مع الإنسان، ضد حقوق الإنسان

مع الإنسان، ضد حقوق الإنسان.

دين الإنسانية الجديد هو لعبة جديدة لاستغلال الأجيال القادمة و السيطرة على بعد جيوسياسي واسع النطاق: منافع اقتصادية، موارد مادية و بشرية، و سوق ضخم! خصوصاً و أن فضاء الإنترنت يجعلك هدفاً و إن سكنت في قعر الشرق الأوسط.

إن كانت الأديان الإبراهيمية قد انتشرت بالسيف، فالسيف يُصدّ بالسيف و الكلمة تُصدّ بالكلمة. لكن هبالة بني جنسنا من البشر ـ و هم يتضاعفون عدداً في كل يوم ـ لن يتمكّن منها العقل مهما حاول، و لا يوجد ما يصدّها فعلاً سوى الوقوع مراراً في نفس الخطأ حتى يتعلّموا الدرس. و يا صاح، لا أعتقد أنني سأتجاوز هذا العقد من الزمن حتى أملك الوقت لأنتظر الخراف تساق إلى الهلاك و هي فرحة، و من ثم نحاول مجدداً.

ما يسمّى بـ “حقوق الإنسان”، وثن القرن العشرين، هو إله زائف يفترض مسبقاً أن الحديث الأخلاقي قد انتهى، أن كل من يخالفه هو شاذّ و ضالّ، و أن كل تاريخ البشرية و كل ثقافاتها هي تافهة أمام علوّه الأخلاقي.

التسويق العاطفي لمجموعة من الامتيازات (حقوق؟) و التي كتبها المنتصرون بعد الحرب العالمية الثانية في ما يسمّى بـ “الإعلان العالمي”، صار مثل وظيفة كل أهبل لا يعرف استقطاب عاطفة الآخرين و رضاهم سوى عن طريق التلويح بتفوّقه الأخلاقي و تبنّيه أو دفاعه عن “قوقوق الإنسان” و ارتقائه عن “الشرّيرين” المتخلّفين، الذين لا يشترون بضاعة قوس قزح و لا يرضخون لكل قانون يفرض وصايته الأخلاقية المستنبطة من مزاجيات الفنّانين و شركات التسويق و الإعلانات.

من له سلطة ليعطي الحقوق و من ثم يعتبرها مطلقة لا نقاش فيها؟ من؟

و لماذا من هذا البلد، لا من ذاك؟ هل الولوج للإنترنت حق من حقوق الإنسان؟ أو هل امتلاك الروبوتات حق أيضاً؟ عن أي إنسان يتكلّمون؟ هل هنالك ممثّل عن البشرية و متحدّث عن شعوبها بشكل رسمي و اختياري؟
أرجوك، وفرّ على نفسك التفكير بمسرحية الأمم المتحدة، احتراماً لعقلك.

بالطبع هنالك مشتركات أخلاقية، لكن هنالك اختلافات كثيرة أيضاً. من يريد أن يفرض رأيه الأخلاقي بتسنين القوانين و تثبيتها في الدساتير محاولاً تجاوز الطبيعة الأم و أبسط بديهيات العلاقات الاجتماعية البشرية، فهذا حتماً لن يفلح كثيراً، كلها عقود من الزمن و تنتهي و تنتصر الطبيعة مجدداً، كما هو الحال دائماً و أبداً.

الفكرة الجوهرية للأديان الإنسانية مثل الليبرالية و الشيوعية و النازية هي أن الإنسان العاقل يحمل في داخله جوهر فريد و مقدّس و الذي هو مصدر كل معنى و سلطة في الكون [حركات حقوق الإنسان الحديثة تستنبط أخلاقياتها من هذا التفسير]. وكل ما يحدث في الكون هو جيّد أو سيّئ في الحكم وفقاً لتأثيره على الإنسان. لكن ما يتجاهلوه هو حقيقة أن البشر يتصرّف عادة بشكل لا عقلاني، بل روتيني. يفكّر و يتعقّل فقط عندما تستدعي الضرورة. هو سهل الخداع و قصوره المعلوماتي و انشغاله اليومي لا يؤهله لاستنباط الأحكام الصحيحة من الفيضان المعلوماتي حوله في كل يوم. من السهل جداً اللعب على أوتار العواطف و استقطاب عاطفته و أدلجته في مسار معيّن. قد يكون سياسياً و قد يكون اقتصادياً. لا أحد ينجو من محاولات الشركات الكبرى و الأنظمة السياسسة المستمرة، فكلنا مرتبطون بالاستهلاك و السوق، و إن نجينا اليوم، فلربما سنكون غداً عرضة للخطأ.

قد يزعج الزعيب المستمر بـ قوقوق الإنسان؛ لكن تستّرك خلف “التفوّقك الأخلاقي” و عدم تشكيك بما تسلّم به بشكل مطلق هو أمر مثير للشفقة فعلاً و للسخرية كذلك.

برنامج شباب توك: مالذي يريده جعفر؟ ـ أجندة دويتشه ڤيله

قبل أن تبدأ بقراءة المقال، ليس عندي أي خلاف شخصي مع صاحب البرنامج، و لا أحاول هنا فبركة قصة عن مؤامرة ضد جهة ما، لأن من أكتب عنهم هم واضحي الأجنّدة و يفتخرون بما يفعلون و يوزعون الجوائز بينهم تكريما لما يفعلون.

أنا متابع لبرنامج جعفر و للقناة منذ سنوات؛ بالعربي و بالألماني، كوني ناطقاً باللغتين. صدى البرنامج الكبير، بحكم طبيعته الجدلية، دفعني لأوضّح للقارئ العربية دوافع قناة ألمانية حكومية إلى دعم هكذا برامج تثير الجدل و تستهدف الرأي العام و تنشر أفكاراً معيّنة بإسم التقدّم و الحرية. فيها من المفيد و من المضر. لكن الضرر برأيي أكبر.

عادةً، القناتنان الأولى و الثانية، ARD و ZDF، تعتمدان على الدفوعات القسرية المفروضة على المواطن الألماني[١٧,٥٠ EUR] شهرياً و التي تقابل غالباً بسخط الشارع الألماني. لكن قناة الدويتشه ڤيله [الموجة الألمانية] يتم تمويلها من أموال الضرائب.

رسمياً، تصنّف الـ DW نفسها بالإذاعة الألمانية الدولية الموجَّهة إلى الخارج. هدفها التعريف بألمانيا و “نشر الصورة الأصلية عنها” و “دعم التبادل الثقافي عبر محطات التلفزيون والراديو وشبكات الإنترنت”.

مثيرة هذه، فقرة “التبادل”… سأعود لها لاحقاً.

القسم العربي في الإذاعة ليس وليد البارحة، بل يعود لأواخر منتصف القرن الماضي. لكن مايهمني هنا هو برنامجها منذ أحداث الخريف العربي في ٢٠١١ و حتى اليوم.

ليست عندي أي مشكلة مع التعريف بتاريخ و ثقافة المانيا إلى العالم الخارجي، بالعكس، أنا كمواطن الماني أحب هذا البلد و أعتز بتاريخه و بعض ثقافاته. لكن مشكلتي هي استفزاز ثقافات الآخرين و دس السم في العسل بإسم الحرية و العدالة و المساواة. خصوصاً المجتمعات العربية الضعيفة الموقف و العاجزة عن الدفاع عن نفسها و المشغولة بمشاكلها الجذرية.

لقد كتبت قبل عدة أيام أن كل من يبيع لي الحرية، المساواة و العدالة، هو متهّم عندي بالأدلجة، حتى يثبت براءته. فالحرّية وهم، و المساواة باطلة، و العدالة نسبية. مصطلحات طنّانة لا أكثر. لكن هذه هي أيديولوجيتهم. اليسار يحكم كل شيء في الديمقراطيات الليبرالية. شرطة اللغة تنتظر الكلمة تخرج من أفواه كل شخص لايناسب أديولوجيتهم. حتى مواضيعهم و طرحهم حذر و متناسق مع رأي الصواب السياسي المؤدلج.

بما أن الدويتشه ڤيله مهتمة بالتبادل الثقافي و نشر صوة عن ألمانيا. دعنا نتحقق من موقفهم تاريخياً و في الوقت المعاصر. ماهي فلسفتهم السياسية؟ مالذي يريدوه؟

“ما بعد الحداثة” أو “اليسار التقدّمي المعاصر” هو الطيف السياسي السائد في ديمقراطيات الغرب الأوربي و الذي يتبنّى سياسات التحرّر، الديمقراطية، السلامية [مناهضة الحرب و العنف] الحكومة الكبيرة، الانفتاح على الهجرة، العولمة، التخلّص من تقاليد الماضي و الهويات القومية، النسوية المناهضة للرجل، سياسات الصواب السياسي القمعية، المساواة دون أخذ اعتبار اختلاف الواجبات، التركيز على حقوق الأقلّيات و إن كان على حساب الأكثرية، و حماية البيئة السكنية بدعوى حماية البيئة. بالنسبة لهم، الشعوب العربية متأخّرة، و هم على حق فعلاً، لا مجال لإنكار أننا متأخرون اقتصادياً و تقنياً. لكنني، كشخص ترعرع في أوربا، لا أظن أنهم متقدّمون في كل شيء، بل أنني أزعم أنهم فتحوا عقولهم لدرجة أنها تدحدرت عند البعض من جانب الجمجمة. أنا قلق من مصير أوربا و ماتفعله اللبرلة المدمقرطة ـ نعم أنا أختلقت هذا المصطلح، لا حاجة للبحث عنه في القواميس ـ بتاريخ هذه القارة العظيمة.

بالنسبة لهم، الشعوب العربية متأخّرة، و هم على حق فعلاً، لا مجال لإنكار أننا متأخرون اقتصادياً و تقنياً. لكنني، كشخص ترعرع في أوربا، لا أظن أنهم متقدّمون في كل شيء، بل أنني أزعم أنهم فتحوا عقولهم لدرجة أنها تدحدرت عند البعض من جانب الجمجمة. أنا قلق من مصير أوربا و ماتفعله اللبرلة المدمقرطة ـ نعم أنا أختلقت هذا المصطلح، لا حاجة للبحث عنه في القواميس ـ بتاريخ هذه القارة العظيمة.

و نعم هي عظيمة بتاريخها المتلوّن بالدم و الحضارة، حاله كحال الهلال الخصيب و الحضارات القديمة الأخرى. تاريخها أقدم و أعظم من أن نختزله بآخر ٦ عقود. حاول أن لاتقترف هذا الخطأ كما يفعل الكثير. فمهم جداً أن تضع تاريخ أوربا الكامل في الحسبان.

أغلبية المهاجرين العرب يقعون في هذا الفخ. و من الطبيعي أن تفهم موقفهم الداعم لسياسات اليسار المتضامنة معهم، صحيح؟ هل لديهم خيار آخر؟ لا تظن أن الأحزاب هذه لا تطمح بكسب أصوات هؤلاء. فهم في النهاية “أقلّيات مضطهدة” بحاجة إلى الحماية..

بعد الحرب العالمية الثانية، يمكنك القول أن اليسار بشكل عام قد انتصر على اليمين، مفترضين أن النازية تحسب إلى اليمين، و هذا لوحده مغالطة ناقشتها في مقال سابق، حيث أنني أجد أن حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني [يذكّرك الإسم بالأحزاب الشيوعية اليسارية، صحيح؟] يحتوي من اليسار أكثر مما هو من اليمين. طبعاً هذا هو إسم حزب هتلر. لو قرأت كتب التاريخ المعاصرة، ستجد أنه يحسب إلى اليمين إلا أنه هنالك بعض الأسباب الوجيهة للاعتقاد بأن النازية تنتمي سياسياً إلى اليسار أكثر من انتمائها إلى اليمين. أعرف، قد يصدمك ذلك بعض الشيء. تمهّل معي قليلاً..

هذا لا يعني أن النازية ليست لها علاقة باليمين. لكن النقاش حول الموقف السياسي الدقيق للاشتراكية القومية الألمانية [النازية] لم يُدار بشكل دقيق.

لكن، نعود إلى مابعد الحرب العالمية الثانية، من انتصر؟ من كتب التاريخ..طبعاًَ!

بالأخص إلى الميديا، و الفكر المعاصر الحاكم: فهم بحاجة إلى لسان، إلى من ينقل أفكارهم و يشيعها في بقاع الأرض. كونها الصواب المطلق و الحق البشري الصالح للجميع، كما يؤمنون.

على أي حال، من يحكم المانيا اليوم هي التقدّمية. و هو الفكر المهيمن على الأكاديميات الحكومية و القنوات و الميديا بشكل عام. لكنهم ديمقراطيون و متعددون و منفتحون و متقبّلون للشذوذ و التنوّع… حتى تبدأ بانتقاد إلههم الأكبر، الصنم الأعظم: الديمقراطية. حينها لن يرحموك. إن كنت قارئاً مطّلعاً، فسأحسبك أذكى من أن تفهم بديل الديمقراطية هو الديكتاتورية.

كما أنني لن أتطرّق إلى مشاريعهم في دمقرطة شعوب العرب و ما تركوه من موت و خراب و فوضى و فساد خلفهم. هذا موضوع خاص يحتاج لوقفة طويلة.

حتى تعرف دوافع كل جهة، لابد من العودة للتمويل.

كانت الزيادة في ميزانية دويتشه ڤيله في بداية ٢٠١٥ مصحوبة بتعليقات انتقادية من داخل المانيا على التوجه السياسي الجديد للإذاعة الدولية. فمن الواضح أن توسيع دويتشه ڤيله يرتبط بمواقف السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي. و هذا شيء مفهوم، صحيح؟ طبعاً أحد العوامل التي رفعت من ميزانية الإذاعة يرجع إلى العلاقة المتوتّرة مع روسيا و صراع أوكرانيا. إن لم تتذكّر الأحداث، أوربا رفضت انضمام جزيرة القرم إلى روسيا، مع أن أغلب سكانها كانوا مع الانفضال و يتحدّثون الروسية، لكن هذا بحث آخر.

دويتشه ڤيله تبنّت استراتيجية إعلامية شاملة لأوروبا ضد موسكو. و الصراع الجيوسياسي يحتاج لواجهة إعلامية، أينما كان. الروس و إذاعة RT و أوربا بإذاعات دول اتحادها.

خلف الكواليس كان لابد من احتواء التأثير الروسي عن طريق برامج مضادة سياسية تسلّط الأضواء على مشاكل روسيا الداخلية، و لكن أيضاً عن طريق اتخاذ تدابير تقييدية ضد الصحفيين المقرّبية للحكومة. فتقارير الدويتشه ڤيله لا تستقبل ضيوفاً مقرّبين من بوتين و لا تبذل جهداً حقيقياً يمكن فهمه كمحاولة موضوعية و محايدة في حل الأزمة. و من جديد، لا أستغرب ذلك، بل هي سياسة صحفية متوقّعة و تجدها في مناطق مختلفة.

و هذا مايهمني أن يفهمه القارئ العربي: أن الـدويتشه ڤيله عندها أجندة تخضع بشكل ما لسياسات الاتحاد الأوربي و لا تتحلّى بموضوعية حقيقية يمكنك التعويل عليها في الطرح المحايد. كيف و أموالهم حكومية؟ أتفهم قصدي؟

حتى العاملين في القناة و الإذاعة، لايمكن أن يكتبوا سطراً أو يعبّروا عن رأياً مناهضاً لسياسات الاتحاد الأوربي. و من الطبيعي أن يستقطبوا المهاجرين العرب الموهومين بالثالوث المقدّس: الحرّية و المساواة و الأخوّة. و هنا يأتي الأخ جعفر. المقدّم العربي الألماني، الذي درس الميديا في جامعات الصواب السياسي.

برأيك، هل ما يقدّمه و يطرحه من أسئلة و مواضيع مستفزة للشارع العربي، هو مفاجئ لك بعد أن ربطت الحلقات مع بعض؟ فكّر معي قليلاً: هل يمكن لجعفر أن يكون محايداً و هو يعمل لقناة و إذاعة حكومية؟

ممكن. دعنا من ذلك.

في السنوات الماضية، كانت الدويتشه ڤيله تعاني مادياً و تائهة بدون مهمة واضحة، ناهيك عن رؤية، و هذا يعلل مشاكلها الاقتصادية التي دفعتها لإلغاء برامج و مجلّات في ألمانيا، كما أنها لم تشغر حيّزاً جدّياً في الوسط العالمي.

في ٢٠٠٤ كان على الإذاعة توفير ٤,٥ مليون يورو ، في عام ٢٠٠٥ حوالي ٨,٥ مليون يورو. أعقب ذلك صراعات داخلية للتوزيع و مناقشات مرهقة حول أي برنامج يمكن إلغاؤه و أي نشاطات يمكن تقليصها.

لكن مع المشرف الجديد المتبرع پيتر ليمبورگ، الذي تم تعيينه في عام ٢٠١٣، بدأت الأمور تتغيّر. مراسل الناتو السابق لوكالة الأنباء الألمانية لا يرحّب بالسياسة الروسية و موقفه معروف علناً. وهذا حقه طبعاً.

لكنه بدأ يخشى تأثير القنوات الروسية، و بدأ بدعم برامج في اللغة الإنجليزية، و أيضاً عروض في اللغة الروسية. خصوصاً و أن RT روسيا اليوم أطلقت نسخة ألمانية.

و لتحرير الموارد الضرورية كان لابد من الاستغناء عن العديد من البرامج الصغيرة لمنطقة آسيا الوسطى و أمريكا اللاتينية و حتى الصين. في تصريح له لصحيفة التسايت Die Zeit الألمانية يقول ليمبورگ بما معناه

إن العمل ضد وسائل الإعلام الروسي “المتحيّز” هو مهمة ذات أولوية و أنه من واجب الإذاعة تقديم صحافة متماسكة حتى باللغة الروسية. و أعقب “تمثيل قيمنا في العالم مهمة وطنية”. يال هذه الوطنية..

و في أعقاب الاضطرابات في العالم العربي يرى المشرف أن دور القناة مهم و يجب أن يكون حاضراً بـ “قوة ناعمة” على حد قوله.

آه، تذكّرت: جعفر و برنامجه شباب توك.. تادااا

أتسآئل، مالذي يريده من العرب تحديداً؟ عن أي قوة ناعمة يتحدّث؟

الواضح أن ليمبورگ تمكّن من إقناع صنّاع القرار في برلين بمشروعه السياسي، لأنه في الوقت الذي يتم فيه توسيع برامجهم الخاصة باللغة الروسية، دخلت دويتشه ڤيله قبل بضع سنوات في تعاون مع قناة CCTV الصينية. و لربما لن تتفاجئ من ميزانية الإذاعة هذا العام التي وصلت لـ ٣٥٠ مليون يورو من أموال الضرائب. فقط حزب البديل الألماني هو من صوّت ضد القرار. من غير الأموال التي يخصصها الاتحاد الأوربي لـ wait for it: “تعزيز و تطوير وسائل الإعلام الحرة و المستقلة”. ها ها ها، مستقلّة.

دعنا نعود لجعفر عبد الكريم، الصحفي الفائز بجائزة أفضل صحافي في المانيا لعام ٢٠١٦ ـ جائزة تقدّمها مجلّة ميديوم ماگازين Medium Magazin ـ و برنامجه شباب توك و الذي اشتهر على نطاق واسع بسبب إثارته للجدل و طرحه الكثير من القضايا التي تلامس “الخطوط الحمراء” و بالتحديد ما يخص الحريات الفردية.

لاحظ معي المواضيع التي يطرحها البرنامج: مسجد يرحب بالمثليين، إمامة امرأة للرجال في الصلاة، مواضيع حقوق المثليين و الحجاب و الطلاق و المساواة في الأجور و الميراث و حتى حق قيادة المرأة للسيارة في السعودية.

مواضيع لاتشغل العربي الحائر بمصير بلاده و لقمة العيش. لكنها جميعاً مواضيع تشكّل الخطوط العريضة لمابعد الحداثة و الطيف السياسي الحاكم في أوربا. مع أنه من الإنصاف أن أذكر أنه يطرح أيضاً مواضيع عن الفقر و حال الشباب الاقتصادي. تذكّر، أنا لا أفترض أن نواياه سيئة، لكن في نفس الوقت لا أزكّيه من الأدلجة و أعتب على فقر تحرّيه أو طاقمه عن ضيوفه.

بغضّ النظر عن المواضيع و كونك مع أو ضد، لكنني لا أسمّي هذا تبادلاً ثقافياً! و من يظن ذلك فعلاً فهو للأسف ساذج.

قبل أسبوع خرج جعفر ليستضيف مراهقة من العراق تدّعي أن أهلها قد منعوها من التعليم ـ و انهمرت بالبكاء ـ و كيف أنها ضعيفة الحال مضطهدة ـ و دموعها في عينها. لم يتحرّى جعفر عن شخصيتها المعروفة في الأوساط الرقمية، و أسلوبها المبتذل و السوقي في التعامل مع من يخالفها بالفكر و شن حملات غلق الحسابات لمن يعاديها و يعادي نسويتها المتطرّفة. ربما هي فرصة لتعزيز فرص اللجوء. أتفهّم ذلك. مع ذلك، نوعية الضيوف تعكس بشكل أو آخر صورة البرنامج.

برنامج شباب توك لا يجيد التحرّي عن ضيوفه و تاريخهم، و لا يطمح فعلاً للتبادل الثقافي. بل عنده أجندة، و إن كان ذلك بالنسبة لجعفر و لطاقم البرنامج و الإذاعة هو عمل باسل في سبيل “الحرّية”. طبعاً، هم الأحرار و الأفاضل، و العرب هم الرجعيون و من يجب أن يخضع لأفكار أوربا الحديثة..

كل ذلك لا يهم جعفر، ففي النهاية هو يطمح لتحقيق “العدالة و المساواة” على حد تعبيره في بعض لقاءاته. أنا و هو نختلف في الفكر بشكل جوهري، و نقدي هنا ليس من باب الشخصنة، بل لأفهم الآليات خلف برنامجه. لا أعتقد أنه سيتقبّل نقدي برحابة صدر، مع ذلك alles Gute!

الذكر الألفا من منظور علمي و فلسفي رواقي

قبل أن تبدأ في القراءة. لا تخف من آراء الآخرين حولك، و من بينهم أقصد ذلك المتردد في داخلك.
هكذا مواضيع تثير حفيظة من يخشى ردة فعل المجتمع، لذلك لا تتعامل مع النص كمقال عام. هو بكل بساطة خاص بمجموعة من الذكور هم وحدهم يعرفون ذلك، و أنا أخاطبهم.

دع الفلسفة تمرث أخطاءك، بدلاً من أن تكون وسيلة في شجب أخطاء الآخرين. هذا ما ينصح به الفيلسوف سينيكا في كتابه “رسائل أخلاقية”. أن نستخدمها كوسيلة لإعادة ترتيب أفكارنا و تحديد هويتنا و أهدافنا. و عليه، سيكون هذا المقال فرصة للرجل المثابر على صقل شخصيته و تهذيب ذاته بأن يتعرّف على رؤية حديثة تحاول التوفيق بين إحداثيات الحاضر و أبعاده و بين حِكَم أجدادنا في الماضي. رؤية تعترف بالجذور الطبيعية التي طوّرت البشر، تقّر بالهرمية الاجتماعية كنظام مستقر، تؤكّد على أهمية المسؤولية الاجتماعية للفرد في ظل تباين القدرات و الطاقات، تحث على الفضيلة و تشجّع الطموح.

تعامل مع النقاط التالية كرؤية، أو كمشروع إما يضيف لك ما تفتقر، أو يؤكّد لك ما تعرفه أو حتى ما ترفضه. فحتى السعي نحوها دون تحقيقها يكفي كبديل عن التشتت و الانضياع في عصر فوضوي و متسارع.

الإنسان بطبيعته حيوان ذكي، بحاجة للانتماء و التنظيم الاجتماعي. لذلك حتى أدوارنا الاجتماعية هي إما نتيجة لـ أو ذو تأثير على ما يسميه البعض بالديناميكية الاجتماعية. من ذلك نستمد و نفهم دور القائد و دوافع التنظيم الهرمي.

في عصرنا لا يكفي فقط أن تتقن القتال بالسيف أو تتمتّع بقدرة جسدية عالية حتى تنال هذا الدور في عملك، عائلتك، محيطك و مجتمعك. اليوم أنت كرجل مطالب بأكثر و المنافسة عالية. الرجل الألفا كذلك هو ليس ذلك المتعجرف أو الطاغية، الذي يتمحور كل اهتمامه حول نفسه و مصالحه على حساب المجتمع و العائلة. إذن من هو؟
لا تتوقّع الإجابة المطلقة، لكن هنا محاولة على شكل ٤ أعمدة:

١) الذكر الألفا هو بصورة عامة الذكر المهيمن الذي يحظى باحترام و ثقة محيطه الاجتماعي أو يفرض نفسه بقوّة. لكن هذا التعريف يحتاج إلى توسيع ليشمل الذي يغتنم المسؤولية و يتحمّل نتائجها، يسعى للفضيلة و يحث عليها، يدافع عن الضعيف و ينصر المظلوم.
هذا بدوره يقتضي أن يتحلّى بفلسفة عملية في حياته، تنير دربه. لأن الحكمة التي ننمّميها مع كل يوم يمر تجعلنا أقرب للصفاء، التوازن و البصيرة. دون نظام في الحياة، من الصعب رسم أهداف المستقبل و تحقيقها في الحاضر. فأنت كرجل مسؤول عن نفسك، عن عائلتك و عن دورك في محيطك الاجتماعي. استيعاب ذلك هو مصدر الشجاعة و الموثوقية الاجتماعية.

٢) من تاريخ العرب نقرأ، أنه من زينة الرجل إذا تقطّر الحبر على ثوبه. أحد أعمدة هذه الرؤية هي أن يسعى الذكر الذي يطمح إلى المسؤولية و الاستثمار في ذاته أن يتعلّم، أن يطالع، أن ينفتح على مصادر العِلم، لا من أجل الزينة، بل أيضاً من أجل توفيق قراراته و توسيع خياراته في الحياة. لذلك على الألفا أن يصقل عقله من أجل بناء حضارة أو تهيئة ذرّيته لها. كل كتاب، مقال، دراسة، تجربة أو نصيحة تزيد من موسوعتك هي بمثابة خطوة نحو سلوك أذكى و تعزيز لمشروعيتك كقائد في مجالك.


٣) النظام الهرمي الأبوي يمثّل حزمة من الميمات الناجحة التي صمدت على مر التاريخ حتى أصبحت بعضها مشفّرة جينياً. فالبنية الجسدية للرجل و غريزته الطبيعية يمكّنانه من تولّي المسؤولية الأكبر في حماية العائلة و العناء المطلوب من أجل توفير اللازم لتربية الأطفال و مساندة الزوجة. الذكر الألفا يقود عائلته نحو بر الأمان و مجتمعه نحو الأفضل. فالبشر بطبيعته يبحث عن القيادة في الأشخاص الذين يلعبون دور القدوة و يتحلّون بصفات نوّهت عليها العديد من ثقافات البشر في الماضي. منها التوافق بين الجسد و العقل.

رياضة البدن لا غنى عنها في الحفاظ على توازن الهرمونات الذكرية بجانب الأكل السليم و المعتدل. فالعقل السليم في الجسد السليم ـ و لكي تكون أهلاً لذلك، لابد من أن توازن بين سلامة الجسد و سلامة العقل. فجزء كبير من الطبيعة الذكورية يرتبط بشكل مباشر بالحالة الصحية للبدن، بما تتناوله و بما تمارسه.

٤)عش بالتناسق مع الطبيعة ـ كسب السعادة هو أن لا نعيش حياة الانغماس بل حياة الانضباط الذاتي. فالألفا هو الرجل الذي لا يضيّع طاقاته في اللهو و التباهي و الإفراط في الملذّات. هذا لا يعني أن يهمل نفسه، بالعكس. الرجل الألفا في رأيي لابد من أن ينمّي الهابيتوس الاجتماعي و يزيّنه بلباسه، بأناقته، بأسلوبه، بمهنيته و بلغته. البصمة الاجتماعية التي تميّزه عن غيره.

في كل نقطة يمكن التعمّق أكثر، لكن تحرّي البساطة و السعي لرسم خريطة عامة يقتضيان الاختصار و التبسيط.

السلّم المهني أهم، أم دوام المجتمع؟ ـ الخلل في مطالب النسوية

من التاريخ البشري و الواقع الاجتماعي يمكننا استخلاص حكمة لا تحتاج لتفصيل: العرش لا يشاطره إثنان.

لكن ما يتناساه البعض هو أنه هنالك أكثر من مملكة.

الغرب تجاوز مرحلة الدعوة للمساواة لينتقل إلى مرحلة استهتار بالمسلّمات الطبيعية. مع أنني أظن أن هذه المعركة خاسرة هناك، إلا أنه يمكن تفادي نشوبها في مجتمعات أخرى.

قبل أن تستمر في القراءة: من الصعب جداً دمج المجتمعات و تجاهل التباين فيها.

واقع حال المرأة في أفغانستان، السعودية أو إيران مثلاً يصعب جداً مقارنته بذلك في أوربا الغربية. كيف يمكن وصف النقاب الذي يُجبرن النساء على ارتداءه بأنه حرية و تقليد يجب احترامه، كما يؤمنن النسويات في الغرب، اللواتي يجعلن من الحجاب رمزاً، في الوقت الذي ينزعن فيه نساء إيران المتظاهرات أو المتحررات من قبضة مسوخ الدواعش نفس ذلك “الرمز”؟. يالسخرية القدر..

متظاهرة في إيران 2018

الولايات المتحدة 2017

حاول أن تفهم مقالي القصير من باب أنني أنوّه إلى أخطاء مجتمعات متقدّمة لا أتمنى بأن أشاهدها في أخرى لم تحدث فيها بعد. و على عكس من أنتقدهم في هذا المقال، لست هنا لأهاجم كيان الجنس الآخر و أقبّح صورته، بل لأنتقد أيديولوجية أرى في تبعاتها خطراً على المجتمع أكثر من فائدته. هي وجهة نظر، تعامل معها وفقاً لذلك.

النسوية فعلاً من أخطر الأيديولوجيات في القرنين الأخيرين، ليس فقط لأنها تصوّر الرجل بأبشع صورة، بل أيضاً لأنها تجعل الكثير يقع في فخ كره النساء كردة فعل.

الرجل المتعلّم و المتربّي لا يمكنه بحكم طبيعته أن يكره المرأة. و لا هذا ما نريده عندما ننتقد النسوية كأيديولوجية. من المهم أن تكون هذه النقطة واضحة. أصلاً تكراري لهذا التبرير قد يعكس للبعض الموقف الدفاعي الذي نقع مجدداً فيه عندما نواجه النسوية و الردود المدفوعة بالعاطفة.

عندما أتكلّم عن النسوية، فأنا أتناولها منذ ولادتها في أحضان السوڤيت و الحركات اليسارية الثورية و حتى التعرّي و الصراخ في شوارع الزمن المعاصر.

رفض الكثير من الشباب العرب للنسوية لايمكن تفسيره بأنه رفض للمرأة، لأنه بكل بساطة تفسير مبني على مغالطة تسوّق لها حركات الفيمن لكسب عواطف المرأة و التقليل من شأن دورها الطبيعي و قدراتها التربوية التي تفوق قدرات الرجل، من أجل المال و المكسب الذاتي. و أنا لا أستغرب ذلك، لأنه الجواب العاطفي الأسهل.

كل ما نملك هو أن نرد بوضوح على محاولات وضعنا في خانات الحقد و اضطهاد المرأة. لأن هذا الأسلوب سيجعل الجنس الآخر يفقد صبره و إيمانه بمساعدة الجنس الآخر.

فتصوير الرجل كوحش هائج، كمضطهد فاجر ذو امتيازات ـ امتيازات كالموت في الحروب و ساحات القتال منذ ولادة التاريخ البشري ـ لن يثير سوى سخط الكثير بدل أن يكسبهم.

الذكور الناضجون لن يجدوا مشكلة في المبالغة في الرقة مع المرأة، العطف عليها، تحمّل عبء مسؤوليات أكثر كي يخفف عنها. طالما هي لم تشكك في مكانته و دوره المتناغم مع الطبيعة. أصلاً كلمة مغازلة صادقة أو قبلة واحدة قد تجعلها سعيدة طوال اليوم. المرأة هي جنس جميل و لطيف فعلاً، و صدقوني لا أظن أن أي رجل ذكي مغاير بـمستوى تيستوستيرون سليم يرغب بالعيش في مجتمع دون نساء، أو في مجتمع تحتقر فيه المرأة، أو في مجتمع تكون فيه المرأة غبية و مضطهدة. كيف أريد من أم أطفالي التي تتحمّل الدور الأكبر و الأهم من التربية أن تكون غير متعلّمة و غبية؟!

في السنة الماضية قرأت كتابين لطبيبين نفسانيين ألمان (أحدهما مارس المهنة في العيادة لأكثر من ٣٠ سنة)، أكّدا مجدداً التحذيرات السابقة في عدة مجتمعات غربية أخرى عن بعض مشاكل المجتمع النفسية و علاقتها بالتغيّرات التي طرأت على المجتمع منذ نهايات الستينات.

من الملاحظات التي تتكرّر هي انهيار الأواصر العائلية، ولادة أجيال نرجسية أناوية، تفتت الصورة التقليدية للعائلة و انتشار ظاهرة نشوء الطفل في بيئة دون أب أو أم.

كذلك الضغط النفسي على الشابة التي من باب تطالبها الأصوات النسوية (التي يتبناها عدد ليس بالقليل من الذكور) بالانخراط في السلك المهني و تعلّي مناصب عليا، و من باب آخر لعب دور الأم المثالية. التوافق شبه مستحيل لأنه يعتمد بكل بساطة على الزمن.

لكي أوظّف هذه المعلومات في النقاش، دون أن تضعني في خانة الاضطهاد و الكره، دعني أضرب لك المثال التالي:

نسب الولادة: استمرارية المجتمع “السليم” تقتضي أن يهتم أحد الأبوين بالطفل (ع الأقل ٢ ـ ٣ أطفال ـ لكل طفل ٣ سنوات). بغضّ النظر عن الأواصر البايولوجية بين الأم و الطفل، هذا الالتزام سيأتي على حساب الوقت و المهنة. المعادلة بسيطة: تركيز الجنسين على المهنة يأتي على حساب دوام المجتمع، إنتاج أجيال سليمة و جاهزة لاستلام أدوارها في المستقبل و ضمان السلك التقاعدي مثلاً.

السؤال الآن: السلّم المهني أهم، أم دوام المجتمع؟

طبعاً لا ننسى أنه لم يسبق لأي مجتمع أو حضارة أن نجت و استمرّت بنسبة ولادة أقل من الـ ٢,٣.
في أوربا الغربية مثلاً هي اليوم عند ١,٥ تقريباً.

المشكلة هي مع النسوية ـ و هنا أعمّم عن قصد، لأن النسوية العربية هي استيراد صافي من الغرب حتى بالمفردات ـ لا مع النساء. لأنها تقيّم دور التربية و مركز العائلة، الذي هو نواة المجتمع، برخص الثمن و تروّج لمزاحمة الرجال في أدوارهم و إعادة تعريفها. مع أن هذا الدور الاجتماعي هو بمثابة المملكة التي صانتها المرأة و لعبت دورها الجوهري فيه على مر التاريخ، دون أن يزاحمها الرجل أو يشكك في قدراتها.
حتى و إن افترضنا أنها محقة، هل إجبار المرأة على منافسة الرجال و اللعب ضمن قوانينهم، هو أمر عادل أصلاً؟
لماذا عليها مزاحمة الرجل في سوق هو من بادر في خلق قوانينه؟ مالعيب في كوننا جنسين مختلفين؟ لكل جنس قواه و عيوبه، لكل واجبات و مسؤوليات؟ الطبيعة الأم لها كلمة الفصل في الكثير من هذه المقارنات، لماذا نتجاهلها في المعادلة؟.

لا تتجاوز على قوانين الطبيعة و لا على دوام المجتمع و بعيداً عن التقبيح، حينها لن تجد مجابهة من أي طرف، بل آذان صاغية.