدة كانت في السابق لا تجدها سوى في بعض قصص الخيال العلمي. ناهيك عن التقدّم الطبي و تمديد عمر الإنسان. هذا لوحده كافٍ لأن يدفع بالبعض ليؤمن بأن العِلم هو المنقذ، الخلاص البشري.

مع ذلك، تجريد العِلم من الحاجة البشرية و الملذات الدنيوية و اللاعقلانية لبني جنسنا، يعني أننا نعزل العِلم عن أصله و وظيفته كأداة لا أكثر و نعطيه بعداً يتسامى لدرجة تخلق منه عقيدة واهمة هدفها البحث عن الحقيقة.

و لذلك أجد أن العلموية أو الإلحاد الجديد قد وقعا في هذا الفخ تحديداً، و هو مادفع ببزوغ فكر جديد حاول العودة إلى الماضي، إلى الفلسفات و إلى الأديان القديمة و الأساطير و حتى العلِم الحديث. فكر يحاول أن يعود بخطوة إلى الوراء، ليعيد تنقيح مرحلة الفهم، فهم الطبيعة و قوانينها و ارتباطنا المباشر بها، أسس الحضارة و مقوّماتها و أيضاً قدرتنا على الحكمة و الجهالة في نفس الوقت، قبل أن ننتقل إلى مرحلة أخرى، ناهيك عن الحكم على الكون و الإفتاء به. إنهم الطبيعيون الجدد.

لنعرّف أولاً أن الطبيعي هو ذاك الذي يجمع بين حقيقة التطوّر و دور الطبيعة المتجذّر في جيناتنا، أهمية العِلم (كأداة لا كمخلّص)، و دور الفلسفة و الأساطير و الأديان (في جوهرها) في تهذيب ذات الإنسان و تسليحه بما يمكّنه من عيش حياة فاضلة ذات معنى في مجتمعه. و هنا لا أقصد الأديان كمؤسسات و كأنظمة سياسية، بل كهيكل اجتماعي حافظ على قوانين و حكم تراكمية بشرية و أطّرها بشكل مكّنها من عبور الأجيال و الصمود لآلاف السنين.

الطبيعي يحاول فهم أصول الدين، دوافعه و نشأته، قبل أن يحكم عليه بالنفي من الوجود أو يزاحمه. الطبيعي يقرّ بقوانين الطبيعية الأم و تأثيرها المباشر علينا. الطبيعي يدرك قصور الإنسان في فهم التعقيد حوله. الطبيعي يدرك أهمية الحكمة و الهرمية في خلق بعد اجتماعي متوازن و صالح، كما يدرك أن العِلم هو أفضل أداة نملكها لتفسير الكون، كوسيلة، لا كمحرر من كل القيود.

عن الطبيعية سأتكلّم في مقال آخر. لذلك دعنا نعود إلى النقطة الجوهرية الأخرى في المقال حول الإلحاد الجديد و قصوره في تقديم البديل المشبع لروح الإنسان الفضولية.

هل العلموية و الإنسانوية هما البديل الأفضل فعلاً؟

الإلحاد الجديد، على عكس الأديان الإبراهيمية، لم يبطش بأرواح البشر على مر التاريخ من أجل فرض نفسه على الساحة. و هذا الفارق يحسب له، لا شك. كما أن عدد اللادينيين من بين سكان الكوكب قد يتراوح بين الربع و الثلث، أي حجم لا يستهان به. لكن تزايد أعدادهم لا يعلله التنوير فقط، كما قد يظن البعض. هنالك عوامل أخرى، و لو ناقشناها سويةً، سنفهم الصورة أكثر؛ أو بالأحرى ستفهم عزيزي القارئ الصورة في ذهني بشكل أفضل.

يمكن تلخيص أسباب فقدان الكنائس و المعابد الدينية للتابعين في الدول المتقدمة من حيث القيمة السوقية مثلاً.

دعني أبسّط الفرضية هذه على شكل نقاط مختصرة:

أولاً، المستوى العِلمي اليوم أفضل؛ شبكات الضمان الاجتماعية الحكومية توفّر نوعاً من الأمن، خصوصاً للأسر الصغيرة، و بالتالي هناك قدر أقل من الخوف و عدم اليقين في حياة الناس اليومية، و هذا ما يحجّم تسويق البضاعة الدينية في الحياة اليومية.

ثانياً، هنالك اليوم العديد من المنتجات البديلة، مثل الأدوية النفسية و التسلية الإلكترونية التي لا تتطلّب الإيمان و الالتزام بتعاليم صارمة، التي تضيق الخناق هي أيضاً على الدين. مع ذلك، تجد أن أي تخبّط اقتصادي و عاطفي يدفع بالكثير إلى العودة إلى الدين كمفر من قساوة الحياة و الواقع. و هذا بغضّ النظر عن كونه سلبياً أو إيجابياً، يعكس لون من ألوان النفسية البشرية، لربما حاجة نفسية عميقة؟ و مع أني على يقين أن البعض قادر على العيش بشكل سعيد و بنهج صالح دون هيكلية دينية أو روحانية، إلا أن الإنسان العادي بطبعه و الذي يمثّل الأغلبية من بني جنسنا، يحتاج لبوصلة في حياته اليومية تمكّن الفرد من الاندماج مع المحيط و الملاحة بين المعضلات الأخلاقية و الواجبات الاجتماعية.

عدم اليقين الاقتصادي أو التحديات العاطفية هي مخاوف تهيمن على واقع الإنسان المعاصر، سواء دفعت به إلى العودة أو النفور من الدين.

و مع ذلك، بالنسبة للكثير من الناس، الدين ليس مجرد وسيلة للتعامل مع الخوف و عدم اليقين أو الصعوبات العاطفية. فالعديد من الناس يتبّع طريقة حياة دينية معينة إما لأنهم يعتقدون أنها صحيحة أو لأنها تضفي على وجودهم معناً في هذا الكون الشاسع الغريب. حاول أن تضع في الحسبان أننا لا نتكلّم عن كائن عاقل ٢٤ ساعة في اليوم. نحن البشر ما نحن عليه، بعقلانيتنا و بلاعقلانيتنا.

كما أنه بالنسبة لي من غير الواضح كيف سيحل الإلحاد الجديد أو الإنسانوية محل الدين ويضمن توريث الحكم البشرية التي لا تتحمّل التقنين، كالاحترام، العطف، الإحسان، الشهامة، الرفق بالآخرين و تقديس العائلة كنواة المجتمع و غيرها من حكم الأجيال السابقة؟ عن طريق قوانين و تشريعات؟ بالفرض و الإجبار؟ أو بسياسات الصواب السياسية؟

مع أن الكثير من الأديان بزغ نجمها على مجازر لا تحصى حلّت بالبشرية، إلا أن إهمال حقيقة كون الدين نتج عن مراحل عديدة من تطوّر وعي و تجارب الإنسان، سيدفع بنا إلى المجازفة بـ آلاف السنين من التجارب البشرية و الحكم المتراكمة.

كشخص طبيعي أحاول فهم دور الدين، الدافع لنشوءه؛ لماذا وجد؟ لماذا هذه المشتركات الكثيرة بين الأديان رغم اختلاف المكان و الإثنيات؟ مالحكمة وراء ذلك؟ مالذي يمكن أن نفهمه من دراسات الحيوانات الأخرى التي تتصرّف بشكل يمكن تشبيهه بالقوانين الأخلاقية؟ (أنصح بمتابعة أو قراءة كتب البرايموتولوجست الرائع فرانس دي ڤال). ماهو دور الميثيولوجيات في نشوء الحضارة؟ و هل كان من الممكن أن تنهض دونها؟

من السذاجة و الغرور أن نخلط الغثّ و السّمين معاً، لأن الموضوع أعمق و أقدم من أن ينهيه حديث واحد. لكن ما يمكن استنتاجه من التاريخ، هو أن الدين أقرب عملياً إلى الحياة اليومية و أكثر خبرة في تقديم طرق لخوض حياة صالحة من الإلحاد الجديد، على الأقل للعوام بشكل شمولي. من خلال تشكيل و ممارسة المعتقدات يمكن أن يبني الإنسان حياة متماسكة و ذات مغزى. والإلحاد الجديد هو في الأصل جواب على سؤال وجودي، لا أكثر. لا يملك منظومة تعاليم مشتركة أو مدوّنة.

و لذلك تجد الملحدين الجدد لاينفكون عن الدفاع و التفاخر بحقوق الإنسان و الإنسانوية كبديل عن الاضطهاد الديني. بكل بساطة لأنه لا يوجد بديل آخر.

و مع أنني أجد حقوق الإنسان متبلورة عن الأديان نفسها و فلسفات البشر السابقين، إلا أنها بدأت تأخذ طابعاً عقائدياً يثير مخاوفي أكثر من أن يجذب اهتمامي.

لذا، إذا كان هناك شيء يحل محل الدين، فلن يكون ذلك هو الإلحاد كبديل؛ ربما الفلسفات ذات الطابع الديني أو الفلسفة التجريبية كالرواقية، أو ربما بعض أشكال الإنسانية العلمانية في مناطق صغيرة و منظّمة حضارياً سوف تنجز هذه المهمة. فالحاجة موجودة و السوق واسع.

و مع أنني أفضلّ الفلسفة التجريبية على الدين، إلا أني أقر بأن الدين يبرع في المحافظة على الهرمية الاجتماعية و الأسرية و يمتلك ورقة ”القداسة‟، الميمة الأنجح في تاريخ الثقافة البشرية.

نعم، القداسة سيف ذو حدين. و لاشك أن ماضي و حاضر البشر مليئان بالأحداث و المذاهب التي تقدّس البغض و التقاليد الجاهلة؛ هذه الهالة من القداسة لابد من أن تُرضّ و تُحطَّم بين الحين و الآخر حتى لا تتحوّل إلى تقاليد جامدة أو تشريعات متطرّفة. لكنها أيضاً إحدى المفاهيم الفلسفية الدينية التي حافظت على قيم جوهرية نحتت الإنسان الاجتماعي كما نعرفه اليوم.

فعندما تتصارع الميمات على مر التاريخ، تجد أن الدين يملك الحظ الأوفر، خصوصاً و أن مستوى ذكاء البشر لم يتغيّر كثيراً مقارنةً بالانفجار العلمي و التقني في آخر ١٠٠ سنة.

وهذا ماسينقلني إلى سؤالي الأخير هنا: هل سيتمكن البشر بلاعقلانيته و مستوى ذكائه هذا من إخضاع العِلم تحت سيطرته؟

تقنيات القرن الحادي و العشرين – علم الوراثة، علم النانوتكنولوجي، العلوم الذرية و علم الروبوتات – قاهرة لدرجة أنها تستطيع إنتاج أشكال جديدة من الحوادث و الكوارث التي لم تشهدها البشرية بعد. والأخطر من ذلك كله، أن هذه الكوارث لو حدثت فستكون على نطاق واسع جداً، و ربما في متناول أفراد أو مجموعات صغيرة. و بالتالي، ليس لدينا إمكانية أسلحة الدمار الشامل فحسب، وإنما احتمالية إنهاء كل شيء في غضون دقائق معدودة.

لاحظ أن التقنية تحدث، تجتاح الواقع اليومي للإنسان و تعيد رسم ملامحه. هي تغيّر حياة الإنسان و هو لا يتحكّم بها بشكل تام؛ و لن يستطيع يوماً. سواء كانت التقنية هي النار، العجلة، الطائرة، الهاتف، الإنترنت، وسائل النقل و إلخ..

العِلم أو التقنية تحديداً أقدم من البشر بمئات ملايين السنين.

النمل مثلاً، يقوم بحفر أعشاش كبيرة تحت الأرض تسكنها المستعمرة. يخرج ”العمال‟ بحثًا عن الأوراق التي يقطعونها بفكوكهم و يعودون إلى القرية. تستخدم هذه الأوراق لنمو مستعمرات من الفطريات، والتي يمكنها بفضل إنزيماتها أن تهضم جدران الخلايا السليولوزية، مما يجعل الورق مناسباً للأكل. هذا النمل ينغمس في مشروع زراعي يحافظ على بقاءه بشكل منهجي.

الأرضة أو النمل الأبيض (أو دابة الأرض كما ذكرت في أحد الكتب الإبراهيمية) الذي يقتات على الخشب في الدور، يستخدم الهايدروجين كمصدر للطاقة من خلال مضغ لب الخشب.

على مايبدو فإن تقنيتهم فعّالة للغاية لدرجة أن وزارة الطاقة الأمريكية تدرسها على أمل فهم أسلوبها و توسيع نطاقه بحيث يمكن إنتاج الهيدروجين تجارياً مع نفس العملية. من غير أنها تبني أكوامًا ضخمة معقدة تتجاوز بضع الأمتار، و ذلك باستخدام شكل منظّم من التلال و الأنفاق لدفع حركة الهواء الساخن إلى مواقع المستعمرات الفطرية على سطح أوراق الشجر المجمّع.

بعض الحيوانات البحرية تستخدم النحت على الرمل للتزاوج، و بعضها التضليل بالألوان و الأضواء الفلورية، و بعض أنواع الحبّار تجيد التلوّن بألوان الأشياء المحيطة بها في عضوان ثواني. أو تقنية الموجات الصوتية للتواصل، أو الأغصان الخشبية للبحث عن الديدان، كما تفعل بعض الطيور، أو تفتح الأقفال كما عند بعض الغربان الذكية، أو تسافر آلاف الكيلومترات مستخدمة المجال المغناطيسي الأرضي للملاحة في السماء.

المدن ليست اصطناعية أكثر من خلايا النحل و الإنترنت أشبه بالشبكة العنكبوتية.

إذن التقنية وسيلة ضمن إطار الانتخاب الطبيعي، و ليست حكراً على البشر. بالطبع لا يمكن المقارنة بين تقنيتنا و تقنية الحيوانات الأخرى، لكن فهم أن التقنية جزء من الطبيعة و التطوّر نفسه مهم جداً!

لا أريد بكلامي هذا أن أقلل من شأن العِلم، بالعكس، كعالم شاب لا أنكر الشغف و الولع بجوانب العِلم الممتعة و تخيّل القدرات التي من الممكن أن نحصل عليها بفضله. لكنني أحذّر من تقديسه، أو الوقوع في فخ الإنسانوية بجعله المخلّص الحتمي لكل مشاكل البشرية. لأننا كبشر أكثر تعقيداً و أحياناً أقل ذكاءً من أن يكون العِلم وحده هو الحل الأخير.

يقول بيرتراند راسل، أحد أعمدة الفلسفة العلمية في القرن العشرين: ”عندما أتحدث عن أهمية المنهج العلمي فيما يتعلق بتنظيم الحياة البشرية، أفكر في المنهج العلمي في أشكاله الدنيوية. لست هنا في صدد التقليل من شأن العِلم باعتباره ميتافيزيقيا، لكن قيمة العِلم كميتافيزيقيا تنتمي إلى مجال آخر؛ إلى الدين و الفن و الحب، مع السعي وراء الرؤية البهيجة ، مع جنون بروميثيان الذي يقود أعظم الرجال ليسعوا كي يصبحوا آلهة. ربما تكون القيمة النهائية الوحيدة للحياة البشرية موجودة في جنون بروميثيان هذا. إنها قيمة دينية، و ليست سياسية أو حتى أخلاقية.‟

بروميثيوس، ربما أهم و أشهر الشخصيات الأسطورية في الغرب، و الذي أوجد البشر الأوائل و كثيراً ما يرمز إلى الثوران و التقدّم العلمي ـ بعد أن سرق ”تقنية النار‟ (النور و المعرفة و الدفء) من الآلهة و جازف بسخط زيوس ليعطيها إلى الإنسان.

أجده يجسّد الموقف الفكري هذا بصورة أسطورية قديمة: النار مجرّد أداة، العالم أوسع مما قد نتخيّل و الإنسان لن يعتلي يوماً مقام التيتان و الجبابرة.

التيتان بروميثيوس

أو….. ربما في عصر ما بعد التفرّدية التقنية؟

الثقافة = الطاقة x التقنية

الثقافة = الطاقة x التقنية

عالم الأنثروبولوجيا ليزلي وايت Leslie White [توفي في سبعينيات القرن الماضي]، شدد على أن تسخير الطاقة هو المحرّك في تطوّر أي مجتمع و قسّم التاريخ إلى مراحل [المجتمعات البدائية، المدنية و المعقّدة/متقدّمة]، و هذا التقسيم ليس بالغريب لو تتبّعت تطوّر المجتمع البشري في آخر 7 آلاف سنة.

لكنه ناوأ معظم أسلافه في الجدل قائلاً:

“تتطور الثقافة عندما يتم زيادة »كمية« الطاقة التي نسخّرها لكل فرد سنوياً؛ أو عند زيادة »كفاءة« الوسائل التكنولوجية لاستثمار هذه الطاقة في العمل؛ أو حين يتم زيادة كلاهما في آن واحد.”

لخّص كلامه أعلاه في معادلة بسيطة جداً: الثقافة = الطاقة X التقنية.

و عليه، لن نستغرب عندما نجد الدول النامية أو الضعيفة اقتصادياً عاجزة عن تسخير الموارد و استغلال الطاقة بشكل ذكي. فضلاً عن الاستهلاك المفرط للطاقة دون اعتبار للمستقبل.

كي تتصور بشكل أدق أين نحن اليوم من الطاقة: جزء كبير من الطاقة المستهلكة يستخدم كحرارة و ليس لإنتاج شغل؛ تقريباً 50% من الطاقة المستهلكة تضيع كخسائر حرارية ، فقدان الطاقة [الطاقة تضيع و لا تنعدم] نجده بالأخص عند محطات توليد الطاقة الكهربائية حيث تساوي نسبة الضياع على شكل حرارة 64% من الطاقة المستهلكة (الداخلة) مقابل 36% من الطاقة الكهربائية المنتجة أو المفيدة، أي أن الكفاءة تساوي 36% فقط. هذه النسبة محبطة و تعكس قدرتنا الضعيفة في استثمار الطاقة. ربما لهذا السبب لم نستوطن محيط الكوكب بعد.

متى تمكّنا من تقليل نسبة ضياع الطاقة، ازدادت حظوظنا في تقليل المشاكل التي ستواجهنا في المستقبل، فضلاً عن التقدّم الحضاري الذي سنكسبه، و الذي سيغيّر كل قوانين اللعبة!

في أي دولة تعيش؟ كيف يتم استهلاك الطاقة فيها؟ على أي مصادر تعتمد؟ هل تسرف في استخدام الطاقة في بيتك؟ هل هنالك علاقة بين تأخر المجتمع الذي تعيش فيه و استغلال الطاقة فيه؟.

شاهد هذا الفيديو القصير عن 10 أنواع من الطاقة ممكن استغلالها في المستقبل

هل التجارة الحرّة مفيدة للجميع؟ لماذا إذن تلجأ بعض الدول إلى الحمائية التجارية؟

هل التجارة الحرّة free trade مفيدة للجميع؟ مالمقصود بالحرّة تحديداً؟ و لماذا تلجأ بعض الدول إلى الحمائية التجارية protectionism؟ هل كان ترامب محقاً في قراره الاقتصادي بفرض تعريفات جمركية على الواردات من الصين؟

لماذا يمسّك هذا الموضوع؟
هل أنت مستهلك؟ هل اقتصاد دولتك، أو السوق التي تعمل فيها و تسترزق منها ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالسوق العالمية أو العملات الصعبة؟ إذن الموضوع يمسّك.

قبل أن تستهل بالقراءة، تمعّن النقاط التالية:

ـ المقال يتعمّق في بعض أصول الاقتصاد لكنه لا يخاطب المتخصصين.

ـ المقال يطرح نظريات اقتصادية و يعلّق عليها. النظريات دققها صديق ماجستير في الاقتصاد في جامعة مونستر في المانيا و أنا أثق به، كما أني مطمئن إلى حد كبير من المصادر التي استندت عليها.

مصطلحات مهمة تحتاجها لفهم المقال:

الاقتصاد الحر مصطلح لابد من أن تطّلع عليه إن كنت مهتماً بالسياسة و الاقتصاد. ببساطة هو أن تترك الدولة الأسواق تضبط نفسها بنفسها. نظرياً، تفاعل العرض و الطلب في السوق هو حجر أساس هذا النظام و هو الذي يتحكّم بالأسعار، فضلاً عن المنافسة الحرّة التي تلعب دوراً مهماً في التحكم بالأسعار و تحرّرها من أي قيود يمكن للدولة أن تستخدمها.
لنفترض أنك المستهلك و أنا البائع. أنا أطلب و أنت تمدّني بالمنتوج، أنا أنتج العدد المطلوب في الشهر و أنت تستهلك العدد اللازم. عدم وجود قيود سيسمح بظهور منافسين في الإنتاج و تنوّع في السلع، الشيئ الذي يوفّر المنتوج بأفضل جودة ممكنة و بأسعار منخفضة أو مناسبة. إلى هنا قد تروق لك الفكرة.

المشكلة أن المستهلك و المنتج هما من البشر. لهما دوافع، مصالح، أهداف و هما أيضاً معرّضان للطمع و الجشع و الهيمنة. الشيئ الذي قد يسمح بالسيطرة على بعض القطاعات و التحكمّ بأسعارها (الاحتكار)، إضافة إلى ازدياد حجم النشاط الاقتصادي في فترة معيّنة و تقلّصه و ركوده في فترة أخرى. هذا مقلق لأنه سيسبّب تقلباً اقتصادياً و ربما زيادة في البطالة. طبعاً لابد من مراعاة النضج المؤسساتي في السوق. فهو يتفاوت بين دولة و أخرى.

على عكس التجارة الحرّة، تتدخّل الدولة بشكل مباشر في تقييد السوق و التجارة بين الدول من خلال رفع الرسوم الجمركية على السلع المستوردة [كما فرض مؤخراً الرئيس الأمريكي ترامب حزمة جديدة من التعريفات الجمركية على الواردات من الصين]، و تحديد كمياتها، و الحصص التقييدية.

مالذي تريده الحكومة من ذلك؟ نظرياً و بعيداً عن الدوافع السياسية الأخرى، تهدف هذه الضوابط إلى تثبيط الواردات، دعم الاقتصاد المحلّي و منع المستثمرين الأجانب من الاستيلاء على الأسواق و الشركات المحلّية. أي أن الدولة تشجّع على استهلاك المنتوجات المحلّية [لذلك دورك أنت مهم أيضاً]. مثلاً، تستطيع أن تشتري الألبان المحلّية الصنع بدل المنتوج الأجنبي، لأنك بالتالي ستدعم المزارعين و سوق الحليب المحلّية و تساهم في زيادة الطلب على المنتوج المحلّي مقارنة بالمنتوج الأجنبي.

الصعوبة التي قد تواجهها كمستهلك هو الفارق في الجودة! إضافةً إلى غلاء أسعار المنتوج الأجنبي بشكل كبير نسبة إلى الرسوم الجمركية العالية.

سياسات الدول يحكمها التنوّع و طبيعة الحكومات المتناوبة التي بدورها تتباين في التوجّه [لبرالي أو محافظ]، و أيضاً المعاهدات الثنائية و الدولية و المصالح السياسية و النفوذ. لذلك ستجد أكثر الدول تحاول التوفيق بين المذهبين و بمراحل متباينة.

فالتاريخ الاقتصادي للدوّل التي تتبنى فلسفة مؤيّدة للعولمة و الاقتصاد الحر يشهد لسياساتها الحمائية أبان نشوءها، و العكس بالنسبة إلى الدول المناهضة للعولمة و التي سبق و أن استخدمت التجارة الحرّة كوسيلة لتسويق المنتوج المحلي و الهيمنة الاقتصادية و الاستعمارية.

سأسلّط الضوء على الدول الاقتصادية الأكبر و الأقدم منذ القرن التاسع عشر و حتى اليوم. قبل ذلك، اعلم أن المتخصص يقسّم الاقتصاد بشكل عام إلى فرعيه الأساسيين: الاقتصاد الكلّي و الاقتصاد الجزئي.

مهم أن تفهم الفرق بين الفرعين: في الكلّي ينظر الاقتصادي إلى حجم الفرس، نمو شعره، عضلات جسمه و سرعته. في الجزئي يتمعّن في خلايا جسمه تحت المجهر: كيف تتفاعل مع بعضها البعض، و ما تأثيرها على محيطها و نمو أو موت أعداد أخرى؟

على الجانب الكلّي: هل ارتفع إجمالي الإنتاج في الولايات المتحدة أو قلّت نسبة البطالة؟ أما على الجانب الجزئي، لنفترض أنني أريد أن أفهم سر نجاح جهاز الأيفون. هنالك عدة أسباب ممكنة، و قد تتشابك أحياناً في التعقيد. لذلك نبدأ من الجانب البسيط الجزئي: من المستهلك؟ مالذي يشدّه في هذه التقنية؟ ما هي علاقته مع البائع [شركة أبل]؟ ما هي صفات الجهاز و ماهي موارده؟ ما هي نسبة المبيعات مقارنةً مع الطلب في السوق؟ هل تزداد كمية الإنتاج رغم زيادة السعر؟ [و هذا ما يفسّر سر نجاح سلسلة الـ iPhone]. و لو ازداد الإنتاج، هل سنلاحظ ذلك على اجمالي الاقتصاد الأمريكي الكلّي مثلاً؟ فقط مثال لتوضيح الفكرة.

ًٌٍَُّ

يهمني أن تعي التالي:
قراراتك الاستهلاكية ـ رغم بساطتها ـ تلعب دوراً في دعم أو إهمال الصناعة المحلّية و تكاسلها. أنت كفرد مستهلك و تريد أن تساهم و تعلب دوراً في المجتمع، لابد من أن تمعّن النظر في سلوكياتك الاستهلاكية و تضع في الحسبان أنك ستساهم بشكل أو بآخر في رسم ملامح السوق. بالطبع هذا التأثير يتمخّض عن مجموع سلوكيات الأفراد في المجتمع. تلك السلوكيات، سواء كانت عقلانية أو غير عقلانية، يمكن التنبّأ بها أو تتبّع أنماطها على المديين القريب و البعيد.

برأيك، عندما تشتري أنت جهاز الأيفون الحديث، ألن تساهم في تعزيز الطلب في السوق؟ و بالتالي استمرار أو زيادة السعر؟ و ربما ستحتاج شركة أبل لتوسيع عدد العمّال في مصانعها، و بالتالي تساهم في التقليل من البطالة الإجمالية و تضيف إلى حجم الإنتاج الكلّي للدولة؟ ربما..

الآن وقد مررنا على فرعي الاقتصاد و مذهبي التجارة الحرّة و السياسة الحمائية، لابد من التذكير بأن العالم الذي نعيش فيه متعدد العوامل و أكثر تعقيداً من التقسيمات التي تطرّقت إليها.

السياسة الحمائية تاريخياً هي في الحقيقة قاعدة قبل أن تكون استثناءً في سياق الاستراتيجيات الاقتصادية. كيف، و على ماذا أستند؟

منذ نهاية القرن السابع عشر و مع توسّع نطاق الثورة الصناعية، حتى الحرب العالمية الثانية، كانت السياسات الحمائية هي السائدة، خصوصاً في ظل هيمنة الفكر القومي على أنظمة الدولة آنذاك.

بما أننا تطرّقنا إلى الثورة الصناعية، دعنا نبدأ من معقلها، المملكة المتّحدة.

في القرن الـ 17 في عام 1815 تحديداً شعرت بريطانيا أنها بحاجة إلى فرض تعريفات جمركية على واردات الحبوب لحماية الاقتصاد المحلّي، حيث حظرت استيراد الحبوب تماماً إذا كان السعر أقل من 80 شلن للربع Quarter [تقريباً ٥٠٠ باوند]، بمجرّد تجاوز السعر هذا الحد، يعفى من الرسوم الجمركية. أي أن بريطانيا حافظت على انتاج الحبوب المحلّي من الأسواق الخارجية لما يقارب الـ ١٥ عاماً. بعد أن تراجعت معدّلات النسبة مع ارتفاع الأسعار، فقدت أهميتها، مما مهّد لـ تأسيس رابطة مكافحة قانون الذرة (الحبوب) في ثلاثينيات القرن التاسع عشر في مانشستر من قبل العديد من المصنّعين و التجّار. هدف الرابطة كان إلغاء قوانين الذرة في و تحديداً عن طريق البرلمان.

لوحة لـرابطة مكافحة قانون الذرة في لندن

عندما تم تعديل تعريفات الحبوب في عام 1842 بتخفيضات طفيفة فقط، استمر التحريض من مؤيّدي التجارة الحرّة بقوة أكبر. حيث استضافت الرابطة أكثر من 200 تجمّع كبير و وزّعت مئات الآلاف من الكتيّبات لصالح التجارة الحرّة. من هنا بدأ الصارع بين مؤيدي التجارة الحرة و مناهضيها يأخذ مناحٍ جديدة.

بعدها بأربع سنوات تمّ إبطال قوانين الحبوب، بعد أن لعبت دوراً تاريخياً للحدّ من واردات القمح الأجنبي وضمان ارتفاع دخل المزارعين البريطانيين على مدى ثلاثة عقود من الزمن.

نستنتج أنها سياسة مؤقّتة و لا تتحمل التمادي لتجنّب التقوقع الاقتصادي. هنالك أمثلة لاحقة تشهد على ذلك.

طبعاً بريطانيا لم تكتفي بهذا فقط، بل فرضت الرسوم الجمركية على العديد من السلع المصنّعة و المهددّة بالمنافسة الأجنبية و علاوة على ذلك، فإن النزعة الحمائية ظلّت قائمة، على الرغم من معاهدة التجارة الحرّة الموقّعة بين فرنسا و المملكة المتحدة سنة 1860.

الظروف في فرنسا لم تختلف عن نظريتها، حيث كانت الزراعة الوطنية خاضعة للحماية أيضاً، حيث وصلت التعريفات من 5% إلى 20% على المنتجات الزراعية المستوردة.

الفائض تم تصديره إلى غرب أوربا و بالتالي تعزيز انخفاض الأسعار إقليمياً. خطة ذكية!

المانيا كذلك لم تتمكن من تفادي الحمائية. فمنذ عام 1873 و المانيا الرايخ الأوّل [عصر بسمارك] تشهد سنواتها الأولى بعد التأسيس و تعاني من أزمات عدة، كان أحدها هبوط حاد في أسعار المنتجات الزراعية و الصناعية – التي ارتقعت بسبب الازدهار الاقتصادي منذ خمسينات القرن التاسع عشر. لذلك، في عام 1879، أدخلت حكومة الرايخ تعريفات حمائية على المنتجات الزراعية و الصناعية الأجنبية: تعريفات هدفها أن تحابي الاقتصاد الألماني و تساعد على استقرار الأسعار. و بالتالي لن تتمكن السلع الأجنبية الغالية ـ بفضل التعريفات ـ من منافسة المنتجات الأقل تكلفة من داخل ألمانيا.

لوحات المانية من عصر بسمارك توثّق نتائج السياسة الحمائية الإيجابية

لكن المانيا، انجلتر و فرنسا ليسوا وحدهم على سطح الكوكب. ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر دخلت الولايات المتحدة، روسيا و الأرجنتين في السوق بقوة من خلال منتجات زراعية بأسعار منخفضة نسبياً. تم تصدير الفوائض المتولّدة إلى دول أوروبا الغربية، مما ساهم في تخفيض الأسعار.

كيف تمكّنت الولايات المتحدة من التفوّق و اجتياح أوربا اقتصادياً؟
الإنتاج الأرخص في الولايات المتحدة سببه استغلال المناطق الغربية من الأرض الجديدة و تنمية الأراضي الشاسعة الصالحة للزراعة، و التي كانت أرخص بكثير من استغلال الزراعية في ألمانيا ـ الولايات المتحدة أكبر بحوالي 26 مرة من ناحية المساحة!

مقارنة بين مساحة المانيا و الولايات المتحدة

في الوقت نفسه، ساهمت المكائن الجديدة للإنتاج الزراعي و كذلك التوسّع السريع في تعبيد طرق السكك الحديدية الأمريكية في انخفاض تكاليف النقل و الشحن بشكل كبير، مما أثر بشكل مباشر على أسعار المنتجات الزراعية و سمح بانخفاضها.

كأمر واقع، هيمنت الولايات المتحدة على السوق و أصبحت قادرة على تصدير سلعها الزراعية بشكل كبير و رخيص حتى في أوربا. و كما يمكنك أن تتوقعّ، حال المنتجات الزراعية الأوربية لم يعد مستقراً، فلا هم قادرون على تصدير فائضهم ـ لأن السلع الأرخص تزاحمهم في السوق العالمية ـ و لا هم في موقف يسمح لهم بفتح السوق للمنتوج الأجنبي، لأنه سيعني الإنهيار المحلّي.

بعض خبراء الاقتصاد يستخدمون مصطلح “الصدمة الاقتصادية” لوصف حالة السوق المحلية بعد العجز أمام السلع الأجنبية.

و ربّما لأنها كانت أحد الحلول الطبيعية و الطويلة على الصدمات الاقتصادية، ظهرت الحمائية أيضاً كجواب واضح على الأزمة التي ضربت الاقتصاد العالمي في أعقاب حادث تحطّم وول ستريت في نهاية عشرينات القرن الماضي. حيث لجأت الحكومات فيما بعد إلى زيادة التعريفات الجمركية وحظر بعض المنتجات و غيرها من الأدوات والمعاملات النقدية، للسيطرة على الأزمات المحلية.

المشكلة هي أن السوق العالمية متشابكة بشكل كبير و معتمدة على كل الأطراف.

حتى السياسة المحلّية كانت رهن التقلّبات الاقتصادية، كما حُتِم على مصير جمهورية ڤايمار الألمانية الانهيار بعد أن تجاوزت البطالة النصف و ارتفع التضخّم المالي بشكل شل الاقتصاد الداخلي و أنهك الدولة. إضافة إلى أن فرض تعريفات جمركية لن يقتصر على طرف فحسب. كل دولة ستحاول حماية قطاعاتها الصناعية المحلية، و بالتالي لا يمكن سوى أن نستنتج تراجع التجارة الدولية من تصدير و استيراد. و هذا ما تثبته الأرقام آنذاك. حيث انخفض حجمها بنسبة 40% بين 1929 و1932 وخلافًا للاعتقاد السائد، فلم تختفِ الحمائية بعد عام 1945، حيث وقّع 23 بلداً اتفاقاً عاماً حول التعريفات الجمركية و التجارية، يهدف إلى تخفيض التعريفات و الحفاظ على حجم التجارة الدولية. في الصورة التالية خارطة تبيّن حجم التبادل الاقتصادي العالمي. مثلاً حجم التبادل بين روسيا و الاتحاد الأوربي يفوق الـ 407 مليار دولار سنوياً، و ما يعادل 2,2% من حجم التبادل التجاري العالمي.

حجم الاقتصاد العالمي

من هنا نلاحظ كيف أن الدول لم تعد في موقف يسمح لها بفرض تعريفات دون ضوابط أو دون ثمن مقابل أو خسارة حليف اقتصادي أو نشوب حرب اقتصادية بشكل من الأشكال.

الدول العربية في هذا الوقت تمثّل ساحة حرب و مصدر للموارد الرئيسية للصناعة، أهمها البترول بالتأكيد.

كيف احتوى العالم الصناعي الجديد هذه المشكلة؟

واقع الحال الجديد مهّد لتأسيس منظمة التجارة العالمية، لتضمن انسياب التبادل التجاري بأكبر قدر من السلاسة و إيجاد وضع تنافسي دولي يعتمد على الكفاءة الاقتصادية في تخصص الموارد. عملياً، هي المنظمة العالمية الوحيدة المختصة بالقوانين الدولية المعنية بالتجارة ما بين الدول. تضم 164 دولة و هدفها الرئيسي تقليص الحواجز الحمائية القائمة في وجه التجارة إلى حد أكبر، و تستخدم الدول نظام تسوية النزاعات في منظمة التجارة العالمية من أجل التطبيق القسري لهذه الاتفاقات و الأنظمة. كما تتأكد من مباشرة الأعضاء الجدد بالالتزام بالتخلص من النظام الحمائي.

و عليه، فالدولة الحديثة أمام خيارين: الالتزام بقوانين المنظّمة لكي تنفتح على السوق عالمياً، أو (في حالة عدم انتمائها للمنظّمة) تلجأ إلى المعاهدات الثنائية أو التحالفات على المستوى القاري، كـ نافتا (NAFTA) اتفاقية التجارة الحرّة لأمريكا الشمالية بين الولايات المتحدة، كندا و المكسيك.

حتى مع وجود قواعد أو أنظمة تجارية واضحة، من المحتمل أن تبرز ضغوط حمائية ضمن الخلافات حول ما إذا كانت إجراءات معينة تنتهك القواعد المتفق عليها، كما هو الحال مع قرار ترامب الأخير بفرض تعريفات على سلع الصين المستوردة من الحديد و الألمينيوم. الاتحاد الأوربي كان أول المعترضين قبل أن يستثنيه ترامب، مع أن الاتحاد الأوربي نفسه يمارس سياسات حمائية مثيرة للجدل. سأتطرّق إليها في لاحقاً.

لك أن تتخيّل أنه منذ العام 1995، رفعت أكثر من 55 دولة قضايا ضد دول أخرى، و تم تشكيل أكثر من 120 هيئة لتسوية النزاعات (كما قرأت على موقع المنظّمة) و نظراً لأن العملية تبدأ بمشاورات إلزامية، تم التوصل إلى تسوية مئات من النزاعات.

النزاع الأكبر و الأحدث هو بين أكبر اقتصادين عالميين: الولايات المتحدة و الصين.

في مطلع 2018 وقع الرئيس الأمريكي مذكرّة رئاسية تفرض حزمة جديدة من التعريفات الجمركية على الواردات من الصين ـ قد تصل قيمتها الى نحو 60 مليار دولار، و تحديد الاستثمارات فيها رداً على ما تراه واشنطن سنوات من “انتهاك الملكية الفكرية و سرقة التكنولوجيا من الشركات الأمريكية”. من غير تضييق الخناق على ملكية الشركات الأمريكية في الصين.

المثير أن حجم التبادل الاقتصادي بين الولايات و الصين هائل جداً و يصل لـ 570 مليار دولار سنوياً! و الاقتصادان مرتبطان بشكل وثيق. المشكلة أن الصين تراوغ فعلاً على مستوى الحقوق الفكرية و الملكية، أو كما يقول صديق لي “الصين اليوم ترفع لواء الحرب الاقتصادية”.

الشركات الأمريكية الكبرى و الصغيرة أيضاً، تتفادى الشكوى على الصين عند منظمة التجارة العلمية عند تعرّضها لعرقلات أو مضايقات أو انتهاك لحقوق ملكية، لأنها ستجازف اقتصادياً أو تتعرّض لمضايقات قد تصيبها بخسائر فادحة، كونها مرتبطة بالأيدي العاملة الصينية الرخيصة و المصانع الكبيرة.

قد يتخذ دونالد ترامب خطوات رمزية في الأجل القصير، مثل إدخال ضرائب جديدة على المنتجات الصينية والمكسيكية أو تدابير مكافحة الإغراق لكن على المدى الطويل، سيتوجب عليه المناورة و تخفيض التعريفات لأنها قد تسبب ضرراً كبيراً للمستهلكين الأمريكيين و للشركات الصناعية الكبرى. سياسة ترامب و إن تعرّضت لانتقادات كبيرة، خصوصاً على المستوى الأوربي، إلا أنها خطوة صحيحة سياسياً و اقتصادياً و بالطبع تكوي في طيّاتها المجازفة و تصعيد الحرب الاقتصادية، مع أن الحرب موجودة منذ مئات السنين.

لكي تفهم السياسة التجارية للدول بشكل أكثر دقة، دعنا نستخدام نظرية الألعاب (Game theory):

الأرقام في الجدول تشير إلى مدى الفائدة التي يتلقّاها اللاعب المعني [الدولة].

الوضع في الزاوية العليا اليمنى [10/10] من الجدول يُفهَم على أن الولايات المتحدة و الصين هما رابحان دون أي خاسر، أي win-win. في أعلى يسار الجدول [10-/ 20] ، تجد الوضع يختلف عندما تتصرّف الصين بشكل حمائي تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ستكسب الصين ضعف الربح و ستخسر أمريكا كل الربح. أما بالنسبة إلى أسفل اليمين [20 /10-] فهذا هو العكس . في أسفل اليسار، فالاثنتان خاسرتان lose-lose.

التبادل وفق التجارة الحرّة يؤدي إلى فائدة 10 لكل من البلدين. حينها يستفيدان من تقسيم العمل في هذه الحالة، و بالتالي يكون لكل منهما فائدة إيجابية إذا كان كل بلد ينتج ما له من مزايا في الإنتاج. في هذه الحالة، ستتعرّض شركات الدولتين للضغط التنافسي من الخارج، و نتيجة لذلك يكون مصير عديد من الشركات الضعيفة على المدى الطويل الإغلاق. إضافة إلى ذلك، يشترط أن لا تحصل سرقة للملكية الفكرية.

أما إذا تصرّف بلد ما على أساس الحمائية بينما يتبع الآخر التجارة الحرّة، فإن البلد الذي يفرض تعريفات سيحصل على فوائد هائلة. يتم التعبير عن هذه في 20 وحدة منافع. تستطيع الدولة الحمائية حماية شركاتها من المنافسة الأجنبية، في حين أن الدولة الأخرى معرّضة بالكامل للضغط التنافسي من الخارج، و هو ما ينعكس في شكل خسائر -10.

لو طبقّتا الولايات المتحدة و الصين السياسة الحمائية معاً، فإن النتيجة هي الضرر لكلا البلدين، فبدلاً من التعاون، سيسعى الجميع لمصلحتهم الخاصة و لشركاتهم و يحاول طرف ما الضرر بالاقتصاد الأجنبي الآخر.

في كثير من الأحيان تكون الصراعات السياسية مسؤولة عن تخلّي الدول عن حالة تجارة حرّة / تجارة حرّة من أجل إلحاق الضرر بالدولة الأخرى. و مع ذلك، فإن مجموعة التدابير الحمائية من جانب واحد عادة ما تؤدي إلى اتخاذ تدابير مضادة.

السياسة لعبة أكثر تعقيداً مما يظن البعض و تحتاج إلى متخصصين اقتصاديين و رجال سياسة حذقين. هذه أحد مشاكل الحكومات الكبيرة المنتخبة: الناخب لا يفهم في التفاصيل و يصر رغم ذلك على “حقه” في تقرير مصير الدولة: ثمار ما بعد الحداثة.

***
موضوع هذا المقال يشغل الكثير، من ضمنهم أصدقاء عرب مطّلعين سألتهم عن رأيهم حول الموضوع:
الصديق حسام الدين محمد يكتب: “بعالم مثالي، الـ protectionism هي عدو الاقتصاد السليم. لكن بعالم معقد ومتعدد العوامل احيانا تحتاج الدولة لفرض حماية لاهداف سياسية. الترويج لها كحل اقتصادي هو كذب على الشعوب. الاقتصاد الحر هو مصطلح مثالي بعالم اناركي يعتمد على فرضية الطيبة عند الناس والمنطق المجرد من عشوائية التفكير البشري ولهذا هي نظرية فاشلة مثل الشيوعية او التخطيط المركزي.”

الصديق رعد طالب يعلّق: “القاعدة الاولى باعتقادي هي: احمِ نفسك ومواردك خصوصا ان كنت قوياً بما فيه الكفاية لرد الاعتداء، بعد ذلك تفاوض على تعظيم مواردك من خلال الانفتاح على الاخرين والاستفادة من خبراتهم وتبادل المنفعة . بعد ذلك، كلما كان الانفتاح اكثر فائدة لك واكثر ميلا لاستقرارك ورفاهيتك ورفاهية قومك، استعمله اذن . عندما تستشعر الخطر، وان هناك من يريد استغلال انفتاحك عُد مرة اخرى للحمائية حتى لو اضطرك ذلك للقتال “اجعل القتال اخر اساليبك وحاول ان يكون محدودا حتى لا يستنزف قدراتك ومواردك”، عندما يزول الخطر مرة اخرى عُد للانفتاح.”

أحمد محمود من مصر يكتب: “بعض الناس يهيمن عليهم ما هو إقتصادي على ما هو سياسي، و ما هو أخلاقي، و ديني. ينبغي أن تهدف السياسة الإقتصادية للدولة إلى الإكتفاء و التحكم الذاتي Autarchy، أن تزود إحتياجاتها و رغباتها الصحية دون الإعتماد على التجارة الحرة مع البلدان الأخرى قدر الإمكان. كما يتجنب الإنسان السليم الأكل و الشرب المفرط أو الغير صحي و يمارس الرياضة بإنتظام. فإن الأمة السليمة تمنح إمتيازا للإستقلال و التعاون و الروح المعنوية الحربية على الرخاء الإقتصادي الخالص والإستهلاك من جهة، أو على تخطيط إقتصادي مركزي خاضع للسيطرة الكاملة من جهة اخرى”.

ما رأيك أنت؟

كل ما تراه حولك هو فوتوشوب معقّد و مُتقَن داخل دماغك

هذه المرة سنتناول مقتطفاً عن آلية المعالجة البصرية الرهيبة للدماغ من كتاب ستانيسلاس دهاين، عالم أعصاب و رياضياتي مرموق، “الوعي و الدماغ ـ فك رموز و فهم كيف يشفّر الدماغ أفكارنا.” Consciousness and the Brain: Deciphering How the Brain Codes Our Thoughts. الكتاب ليس متوفراً بالعربية بعد، لذلك سأحاول في الأيام القادمة أن أترجم مقتطفات أخرى من كتابه.

“في السنوات العشر الماضية، تم تكرار العديد من التجارب حول المؤثرات التي تكون تحت عتبة إدراك الحواس: كالرسائل المخفية في وسائط تقنية مثل الفيديو أو الصوت أو الرسوم المتحرّكة – ليس فقط للكلمات المكتوبة و لكن أيضاً للوجوه، الصور و الرسومات. المئات من تلك التجارب أفضت إلى استنتاج مفاده أن ما نعيه و نعيشه كمشهد بصري واعي هو صورة عالجها الدماغ بشكل محترف جداً، يختلف تماماً عن المدخلات الخام التي استمدها الدماغ من العينين.

نحن لا نرى العالم كما تراه و تنقله شبكية العين. في الواقع، لو تخيّلنا الصورة الأصلية، فسيكون مشهد الصورة مرعباً أكثر مما قد نظن: مجموعة بكسل مشوّهة و فوضوية للغاية بين الضوء و الظلام، تهبّ نحو وسط شبكية العين، ملثمّة بالأوعية الدموية مع ثقب هائل في موقع »النقطة العمياء« حيث تغادر الكابلات [العصب الرئيسي للعين] جوف العين داخلةً إلى الدماغ. الصورة سوف تطمس باستمرار و تتغيير كلّما تشتت نظرنا أو تغيّرت نقطة تركيزه.

لكن ما نراه بدلاً من ذلك، هو مشهد ثلاثي الأبعاد مُصحَّح من عيوب الشبكية و البقعة العمياء و متناسق مع حركة العين و الرأس. إضافةً إلى ذلك، فإن دماغنا يعيد تفسير المشهد الآني على نطاق أعمق استناداً إلى تجاربنا السابقة من مشاهد بصرية مماثلة. كل هذه العمليات تحدث بشكل غير واعي و أسرع من أن تستوعبه. بعض هذه التعديلات الدماغية معقّدة بشكل يجعلها تستعصي النمذجة عن طريق الكمبيوتر.
على سبيل المثال، يكشف نظامنا البصري عن وجود ظلال في الصورة أسفله و يزيلها في نفس الوقت. في غضون لمحة، يستدل دماغنا بشكل غير واعي عن مصدر الأضواء و يستنتج الشكل، التعتيم، انعكاس الضوء و الإنارة. خدعة رقعة الشطرنج في الصورة أسفله هي أحد أشكال الخداع البصري، نشرها إدوارد أديلسون أستاذ علم البصريات بمعهد ماساتشيوست للتكنولوجيا، و هي عبارة عن صورة ثلاثية الأبعاد لرقعة شطرنج فيها مربّعات مضيئة و أخرى مظلمة، و هذه المربّعات مظللة جزئياً بجسم اسطواني.

معالجات بصرية و حسابات عالية تحدث خلف وعينا. إلقي نظرة سريعة على هذه الصورة: سترى رقعة شطرنج طبيعية المظهر.ليس لديك شك في أن المربّع A معتم و المربّع B زاهي السطوع. يكمن الخداع البصري في هذه الصورة في ظهور المربّع A كما لو كان أغمق من المربّع B، إلا أنه عند استخدام صورة ثنائية الأبعاد فإن كلا المربعين يظهران بصورة متطابقة (نفس اللون بنفس الدرجة)، أي أنها تطبع بنفس الكمية و الدرجة من الحبر. (تحقق من ذلك عن طريق قص كلا المربعين عن المربعات المحيطة، ستجد أن اللونين متطابقان) كيف يمكننا أن نفسر هذا الوهم؟ في جزء صغير من الثانية، يوزّع عقلك المشهد دون وعي إلى أجزاءه، يقرر أن الضوء يأتي من أعلى يمين، أن الاسطوانة تلقي بظلالها على متنصف الرقعة و بالتالي يطرح هذا الظل من الصورة، مما يعطيك الانطباع أن الألوان الحقيقية للجانب الخاضع تحت الظل تختلف عن الأخرى. فقط النتيجة النهائية لهذه الحسابات المعقّدة تدخل إطار وعيك. في الصورة الأخرى قمت بقص المربعين بمعزل عن الرقعة: المربعان يمتلكان نفس اللون.

كلما فتحنا أعيننا، تحدث عملية موازية بشكل عميق في القشرة البصرية [الجزء الخلفي من الدماغ المسؤول عن معالجة الرؤية و ما تنقله أعصاب العين من بيانات]، و نحن لا نعي ذلك أثناء حدوثه.

دون أدنى فكرة عن عمق المعالجة الدماغية التي تمكّننا من الرؤية، يظن الكثير منا أن الدماغ يعمل بشكل مكثّف و عالي فقط عندما نشعر نحن أننا نعمل و نفكّر بتركيز عالي. على سبيل المثال، عندما نقوم بحل مسائل الرياضيات أو نلعب الشطرنج. أغلبنا ليس لديه أي فكرة عن مدى التعقيد و المعالجة البصرية التي يقوم بها دماغك وراء الكواليس لخلق هذا الانطباع البسيط من العالم البصري السلس.

لعب الشطرنج دون وعي

لكي تعي حجم قوة رؤيتنا اللاواعية، تأمّل لعبة الشطرنج. عندما يركّز الأستاذ الكبير غاري كاسباروف على لعبة الشطرنج، هل تعتقد أن دماغه يتابع ترتيب القطع بشكل واعي و مستمر من أجل أن يلاحظ، على سبيل المثال، أن القلعة السوداء تهدد الملكة البيضاء؟ أو هل يمكنه أن يركّز على الخطة الرئيسية، في حين أن نظامه البصري تلقائياً يقوم بمعالجة المواقع الاستراتيجية بين القطع؟

في الواقع، أثبتت الأبحاث أن لمحة واحدة كافية لأي أستاذ كبير في الشطرنج لتقييم رقعة الشطرنج و تذكّر تكوينه في التفاصيل الكاملة، لأنه تلقائياً يوزعه إلى قطع ذات مغزى و دور ما.

علاوة على ذلك، تشير تجربة حديثة إلى أن عملية التجزئة هذه تحدث خارج إطار الوعي فعلاً: في التجربة يمكن أن تومض صورة لـ تشكيلة لعبة شطرنج مبسّطة لمدة 20 ميلي ثانية، محصورة بين أقنعة صورية تجعلها غير مرئية في إطار البصر الواعي، و رغم أن لاعب الشطرنج لا يعيها، فهي تؤثر على قراره [لاعب الشطرنج في التجربة يشاهد المؤثرات و الصورة الخفية للتشكيلة من خلال شاشة تعرض أمامه. فالإنسان يستطيع أن »يعي« فقط الصور التي لا تظهر له بشكل سريع جداً، ما فوق الـ ٥٠ ميلي ثانية تقريباً].

التجربة تنجح فقط مع لاعبي الشطرنج الخبراء، و فقط إذا كانوا أثناء حل مشكلة أو لغز يستدعي التركيز، مثل تحديد ما إذا كان الملك في موقف خطر. و هذا يعني أن النظام البصري يأخذ في الاعتبار هوية القطع (القلعة أو الحصان) و موقعها، ثم يربط بسرعة هذه المعلومات إلى قطعة ذات مغزى (“الملك الأسود مهدد بالـ كش ملك”). هذه العمليات المعقّدة تحدث تماماً خارج إطار الوعي”.

الاستمناء: هل الإفراط فيه مفيد فعلاً؟ [للذكر]

الصورة للفنان أليكساندر كابانيل [1892] أونان والعادة السرية.. وثمار الأرملة اللعوب

الصورة استوقفتني في كتاب قرأته قبل عامين عن تاريخ الجنس في اللوحات الفنية في مختلف الثقافات.
الرجل في الصورة هو أونان، شخصية من التوراة و رائد العادة السرية عند الرجال في العالم القديم، فهو أول من مارسها أمام أرملة أخيه بعد أن رفض مضاجعة أرملة أخيه و تحبيلها بنسل قريب من نسل زوجها كما كان سائداً، حيث جاء في سفر التكوين من العهد القديم من الكتاب المقدس ٨:٣٨ [٨ فَقَالَ يَهُوذَا لأُونَانَ: «ادْخُلْ عَلَى امْرَأَةِ أَخِيكَ وَتَزَوَّجْ بِهَا، وَأَقِمْ نَسْلاً لأَخِيكَ». ٩ فَعَلِمَ أُونَانُ أَنَّ النَّسْلَ لاَ يَكُونُ لَهُ، فَكَانَ إِذْ دَخَلَ عَلَى امْرَأَةِ أَخِيهِ أَنَّهُ أَفْسَدَ عَلَى الأَرْضِ، لِكَيْ لاَ يُعْطِيَ نَسْلاً لأَخِيهِ.]

معنى “أَفْسَدَ عَلَى الأَرْضِ” الواردة في النص أي أَفرغ منيّهُ على الأرض، و هي بمثابة “إضاعة” و تبذير، و منها انتقلت الرؤية الدينية هذه إلى المسيحية و من ثم الإسلام.
هذه القصة كان لها تأثيراً كبيراً على عقول أجيال الماضي القديم و نحتت موقفهم الديني و الاجتماعي بشكل كبير. و لكي نفهم الحاضر، لابد من المرور بالماضي.

الاستمناء: هل الإفراط فيه مفيد فعلاً؟

قبل أن أستهل في الإجابة على هذا السؤال، دعنا نميّز بين ما نعرفه، ما يستطيع العِلم الحديث الإجابة عنه و بين النتائج التي مازالت في طور الأبحاث و لا فصل فيها بعد.

أريدك أنت تستدعي حقيقتين واقعيتين إلى ذهنك قبل أن تكمل معي هنا: الأولى، هي أن الاستمناء ليس عندنا نحن البشر فقط، بل كذلك عند بعض الثدييات الأخرى، و الحقيقة الثانية هي أن الاستمناء وسيلة طبيعية لاستثارة الأعضاء الجنسية بهدف الوصول إلى النشوة، لكنه ليس بديلاً عن العلاقة الجنسية.

المجتمعات البشرية تعاملت مع الموضوع بشكل تفاوت بين حقبة و أخرى و خضع لعوامل متعددة كالدين، و الثقافة القبلية. وكعادة الإنسان الذي يخشى ما لا يعلم، اعتبرته بعض المجتمعات سلوكاً مضرّاً، بينما أفرطت الأخرى في الترويج له. أتذكّر أول مرة استمنيت فيها، عند دخولي المراهقة مبكّراً جداً، كانت بعكس المردود الممتع الذي يقتضيه كوكتيل الهرمونات الذي يحفّزه الدماغ بعيدة كل البعد عن المتعة. كوني ولدت في مجتمع شرقي تحكمه قبضة الأحكام الدينية المانعة بالوعيد و الترهيب، فالتعامل مع الموضوع لم يكن بذلك التفصيل و لا حتى تطرّق له المعلّم في درس الأحياء و في وقت لم يتطوّر الإنترنت فيه بعد. الخوف و القلق من ذلك السائل الغريب على جسمي ولّدا شعوراً مضطرباً في البداية، شعوراً مخيفاً لطفل يدخل المراهقة من أسوأ أبوابها. اليوم، الأجيال الحديثة أكثر انفتاحاً على الموضوع من قبل و تتعامل مع الموضوع بشكل أقل توتّراً.

لاحظ أنني ذكرت التفاوت بين المجتمعات في التعامل مع الأمر، و هذا التفاوت يصقل أجيال المستقبل في سلوكهم و نشاطهم، و هذا هو سبب كتابتي لهذا المقال: النشاط و السلوك، لأنه يمسّك أنت أيضاً.

في اليونان القديمة مثلاً، كانت الإباحية الجنسية في بعض المدن خالية من المحرّمات، ومع ذلك، كان هنالك مفكّرون يهدفون إلى العودة إلى الحالة الطبيعية، السلوك الطبيعي الذي يعيد الإنسان إلى واقعه كحيوان من الطبيعة. ديوجانس الكلبي [٤٠٠ ق.م.]، أحد الفلاسفة الذين عاشروا الاسكندر المقدوني، كان ديدنه الاستفزاز في الطرح، حتى استمنى في يوم من الأيام علناً في وسط السوق قائلاً: “يمكنك بالمناسبة أن تفرك قضيبك ببطنك حتى تتخلّص من الجوع” في وقت كان للعديد من الفلاسفة اليونانيين موقفاً محافظاً و متردداً من الاستمناء.

حتى أواخر العصور الوسطى في أوربا مثلاً، لم يكن الاستمناء بذلك الثقل من الرذيلة، حتى تم تجريمه دينياً من الكنيسة الكاثوليكية مثل سائر أشكال النشاط الجنسي التي لا تخدم التكاثر “الشرعي”، حينها بدأت الكنيسة تروّج لها كخطيئة حالها حال اللواط و تعاقب عليها بالتعذيب البدني. المناطق العربية الإسلامية لم تختلف في نظرتها الفقهية و الاجتماعية حول الاستمناء، لأن الأديان الإبراهيمية عموماً تنطلق من فكرة أن جسد الإنسان قد “نُفِخَ فيه” من روح الله و بالتالي الاستمناء هو “تدنيس” بحد ذاته، و لذلك و إن اختلفت المصادر و الدوافع، فالسبب هو تصوّري في أصله.

في عصر التنوير لاحقا [في أوربا] بدأ الموضوع يأخذ بعداً اجتماعياً جديداً خارج إطار الدين، عندما بدأ يصفه البعض بـ”لخطر الاجتماعي” و “السلوك غير الطبيعي”، في وقت كان فيه الإفتاء لا يقتصر على رجال الدين فقط.

هذه الفترة شهدت مصطلحات جديدة كالتلوّث الذاتي و الشنيعة الملوّثة و هي الفترة التي شهدت ارتباط الاستمناء لأوّل مرة ببعض الأمراض الشائعة آنذاك مثل الجدري و السل. الكثير من أطباء تلك الحقبة وجدوا في تلك الفرضية توافقاً بين آراءهم الطبية و الدينية و فرصة لإغلاق سيل الكم الهائل من الحالات المرضية و الاضطرابات الجسدية التي لم يجدوا لها جواباً شافياً بعد.

لاحقاً، في القرنين الـ 18 والـ 19 بدأت تنمو في أوربا حملة واسعة النطاق ضد الاستمناء، أخذت أشكالاً متعددة، من الخطب و المواعض الدينية في أيام الأحد إلى عدد لا يحصى من المطبوعات العلمية و الشعبية التي استنكرت في مضمونها الأخطار المزعومة من ممارسة العادة السرية. هذه الحملة حتى الآن لها تأثير على عقليات الكثير من البشر، و أنا على ثقة أن بعض ممن سيقرأ هذا النص سيبتسم لأنه سمع يوماً أن الاستمناء يسبب زيادة حب الشباب في البشرة. بكل بساطة الموضوع يقف على علاقة ترابطية لا سببية، حيث أن المراهق يعيش ثورة هرمونية في هذه الفترة من العمر تقف وراء هذا التغيّر في البشرة، و هي نفس الفترة التي يفرط فيها المراهق أو المراهقة من الاستمناء.

الأمر بدأ يتغيّر مع تطوّر الطب الحديث، و الموضوع لم يعد يتعلّق بالأمراض، بل العكس تماماً، الدراسات الحديثة تجد إيجابيات واضحة في الاستمناء. لكن الحذر مازل مواكباً للموضوع، لماذا يا ترى؟

المفاهيم المتراكمة من سوء فهم مبني على ادعاءات خاطئة تعيق التطوّر الجنسي الصحي للطفل و تجعل الطفل و المراهق يعانيان من اضطرابات نفسية و تناشجز إدراكي، خصوصاً عندما يتدخّل الدين أيضاً في وعيده.

لكن ماذا عن الإدمان و الإفراط في ذلك؟ ماذا عن من يستخدم الاستمناء كوسيلة للهروب من مشاكل حياته حتى يقع في فخ الإدمان؟ هل الإفراط فيه فعلاً مفيد لهذه الدرجة كما تدّعي بعض الدراسات الحديثة؟

العِلم الحديث لم يعطي كلمة الفصل في هذا النقاش بعد، بل البحث مازال مستمراً. هنالك علاقات ترابطية بين الاستمناء و تجنّب الإصابة بالسرطان، في نفس الوقت هنالك دراسات تتناول الإدمان الناجم عن الإفراط في الاستمناء و علاقته بانخفاض مستوى التيستوستيرون.

الموقف المناهض للرأي السائد أن الاستمناء مفيد للجسم و أن تعدد العلاقات مفيد صحياً، بغض النظر عن كونه محقاً أو مخطئاً، يستند في طرحه على نقاط تتكرر دائماً:

> ارتفاع نسبة الأمراض الجنسية بين الشباب في المجتمعات المتحضرة.

> السلوك الإدماني الناتج عن الإفراط في الاستمناء و الذي يصاحبه تشتت ذهني خصوصاً عند الشباب. بغض النظر عن أن ما يقارب الـ ٢٥ ٪ من المواضيع التي يتم البحث عليها في الإنترنت تتعلّق بالجنس، أي ما يقارب الـ ٦٨ مليون بحث في الجوجل في اليوم الواحد.

> ارتفاع مستوى التيستوستيرون بعد فترة [أعلى نسبة يصل إليها الجسم بعد ٧ أيام] من الامتناع و إراحة الجسد.

المجموعة الأولى تمثّل الأشخاص الذين امتنعوا لمدة عن الاستمناء

خلال الاستثارة الجنسية و الوصول إلى النشوة تشهد الخلايا العصبية مرحلةكبيرة من الإثارة،حيث يفرز الدماغ الكثير من هرمون الدوبامين الذي يتسبب في نوع من الثمالة و “الإدمان”، الشعور الذي يصاحب النشوة عادةً. أيضاً الاسترخاء أثناء الوصول إلى النشوة يسببه الأندورفين، هرمون آخر له تأثير مهم على الدماغ. يمكنك اعتباره كنوع من المسكّنات التي يصنعها الجسم نفسه ليمحي التوتر و يهيّئ الدماغ للنشوة. هذا الهرمون مثلاً يُلاحَظ تناقص مستواه و مستوى السيروتونين عند الأشخاص المصابين بالاكتئاب.

طبعاً الأمر لا يقتصر على هذين الهرمونين فقط، فهنالك هرمونات أخرى مماثلة تلعب دوراً بارزاً كهرمون الأوكسيتوسين الذي من بين تأثيراته المتعددة أن يحفّز شعور التقارب و الإحساس بالأمن أثناء ممارسة الجنس، مما يمهّد للإسترخاء.

لذلك تجد الكثير من الباحثين يحث على ممارسة الجنس لأنه “يلطّف” الكيمياء في الدماغ.

لكن ماذا لو أصبح الأمر مهرباً من مشاكل المجتمع و ملجئاً بعيداً عن مواجهة الواقع؟

بالفعل هنالك دراسات تدرس تأثير الدوبامين على الدماغ المدمن، حيث أن الكثير من المخدرات تحفّز نفس الماكنة الهرمونية التي تلعب دوراً في توليد النشوة. فعندما يتم مشاهدة المواد الإباحية، فإن كميات كبيرة من الدوبامين، وغيرها من المواد الكيميائية الطبيعية في الدماغ يتم إفرازها عند رؤية الصورة(المحفّزة)، مما يمنح الإحساس بالنشوة بسبب الكميات الهائلة من الدوبامين المرسلة إلي الدماغ في تلك اللحظة، المشكلة هي أن الدماغ يجيد التكيّف. توقّف على هذه الكلمة لوهلة: أدمغتنا تتكيّف مع المحفّزات السابقة و المألوفة و لذا يحتاج الشخص إلى المزيد من الصور و المزيد من التنوع ،بشكل أكثر تواتراً للحصول على الاندفاع نفسه. الآن تأمّل معي لثواني: أين أجد مثل هذا التنوّع المتواصل بشكل مجاني و سريع؟ نعم.. الإنترنت و مواقع البورن الإباحية.

لست هنا لأبعث الخوف في داخلك، فلا ضرر في المشاهدة طالما لم تفرط في ذلك. لكن من المهم أن تفهم كيف يعمل جسمك و كيف يفكّر دماغك.

الخطوة الأولى قبل النشوة الجنسية، فيها يتم تفعيل مراكز المكافأة في الدماغ
الخطوة الثانية، أثناءها يتم تفعيل القشرة الدماغية
في الخطوة الثالثة يتم تفعيل مراكز المتعة و السيطرة في الدماغ

الرواقيون مثلاً، كانوا ينظرون إلى الأمر من باب تهذيب الذات و السيطرة على الشهوات. فالإنسان الفاضل هو من يجيد السيطرة على غرائزه و شهواته دون الإفراط و السقوط في فخ الإدمان، هذه الملاحظة حتى أقدم من الرواقية نفسها و تجدها في بعض الأديان و الفلسفات القديمة حاضرة في إطار مختلف.

لا أستغرب عندما اقرأ عن انتشار حركات شبابية خارج إطار الدين أو الوعيض، تبحث عن الهدوء النفسي في عالمنا الفوضوي هذا في الامتناع عن الاستمناء لفترة معيّنة و التركيز على الحياة و الأهداف الخاصة.
لعل بعضكم سبق و أن قرأ عن حركة الـ NoFap التي انتشرت قبل عدة سنوات مروّجة للآثار الإيجابية للامتناع كالشعور بالنشوة و الصحة البدنية و القوة الذهنية. أو حتى الشباب الذي يخرج عن عالم الفيسبوك لعدة شهور و عندما يعود يخبر غالباً عن الأمور الإيجابية التي حصدها في الوقت الذي كسبه.

شخصياً قمت بهذه التجربة [الامتناع] لمدّة ٨ أيام و لم أشهد تغيّراً كبيراً، لكنني كنت نشيطاً جداً و مستوى التيستوستيرون صعد عندي بعد اليوم السابع، إضافة إلى أن الشعور بالنشوة قد ازداد عمقاً و كثافةً لفترة طويلة بعدها.

الموضوع نسبي أكثر من كونه موضوعياً، فالأحاسيس و التجارب الشخصية غير كافية من منظور علمي، لكنها بدأت تجذب انتباه الباحثين، و بالفعل هذا ما بدأ يحدث. الدراسات التي حاولت كشف ما وراء ادعاءات هؤلاء الشباب لربما لم تؤكّد على وجود علاقة واضحة بعد، لكنها لاحظت ارتفاع في مستويات هرمون التيستوستيرون الذكوري و إن كان طفيفاً، إضافة إلى توازن المستوى الأيضي.

الفكرة خلف كل ذلك بسيطة جداً بغضّ النظر عن القيمة العلمية: فالسيطرة على الذات و الشهوات شيء يبعث بشعور من القوّة و المتانة البدنية. كذلك راحة البال المصاحبة للتركيز على الأهداف الأهم في الحياة بدل تضييع الوقت هنا و هناك أو في صفحات البورن، التي هي نفسها بدأت تجذب انتباه الباحثين حول تأثيرها على الانطباعات و التوقّعات الجنسية و الإدمان.

الإنسان عموماً كائن غير عاقل إلا لو طلب منه التركيز على مهمّة أو فكرة أو أراد ذلك بنفسه، لذلك تذكير أنفسنا بنقاط ضعفنا يقلل من نسبة الخطأ و يجعلنا نستمتع أكثر عندما نقدّر قيمة المتعة و لا نفرط فيها.

إذن الامتناع التام عن الاستمناء يستطيع العِلم الإجابة عليه: و الجواب هو واضح، الاستمناء طبيعي طالما لم يفرط الشخص فيه. و كلّما سيطر أكثر على سلوكياته، كلما ازداد راحة و نشاطاً.

كيف نفهم أن شساعة الكون تقدّر بنسبة 93 مليار سنة ضوئية بينما عمر الكون هو 13.8 مليار سنة فقط؟

هذا السؤال بصراحة من الأسئلة التي مازالت تثير شعور بالرهبة في داخلي كلما تأمّلته:

كيف نفهم أن شساعة الكون تقدّر بنسبة 93 مليار سنة ضوئية بينما عمر الكون هو 13.8 مليار سنة فقط؟

وفقاً لنموذج نموذج لامبدا للمادة المظلمة الباردة CDM Cold Dark Matter [هو نموذج في علم الفلك يحاول تفسير ظواهر عديدة للكون مثل تفسير إشعاع الخلفية الميكروني الكوني و تفسير الاتساع المستمر للكون] هو 13.8*10⁸ [ثلاثة عشر ملياراً و ثمانمئة] سنة. هذا يعني أن الضوء الذي يصل إلينا من الأجزاء المرئية الأكثر بعداً قد سافر لحوالي 13.800.000.000 [ثلاثة عشر ملياراً و ثمانمئة] سنة ضوئية للوصول الى هنا.

مع ذلك، فإن الأجسام تلك التي بعثت لنا هذا الضوء قبل 13.8 مليار سنة تتباعد عنا أيضاً بسرعة كبيرة. اليوم، و في هذه اللحظة هي أبعد من ذلك بكثير!

إذا افترضنا أن توسع الكون يتبع نموذج لامبدا-CDM، فإن بعد تلك الأجزاء المرئية تلك في هذا اليوم يصل لحوالي 46.5 مليار سنة ضوئية.

نتيجة لتسارع توسّع الفضاء [وفق نظرية الإنفجار الكبير التي تفترض أن الكون يتوسّع بتعجيل متسارع]، فإن الفضاء بيننا و بين تلك الأجسام المرئية البعيدة عنا بحوالي 46.5 مليار سنة ضوئية، يتوسّع بسرعة هائلة جداً، بحيث أن المسافة تتزايد بمعدل أسرع من السنة الضوئية الواحدة في السنة.

و لذلك، فإن ذلك الضوء المنبعث في هذه اللحظة من تلك الأجسام البعيدة و المتجه نحو كوكبنا سوف لن يتمكّن أبداً من اللحاق بهذا التوسّع المتسارع و الوصول إلينا.

أي أن أقرب أجسام ينبعث منها الضوء اليوم ـ و لا يزال يستطيع الوصول إلينا لاحقاً ـ عليها أن تكون في نطاق بعد لا يتجاوز الـ 16 مليار سنة ضوئية من كوكبنا [طبعاً هذا الضوء سيحتاج لوقت أطول للوصول إلينا]. و عليه، فإن الإشارات المنبعثة اليوم من الأجسام التي هي أبعد من 16 مليار سنة ضوئية سوف لن تصل إلينا أبداً و ستبقى خلف الأفق الكوني.
تأمّل فقط شساعة الكون للحظات، هنالك أجزاء شاسعة من الكون لن نتمكن من اكتشافها إلا إذا استطعنا السفر عبر الزمن، عدا ذلك، فهي مهمة مستحيلة!

و لذلك، فعندما يستخدم العلماء مصطلح “الكون المرصود“، فهم يقصدون بذلك الجزء من الكون الذي وصلنا منه الضوء من الماضي، أي الكون المرصود البيضوي الشكل و الذي توسّع إلى 46.5 مليار سنة ضوئية [نصف قطر؛ حيث أن قطر هذا الكون المرصود = 93 مليار سنة ضوئية].

Sam Harris: Can we build AI without losing control over it?

Will we be able to control Artificial Intelligence in the future?

Considering AI from a philosophical and moral perspective is definitely something we ought to do. Especially, because the way we perceive the world, our ethics that guide us, our economic and social needs and our future imaginations, cloud over our impact on AI and its core-design.

AI and its implications are certainly worth looking at deeply. I was relieved to see Sam did not try to prophesy exactly what AI’s impacts would be.
However, Sam delivers the right questions we should collectively contemplate. To predict the future is very difficult; nevertheless, it’s an important topic to talk about, and crucial to our existence in the near future. The first step would be trying to understand the implications of AI.

Sam also refers to the unavoidable Singularity, which is best defined by Michal Anissimov: “Smarter-than-human intelligence. That’s all. Whether it’s created through Artificial Intelligence, Brain-Computer Interfacing, neurosurgery, genetic engineering, or whatever—the Singularity is the point at which our ability to predict the future breaks down because a new character is introduced that is different from all prior characters in the human story. That character is greater-than-human intelligence, whether an enhanced human or a robot.”

Once the Singularity has been reached, machine intelligence will be infinitely more powerful than all human intelligence combined; and if we trust our best scientists in this area, then mankind is heading toward an irrevocable destiny in which we will evolve beyond our understanding through the use of technology. The problem is, that humans think of the future in simple terms that they can grasp, on incredibly short timelines that they can interpret, and history doesn’t create itself considering those limits, nor technology does; and almost nobody [statistically speaking] understands computers. This is a weak spot we should take seriously!

Here is TedTalk:

https://www.youtube.com/watch?v=8abcErxGVfo

Can a “soul” ever acquire a satisfactory definition from neuroscience, information theory, or computer science?

S.o. asks Paul King an interesting question on Quora:

Can a “soul” ever acquire a satisfactory definition from neuroscience, information theory, or computer science?

Isn’t a soul, after all, just an extremely large collection of information or data about a person [his experiences, thoughts, memories, behavior, etc.]?

You may reread and answer the question with “mind” in place of “soul” if it suits you.

The answer:

“Maybe, depending on what is meant by “soul”; there is one meaning of “soul” which Neuroscience and Computer Science have a difficult time with, and that is the idea of an identity floating out in the universe that attaches itself to a physical manifestation to provide it with agency and self-awareness.

Maybe the universe works this way [and how fantastic if it does!] but the sciences just don’t know what to do with this. Science currently lacks a conceptual framework that could verify that this type of souls exists or link it with anything physical like the body, so this definition of “soul” defies physics.

But “soul” could mean something different. “Soul” could refer to who you are, your sense of yourself, your perceptual awareness, and your understanding of the world and your place in it. Aren’t these the things that come to mind when we say someone has an “old soul” or is “soulful” or when we say we can “see someone’s soul”?

If “soul” is about understanding what it means to be alive, to care, and to feel “real,” then surely these experiences can one can day be explained by neuroscience, just as feeling “hungry,” “alert,” or “dizzy” is increasingly explained by neuroscience.And if the brain really does turn out to be a complex web of mechanisms, as Neuroscience currently believes, then why can’t similar processes and mechanisms be implemented in a digital machine?

To explain the phenomenon of “soul” or to produce it in an AI experiment, we will need a definition. This definition will not be “acquired” but will rather given, either by scientists or by designers.

هل يمكن لعلم الأعصاب و الذكاء الاصطناعي تعريف “الروح”؟

على موقع Quora يسأل أحدهم پاول كينگ Paul King [مدير لعلوم البيانات في موقع Quora، متخصص في مجال علم الأعصاب الحاسوبي من جامعة هارڤارد، مدير سابق لتحليلات الإنتاج في الفيسبوك، كاتب و مؤسس لشركتين ناشئتين startups، بالإضافة إلى عمله كمستشار تكنولوجي متخصص في هندسة التطبيقات القابلة للتحجيم]

يا ترى هل يمكن للـ “الروح” أن تكتسب يوماً ما تعريفاً مرضياً من علم الأعصاب، نظرية المعلومات أو علوم الحاسوب؟

أليست الروح بعد كل شيء، هي مجرّد مجموعة كبيرة للغاية من معلومات أو بيانات عن الشخص [تجاربه، أفكاره، ذكرياته، سلوكه، و ما إلى ذلك]؟

تستطيع إعادة قراءة السؤال و الإجابة عليه مستخدماً مصطلح “العقل” بدلاً من “الروح” إذا كان أنسب لك.

الجواب:

“هنالك معنى واحد للـ “الروح” يلاقيا كلا من علم الأعصاب و علم الحاسوب صعوبة في التعامل معه، و هذا المعنى المقصود هو فكرة الهوية العائمة في الكون و التي تدخل في تماس مع الأجسام المادية لتزوّدها بالوعي و الإرادة.

لربما يعمل الكون فعلاً بهذه الطريقة [و ياله من أمر خيالي و رائع، إن كان الأمر فعلاً كذلك!]، لكن العِلم لا يستطيع التعامل مع هذا النوع من التعريف، فالعلم حالياً يفتقر لإطار و مفهوم يمكنهما استيعاب هذا النوع من الروح و ربطه بأي شيء مادي مثل الجسد، لذلك يتحدّى هذا التعريف عن “الروح” الفيزياء و قوانين الطبيعة التي نعرفها.

و لكن “الروح” قد تعني شيئاً مختلفاً تماماً. “الروح” يمكن أن تشير إلى ماهيتك أنت، شعورك بذاتك، وعيك و أحاسيسك، و قدرتك على فهم العالم و إدراك مكانك فيه. أليست هذه الأشياء هي أول تلك التي تتبادر إلى الذهن عندما نصف شخصاً ما بأنه مفعم بـ “روح قديمة” أو بالـ “عاطفة”، أو حتى عندما نقول: “أشعر بروح هذا الإنسان..”؟

إذا كان معنى “الروح” يدور حول فهم كيفية وجودنا على قيد الحياة، كيف نراعي بعضنا البعض و نشعر بالواقع، فبالتأكيد سنتمكّن يوماً ما من تفسير هذه التجارب من خلال علم الأعصاب، تماماً كما نفسّر الشعور بالجوع، حالة التأهّب، القلق أو الشعور بالدوار.

و إذا كان الدماغ فعلاً يتألّف من شبكة معقدة و كبيرة من الآليات الذكية، كما يفترض علم الأعصاب حالياً، فلما لا يمكن محاكاة تلك العمليات و الآليات في آلة رقمية؟

لتفسير ظاهرة “الروح” أو لإنتاجها في تجربة ذكاء اصطناعي، فسوف نحتاج إلى تعريف. هذا التعريف لن يكون “مكتسباً”، بل سيعطى لها إما عن طريق العلماء أو من قبل المصممين.”

المقدّمة الأسهل في العالم عن التعلّم الآلي [machine learning]

هل سمعت من يتحدّث عن التعلّم الآلي [machine learning] و صورتك عن الموضوع ما زالت غامضة بعد؟ حان الوقت لأن تبصر أكثر.

هذا الدليل الذي سأستهل به هو لكل من يمتلك الفضول للقراءة عن التعلّم الآلي و لكنه لا يملك أي فكرة من أين يبدأ.

أتصوّر أن هنالك الكثير من الناس الذين حاولوا قراءة مقالات الويكيبيديا، ثم أصيبوا بالإحباط و توقّفوا عن القراءة آملين أن شخصاً ما من شأنه أن يفسّر لهم الفكرة بشكل أفضل و أبسط. و هذا هو تماماً ما سأقوم به في هذه الحلقات.

الهدف هو أن تكون هذه الحلقات في متناول أي شخص و سهلة الفهم – الشيء الذي يقتضي التعميم أحياناً. لكن لو نجحت في كسب اهتمام أي شخص في تعلّم المزيد عن التعلّم الآلي، فسيكون الهدف من كل هذا قد تحقق.

التعلّم الآلي هو فكرة أن هناك خوارزميات عامة يمكنها أن تستخرج لك شيئا مثيراً للاهتمام من مجموعة معيّنة من البيانات دون الحاجة لكتابة أي شفرة مخصصة. فبدلاً من كتابة التعليمات و الشفرات البرمجية، يمكنك تغذية الخوارزمية بـالبيانات و هي تقوم تلقائياً بصياغة منطقها استناداً إلى البيانات نفسها.

على سبيل المثال، أحد انواع الخوارزميات هي الخوارزمية التصنيفية. فهي تضع البيانات في مجموعات مختلفة. حيث بإمكان نفس خوارزمية التصنيف التي تُستَخدم للتعرّف على أرقام الهواتف المكتوبة بخط اليد، أن تُستَخدم لتصنيف رسائل البريد الإلكتروني إلى البريد المزعج [spam] و البريد العادي دون تغيير سطراً واحداً من التعليمات البرمجية. رغم أنها نفس الخوارزمية، لكنها غُذّيَت ببيانات و شفرات تدريبية مختلفة، لذلك تعالج البيانات بمنطق تصنيف مختلف.

التعلّم الآلي هو مصطلح يشمل العديد من هذه الأنواع من الخوارزميات العامة.

هنالك صنفان من خوارزميات التعلّم الآلي

يمكنك تخيّل خوارزميات التعلّم الآلي و هي تنحدر إلى واحدة من فئتين رئيسيتين: التعلّم المُراقَب و التعلّم الغير مُراقَب. الاختلاف بينهما بسيط، لكنه مهم جداً.

التعلّم المُراقَب

لنفترض أنك وكيل عقارات و عملك الاستثماري في نمو متزايد، مما يدفعك لتعيين مجموعة من وكلاء يخضعون للتدريب لمساعدتك. و لكن هناك مشكلة – عندما تقوم أنت بإلقاء نظرة على منزل ما، فسرعان ما ستكوّن فكرة جيدة عن قيمة المنزل التي يستحفها في السوق، لكن المتدربين لا يمتلكون نفس الخبرة التي تساعدهم على التسعير المناسب للمنازل.

و لكي تساعدهم في ذلك [ربما تفكّر في أخذ إجازة]، تقرر كتابة تطبيق [app] يمكنه تقدير قيمة المنزل في منطقتك على أساس الحجم، الحي، الجيران، و وفق قيمة المنازل المجاورة التي تم بيعها و ما إلى ذلك من عوامل أخرى.

و عليه، و في كل مرة يبيع شخص ما منزلاً في المدينة، تقوم بتدوين ذلك و لمدة 3 أشهر. لكل منزل تكتب مجموعة من التفاصيل – عدد غرف النوم، حجم الغرفة بالمتر المربّع m²، الحي و ما إلى ذلك من البيانات المهمة، لكن الأهم من كل ذلك، هو أن تكتب سعر البيع النهائي:

هذه هي “بيانات تدريبية“

باستخدام تلك البيانات للتوضيح و تدريب الخوارزمية، نحن نحاول تصميم برنامجاً يمكنه تقدير أي منزل آخر في منطقتك:

نريد أن نستخدم بيانات التدريب هذه للتنبّؤ بأسعار المنازل الأخرى.

و هذا ما يسمّى بالتعلّم المراقب. أنت كنت تعرف قيمة كل بيت يباع، لذلك و بعبارة أخرى: أنت عرفت الجواب لهذه المشكلة مسبقاً و ما تقوم به هو العودة بالبيانات إلى الوراء لاستقراء المنطق خلف ذلك.

لبناء التطبيق الخاص بك، تقوم بتغذية خوارزمية التعلّم الآلي ببيانات حول كل بيت. الخوارزمية بدورها تحاول معرفة نوع الرياضيات التي يتعين تطبيقها.

هذا يشبه امتلاك مفتاح الإجابة لاختبار رياضيات مع أن كل الرموز الحسابية [+ – / * …] قد تم محيها:

أوه، تباً! أحد الطلّاب قام بمسح الرموز الحسابية [+ – / * ] من مفتاح الإجابة للمعلّم!

بعد ذلك، هل يمكنك معرفة نوع المشكلة الرياضية في الاختبار؟ أنت تعلم أنك من المفترض أن تضع الأرقام على اليسار في علاقة حسابية للحصول على كل إجابة على اليمين.

في التعليم المراقب، أنت تسمح للكمبيوتر بأن يؤدّي لك تلك العلاقة الحسابية. و بمجرّد أن تعرف ماهية الرياضيات المطلوبة لحل هذه المجموعة المحددة من الحسابات، ستتمكّن حينها من الإجابة على أي مشكلة أخرى من نفس النوع!

التعلّم غير المُراقَب

دعونا نعود إلى المثال الأوّل مع وكيل العقارات. ماذا لو كنت لا تعرف سعر البيع لكل منزل؟ حتى لو كان كل ما تعرفه هو الحجم و الموقع و غيرها من التفاصيل عن كل بيت، فعلى مايبدو أنت لا تزال قادراً على فعل المثير! و هذا ما يسمّى بالتعلّم الغير مراقب.

و كأن شخص ما يعطيك قائمة من الأرقام مكتوبة على ورقة و يقول لك “أنا لا أعرف ما تعنيه هذه الأرقام أو شكل العلاقة بينها، لكن علّك تستطيع معرفة ما إذا كان هناك نمط أو شيء تشترك فيه – حظاً سعيداً“

ماذا يمكن أن تفعله مع هذه البيانات؟ بالنسبة لمساعديك المبتدئين [كونك تدير مكتب عقارات]، يمكن استخدام خوارزمية تتعرّف تلقائياً على مختلف قطاعات السوق في البيانات الخاصة بك. ربما ستكتشف أن مشتري المنازل في الحي القريب من الجامعة المحلّية يفضّلون منازلاً صغيرة مع الكثير من غرف النوم، في حين مشتري المنازل في الضواحي يفضّلون المنازل المصمّمة بـ 3 غرف نوم مع مساحات كبيرة.

معرفة هذه الأنواع المختلفة من التفضيلات تساعدك على توجيه جهودك في التسويق العقاري.

شيء رائع آخر يمكنك القيام به، هو التعرف تلقائياً على المنازل النموذجية و المميزة في الأسعار و الصفات الأخرى. ربما تكون تلك المنازل هي القصور العملاقة، حينها يمكنك التركيز عليها و على الأحياء التي تنتشر فيها، كونها تعود بمبيعات عالية.

التعلّم المراقب هو ما سنركّز عليه حتى نهاية هذه الحلقة، ليس لأن التعلّم الغير مراقب أقل فائدة أو أهمية من الآخر، بالعكس، فالتعلّم الغير مراقب أهميته متزايدة مع تحسّن الخوارزميات، لأنه يمكن استخدامها دون الحاجة إلى تسمية و تعريف البيانات مع الإجابة الصحيحة.

ملاحظة جانبية: هنالك أنواع كثيرة من خوارزميات التعلّم الآلي. لكن ما نتطرّق له هنا هو مكان جيد لنبدأ منه.

هذا رائع، لكن هل المقدرة على تقدير سعر منزل ما يمكن اعتباره ”تعلّماً“؟

كإنسان، يمكن لدماغك أن يتأقلم مع أي وضع و يتعلّم كيفية التعامل معه دون أي تعليمات محددة مسبقاً. إذا كنت تبيع المنازل لفترة طويلة، سينمو عندك ”شعور“ حول السعر المناسب للمنزل، أفضل طريقة لتسويقه، و طبيعة و نوع العملاء الذين سيكونون مهتمين به.

الهدف من أبحاث الذكاء الاصطناعي القوي [الذكاء الاصطناعي الذي يضاهي الدماغ في الكثير من قدراته] هو إمكانية تكرار هذه القدرة باستخدام أجهزة الكمبيوتر.

لكن خوارزميات التعلّم الآلي الحالية ليست جيدة بعد – إنها تعمل فقط عندما تصمّم لحل مشكلة محددة للغاية. ربما التعريف الأمثل بدل استخدام كلمة ”التعلّم“ في هذه الحالة قد يكون: ”البحث عن معادلة لحل مشكلة معينّة استناداً إلى بعض البيانات“.

لسوء الحظ ”البحث عن معادلة لحل مشكلة معينّة استناداً إلى بعض البيانات“ هو إسم طويل جداً، لذلك انتهى بنا المطاف مع ”التعلّم الآلي“ بدلاً من ذلك.

بالطبع إذا كنت تقرأ هذا النص بعد 50 سنة من الآن، في وقت نكون فيه قد طوّرنا خوارزميات الذكاء الاصطناعي القوي [strong AI]، سيبدو لك هذا النص غربياً بعض الشيء. الأفضل أن تتوقّف عن القراءة و تطلب من خادمك الروبوت أن يحضّر لك شطيرة شهيّة، أيها الإنسان من المستقبل!

دعنا نكتب ذلك البرنامج!

إذن كيف ستكتب البرنامج الذي سيقيّم لك أسعار المنزل، كما هو في مثالنا السابق؟ حاول أن تتأمّل الجواب قبل أن تداوم على على القراءة.

إن كنت تفتقر لمعرفة سابقة عن التعلّم الآلي، فربما ستقوم بكتابة بعض القواعد التعريفية بهذه الطريقة:

def =عرّف [عف]، ما تقرأه أعلاه هي توجيهات و شفرات برمجية يعرّف المبرمج من خلالها المدخلات إلى الخوارزمية، ترجمة أول سطر ستكون هكذا:

عف قدّر_أسعار_بيع_المنازل (عدد_الغرف، قدم_مربع، الحي):سعر = 0

إذا قضيت ساعات طويلة في كتابة شفرات البرنامج، قد ينتهي بك الأمر مع شيء يعمل نوعاً ما. لكن البرنامج لن يكون مثالياً، و سوف يكون من الصعب الحفاظ على دقته تبعاً لتغيّر الأسعار.

ألن يكون من الأفضل أن يقوم الكمبيوتر بمعرفة كيفية تنفيذ هذه الوظيفة بدلاً عنك؟ من يهتم بما تفعله تفاصيل الخوارزمية بالضبط، طالما هي تنتج العدد الصحيح؟

أحد الطرق للتفكير في هذه المشكلة هو أن تتصور السعر كـخلطة لذيذة مكوّناتها هي عدد غرف النوم، المساحة [بالقدم المربّع sq ft] و الحي. مجرّد معرفة مدى تأثير كل مكوّن على السعر النهائي، ربما تكون هناك نسبة معيّنة و دقيقة من المكوّنات كافية لإنتاج السعر النهائي.

هذا بطبعه سيختزل وظيفة الخوارزمية الأصلية [تلك التي استخدمنا فيها الكثير من الـ if’s و الـ else’s] وصولاً إلى شيء بسيط حقاً، كالتالي:

لاحظ الأرقام السحرية بالخط العريض: 0,841231951398213 و 1231.1231231 و 2.3242341421 و 201.23432095

هذه هي النسب التي نبحث عنها. لو فقط تمكّنا من التعرّف على النسب المثالية لاستخدامها لكل منزل، فستتمكّن الخوارزمية حينها من التنبّؤ بالسعر.

أسلوب ممكن لكن أحمق، للتعرّف على النسب الدقيقة قد يبدو بهذا الشكل التالي:

الخطوة الأولى:

لنبدأ بمدخلات بقيمة 1.0 لكل النسب

الخطوة الثانية:

قم بمعالجة البيانات التي تمتلكها عن كل بيت وفق المدخلات التي عرّفتها للنسب و شغّل البرنامج. لاحظ كيف أن النتيجة ستكون بعيدة عن الأسعار الحقيقية الصحيحة.

على سبيل المثال، إذا كان البيت الأول قد تم بيعه فعلاً بسعر 250.000 $، في حين أن تخمين الخوارزمية كان بحوالي الـ 178.000 $، فأنت هنا نظرياً خرجت بخسارة 72.000 $ لهذا البيت الواحد.

الآن لنقل أن البيانات عن مبيعات المنازل التي أدخلتها في الخوارزمية تشمل 500 منزلاً، لو حسبت النسبة التربيعية للفارق بين النسبة الخاطئة و الصحيحة لكل منزل، فإن المجموع الكلي للخسائر يبلغ 86.123.373 $. هذا هو الثمن للخطأ في الخوارزمية.

الآن، خذ المجموع و قسّمه على 500 للحصول على متوسّط الخسارة لكل منزل. لنسمّي هذا المتوسط تكلفة الخوارزمية.

إذا كنت تستطيع تخفيض هذه التكلفة إلى الصفر من خلال معايرة الأوزان [النسب]، فإن وظيفة خوارزميتك ستكون مثالية. ذلك يعني أنه في كل حالة يقوم فيها البرنامج بالتنبّؤ بالسعر، يخرج لك السعر الأمثل بناءً على البيانات المدخلة. و عليه فهذا هو هدفنا – جعل هذه التكلفة تكون في أدنى مستوى ممكن من خلال تجربة نسب مختلفة.

الخطوة الثالثة:

كرر الخطوة الثانية مراراً و تكراراً مع كل مجموعة ممكنة من النسب. المجموعة التي تجعل التكلفة الأقرب إلى الصفر هي تلك التي تستخدمها. عندما تجد النسب التي تعمل بالشكل المطلوب، تكون حينها قد حللت المشكلة!

الأمر يبدو بسيطاً، أليس كذلك؟ تأمّل ما فعلته للتو. أنت أخذت بعض البيانات، أدخلتها من خلال ثلاث خطوات بسيطة إلى الخوارزمية، و في النهاية أصبحت بحوزة برنامج يمكنه تخمين سعر أي منزل في منطقتك. خذي حذركِ يا شركة Zillow! [شركة بيع و شراء عقارات كبيرة و مشهورة]

لكن هنالك عدد بعض الحقائق التي سوف تذهلك:

  • أظهرت الأبحاث في العديد من المجالات [مثل اللغويات/الترجمة] على مدى السنوات الـ 40 الماضية، أن خوارزميات التعلّم الآلي التي تجيد طبخ ”الخلطة اللذيذة“ من الأرقام تقدّم أداءً يتفوّق أحياناً على مناهج لمتخصصين يحاولون صياغة القواعد بنفسهم. النهج ”الغبي“ الذي ينتج عن التعلّم الآلي يتغلّب أحياناً حتى على الخبراء.

  • وظيفة الخوارزمية التي برمجت هي غبية تماماً. بل حتى لا تعرف ما هو الـقدم المربّع أو معنى غرف النوم. كل ما تعرفه أنها بحاجة إلى إعادة ترتيب نسب الأرقام من كل فئة للحصول على الإجابة الصحيحة.

  • من المحتمل جداً أن لا تمتلك أحياناً أي فكرة عن سبب كون مجموعة معينة من النسب تعمل على أمثل وجه. لذلك أنت قد كتبت للتو خوارزمية قد لا تفهمها فعلاً و لكن تستطيع أن تثبت أنها ستعمل و تنتج المطلوب.

دعنا نعود إلى الخطوة الثالثة:

حسناً، أنا ذكرت أنه عليك التكرار مع كل مجموعة ممكنة، لكن بالطبع لا يمكنك محاولة كل مزيج من النسب [الأرقام] للعثور على المزيج المثالي من الأرقام. لأنك رياضياً قد تحتاج للتكرار إلى الأبد خصوصاً و أن الأرقام لا تنتهي.

لتجنّب ذلك، يستخدم علماء الرياضيات الكثير من الطرق الذكية لإيجاد القيم المطلوبة بسرعة و حصر تللك الأرقام [النسب] في نطاق دون الحاجة إلى محاولات كثيرة جداً. هنا مثال على طريقة ممكنة:

أولاً، قم بكتابة معادلة بسيطة تمثّل الخطوة الثانية:

الآن لنعد كتابة نفس المعادلة مستخدمين بعض المصطلحات الرياضية [التي لست مطالب بفهمها الآن]:

θ تمثّل النسب الحالية، (J (θ تعني ثمن النسب الحالية

المعادلة هذه تمثّل الخطأ في الخوارزمية التي تقيّم السعر وفقاً للنسب التي أدخلناها [مدخلات بقيمة 1.0 لكل النسب].

إذا رسمنا معادلة التكلفة لجميع القيم الممكنة لعدد الغرف و القدم المربّع بشكل بياني، فسنحصل حينها على رسم بياني يبدو بهذا الشكل:

المحور الرأسي يمثّل التكلفة

في هذا الرسم البياني، تقع أدنى نقطة [أزرق] حيث تصل التكلفة لأدنى مستوى – أي أن المعادلة هي ذات المعايير الأقل خطئاً. أعلى النقاط هي حيث تكون المعايير الأكثر خطئاً. و عليه، إذا كنا نستطيع العثور على النسب التي تصل بنا إلى أدنى نقطة على هذا الرسم البياني، فسنكون بحوزة الجواب الذي نبحث عنه!

لذلك نحن بحاجة فقط لضبط النسب لدينا و من ثم علينا ”المشي حتى أسفل التل“ على هذا الرسم البياني نحو أدنى نقطة. إذا ما واصلنا إجراء تعديلات صغيرة على النسب و استمريّنا بالتحرّك نحو أدنى نقطة، سنصل في نهاية المطاف إلى هناك دون الحاجة إلى محاولة العديد من النسب المختلفة.

إذا كنت تتذكر أي شيء من حساب التفاضل و التكامل، قد تذكر أنه إذا أخذت المشتق من دالة رياضية، فسيعطيك مماس منحدر الدالة في أي نقطة. بعبارة أخرى، فإنه سيعطينا طريق الانحدار للأي نقطة على الرسم البياني. يمكننا استخدام هذه المعرفة للنزول إلى أسفل الرسم البياني [نحو اللون الأزرق].

لذلك إذا أردنا حساب مشتقاً جزئياً من معادلة التكلفة لدينا، وفقاً للنسب التي أدخلناها، فيمكننا حينها طرح تلك القيمة من كل نسبة. هذا سيقود بنا خطوة أقرب إلى أسفل التل. استمر في فعل ذلك، و في نهاية المطاف سوف تصل إلى أسفل نقطة و تحصل على أفضل النسب للتنبّؤ بالسعر الصحيح. [إن واجهت صعوبة في فهم ذلك، لا تقلق، أكمل القراءة].

هذا هو ملخص عالي المستوى لأحد الطرق [خوارزمية الانحدار التدريجي] الممكنة للعثور على المعايير المطلوبة للنسب حتى تتمكّن الخوارزمية من تقييم أسعار المنازل. لا تخشى التوغّل بشكل أعمق إذا كنت مهتماً في تعلّم التفاصيل.

عندما تستخدم مكتبة تضم العديد من الخوارزميات و الرياضيات المعقّدة لحل مشكلة حقيقية، سوف تُحل كل تلك الخطوات دون أن تقوم أنت بذلك. لكنه من المفيد و الجيد أن تكون لديك فكرة جيدة عن ما يحدث داخل الكمبيوتر.

ما الذي تخطّيناه أيضاً بشكل مريح؟

يطلق على الخوارزمية التي وصفتها في الخطوات الثلاث بـخوارزمية الانحدار الخطّي متعدد المتغيرات [في الإحصاء، الانحدار الخطي البسيط هو أسلوب إحصائي يستخدم في قياس العلاقة بين متغيرين على هيئة علاقة دالة، و في الانحدار الخطّي متعدد المتغيّرات، تقاس العلاقة بين أكثر من متغيّرين].

ببساطة، أنت تصيغ معادلة رياضية لذلك الخط الذي يمر من خلال كل نقاط البيانات عن المنازل الموجودة في شركتك العقارية. ثم تستخدم هذه المعادلة لتخمين سعر المنازل التي لم تشاهدها من قبل و لا تعرف أسعارها، لكنها تقع على هذا الخط.

إنها فكرة قوية حقاً، و قادرة على حل مشاكل ”حقيقية“ أخرى.

لكن في حين أن النهج الذي شرحته لك قبل قليل قد قد ينجح في الحالات البسيطة، إلا أنه لن ينجح في جميع الحالات. سبب بسيط و هو أن أسعار المنازل ليست بسيطة بما يكفي لتسير وفق خط متواصل دائماً.

و لكن لحسن الحظ هنالك العديد من الطرق للتعامل مع تلك المعضلات الجديدة. الكثير من خوارزميات التعلّم الآلي التي يمكنها التعامل مع البيانات غير الخطية [مثل الشبكات العصبية أو شبكات دعم التمييز]. هنالك أيضاً طرق لاستخدام الانحدار الخطّي بذكاء أكبر تسمح بمعالجة خطوط أكثر تعقيداً من مثال أسعار العقارات أعلاه.

في جميع الحالات، تبقى الفكرة الأساسية هي العثور على أفضل النسب.

و رغم أن المفهوم الأساسي بسيط جداً، إلا أنه يتطلّب بعض المهارة و الخبرة لتطبيق التعلّم الآلي و الحصول على نتائج مفيدة. لكن هذا مهارة يمكن لأي مطوّر أن يتعلّمها!

هل التعلّم الآلي هو سحر؟

بمجرد البدء في رؤية مدى سهولة تطبيق تقنيات التعلّم الآلي لحل المشاكل التي قد تبدو عسيرة [مثل التعرّف على خط اليد]، ستشعر بأنك تستطيع استخدام التعلّم الآلي من أجل حل أي مشكلة تواجهك و تحصل على الجواب المطلوب ما دام لديك ما يكفي من البيانات. غذّي الخوارزمية بالبيانات الكافية و راقب الكمبيوتر و هو كالسحر يصيغ لك المعادلة المناسبة للبيانات!

لكن من المهم أن نتذكّر أن التعلّم الآلي لا يعمل إلا إذا كانت المشكلة هي في الواقع قابلة للحل من خلال البيانات التي لديك.

على سبيل المثال، إذا قمت بصياغة نموذجاً يتنبّأ أسعار المنازل على أساس نوع النباتات المزروعة بوعاء في كل بيت، ففي تلك الحالة لن تنجح الخوارزمية في إيجاد السعر. فليست هنالك أي علاقة بين النباتات المزروعة في كل بيت و بين سعر المنزل.

لذلك مهما حاولت، لن يتمكّن الكمبيوتر أبداً من استنباط أي علاقة بين الإثنين.

أنت فقط تستطيع نمذجة العلاقات الموجودة فعلاً

كيف أتعلّم أكثر عن التعلّم الآلي؟

أظن أن المشكلة الأكبر مع التعلّم الآلي حالياً هي أن المجال ما زال منحصراً في الأوساط التخصصية الأكاديمية و المجموعات البحثية التجارية. كذلك لا توجد مصادر سهلة للقارئ البسيط دون أن يدخل في التخصص، لكن الأمور بدأت تتحسّن.

على سبيل المثال، كورسات أندرو نگ [Andrew Ng] التعليمية على موقع Coursera الشهير مذهلة جداً و يستطيع كل من يمتلك تخصصاً في مجال علوم الحاسوب و يتذكّر بعض القواعد الرياضية أن يشارك في حصصها و يتعلّم. إضافةً إلى ذلك، موقع scikit-learn المعروف لدى الأوساط العلمية، يقدّم لك العديد من خوارزميات التعلّم الآلي القابلة للتحميل و التشغيل على جهازك الخاص. من خلالها تستطيع أن تجرّب الأمر بنفسك.

يتبع..

resource: https://medium.com/@ageitgey/machine-learning-is-fun-80ea3ec3c471#.t2y01ycs7