العائق الأكبر للشاب قبل أن يستهل بالزواج ـ هل يمكن تجاوزه؟

نقطة مهمة للقارئ العزيز، عند مناقشة المواضيع الاجتماعية ذات البعد الشامل و التأثيرات المهمة على مستقبل و حاضر المجتمع، لابد من التمييز بين الآراء الفردية ذات الطابع الشخصي و بين وجهات النظر من باب موضوعي. فمن الطبيعي أن يتبلور عندك رأي معادي للفكرة بسبب تجارب شخصية غير موفّقة أو بسبب ظرف اقتصادي عصيب أو بسبب مطالب اجتماعية مبالغ بها و يفرضها الأمر الواقع.

عندما أتكلّم عن الزواج كمؤسسة على نطاق المجتمع، فرأيي هنا أو الأمثلة التي أشهدها حولي [كي نتجنّب المغالطات المنطقية] لا تصلح لكي أستند عليها كلياً في تبرير أي رأي، لماذا؟

لأن الزواج مؤسسة اجتماعية نمت ملامحها وفقاً لضرورات، على الأقل هذا ما نفهمه حتى الآن من العلوم الاجتماعية و علم النفس التطوّري تحديداً، ضرورات نتجت عن التعقيد الاجتماعي و طبيعة “الجموعات” البشرية التي نمت لاحقاً و تطوّرت إلى حضارات و مجتمعات متقدّمة نسبياً.

طبيعة التعقيد هذه اقتضت أن تكون الأسرة هي الاستراتيجية الأمثل لاحتضان الأطفال و التركيز لا على “النجاة” من مخاطر الطبيعة فقط، بل على التأقلم مع الهيكلية الجديدة التي تتجسّد في تعاملات البشر فيما بينهم، قوانينهم، تجارتهم، طقوسهم، حروبهم، أخلاقهم و اقترانهم [التعقيد هذا أخذ وقته قبل عشرات آلالاف من السنين].

من هنا أخذت الأسرة موقعها كنواة للمجتمع، على مر التاريخ البشري الحديث و في تقريباً [مع بعض الاستثناءات القبلية القليلة] كل العالم.

إذن الزواج كان و مازال استراتيجية مهمة لنمو و دوام الحضارات. هذا ما يتفق عليه التاريخ و العلوم الاجتماعية اليوم. مثلاً، لا توجد حضارة نجت على مر التاريخ و معدّل الولادة فيها أقل من 2,3! هذه مشكلة على نطاق المجتمع، لا على نطاق الفرد. و عليه، مشروع الزواج هو خطوة ضرورية من وجهة نظر موضوعية تراعي دوام المجتمع، و هي تقبل الاستثناء في الحالات الشخصية. مهم جداً أن تراعي هذه النقطة، كي لا تقع في فخ إنكار دور هذه المؤسسة التي تضمن نشوء العائلة، كينونة المجتمع.

الآن البعض، و أغلب اعتراضاتهم مشروعة صراحةً، يعترض على مؤسسة الزواج الحالية و ينفر منها.

أ) التكاليف الخيالية قبل الزواج تقع في رقبة الذكر مثلاً، و التي تتناقض أخلاقياً و مادياً مع معطيات و ظروف الواقع [هنا أتكلّم عن المجتمعات العربية خصوصاً].
ب) هيمنة العادات القبلية.

ج) الإنجاب فوق حدود المعقول و دون مراعاة الحالة المادية.
ح) الكثير من مشاريع الزواج دوافعها مبنية على “رغبة جنسية وعدم فهم جيد للمقابل و انجذاب للشكل والتصرفات المتصنّعة”، كما يشكو أحد الأصدقاء.
خ) “النزاع الأسري” بين أهل الزوجة و الزوج و تدخّلاتهم في شؤونهم و استقرارهم العائلي.

د) البحث عن “محيط أمين” و بيئة تعليمية سليمة للطفل.
ذ) الضغط النفسي الذي تمارسه العائلة لإقناع الشاب بالزواج خوفاً من صيت العزوبية أو تهم الشذوذ

و القائمة قد تطول…

قبل عدة أيام اصطحبني سائق تكسي شاب من بغداد في بداية عقده الثالث، كان يشكو من قلة الزبائن في ظل حاجته الماسة إلى المال لسد تكلفة الزواج المنهكة على حد قوله. خوفه كان لدرجة أنه لم يعد يستبعد إمكانية فسخ الخطوبة لضعف الحالة المادية. فمطالب أهل الزوجة باهضة و هي مشروعة من وجهة نظرهم، التي يقرّها الشاب نفسه. حيث أنه لم يكمل دراسته الإعدادية بعد و لا يملك الوقت، فهو المعين الوحيد لأهله. أهل الزوجة يريدون الاطمئنان على مستقبل ابنتهم المادي، و هنا مربط الفرس.
هذا الشاب يمثّل بمعاناته شريحة واسعة من الشباب.

طبعاً أنا لم أتطرّق بعد إلى التسابق الطبقي بين العوائل لإبراز القدرات المالية و المكانة الاجتماعية على حساب الآخرين. التسابق في اختيار الأماكن و النوادي الأشهر و الأغلى و الأكل الراقي و الغالي و اللباس الثمين و الفرق الموسيقية الشهيرة و إلخ.. هنالك هوس مريض متفشّي في المجتمع، لا بد من تحجيمه. العطش الاستعراضي في الحفلات و الابتعاد عن التواضع و البساطة هو ما يمثّل واقع مشاريع الزيجات العربية الحديث بشكل عام.

لكن هذه مشاكل تتباين بين مجتمع و آخر، وفقاً لمتوسّط ذكاء الشاب، ثقافته، انفتاحه و الحالة الاقتصادية طبعاً. هل يعني ذلك أن ننفر تماماً و نعارض الزواج كحل؟ أنا لا أجد ذلك منطقياً و لا مفيداً لو نظرنا للأمر من ناحية المستقبل.
الخطر الأكبر هو عندما يكتمل المشروع بأواصر متسرّعة و ضعيفة، دوافعها إشباع جنسي و تخلّص من مسؤولية تربوية و اجتماعية (غالباً من جانب أهل البنت). لأنها ستفسح المجال لإنجاب أطفال تحت خيمة زيجات قصيرة الأمد مصيرها الانهيار. حينها سيضطر الأطفال للترعرع في بيئة انفصالية.

و هنالك مانع من الإنجاب خارج الخيمة الأسرية، لأسباب كثيرة نلاحظها في أوربا و المجتمعات الاقتصادية المتطوّرة مثلاً، من بينها:

أ) تفاقم الاضطرابات النفسية التي يسجّلها الأخصائيون النفسيون و التربوين في المدارس عند الأطفال الذين يفتقرون لأب أو لأم أو نتجوا عن علاقات جانبية.

ب) لا يوجد طبيباً نفسياً و لا شخصاً تربوياً يؤيّد نشوء الطفل في بيئة يخلو فيها الأبوان أو أحدهما. كل الدراسات الاجتماعية التي تدرس نمو شخصية الطفل، تؤكّد على دور الأم المهم و الأب كذلك في نضوج سليم لشخصية الطفل.

أستطيع أن أدخل بتفاصيل أكثر للأزمات الناتجة عن تفكك هيكلية الأسرة، كارتفاع معدّلات الاكتئاب النفسي، تزايد الشذوذ، ارتفاع معدّلات الانتحار و إلخ.. لكن هذه لوحدها تحتاج عدة مقالات.

بيت القصيد، الزواج مؤسسة تعاني في مجتمع هنا من “س” و في مجتمع آخر من “ص”، لكن هل المعاناة هذه تستدعي أن نثور كلّياً على الزواج؟ ماهي تداعيات هذا الأمر لو حدثت؟ أليس من المفروض أن نتّعض من تجارب المجتمعات التي جازفت قبلنا؟

علمياً و عملياً النيل المنظّم من المؤسسة الزوجية يشكّل مجازفة عواقبها غير حميدة و ضارة. أين المشكلة في الحفاظ على الميمات الناجحة التي مهّدت لتشييد حضارات و مجتمعات عبر آلاف الأجيال؟ أن تنتقد الزواج شيء، و تثور بشكل يحاول تهديم الأسرة شيء آخر، لذلك احذر هذا الفخ.

اعتراض الكثير على مشاكل الزواج في الوطن العربي مشروع و أنا أتفهّمه، بل أزيدك من الشِعر بيتاً، قبل فترة نشر صديقي حيدر راشد مقالاً تناول فيه سبب نفور الشباب من الزواج:

“فالذكور العراقيون عموما يشعرون بأنهم في حصار خانق متعدد الأبعاد، وقبضة لا تزيدها الأيام إلا قساوة وإحكاما. سيطرة الإسلام السياسي على المشهد الاجتماعي والواقع السياسي قد ضيّقت من أفق التجارب العاطفية الممكنة وزادت كلفتها على المال والحياة بشكل خطر، وصعود طبقة المقاولات وموظفي الرئاسات الثلاث دفع بأسر الطبقة المتوسطة فما فوق «والناس على دين ملوكهم» إلى رفع مستوى المهور من 4 آلاف دولار في بداية الحرب الطائفية، إلى 12 ألفاً قبل بضعة أعوام، والآن تتردد أنباء عن أسر تتفق على مهور تبدأ من 25 ألف دولار [وهذا مقدم المهر وحده، أما المؤخر فيتجاوز ذلك بكثير، مما يثبت أن هذه الزيجات لا يراد لها أن تدوم من البداية]… علماً بأن الراتب الذي يتقاضاه موظف حكومي حديث التخرج لن يتجاوز 500 دولار شهريا، رغم ندرة الوظائف والرشاوى المكلفة التي تفرض قبل التعيين.”

في مصر تجد أن تكلفة الزواج تقترب من مليون جنيه، حيث يصل سعر الوحدة السكنية إلى 400 ألف جنيه، و بالنسبة لشبكة العروس فإن هناك تفاوتاً في بعض المدن، فمنها من يشترط عدد غرامات معينة تصل إلى 500 غرام، ما يعني أن تكلفة الشبكة وحدها تتجاوز نحو 300 ألف جنيه. بل إن بعض الأصدقاء من مصر يذكرون أن سعر شقة متواضعة على أطراف المدينة لا يقل عن المليون جنيه.
يشكو لي أحد الأصدقاء: “والشاب مفروض عليه فوق تمن الشقة وتشطيبها انه يفرشها.. اوضة نوم وصالون وسفرة ومعيشة واطفال.. وهى عليها الاجهزة الكهربائية والسجاد والستاير والمراتب وغيره من الرفايع. الراجل دافع تقريبا 95% من تمن المشروع دة.. مش هو، بتبقي تحويشة عمر اهله. في الريف المهور والشبكة اغلى جدا وتكاليف الفرح اكثر بذخا، وده لان البيت غالبا بيبقي بيت اهله من زمان وبيكون ارض زراعية وطالع عليها مخالف بالعمارة، فا هو مش متكلف الا التشطيبات.. بيعوض الناقص من تمن الشقة في مهر وشبكة واجهزة.”

في السعودية يصل المهر لـ 100.000 ريال، أما في لبنان فيصل لـ 100.000 دولار! الأرقام العالية تجدها كذلك عندما تبحث عن مبالغ المهور في المغرب العربي.

العائق المالي هو فعلاً المشكلة الأكبر، و أظنني أستطيع أن أتكلّم بإسم الأغلبية من الشباب الذين يرغبون بتوفير المال لبناء الأسرة بدل إسرافه في الحفلات الباهضة و مبالغ المهور التي لا تتناسب مع الواقع المادي للشاب و لا مع المعقول.
طيّب، من يستطيع أن يساعد الشباب؟
برأيي كل أب و أم يريدان فعلاً ضمان دوام الزواج السليم لابنتهما أو ابنهما، عليهما أن لا يجهضان المشروع قبل ولادته. فلا هو بيع و شراء لسلعة ما، و لا ضمان الحياة المتناغمة و المستقرة هو المال الكثير، و لعل تجارب المتزوّجين تؤكّد أن مصدر السعادة هو التفاهم و الصدق و الإشباع الجنسي الطبيعي بين الزوجين، لا مقدار مقدّم المهر و لا مؤخّره.
و عندما يعاني الشاب، ستعاني الشابة أيضاً، فالأمر الواقع يفرض نفسه على الطرفين.
الابتعاد عن الترف و الإفراط في الإنفاق سيعود بالخير على خزينة الزوجين الحديثين حتى ينفقوه على ما هو أهم و أنفع. إضافة إلى ذلك، هي مسؤولية اجتماعية نبيلة أن نساهم في تقديم مثال حي للمحيط الاجتماعي، كيف نفرح و نحتفل و نضمن مستقبل الزواج الحديث بأقل المال، لا أكثره. فالقيمة الأهم هي أنه سيكون زواجاً موفّقاً و بذرة صالحة لنشوء أسرة، لا قيمة النوادي و لا الأكل الفاخر.

أختم بقصيدة طريفة لا أعرف كاتبها، عن شاب أراد أن يخطِب فتاة .. فكتب لأبيها:

أيا عماه .. يشرفني أمد يدي لكي أحظى كريمتكمْ وأن تعطوننا وعداً أتينا الله داعينا
فإن وافقت يا عماه دعنا نفصّل المهرَ وخير البرِّ عاجله ونحن البرَّ راجينا
فقال: أيا ولدي ..لنا الشرف، فنعم الأهل من رباك ونعم العلم في يمناك وإن العلم يغنينا
وأما المهر يا ولدي فلا تسأل لأننا نشتري رجلاً وليس المال يعنينا
ولكن هكذا العرف وإن العرف يا ولدي يحميكم ويحمينا

فمائة ألف مقدمها وأربعون مؤخرها وضع في البنك للتأمين عشرينا
و بيت بإسم إبنتنا ملبوس على البدن من الفستان لـ أحلا المصممينا
وأما العرس يا ولدي ففي “الشيراتون” فشأن صغيرتي شأن سعادٍ بنت خالتها وهندٍ بنت عمتها وشيرينا

فإن وافقت ..قلنا بارك الله لنا ولكم وقال الكل آمينا

الذكر الألفا من منظور علمي و فلسفي رواقي

قبل أن تبدأ في القراءة. لا تخف من آراء الآخرين حولك، و من بينهم أقصد ذلك المتردد في داخلك.
هكذا مواضيع تثير حفيظة من يخشى ردة فعل المجتمع، لذلك لا تتعامل مع النص كمقال عام. هو بكل بساطة خاص بمجموعة من الذكور هم وحدهم يعرفون ذلك، و أنا أخاطبهم.

دع الفلسفة تمرث أخطاءك، بدلاً من أن تكون وسيلة في شجب أخطاء الآخرين. هذا ما ينصح به الفيلسوف سينيكا في كتابه “رسائل أخلاقية”. أن نستخدمها كوسيلة لإعادة ترتيب أفكارنا و تحديد هويتنا و أهدافنا. و عليه، سيكون هذا المقال فرصة للرجل المثابر على صقل شخصيته و تهذيب ذاته بأن يتعرّف على رؤية حديثة تحاول التوفيق بين إحداثيات الحاضر و أبعاده و بين حِكَم أجدادنا في الماضي. رؤية تعترف بالجذور الطبيعية التي طوّرت البشر، تقّر بالهرمية الاجتماعية كنظام مستقر، تؤكّد على أهمية المسؤولية الاجتماعية للفرد في ظل تباين القدرات و الطاقات، تحث على الفضيلة و تشجّع الطموح.

تعامل مع النقاط التالية كرؤية، أو كمشروع إما يضيف لك ما تفتقر، أو يؤكّد لك ما تعرفه أو حتى ما ترفضه. فحتى السعي نحوها دون تحقيقها يكفي كبديل عن التشتت و الانضياع في عصر فوضوي و متسارع.

الإنسان بطبيعته حيوان ذكي، بحاجة للانتماء و التنظيم الاجتماعي. لذلك حتى أدوارنا الاجتماعية هي إما نتيجة لـ أو ذو تأثير على ما يسميه البعض بالديناميكية الاجتماعية. من ذلك نستمد و نفهم دور القائد و دوافع التنظيم الهرمي.

في عصرنا لا يكفي فقط أن تتقن القتال بالسيف أو تتمتّع بقدرة جسدية عالية حتى تنال هذا الدور في عملك، عائلتك، محيطك و مجتمعك. اليوم أنت كرجل مطالب بأكثر و المنافسة عالية. الرجل الألفا كذلك هو ليس ذلك المتعجرف أو الطاغية، الذي يتمحور كل اهتمامه حول نفسه و مصالحه على حساب المجتمع و العائلة. إذن من هو؟
لا تتوقّع الإجابة المطلقة، لكن هنا محاولة على شكل ٤ أعمدة:

١) الذكر الألفا هو بصورة عامة الذكر المهيمن الذي يحظى باحترام و ثقة محيطه الاجتماعي أو يفرض نفسه بقوّة. لكن هذا التعريف يحتاج إلى توسيع ليشمل الذي يغتنم المسؤولية و يتحمّل نتائجها، يسعى للفضيلة و يحث عليها، يدافع عن الضعيف و ينصر المظلوم.
هذا بدوره يقتضي أن يتحلّى بفلسفة عملية في حياته، تنير دربه. لأن الحكمة التي ننمّميها مع كل يوم يمر تجعلنا أقرب للصفاء، التوازن و البصيرة. دون نظام في الحياة، من الصعب رسم أهداف المستقبل و تحقيقها في الحاضر. فأنت كرجل مسؤول عن نفسك، عن عائلتك و عن دورك في محيطك الاجتماعي. استيعاب ذلك هو مصدر الشجاعة و الموثوقية الاجتماعية.

٢) من تاريخ العرب نقرأ، أنه من زينة الرجل إذا تقطّر الحبر على ثوبه. أحد أعمدة هذه الرؤية هي أن يسعى الذكر الذي يطمح إلى المسؤولية و الاستثمار في ذاته أن يتعلّم، أن يطالع، أن ينفتح على مصادر العِلم، لا من أجل الزينة، بل أيضاً من أجل توفيق قراراته و توسيع خياراته في الحياة. لذلك على الألفا أن يصقل عقله من أجل بناء حضارة أو تهيئة ذرّيته لها. كل كتاب، مقال، دراسة، تجربة أو نصيحة تزيد من موسوعتك هي بمثابة خطوة نحو سلوك أذكى و تعزيز لمشروعيتك كقائد في مجالك.


٣) النظام الهرمي الأبوي يمثّل حزمة من الميمات الناجحة التي صمدت على مر التاريخ حتى أصبحت بعضها مشفّرة جينياً. فالبنية الجسدية للرجل و غريزته الطبيعية يمكّنانه من تولّي المسؤولية الأكبر في حماية العائلة و العناء المطلوب من أجل توفير اللازم لتربية الأطفال و مساندة الزوجة. الذكر الألفا يقود عائلته نحو بر الأمان و مجتمعه نحو الأفضل. فالبشر بطبيعته يبحث عن القيادة في الأشخاص الذين يلعبون دور القدوة و يتحلّون بصفات نوّهت عليها العديد من ثقافات البشر في الماضي. منها التوافق بين الجسد و العقل.

رياضة البدن لا غنى عنها في الحفاظ على توازن الهرمونات الذكرية بجانب الأكل السليم و المعتدل. فالعقل السليم في الجسد السليم ـ و لكي تكون أهلاً لذلك، لابد من أن توازن بين سلامة الجسد و سلامة العقل. فجزء كبير من الطبيعة الذكورية يرتبط بشكل مباشر بالحالة الصحية للبدن، بما تتناوله و بما تمارسه.

٤)عش بالتناسق مع الطبيعة ـ كسب السعادة هو أن لا نعيش حياة الانغماس بل حياة الانضباط الذاتي. فالألفا هو الرجل الذي لا يضيّع طاقاته في اللهو و التباهي و الإفراط في الملذّات. هذا لا يعني أن يهمل نفسه، بالعكس. الرجل الألفا في رأيي لابد من أن ينمّي الهابيتوس الاجتماعي و يزيّنه بلباسه، بأناقته، بأسلوبه، بمهنيته و بلغته. البصمة الاجتماعية التي تميّزه عن غيره.

في كل نقطة يمكن التعمّق أكثر، لكن تحرّي البساطة و السعي لرسم خريطة عامة يقتضيان الاختصار و التبسيط.

السلّم المهني أهم، أم دوام المجتمع؟ ـ الخلل في مطالب النسوية

من التاريخ البشري و الواقع الاجتماعي يمكننا استخلاص حكمة لا تحتاج لتفصيل: العرش لا يشاطره إثنان.

لكن ما يتناساه البعض هو أنه هنالك أكثر من مملكة.

الغرب تجاوز مرحلة الدعوة للمساواة لينتقل إلى مرحلة استهتار بالمسلّمات الطبيعية. مع أنني أظن أن هذه المعركة خاسرة هناك، إلا أنه يمكن تفادي نشوبها في مجتمعات أخرى.

قبل أن تستمر في القراءة: من الصعب جداً دمج المجتمعات و تجاهل التباين فيها.

واقع حال المرأة في أفغانستان، السعودية أو إيران مثلاً يصعب جداً مقارنته بذلك في أوربا الغربية. كيف يمكن وصف النقاب الذي يُجبرن النساء على ارتداءه بأنه حرية و تقليد يجب احترامه، كما يؤمنن النسويات في الغرب، اللواتي يجعلن من الحجاب رمزاً، في الوقت الذي ينزعن فيه نساء إيران المتظاهرات أو المتحررات من قبضة مسوخ الدواعش نفس ذلك “الرمز”؟. يالسخرية القدر..

متظاهرة في إيران 2018

الولايات المتحدة 2017

حاول أن تفهم مقالي القصير من باب أنني أنوّه إلى أخطاء مجتمعات متقدّمة لا أتمنى بأن أشاهدها في أخرى لم تحدث فيها بعد. و على عكس من أنتقدهم في هذا المقال، لست هنا لأهاجم كيان الجنس الآخر و أقبّح صورته، بل لأنتقد أيديولوجية أرى في تبعاتها خطراً على المجتمع أكثر من فائدته. هي وجهة نظر، تعامل معها وفقاً لذلك.

النسوية فعلاً من أخطر الأيديولوجيات في القرنين الأخيرين، ليس فقط لأنها تصوّر الرجل بأبشع صورة، بل أيضاً لأنها تجعل الكثير يقع في فخ كره النساء كردة فعل.

الرجل المتعلّم و المتربّي لا يمكنه بحكم طبيعته أن يكره المرأة. و لا هذا ما نريده عندما ننتقد النسوية كأيديولوجية. من المهم أن تكون هذه النقطة واضحة. أصلاً تكراري لهذا التبرير قد يعكس للبعض الموقف الدفاعي الذي نقع مجدداً فيه عندما نواجه النسوية و الردود المدفوعة بالعاطفة.

عندما أتكلّم عن النسوية، فأنا أتناولها منذ ولادتها في أحضان السوڤيت و الحركات اليسارية الثورية و حتى التعرّي و الصراخ في شوارع الزمن المعاصر.

رفض الكثير من الشباب العرب للنسوية لايمكن تفسيره بأنه رفض للمرأة، لأنه بكل بساطة تفسير مبني على مغالطة تسوّق لها حركات الفيمن لكسب عواطف المرأة و التقليل من شأن دورها الطبيعي و قدراتها التربوية التي تفوق قدرات الرجل، من أجل المال و المكسب الذاتي. و أنا لا أستغرب ذلك، لأنه الجواب العاطفي الأسهل.

كل ما نملك هو أن نرد بوضوح على محاولات وضعنا في خانات الحقد و اضطهاد المرأة. لأن هذا الأسلوب سيجعل الجنس الآخر يفقد صبره و إيمانه بمساعدة الجنس الآخر.

فتصوير الرجل كوحش هائج، كمضطهد فاجر ذو امتيازات ـ امتيازات كالموت في الحروب و ساحات القتال منذ ولادة التاريخ البشري ـ لن يثير سوى سخط الكثير بدل أن يكسبهم.

الذكور الناضجون لن يجدوا مشكلة في المبالغة في الرقة مع المرأة، العطف عليها، تحمّل عبء مسؤوليات أكثر كي يخفف عنها. طالما هي لم تشكك في مكانته و دوره المتناغم مع الطبيعة. أصلاً كلمة مغازلة صادقة أو قبلة واحدة قد تجعلها سعيدة طوال اليوم. المرأة هي جنس جميل و لطيف فعلاً، و صدقوني لا أظن أن أي رجل ذكي مغاير بـمستوى تيستوستيرون سليم يرغب بالعيش في مجتمع دون نساء، أو في مجتمع تحتقر فيه المرأة، أو في مجتمع تكون فيه المرأة غبية و مضطهدة. كيف أريد من أم أطفالي التي تتحمّل الدور الأكبر و الأهم من التربية أن تكون غير متعلّمة و غبية؟!

في السنة الماضية قرأت كتابين لطبيبين نفسانيين ألمان (أحدهما مارس المهنة في العيادة لأكثر من ٣٠ سنة)، أكّدا مجدداً التحذيرات السابقة في عدة مجتمعات غربية أخرى عن بعض مشاكل المجتمع النفسية و علاقتها بالتغيّرات التي طرأت على المجتمع منذ نهايات الستينات.

من الملاحظات التي تتكرّر هي انهيار الأواصر العائلية، ولادة أجيال نرجسية أناوية، تفتت الصورة التقليدية للعائلة و انتشار ظاهرة نشوء الطفل في بيئة دون أب أو أم.

كذلك الضغط النفسي على الشابة التي من باب تطالبها الأصوات النسوية (التي يتبناها عدد ليس بالقليل من الذكور) بالانخراط في السلك المهني و تعلّي مناصب عليا، و من باب آخر لعب دور الأم المثالية. التوافق شبه مستحيل لأنه يعتمد بكل بساطة على الزمن.

لكي أوظّف هذه المعلومات في النقاش، دون أن تضعني في خانة الاضطهاد و الكره، دعني أضرب لك المثال التالي:

نسب الولادة: استمرارية المجتمع “السليم” تقتضي أن يهتم أحد الأبوين بالطفل (ع الأقل ٢ ـ ٣ أطفال ـ لكل طفل ٣ سنوات). بغضّ النظر عن الأواصر البايولوجية بين الأم و الطفل، هذا الالتزام سيأتي على حساب الوقت و المهنة. المعادلة بسيطة: تركيز الجنسين على المهنة يأتي على حساب دوام المجتمع، إنتاج أجيال سليمة و جاهزة لاستلام أدوارها في المستقبل و ضمان السلك التقاعدي مثلاً.

السؤال الآن: السلّم المهني أهم، أم دوام المجتمع؟

طبعاً لا ننسى أنه لم يسبق لأي مجتمع أو حضارة أن نجت و استمرّت بنسبة ولادة أقل من الـ ٢,٣.
في أوربا الغربية مثلاً هي اليوم عند ١,٥ تقريباً.

المشكلة هي مع النسوية ـ و هنا أعمّم عن قصد، لأن النسوية العربية هي استيراد صافي من الغرب حتى بالمفردات ـ لا مع النساء. لأنها تقيّم دور التربية و مركز العائلة، الذي هو نواة المجتمع، برخص الثمن و تروّج لمزاحمة الرجال في أدوارهم و إعادة تعريفها. مع أن هذا الدور الاجتماعي هو بمثابة المملكة التي صانتها المرأة و لعبت دورها الجوهري فيه على مر التاريخ، دون أن يزاحمها الرجل أو يشكك في قدراتها.
حتى و إن افترضنا أنها محقة، هل إجبار المرأة على منافسة الرجال و اللعب ضمن قوانينهم، هو أمر عادل أصلاً؟
لماذا عليها مزاحمة الرجل في سوق هو من بادر في خلق قوانينه؟ مالعيب في كوننا جنسين مختلفين؟ لكل جنس قواه و عيوبه، لكل واجبات و مسؤوليات؟ الطبيعة الأم لها كلمة الفصل في الكثير من هذه المقارنات، لماذا نتجاهلها في المعادلة؟.

لا تتجاوز على قوانين الطبيعة و لا على دوام المجتمع و بعيداً عن التقبيح، حينها لن تجد مجابهة من أي طرف، بل آذان صاغية.

الفصل الأوّل من كتاب “كيف تكون رواقيّاً”

الفصل الأوّل: المسار الملتوي

في كل ثقافة نعرفها، سواء كانت علمانية أو دينية، متنوّعة عرقياً أم لا، تجد أن السؤال عن كيفية عيش و خوض حياة صالحة جوهرياً في أبعاده. كيف ينبغي لنا التعامل مع تحدّيات الحياة و تقلّباتها؟ كيف ينبغي لنا أن نهذّب سلوكياتنا في العالم و أن نتعامل مع الآخرين؟ و السؤال النهائي: كيف يمكننا أن نستعد بشكل أفضل للاختبار النهائي لشخصيتنا، اللحظة التي نموت فيها؟

العديد من الأديان و الفلسفات التي شهدها التاريخ البشري و حاولت معالجة هذه القضايا، تقدّم إجابات تتراوح بين الروحانيات و حتى تلك المفرطة عقلانياً. حتى العلم نفسه دخل في الآونة الأخيرة في مجال تسويق الأوراق التقنية و الكتب الشعبوية التي تتناول فكرة السعادة و كيفية تحقيقها، ترافقها حزمة من المسوحات الدماغية و الدراسات التي تقترح ما يمكن أن يزيد أو يقلّل من السعادة نفسها. في المقابل، أدوات البحث عن إجابات للأسئلة الوجودية التي تشغل الإنسان منذ بداية التاريخ تتباين بقدر المناهج التي استخدمت من قبل – من النصوص المقدسة إلى التأمّل العميق، الحجج الفلسفية و التجارب العلمية.

إن الصورة البانورامية الناتجة مذهلة حقاً و تعكس كلا من إبداع الروح الإنسانية و الإلحاح الذي يصاحب الاستفسارات حول المعنى و الغرض من الوجود. يمكنك كإنسان تبنّي مجموعة كبيرة و متنوّعة من الخيارات العقائدية و الفلسفية داخل الديانات الإبراهيمية، على سبيل المثال؛ أو اختيار مدرسة من المدارس البوذية؛ أو الطاوية، أو الكونفوشيوسية، و غيرها الكثير. أما إذا كنت ممن يفضّل الفلسفة، بدلاً عن الدين، فيمكنك أن تتناول الوجودية، الإنسانوية العلمانية، البوذية العلمانية، الثقافة الأخلاقية، و إلخ. أو يمكن أن تصل بدلاً من ذلك إلى الاستنتاج بأنه لا يوجد معنى أصلاً – أي أن البحث عن ذلك المعنى نفسه لا مغزى له – و ربما تعتنق نوعاً “سعيداً” من العدمية (نعم، هناك شيء من هذا القبيل).

بالنسبة لشخصي، فأنا أصبحت رواقياً. و أنا لا أقصد أنني قد بدأت بالتعامل مع قسوة الواقع و الإحباط بأسلوب حليم يقمع مشاعري تماماً. بقدر ما أحب شخصية السيد سپوك Mr. Spock [شخصية خيالية في الفيلم والمسلسل التليفزيوني المتميز إعلامياً ستار تريك] التي ألّفها جين رودنبيري [كاتب المسلسل]، إلا أنها تعكس فهماً ساذجاً للمؤلّف عن الرواقية ـ في مايتضح لاحقاً. حيث أن هذه الصفات [شخصية سپوك في المسلسل باردة و لاتظهر العواطف] تمثّل إثنين من المفاهيم الخاطئة الأكثر شيوعاً حول معنى أن تكون رواقياً. في الواقع، لا تقتصر الرواقية على قمع المشاعر أو إخفائها، بل العكس تماماً، فهي تتعلّق بالاعتراف بمشاعرنا و التأمّل في أسبابها، ثم إعادة توجيهها إلى صالحنا. الرواقية تحث على أن نأخذ في الاعتبار ما هو خاضع تحت سيطرتنا و ما يستعصي عليها، مع تركيز جهودنا على الأول و عدم التفريط بها و إضاعتها على الأخير. هي ببساطة تعني ممارسة »الفضيلة« و التميّز و الارتقاء في العالم إلى أفضل قدراتنا، مع الأخذ في الاعتبار البعد الأخلاقي لجميع أعمالنا.

كما سأشرح في هذا الكتاب، فالممارسة العملية للرواقية تقتضي مزيجاً ديناميكياً من التفكير في المفاهيم النظرية، قراءة النصوص الملهمة، و الانخراط في التأمّل، التعقّل، و غيرها من التدريبات الروحية [الكاتب يتناول مصطلح الروحيات بشكل عام يتضمّن حتى المفاهيم العقلانية، الوعي و الشعور النفسي بالـ الأنا]. واحد من المبادئ الرئيسية للفلسفة الرواقية هي أننا يجب أن ندرك و نأخذ على محمل الجد، التفريق بين ما يمكننا و ما لا يمكننا السيطرة عليه. هذا التمييز – الذي أدلت به أيضاً بعض المذاهب البوذية – غالباً ما يُفهَم كـ انسحاب من المشاركة الاجتماعية و الحياة العامة، لكن نظرة فاحصة على كل من الكتابات الرواقية و حياة مشاهير رواقيين تبدّد هذا الانطباع و تثبت العكس: الرواقية كانت منذ العصور الماضية فلسفة عملية تحث على المشاركة الاجتماعية و تشجّع على النية الحسنة تجاه البشرية جمعاء و الطبيعة أيضاً. هذا التوتّر المتناقض فيما يبدو بين نصيحة التركيز على أفكارنا الخاصة و البعد الاجتماعي الذي يتنضمن المسؤولية تجاه المجتمع، هو ما شدّ انتباهي و دفعني إليها كفلسفة عملية.

وصلت إلى الرواقية، لا في طريقي إلى دمشق، و لكن من خلال مزيج من صدف و وقائع ثقافية، تقلّبات في حياتي، و خيار فلسفي مقصود. الآن و بعد كل ذلك، يبدو أنه لا مفر من أن يؤدي طريقي في نهاية المطاف إلى الرواقية. كشخص ترعرع في روما، اعتبرت الرواقية جزءاً من تراثي الثقافي منذ أن درست التاريخ الروماني و الإغريقي القديم و الفلسفة في المدرسة الثانوية، على الرغم من أنه لم يكن حتى وقت قريب منذ أن سعيت لجعل مبادئها جزءاً من حياتي اليومية. أنا كتعريف مهني فيلسوف و عالِم، و لذلك كنت دائماً أميل إلى البحث عن طرق أكثر تماسكاً و تناسقاً لفهم العالم (من خلال العِلم) و البحث عن خيارات أفضل لعيش حياة صالحة و سعيدة (من خلال الفلسفة). قبل بضع سنوات، كتبت كتاباً: “أجوبة عن أرسطو: كيف يمكن للعلم و الفلسفة أن يقودانا إلى حياة أكثر معناً و وضوحاً”، و الذي تناولت فيه منهجاً سميّته sciphi السايـ فاي [science+philosophy]. كان النهج الأساسي هو الجمع بين الفكرة القديمة من الأخلاق الفضيلة، و التي تركّز على تنمية الشخصية و السعي للارتقاء الشخصي، كالركائز التي تضفي معناً على حياتنا، مع آخر ثمار العلوم الطبيعية و الاجتماعية التي تخبرنا عن الطبيعة البشرية و كيف نعمل، نفشل و نتعلّم. هذا كان سوى بدايةً لرحلتي نحو الوعي الفلسفي الذاتي. لكن شيء آخر كان يشغل تفكيري آنذاك. أنا لم أكن شخصاً متديّناً منذ سنوات المراهقة (دفعتني قراءة كتاب برتراند راسل الشهير “لماذا أنا لست مسيحياً” في أيام المدرسة الثانوية إلى مغادرة الكاثوليكية بشكل تدريجي)، و على هذا النحو استمرّت التساؤلات حول الأسئلة الأخلاقية و مصادر الاستنباط الفلسفية. أظن أن عدداً متزايداً من الناس، سواء في الولايات المتحدة و في جميع أنحاء العالم، يواجه معضلة مماثلة.

في الوقت الذي أتعاطف فيه مع فكرة أن يكون عدم الانتماء الديني خياراً مقبولاً في الحياة مثل أي خيار انتماء ديني مدعوم بحزم بالفصل الدستوري بين الدولة و الدين، ينمو عندي عدم رضا على نحو متزايد مع الغضب المتعصّب لما يسمّى بالملحدين الجدد، ممثلين بريتشارد داوكينز و سام هاريس و آخرين. و على الرغم من أن الانتقاد العلني للدين (أو أي فكرة) هو العنصر الأساسي لمجتمع ديمقراطي سليم، فإن الناس لا يستجيبون بشكل جيّد للتجريح أو التصغير من شأنهم. في ما يخص هذه النقطة، يوافقني الفيلسوف الرواقي إبيكتيتوس الرأي بوضوح:

“عند هذه النقطة، أنت تخاطر بأن تدفعه للقول:”ما دخلك أنت؟ من أنت بالنسبة لي؟” ضايقه أكثر، وستكون عرضة لـ لكمة في الأنف. أنا شخصياً كنت حريصاً على هذا النوع من الخطاب، حتى جوبهت بمثل هذا الاستقبال”.

هناك بالطبع، بدائل الإلحاد الجديد إذا كنت ترغب في اتباع نهج غير ديني في الحياة، بما في ذلك البوذية العلمانية و العلمانية الإنسانوية. مع ذلك، فإن هذين المسارين – و هما الطريقان الرئيسيان اللذان يخاطبان أولئك الذين يسعون إلى تشييد وجود علماني – أجدهما نوعاً ما غير مرضيين بالنسبة لي. أما بالنسبة للبوذية، فأجد أساليب مذاهبها السائدة حالياً غيبية و روحانية بشكل مفرط، و نصوصها غامضة و يصعب تفسيرها، خاصة في ضوء ما نعرفه عن العالم و الحالة الإنسانية من العِلم الحديث (على الرغم من عدد من الدراسات في علم الأعصاب التي تظهر بشكل مقنع فوائد التأمّل).

إن الإنسانوية العلمانية التي اعتنقتها لسنوات، تعاني من مشكلة عكسية: فهي، أيضاً، تعتمد بشكل مفرط على العِلم و التصوّرات الحديثة للعقلانية، و نتيجة لذلك – و على الرغم من أفضل الجهود التي يبذلها مؤيدوها – فهي تهب بشكل بارد و خالية من المفاهيم التي قد تريد تعليمها لأطفالك في صباح يوم الأحد [أو صلاة الجمعة]. و هو ما أعوز إليه النقص المذهل في نجاح (عددياً) المنظمات الإنسانية العلمانية. على النقيض من ذلك، وجدت أن في الرواقية فلسفة عقلانية، تماسي و لا تناقض العلم و تشمل في نفس الوقت بعداً روحانياً، و تفتح باباً صريحاً للمراجعة. و الأهم من ذلك كلّه، أنها فلسفة عملية بشكل بارز. أقرّ الرواقيون بالمبدأ العلمي للسببية: كل شيء له سبب، و كل شيء في الكون يتكشّف وفقاً لعمليات طبيعية. ليس هناك مجالاً للخرافات. في نفس الوقت كانوا يعتقدون أيضاً، أن الكون منظّم وفقاً لما أسموه Logos لوگوس [مصطلح فلسفي و ديني قديم من الثقافة الأوربية يدل في سياقات شتّى على مدلولات متعددة، كالخطاب، اللغة، العقل الكلّي، كلمة الإله أو القانون الكلّي للكون، كما يصفه هرقليطس]، والتي يمكن أن تفسّر على أنها إما الله أو ببساطة ما يسمى أحياناً بـ »إله آينشتاين«: الحقيقة البسيطة المطلقة أن الطبيعة قابلة للفهم و الاستيعاب بواسطة العقل.

على الرغم من أن المكوّنات الأخرى للفلسفة الرواقية محورية، إلا أن السمة المميّزة و الأهم هي طبيعتها العملية: فهي منذ بدايتها تنظّر لفلسفة عملية غير معقّدة تساعد الفرد في سعيه للحصول على حياة سعيدة و ذات مغزى. إذن ليس من المستغرب أن نقرأ في نصوصها الأساسية – معظم الكتابات وصلتنا إلى حد كبير من فترة الرواقية الرومانية المتأخّرة (كما كانت تسمّى سابقاً)، لأن معظم الكتابات في وقت مبكر مازالت مفقودة – تعاليم واضحة و بسيطة. إبيكتيتوس، سينيكا، موسونيوس روفوس، و ماركوس أوريليوس كلّهم يتحدثون معنا بلغة واضحة، بعيداً عن النصوص البوذية المشفّرة برموز غيبية أو حتى اللغة المزخرفة بالاستعارات و القصص الرمزية من الثقافة المسيحية المبكّرة. واحد من الاقتباسات المفضّلة عندي، هي من إبيكتيتوس، و التي تجسّد هذا الواقع العملي للرواقية:

“الموت ضروري و لا يمكن تجنّبه. أعني، لو أردت، إلى أين سأذهب بعيداً عنه؟”

السبب النهائي الذي دفعني إلى الرواقية هو أن هذه الفلسفة تتحدّث بشكل مباشر و مقنع حول حتمية الموت و مواجهته. لقد أكملت مؤخّراً نصف قرن من العمر، و هي نقطة تبدو تعسّفية في الحياة التي دفعتني مع ذلك إلى الانخراط في أفكار و تأمّلات أوسع حول من أنا، و ماذا أفعل؟ كشخص غير متدين، كنت أيضاً أبحث عن أشبه بكراس تعليمات حول كيفية الاستعداد لمواجهة نهاية المطاف من حياتي. و بعيداً عن مشاغلي الوجودية، نحن نعيش اليوم في مجتمعات تتوسّع فيها الحياة من خلال العلم الحديث، و بالتالي سيجد الكثير منا أنفسنا بحاجة إلى اتخاذ قرار بشأن استمرار وجودنا لعقود بعد التقاعد و دخول آخر مراحل الحياة. و علاوة على ذلك، مهما كان قرارنا بشأن معنى حياتنا و هدفنا فيها، لا بد من إيجاد سبل لتهيئة أنفسنا و أحبائنا لمواجهة الزوال الدائم لوعينا، و وجودنا الفريد في هذا العالم. فنحن بحاجة إلى معرفة كيفية الموت بطريقة كريمة تسمح لعقولنا بالولوج إلى الهدوء و الصفاء و كيف نواسي أولئك المقرّبون و العزيزون علينا بعد أن نرحل.

من الجدير بالذكر أن الرواقيين الأوّليون كرّسوا قدراً كبيراً من الجهد و الكثير من الكتابات لما وصفه سينيكا بأنه الاختبار النهائي للشخصية و المبدأ. “نموت كل يوم”، كتب إلى صديقه جايوس لوسيليوس. و قد ربط سينيكا هذا الاختبار ببقية وجودنا على الأرض: “لا يمكن للرجل أن يعيش صالحاً، إذا لم يعرف كيف يموت بشكل صالح”. الحياة، بالنسبة للرواقيين، هي مشروع مستمر، و الموت، كما فهموه، هو نقطة نهاية طبيعية منطقية، لا شيء مميز في حد ذاته و لا هو شيء يجب أن نخشاه بشكل مبالغ. هذا الموقف الفكري انتشر صداه في ذهني و خاطب التناسق في جوارحي، بعيداً عن تصوّرات الخيال حول الخلود التي لا يوجد دليل عليها و لا سبب عقلاني للاعتقاد بها، و بعيداً عن التهرّب من الواقع الحتمي نفسه.

لهذه الأسباب و أسباب أخرى، أنا لست وحيداً في بحثي لإحياء هذه الفلسفة العملية القديمة و تكييفها مع الحياة في القرن الحادي والعشرين.

في حدث سنوي، يحضر الآلاف من الناس إلى المشاركة في أسبوع الرواقية الذي ينظّمه فريق في جامعة إكستر في إنجلترا، بالتعاون مع الفلاسفة الأكاديميين و المعالجين المتخصصين بالعلوم، و مشاركين مهتمين من جميع أنحاء العالم. الهدف من هذا الأسبوع الرواقي له جانبين: من ناحية، هي فرصة لتعريف الناس بتاريخ هذه الفلسفة القديمة و أهميتها لحياتهم المعاصرة، و من ناحية أخرى، لجمع البيانات المنهجية لمعرفة ما إذا كانت ممارسة الرواقية تحدث فرقاً واضحاً على أرض الواقع. النتائج الأوّلية من مبادرة إكستر هي مؤقّتة حتى الآن (في أسابيع الرواقية في المستقبل، سيتم استخدام بروتوكولات تجريبية أكثر تطوراً و جمع أحجام عيّنات أكبر)، لكنها واعدة. فعلى سبيل المثال، أفاد المشاركون في الأسبوع السنوي الثالث من المبادرة بأن المشاعر الإيجابية ارتفعت بحوالي ٩٪، مع انخفاض المشاعر السلبية بنسبة ١١٪، و حسن رضا نفسي بنسبة ١٤٪ بعد أسبوع كامل من الحدث الأسبوعي. (في العام السابق أجرى الفريق متابعة طويلة الأمد للتأكّد من البيانات، و أكّدوا النتائج الأولية للأشخاص المشاركين). و يبدو أيضاً أن المشاركين يعتقدون أن الرواقية تجعلهم أكثر فطنة و أقرب إلى الفضيلة في التعامل اليومي، على الأقل هذا ما أدلى به ٥٦٪ من المشاركين في الاستبيانات.

لابد من التنويه أن هذه هي عيّنة مختارة من الناس الذين لديهم مصلحة و رغبة سابقة في التعمّق في هذه الفلسفة، و بالتالي فهم من البداية حاضرون بجرعة فضول و رغبة في التأمّل. نتائج مثل هذه ليست مثيرة للدهشة تماماً، بالنظر إلى أن الرواقية هي الجذر الفلسفي لعدد كبير من العلاجات النفسية المعتمدة على الأدلّة. بطبيعة الحال، الرواقية هي فلسفة بالدرجة الأولى، و ليست نوعاً من العلاج النفسي. الفرق هنا بالغ الأهمية: فالعلاج وفق تعريفه و هدفه، هو نهج قصير الأجل هدفه مساعدة الناس على التغلّب على مشاكل محددة ذات طبيعة نفسية. هو لا يوفّر بالضرورة صورة عامة، أو فلسفة كاملة عن الحياة. فلسفة الحياة هي شيء نحتاجه و نطوّره جميعاً، بوعي أو بدون. بعض الناس ببساطة يكتسبون تعاليمهم و فلسفتهم التي تحدد إطار الحياة من الدين في المجتمع الذي يولدون فيه. البعض الآخر يشكّل فلسفته الخاصة أثناء السير في دروب الحياة، دون أن يفكّر كثيراً في ذلك، و لكن مع ذلك ينخرط في أعمال و قرارات تعكس بعض الفهم الضمني للحياة. أما البعض الآخر يفضّل – كما وصفه سقراط – أن يأخذ الوقت الكافي لدراسة و تأمّل حياته من أجل العيش بشكل أفضل. الرواقية، حالها حال أي فلسفة حياة أخرى، قد لا تخاطب جوارح أو تشدّ انتباه عقل كل إنسان. بل هي متطلّبة بطبيعتها، مشدّدة على أن الشخصية الأخلاقية الفاضلة هي الشيء الوحيد الذي يستحق أن ننمّيه. الصحة، التعليم، و حتى الثروة تعتبر مزايا جانبية (على الرغم من أن الرواقيون لا يدعون إلى الزهد، و كثير منهم تمتع تاريخياً بالأشياء الجيّدة في حياتهم). هذه “المزايا” لا تعرّف هويتنا كأفراد و ليس لها علاقة بقيمتنا الشخصية التي تعتمد على سلوكياتنا و ممارستنا للفضائل. و بهذا المعنى، فإن الرواقية هي ديمقراطية بارزة، تتقاطع عبر الطبقات الاجتماعية: سواء كنت غنياً أو فقيراً، صحيّاً أو مريضاً، متعلّماً أو جاهلاً، فإنه لا فرق في قدرتك على عيش حياة أخلاقية فاضلة، و بالتالي تحقيق ما سمّاه الرواقيون أتاراكسيا، أو صفاء الذهن.

رغم تميّزها، تشترك الرواقية بالكثير من المبادئ الأخلاقية مع الفلسفات الأخرى و مع الأدیان (البوذیة و الطاویة و الیھودیة و المسيحیة)، و الحرکات الحدیثة مثل الإنسانیة العلمانیة و الثقافة الأخلاقیة. هناك شيء جذّاب جداً بالنسبة لي، كشخص غير متديّن، في مثل هذه الفلسفة المتنوّعة التي يمكن أن تشترك في الأهداف أو على الأقل في بعض المواقف العامة مع التقاليد الأخلاقية الرئيسية الأخرى في جميع أنحاء العالم. هذه القواسم المشتركة دفعتني لأن أرفض الإلحاد الجديد الذي انتقدته في وقت سابق، كما أنها تسمح للأشخاص الدينيين بأن ينأوا بأنفسهم عن الأصوليات المتطرّفة التي عانا منها تاريخنا الحديث.

في نهاية المطاف، لا يهم للشخص الرواقي إذا كنّا نعتقد أن اللوگوس Logos [إله آينشتاين، مصطلح فلسفي و ديني قديم من الثقافة الأوربية يدل في سياقات شتّى على مدلولات متعددة، كالخطاب، اللغة، العقل الكلّي، كلمة الإله أو القانون الكلّي للكون، كما يصفه هرقليطس] هو الله أو الطبيعة، ما دمنا ندرك أن حياة إنسانية كريمة هي حصاد تهذيب شخصيتنا و سلوكياتنا بشكل فاضل و اهتمامنا بالآخرين (و حتى الطبيعة نفسها) و في ظل التحرّر ـ بشكّل معقول و ليس متطرّفاً ـ من استهلاك السلع الدنيوية. هناك بطبيعة الحال تحدّيات لا تزال دون حل، و التي سوف أتناولها مع القارئ في الفصول القادمة. الرواقية الأصلية، على سبيل المثال، كانت فلسفة شاملة شملت ليس فقط الأخلاق، بل أيضاً الميتافيزيقيا، العلوم الطبيعية و نهج محددة للمنطق و المعرفة (أي نظرية المعرفة). هم اعتبروا أن هذه الجوانب الأخرى من فلسفتهم مهمة، لأنها احتوت قلقهم الرئيسي: كيف يعيش المرء حياته؟

الفكرة هي أنه من أجل اتخاذ قرار بشأن النهج الأمثل للعيش، نحن بحاجة أيضاً إلى فهم طبيعة العالم حولنا (الميتافيزيقيا)، و كيف يعمل (العلوم الطبيعية)، و كيف (بشكل غير كامل) نأتي لفهم ذلك (نظرية المعرفة). لكن العديد من المفاهيم الخاصة التي وضعتها الوراقية القديمة فسحت المجال لمفاهيم حديثة أدق أدخلتها العلوم الحديثة و الفلسفة، و بالتالي تحتاج إلى تحديث. على سبيل المثال، كما يوضّح الكاتب الرواقي الحديث ويليام إير ڤاين في “دليل لحياة صالحة“، فإن الفاصل الواضح الذي بيّنه الرواقيين بين ما هو غير خاضع لسيطرتنا و ما هو خارج عنها، صارم جداً: فخارج إطار أفكارنا و مواقفنا، هناك بعض الأشياء التي يمكننا و من المفروض ـ تبعاً للظروف ـ أن نؤثّر عليها، حتى النقطة التي ندرك فيها أن لا شيء أكثر في وسعنا القيام به. صحيح أيضاً أن الرواقيينكانوا متفائلين بشكل مفرط حول مدى سيطرة البشر على أفكارهم و مزاجهم. فقد أظهرت العلوم المعرفية الحديثة مراراً و تكراراً أننا غالباً ما نكون فريسة للتحيّز المعرفي و المغالطات.

و لكن من وجهة نظري، هذه المعرفة تعزّز فكرة أننا بحاجة إلى تدريب أنفسنا في التفكير الفاضل و الصحيح، كما نصح الرواقيون. و أخيراً، واحدة من السمات الأكثر جاذبية في الفلسفة الرواقية هي أن الرواقيين كانوا منفتحين أمام فكرة إعادة النظر في النقد و التحدّيات التي تواجه مذاهبهم و تغييرها وفقاً لذلك. بعبارة أخرى، هي فلسفة مفتوحة، و مستعدّة لإدراج النقد من المدارس الأخرى (على سبيل المثال، ما يسمّى بالمتشككين من العصور القديمة)، فضلاً عن الاكتشافات الجديدة التي يجلبها العِلم الحديث. كما قال سينيكا: “الرجال الذين قاموا بهذه الاكتشافات من قبلنا هم ليسوا أسيادنا، و لكن مرشدينا. فالحقيقة مفتوحة للجميع؛ هي لم تُحتكر بعد. و هناك الكثير منها متروك للأجيال القادمة لاكتشافه.”

في عالم تسوده الأصولية المتطرّفة و المذاهب الصلبة، من المنعش احتضان نظرة فلسفية عن الحياة هي في جوهرها مفتوحة للمراجعة و النقد. في ظل هذه الأسباب، قرّرت الالتزام بالرواقية كفلسفة للحياة، و استكشافها و دراستها و إيجاد مجالات للتحسين إن أمكن، و ثم أشاطرها مع الآخرين. في النهاية، الرواقية هي مسار آخر (ملتوي) رسمته الإنسانية لتطوير نظرة أكثر تماسكاً عن العالم، عن من نحن، و كيف نتناسب مع مخطط أوسع من الأطياف و الأنظمة حولنا. الحاجة إلى هذا النوع من البصيرة تبدو مطلباً عالمياً، و في هذا الكتاب سوف أبذل قصارى جهدي لتوجيه القارئ في هذا الطريق القديم و الحديث في نفس الوقت.

في البداية، خياري لمرشد يشاطرنا الرحلة سيكون إبيكتيتوس، أول فيلسوف رواقي واجهت كتاباته عندما بدأت برحلتي الخاصة في استكشاف تلك الفلسفة. ولد إبيكتيتوس في هيرابوليس (مدينة باموكالي الحالية في تركيا) حوالي عام ٥٥ م. إبيكتيتوس لم يكن اسمه الحقيقي، الذي لا نعرفه. الكلمة ببساطة تعني “مكتسب”، مما يعكس حقيقة أنه كان عبداً. سيّده كان معروفاً تحت إسم إبافروديتوس، وهو عبد معتق غني عمل سكرتيراً للإمبراطور نيرو في روما، حيث قضى إبيكتيتوس شبابه. و قد أصيب بالشلل، إما بالولادة أو بسبب إصابة أصيب بها عندما كان عبداً تحت سيّد سابق. على أي حال، تعامل إبافروديتوس مع إبيكتيتوس بشكل طيّب و سمح له بدراسة الفلسفة الرواقية عند واحد من المعلمين الأكثر شهرة في روما، موسونيوس روفوس. بعد وفاة نيرو في ٦٨ م، تم تحرير إبيكتيتوس من قبل سيّده – و هي ممارسة شائعة في روما مع العبيد الأذكياء و خاصة المتعلّمين منهم. ثم أنشأ مدرسة خاصة به في عاصمة الإمبراطورية، و درس هناك حتى ٩٣ م، عندما حظر الإمبراطور دوميتيان جميع الفلاسفة من المدينة. (الفلاسفة بشكل عام، و الموسيقيين على وجه الخصوص، اُضطِهدوا من قبل عدد من الأباطرة، خاصة فيسباسيان و دوميتيان، و عشرات من الفلاسفة إما قتلوا – بما في ذلك سينيكا ـ أو نفيوا، كما حدث مرّتين لموسونيوس. بعدها نقل إبيكتيتوس مدرسته إلى مدينة نيكوبوليس في شمال غرب اليونان، حيث قد زاره الإمبراطور هادريان (واحد من الأباطرة الصالحين الخمسة في تاريخ الإمبراطورية الرومانية، آخرهم ماركوس أوريليوس، الرواقي الأكثر شهرة في كل العصور). اشتهر إبيكتيتوسكمعلّم و جذب عدداً من الطلاب رفيعي المستوى، بما في ذلك آريان نيكوميديا، الذي دوّن بعض محاضرات معلّمه. هذه المحاضرات معروفة اليوم بـ خطابات يونانية، و التي سأستخدمها كقاعدة في استكشافنا للرواقية في هذا الكتاب. إبيكتيتوس لم يتزوج أبداً، على الرغم من أنه و في وقت متأخر من حياته بدأ يعيش مع امرأة ساعدته في تربية طفل لرجل صديق له، كان قد تُرِك للموت قبل أن يتبناه هو. إبيكتيتوس نفسه توفي حوالي ١٣٥ م.

شخصية مثيرة، أليس كذلك؟ عبد مشلول يكسب علماً و معرفة ليصبح رجلاً حرّاً و يؤسس مدرسته الخاصة، ينفيه إمبراطور واحد، و يبني مع آخر علاقة ودّية، يساعد بلا أنانية طفلاً صغيراً و يربّيه.

أوه، و الأهم من ذلك كله، ينطق بعضاً من أقوى الكلمات الحكيمة التي تحدّث بها الحكماء في العالم الغربي بأكمله و ما وراءه.

إن إبيكتيتوس هو المرشد المثالي لرحلتنا، ليس فقط لأنه أول رواقي قرأت له، لكن بسبب فطنته و ذكائه، و حسّه الداكن من الفكاهة. كذلك لاختلافي معه حول عدد من النقاط الهامة، و التي سوف تظهر المرونة الفائقة للفلسفة الرواقية و قدرتها على التكيّف مع الأزمان و الأماكن المختلفة، من القرن الثاني في روما و حتى القرن الحادي و العشرين في نيويورك. لذلك دعونا نستكشف الرواقية معاً في محادثة نخوضها مع إبيكتيتوس عبر خطاباته. سوف نتحدّث عن مواضيع متنوّعة مثل الله، العولمية في عالم مزدحم على نحو متزايد، رعاية أسرنا، أهمية تهذيب سلوكنا و شخصيتنا، التحكّم بالغضب و تقبّل الإعاقة، الموقف الأخلاقي من (أو عدم) الانتحار، و أكثر من ذلك بكثير. أما الكتّاب الآخرون، القدامى و الحديثون، فسوف يضيفون لما نتعلّمه من إبيكتيتوس. في نفس الوقت سأقوم أحياناً بالتراجع بلطف عن بعض مفاهيم مرشدنا، متناولاً التقدّم في الفلسفة و العلوم الحديثة على مدى القرون المتداخلة. الهدف هو تعلّم شيء عن كيفية الإجابة على هذا السؤال الأساسي: كيف يجب علينا أن نعيش حياتنا؟”

Massimo Pigliucci ماسيمو بيغليوتشي. “كيف تكون رواقياً”.
***

هل شدّك الفصل الأوّل من الكتاب؟ اعلمني بذلك حتى أباشر بترجمة بقية الفصول. شارك في المدوّنة حتى أعلمك بالجديد و لا تنسى بأن تشاطر محيطك الرقمي ما قرأت، فتعود الفائدة على الجميع.

رتّب الأفكار في موسوعتك أولاً: ماذا نعني بالليبرالية أو السياسة المحافظة؟ الكلاسيكية أو الديمقراطية الحديثة؟ الليبرتارية أو النيوليبرالية؟

قبل أن استهل بالتوضيح و التمييز بين المصطلحات التي ذكرتها في العنوان أعلاه، حاول كقارئ عربي أن تتقبّل أن السياسة العربية بشكل عام تستورد و تخلط المزيج المحلّي الخاص بها منذ قرون من الزمن بدل أن تساهم في صياغة التاريخ السياسي الحديث. بالطبع، ظروف المناطق العربية استثنائية و هي ضحية لأيديولوجية قديمة و مهيمنة حتى اليوم، بغضّ النظر عن الاستعمار، الحروب و التدخّلات و التقسيمات التي أنهكتها على مدى القرون الماضية.
من باب، أنا أتهم القارئ العربي العام بعجزه عن التمييز بين المذاهب السياسية الرئيسية، و من باب آخر أعذره، لأن واقعنا السياسي و الاجتماعي لايفسح المجال للإنسان بأن يجد الوقت اللازم و المزاج الصافي للدخول في هكذا تفاصيل قد تبدوا مملة للكثير و ربما محبطة للبعض الآخر.

سأحاول هنا وضع حجر الأساس لكي تفهم السياسة العالمية أكثر في حالة كونك لم تتعمّق في الموضوع بعد، لأنك شئت أم أبيت مقيّد بالظروف الاقتصادية و الحروب و الاتفاقيات العالمية. العولمة و التقنية غيّرتا قوانين اللعبة. من الذكاء أن تحاول فهم العالم حولك كي تتجنّب الوقوع في مشاكل كثيرة و تقليل نسبة الخطأ. لذلك لن أتحيّز لأي مذهب في الطرح و سأكتفي بالتركيز على الأسس الجوهرية التي تميّز مذهباً سياسياً عن الآخر و تفاصيل الفلسفة السياسية التي تشكّل القاعدة التشريعية لتلك المذاهب.
قبل أن نبدأ، دعنا نتناول تعريفي المذهبين المحافظ و الليبرالي بشكل مقتضب:

السياسة المحافظة Conservatism[من اللاتينية: conservare = “حفظ” أو “الحفاظ”] هي مذهب سياسي يشير إلى الفلسفات السياسية و الاجتماعية التي تعزز الحفاظ على المؤسسات الاجتماعية التقليدية و بقاء الوضع الراهن مع القليل من التغيير الحذر، فهي تعتبر الاستقرار شيء ثمين و يجب أن يتم التغيير بشكل تدريجي من أجل الحفاظ عليه. الفلسفة السياسية المحافظة يمكن وصفها بـشكل بسيط و غير مفصّل بأنها حالة ذهنية و فلسفة سياسية تنفر من التغيير السريع و الابتكار، و تسعى جاهدة لتحقيق التوازن و النظام، و في الوقت نفسه تتفادى التطرّف. بشكل عام تفضّل التسلسل الهرمي على المساواة و القيم الجماعية على الفردية. هي سياسة ظهرت كـ رد فعل ضد الأفكار الليبرالية التي بدأت تترسخ في أوروبا خلال الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر.

في المقابل، يواجهها كمذهب السياسة الـتقدّمية، التي تعرّف نفسها كـ فلسفة سياسية تمضي إلى التقدّم و التحرر من الماضي كجزء من تطوّر المجتمع و تصارع لصالح الإصلاحات التدريجية الاجتماعية، السياسية و الاقتصادية عن طريق حكومة كبيرة تتدخّل في فرض تلك الإصلاحات. هذا المذهب يمكنك أن تضعه في خانة اليسار في الطيف السياسي. الطيف الأكثر تطرّفاً في المطالب هو ما يوصف بالـفكر الثوري اليساري، فالأخير يرفض المنهج التدريجي و يطالب بالثورة. على عكس المذهب المحافظ، تفضّل التقدّمية المساواة على التسلسل الهرمي و القيم الفردية على الجماعية. و الصراع بين الفكرين يدور في جوهره حول عقلانية الإنسان أو الفرد نفسه. فالفكر المحافظ لايثق بعقلانية الفرد و عدم تحيّزه، بعكس الليبرالية التي تبالغ في تقدير البشر كفرد حر و عقلاني في اختيار مصيره. لكن كما ستقرأ لاحقاً، الواقع أكثر تعقيداً و يتشابك كثيراً و يتباين حسب الوقت و المكان. سأتناول المزيج الشائع في الدول الغربية القوية كي تفهم الصورة أكثر:

السياسة المحافظة الليبرالية Liberal Conservatism

[لا ينبغي الخلط بينها و بين السياسة المحافظة الليبرتارية]

السياسة المحافظة الليبرالية هي أيديولوجية سياسية تجمع بين السياسات المحافظة و المواقف الليبرالية، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الأخلاقية و الاجتماعية، أي بكل بساطة سياسة محافظة متأثرة بشدة بالليبرالية [كما هو الحال في بعض دول أوربا الغربية].

تشمل السياسة المحافظة الليبرالية النظرة الليبرالية الكلاسيكية Classical Liberalism [من روادها آدم سميث، ديفد هيوم و فولتير] للحد الأدنى من التدخّل الحكومي في الاقتصاد؛ حيث يؤمن الليبراليون الكلاسيكيون أن تحرير السوق من التدخل الخارجي الحكومي سيقود في نهاية المطاف إلى نظام يخدم المجتمع بصورة مثالية. كذلك يجب أن يكون للأفراد حرّية المشاركة في السوق و إنتاج الثروة دون تدخّل الحكومة. في نفس الوقت، من الموهم أن نثق بالأفراد بشكل كامل على التصرف بمسؤولية في مجالات أخرى من الحياة، و لذلك فإن المحافظين الليبراليون يعتقدون أن وجود دولة قوية أمر ضروري لضمان القانون و النظام. إضافةً إلى ذلك ضرورية و دور المؤسسات الاجتماعية لتعزيز الشعور بالواجب و المسؤولية تجاه المجتمع. من الأسم نفسه نستنبط أن السياسة المحافظة الليبرالية هي موقف سياسي يدعم الحريات المدنية إلى جانب بعض التقاليد الاجتماعية المحافظة. تستطيع أن تفهم هذا المذهب كـ أيديولوجية يمين الوسط. في أوروبا الغربية هو الشكل المهيمن للسياسة المحافظة المعاصرة.

بما أن لكل من “المحافظة” و “الليبرالية” معان مختلفة تباينت على مر الزمن و عبر البلدان، فقد استخدم مصطلح “المحافظة الليبرالية” بشكل متباين أيضاً. فالواقع السياسي و الخليط الديني، العرقي، الموقع الجغرافي و التاريخ السياسي للبلد،كلها عوامل تحدد الاتجاه السياسي و مراكز ثقله. لذلك حاول أن تبتعد عن التفكير الأبيض و الأسود في وصف هذه المذاهب و اطلق العنان لمخيّلتك كي تتصوّر نظام إحداثيات تمثّل محاوره التوجّهات الأساسية [محافظ ـ تقدّمي ـ سلطوي ـ ديمقراطي/تحرري]. لاحظ أنني أتجنّب مصطلحي اليمين و اليسار، لأنهما يتباينان جداً من مجتمع و ثقافة إلى أخرى. لكن بصورة عامة تفضّل الإحداثيات السياسية لليسار اللون الأخضر و تتداخل مع اللون البنفسجي. اليمين على العكس تجد إحداثياته تتكرّر في النطاق الأزرق و البنفسجي.

أظنك ستفهم مدى صعوبة تحديد ماهو اليسار و ما هو اليمين عندما نتكلّم بصورة عامة. لذلك يلجأ الكثير إلى تعريفات إضافية كـ “ما بعد الحداثة” أو “اليسار التقدّمي المعاصر” ليصف مثلاً الطيف السياسي السائد في ديمقراطيات الغرب و الذي يتبنّى سياسات التحرّر، الديمقراطية، السلامية [مناهضة الحرب و العنف]، الحكومة الكبيرة، الانفتاح على الهجرة، العولمة، التخلّص من تقاليد الماضي و الهويات القومية، النسوية، سياسات الصواب السياسي، المساواة، التركيز على حقوق الأقلّيات و حماية البيئة. اليمين المحافظ لا يعني أنه لا يهتم بحقوق الأقليات أو يؤيد العنف أو حتى يرفض الانفتاح على العالم، بالعكس، لكن برامجهم السياسية تركّز على الجانب المعاكس من المعادلة أكثر و تفضّل المصالح القومية و أهل البلد على حساب العولمة مثلاً، أو يجدون في بعض الحروب و التدخّلات العسكرية ضرورة سياسية أو إنسانية و أهمية اجتماعية في التمحور حول تقاليد و ثقافة البلد. التأدلج و التطرّف يمكن أن يظهران في كل مربّع و لون مختلف.

كمثال آخر على التباين الفلسفي في السياسة: تتناقض السياسة المحافظة الليبرالية مع المحافظة الأرستقراطية. فالأخيرة ترفض مبدأ المساواة كشيء يتناقض مع الطبيعة البشرية، و تحث بدلاً من ذلك على فكرة عدم المساواة الطبيعية و التي تؤكّد على التباين الجيني في الذكاء، القدرات و الطموح بين البشر. و مع احتفاظ المحافظين في البلدان الديمقراطية بالمؤسسات الليبرالية النموذجية مثل سيادة القانون، حق التملّك الخاص، اقتصاد السوق الحر و الحكومة التمثيلية الدستورية، أصبح العنصر الليبرالي في السياسة المحافظة الليبرالية توافقياً بين المحافظين.

مع ذلك يفرض الواقع السياسي نفسه دائماً: ففي بعض البلدان، مثل المملكة المتحدة و الولايات المتحدة الأمريكية، يُفهَم مصطلح “المحافظة الليبرالية” ببساطة على أنه “محافظ” في الثقافة الشعبية، مما دفع بعض المحافظين الذين اعتنقوا القيم الليبرالية الكلاسيكية القديمة ليطلقوا على أنفسهم إسم “الليبرتاريون”. بشكل مقتضب: يؤمن الليبرتاريون بأن الفرد في المجتمع يملك نفسه تماماً و بالتالي فإن لديه الحرّية في التصرّف فيها و في ممتلكاته و في عقائده كما يشاء، شرط ألا يتعدى على حريات الآخرين و ممتلكاتهم. و عليه فهم يؤيّدون التحرّر و إزالة القيود المفروضة على الفرد من قبل الدولة و المجتمع،كالعادات و التقاليد، و تقليص حجمها قدر المستطاع.

مع ذلك، فإن التقليد الليبرالي ـ المحافظ في الولايات المتحدة غالباً ما يجمع بين الفردية الاقتصادية للليبراليين الكلاسيكيين مع توجّه محافظ “بيركي” يشدّد على عدم المساواة الطبيعية بين البشر و عدم عقلانية السلوك البشري كمعلّل للدافع البشري نحو النظام و الاستقرار و رفض الحقوق الطبيعية كأساس للحكومة [ما أقصده بـ “بيركي” هو التأثّر بفلسفة إدموند بيرك، فيلسوف سياسي إيرلندي يعتبره الكثير من روّاد المذهب المحافظ الحديث و أهم نقّاد الثورة الفرنسية ١٧٨٩].

و مع ذلك، تجد التيار المحافظ الأمريكي هجيناً من مبادئ محافظة و ليبرالية كلاسيكية احتفظ ببعض المبادئ الأصلية و تجاهل أخرى. و بالتالي، لا يستخدم في الولايات المتحدة مصطلح “المحافظة الليبرالية”، في نفس الوقت تختلف توجّهات و نقاط ثقل الليبرالية الأمريكية الحديثة عن نظيرتها الأوروبية. و العكس تجده مثلاً في أمريكا اللاتينية، حيث يوصف المحافظ الليبرالي اقتصادياً تحت عنوان النيوليبرالية، سواء في الثقافة الشعبية أو الخطاب الأكاديمي. تتذّكر ما قلته عن التشابك في المصطلحات؟ الأمر يزداد تعقيداً عندما نعود لأوربا مجدداً.

في اعتناقهم لمبادئ الليبرالية و السوق الحرّة، مازال بإمكانك التمييز بين هؤلاء المحافظين الأوروبيين عن المحافظين الذين اعتنقوا آراءً و مواقف أكثر تحفّظاً اجتماعياً و فلسفياً. البعض يلصق بهم مصطلح “الشعبوية” و هم طبعاً في خندق اليمين. كمثال للوتضيح، في أوروبا الوسطى و الشمالية الغربية، خاصةً في الدول الجرمانية و البروتستانتية التقليدية، لا تزال هنالك فجوة بين المحافظين، حتى داخل التحالفات نفسها، كتحالف الديمقراطيين المسيحيين الحاكم في المانيا و الذي تقوده ميركل [CDU/CSU]. على سبيل المثال، فكرة الزواج كمؤسسة اجتماعية تحتاج دعم الدولة و تقتصر على الرجل و المرأة و تشكّل موقفاً رئيسياً عند المحافظين المسيحيين الديمقراطيين، بينما يحتضن نفس التحالف الحزبي محافظين ليبراليين ساهموا في كسر قدسية الزواج و فتحه على المثليين مثلاً، لانهم يؤمنون بالتحرر أكثر من الالتزام بالتقاليد.

على العكس من ذلك، في البلدان التي دخلت فيها الحركات الليبرالية المحافظة التيار السياسي الرئيسي مؤخراً، مثل إيطاليا و إسبانيا، يمكن فهم المصطلحين “الليبرالي” و “المحافظ” على أنهما مرادفان سياسيان، و كثيراً ما ينطوي ذلك على التشديد على اقتصاد السوق الحر و الاعتقاد بالمسؤولية الفردية جنباً إلى جنب مع الدفاع عن الحقوق المدنية، دعم الأقلّيات و دعم نظام الرعاية الاجتماعية المحدود. لذلك من المهم جداً أن تفهم الجغرافية السياسية لكل دولة و تتناولها بمعزل عن التعريفات العامة.

مقارنةً بالسياسة التقليدية التي يمثّلها يمين الوسط مثلاً [كـ الديمقراطيين المسيحيين في المانيا ، حزب المحافظين البريطاني، الحزب المحافظ في كندا، حزب العدالة و القانون البولندي، حزب الشعب الهندي، الحزب الاشتراكي المسيحي الديمقراطي في البرازيل ] فإن المحافظين الليبراليون [كـ حزب المحافظين النرويجي، الائتلاف الوطني الفنلندي، الحزب الليبرالي الديمقراطي في المانيا، المعتدلون الجدد في النرويج] يميلون لسياسات أقل تقليدية و أكثر تحرراً من الناحية الاقتصادية، يحبّذون ضرائب منخفضة وأدنى تدخل للدولة في الاقتصاد. في الخطاب الأوروبي الحديث تجدهم يرفضون، على الأقل إلى حد ما، المحافظة الاجتماعية و التشبّث بالتقاليد.

أظنك قد لاحظت أنني لم أتطرّق إلى الدول العربية. ببساطة لأن الأوضاع السياسية غير مستقرة و تاريخ السياسة العربية مليئ بالمطبّات و الثورات. إضافةً إلى ذلك، الديمقراطيات العربية غارقة إما بالفساد، بالتطرّف الديني أو الحرب الأهلية. حتى الدول المستقرة نسبياً تحكمها أنظمة لا تتحلّى بحرية سياسية كافية لتسمح للفرد بأن يتعمّق في هكذا سياسات، أو يعبّر عنها. مع ذلك، تميل الأنظمة السلطوية في المنطقة إلى الاستقرار و تبنّي سياسات طويلة المدى أكثر من تلك الديمقراطية، و هو ما يفتح باب الجدل السياسي عن كون تحديد المصير و تدخّل الفرد في السياسة يصب في النهاية فعلاً في الصالح العام. لذلك تجد الناقد العربي السياسي المهتم يضطر لاستيراد الفلسفات السياسية الغربية و تحويرها محلياً، بدل التنظير لسياسة محلية مناسبة للتاريخ، الجغرافية و الواقع. كذلك لا ننسى الواقع العربي المرتبط بثقافة صحراوية دينية تفرض نفسها كنظام دين و دولة و اقتصاد لا تتسامح مع المختلفين، مما يعيق نشوء مدارس سياسية تنظّر لمستقبل على أساس واقع متهالك.

السياسة و إن كانت مملة، فهية شيّقة أحياناً في التنظير الفلسفي و تبدأ من سلوكياتك كفرد و في إطار العائلة إلى نطاق أكبر. لذلك من المهم أن تتعمّق أكثر و تحاول إيجاد المزيج الفكري المناسب لك و لمستقبلك و أيضاً للأجيال القادمة.

كل ما تراه حولك هو فوتوشوب معقّد و مُتقَن داخل دماغك

هذه المرة سنتناول مقتطفاً عن آلية المعالجة البصرية الرهيبة للدماغ من كتاب ستانيسلاس دهاين، عالم أعصاب و رياضياتي مرموق، “الوعي و الدماغ ـ فك رموز و فهم كيف يشفّر الدماغ أفكارنا.” Consciousness and the Brain: Deciphering How the Brain Codes Our Thoughts. الكتاب ليس متوفراً بالعربية بعد، لذلك سأحاول في الأيام القادمة أن أترجم مقتطفات أخرى من كتابه.

“في السنوات العشر الماضية، تم تكرار العديد من التجارب حول المؤثرات التي تكون تحت عتبة إدراك الحواس: كالرسائل المخفية في وسائط تقنية مثل الفيديو أو الصوت أو الرسوم المتحرّكة – ليس فقط للكلمات المكتوبة و لكن أيضاً للوجوه، الصور و الرسومات. المئات من تلك التجارب أفضت إلى استنتاج مفاده أن ما نعيه و نعيشه كمشهد بصري واعي هو صورة عالجها الدماغ بشكل محترف جداً، يختلف تماماً عن المدخلات الخام التي استمدها الدماغ من العينين.

نحن لا نرى العالم كما تراه و تنقله شبكية العين. في الواقع، لو تخيّلنا الصورة الأصلية، فسيكون مشهد الصورة مرعباً أكثر مما قد نظن: مجموعة بكسل مشوّهة و فوضوية للغاية بين الضوء و الظلام، تهبّ نحو وسط شبكية العين، ملثمّة بالأوعية الدموية مع ثقب هائل في موقع »النقطة العمياء« حيث تغادر الكابلات [العصب الرئيسي للعين] جوف العين داخلةً إلى الدماغ. الصورة سوف تطمس باستمرار و تتغيير كلّما تشتت نظرنا أو تغيّرت نقطة تركيزه.

لكن ما نراه بدلاً من ذلك، هو مشهد ثلاثي الأبعاد مُصحَّح من عيوب الشبكية و البقعة العمياء و متناسق مع حركة العين و الرأس. إضافةً إلى ذلك، فإن دماغنا يعيد تفسير المشهد الآني على نطاق أعمق استناداً إلى تجاربنا السابقة من مشاهد بصرية مماثلة. كل هذه العمليات تحدث بشكل غير واعي و أسرع من أن تستوعبه. بعض هذه التعديلات الدماغية معقّدة بشكل يجعلها تستعصي النمذجة عن طريق الكمبيوتر.
على سبيل المثال، يكشف نظامنا البصري عن وجود ظلال في الصورة أسفله و يزيلها في نفس الوقت. في غضون لمحة، يستدل دماغنا بشكل غير واعي عن مصدر الأضواء و يستنتج الشكل، التعتيم، انعكاس الضوء و الإنارة. خدعة رقعة الشطرنج في الصورة أسفله هي أحد أشكال الخداع البصري، نشرها إدوارد أديلسون أستاذ علم البصريات بمعهد ماساتشيوست للتكنولوجيا، و هي عبارة عن صورة ثلاثية الأبعاد لرقعة شطرنج فيها مربّعات مضيئة و أخرى مظلمة، و هذه المربّعات مظللة جزئياً بجسم اسطواني.

معالجات بصرية و حسابات عالية تحدث خلف وعينا. إلقي نظرة سريعة على هذه الصورة: سترى رقعة شطرنج طبيعية المظهر.ليس لديك شك في أن المربّع A معتم و المربّع B زاهي السطوع. يكمن الخداع البصري في هذه الصورة في ظهور المربّع A كما لو كان أغمق من المربّع B، إلا أنه عند استخدام صورة ثنائية الأبعاد فإن كلا المربعين يظهران بصورة متطابقة (نفس اللون بنفس الدرجة)، أي أنها تطبع بنفس الكمية و الدرجة من الحبر. (تحقق من ذلك عن طريق قص كلا المربعين عن المربعات المحيطة، ستجد أن اللونين متطابقان) كيف يمكننا أن نفسر هذا الوهم؟ في جزء صغير من الثانية، يوزّع عقلك المشهد دون وعي إلى أجزاءه، يقرر أن الضوء يأتي من أعلى يمين، أن الاسطوانة تلقي بظلالها على متنصف الرقعة و بالتالي يطرح هذا الظل من الصورة، مما يعطيك الانطباع أن الألوان الحقيقية للجانب الخاضع تحت الظل تختلف عن الأخرى. فقط النتيجة النهائية لهذه الحسابات المعقّدة تدخل إطار وعيك. في الصورة الأخرى قمت بقص المربعين بمعزل عن الرقعة: المربعان يمتلكان نفس اللون.

كلما فتحنا أعيننا، تحدث عملية موازية بشكل عميق في القشرة البصرية [الجزء الخلفي من الدماغ المسؤول عن معالجة الرؤية و ما تنقله أعصاب العين من بيانات]، و نحن لا نعي ذلك أثناء حدوثه.

دون أدنى فكرة عن عمق المعالجة الدماغية التي تمكّننا من الرؤية، يظن الكثير منا أن الدماغ يعمل بشكل مكثّف و عالي فقط عندما نشعر نحن أننا نعمل و نفكّر بتركيز عالي. على سبيل المثال، عندما نقوم بحل مسائل الرياضيات أو نلعب الشطرنج. أغلبنا ليس لديه أي فكرة عن مدى التعقيد و المعالجة البصرية التي يقوم بها دماغك وراء الكواليس لخلق هذا الانطباع البسيط من العالم البصري السلس.

لعب الشطرنج دون وعي

لكي تعي حجم قوة رؤيتنا اللاواعية، تأمّل لعبة الشطرنج. عندما يركّز الأستاذ الكبير غاري كاسباروف على لعبة الشطرنج، هل تعتقد أن دماغه يتابع ترتيب القطع بشكل واعي و مستمر من أجل أن يلاحظ، على سبيل المثال، أن القلعة السوداء تهدد الملكة البيضاء؟ أو هل يمكنه أن يركّز على الخطة الرئيسية، في حين أن نظامه البصري تلقائياً يقوم بمعالجة المواقع الاستراتيجية بين القطع؟

في الواقع، أثبتت الأبحاث أن لمحة واحدة كافية لأي أستاذ كبير في الشطرنج لتقييم رقعة الشطرنج و تذكّر تكوينه في التفاصيل الكاملة، لأنه تلقائياً يوزعه إلى قطع ذات مغزى و دور ما.

علاوة على ذلك، تشير تجربة حديثة إلى أن عملية التجزئة هذه تحدث خارج إطار الوعي فعلاً: في التجربة يمكن أن تومض صورة لـ تشكيلة لعبة شطرنج مبسّطة لمدة 20 ميلي ثانية، محصورة بين أقنعة صورية تجعلها غير مرئية في إطار البصر الواعي، و رغم أن لاعب الشطرنج لا يعيها، فهي تؤثر على قراره [لاعب الشطرنج في التجربة يشاهد المؤثرات و الصورة الخفية للتشكيلة من خلال شاشة تعرض أمامه. فالإنسان يستطيع أن »يعي« فقط الصور التي لا تظهر له بشكل سريع جداً، ما فوق الـ ٥٠ ميلي ثانية تقريباً].

التجربة تنجح فقط مع لاعبي الشطرنج الخبراء، و فقط إذا كانوا أثناء حل مشكلة أو لغز يستدعي التركيز، مثل تحديد ما إذا كان الملك في موقف خطر. و هذا يعني أن النظام البصري يأخذ في الاعتبار هوية القطع (القلعة أو الحصان) و موقعها، ثم يربط بسرعة هذه المعلومات إلى قطعة ذات مغزى (“الملك الأسود مهدد بالـ كش ملك”). هذه العمليات المعقّدة تحدث تماماً خارج إطار الوعي”.

يوڤال نوح هراري: ربما يكون انهيار الإنسانية مفيداً أيضاً

“لقد شهد التاريخ صعود و هبوط العديد من الأديان و الإمبراطوريات و الثقافات البشرية. هذه الاضطرابات ليست بالضرورة سيئة. فقد هيمنت الإنسانية على العالم لمدة 300 سنة، وهو ليس وقتاً طويلاً. حكم الفراعنة مصر لمدة 3000 سنة، و سادت الباباوات أوروبا لألفية كاملة. إذا قلت للمصريين في وقت رمسيس الثاني أنه في يوم من الأيام سوف يزول الفراعنة عن الوجود، لربما سيكون جوابهم على الأرجح كالتالي: “كيف يمكننا العيش بدون فرعون؟! من الذي سيضمن النظام، السلام والعدالة؟”

تخيّل لو قلت للناس في القرون الوسطى أنه في غضون قرون قليلة سوف يموت الله و ينتهي عصره، فسيصيبهم الفزع حال ما تنتهي من كلامك: “كيف يمكننا العيش بدون الله؟ من سيعطي معنى للحياة و يحمينا من الفوضى؟” [أو كما يقول بعض أبناء الحاضر عندما تناقشهم في السوشيال ميديا: من سيمنعك من مضاجعة أختك].

[…]

في الوقت الذي مهّدت فيه الثورة الزراعية إلى نشوء الأديان، ولدت الثورة العلمية ديانات إنسانية جديدة، حيث حلّ البشر محلّ الآلهة. في حين أن اللاهوتيين يعبدون الله، يقدّس الإنسانيون الإنسان.

الفكرة الجوهرية للأديان الإنسانية مثل الليبرالية و الشيوعية و النازية هي أن الإنسان العاقل يحمل في داخله جوهر فريد و مقدّس و الذي هو مصدر كل معنى و سلطة في الكون [حركات حقوق الإنسان الحديثة تستنبط أخلاقياتها من هذا التفسير]. وكل ما يحدث في الكون هو جيّد أو سيّئ في الحكم وفقاً لتأثيره على الإنسان.

و في حين أن الأديان تبرر الزراعة التقليدية بإسم الله [(وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ) (يّـس32،34); كذلك من سورة النحل: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، أو كما ينقل عن عيسى قوله: قال “يشبه ملكوت الله رجلاً يبذر الزرع في حقله. فينام في الليل و يقوم في النهار، و الزرع ينبت و ينمو، و هو لا يعرف كيف كان ذلك. فالأرض من ذاتها تنبت العشب أولاً، ثم السنبل، ثم القمح الذي يملأ السنبل. حتى إذا نضج القمح، حمل الرجل منجله في الحال، لأن الحصاد جاء”]، فقد بررت الإنسانية الزراعة الصناعية الحديثة بإسم الإنسان. فالزراعة الصناعية تقيس احتياجات الإنسان، رغباته و العائد الاقتصادي كمعيار أساسي، في حين تتجاهل كل شيء آخر.

و الزراعة الصناعية ليس لها مصلحة حقيقية في الحيوانات، التي لا تتقاسم “حرمة” الطبيعة البشرية. كما لا تحتاج للآلهة [كتلك التي آمن بها أسلافنا ظنناً بأنها تتحكّم بالحصاد، المطر و الريح و الشمس]، لأن العلم الحديث و التكنولوجيا يمدّان البشر بقوى و طاقة تتجاوز بكثير تلك عند الآلهة القديمة. إضافةً إلى أن العلم الحديث يمكّن الشركات الحديثة من إخضاع الأبقار و الخنازير و الدجاج إلى ظروف أكثر قساوةً من تلك التي سادت في المجتمعات الزراعية التقليدية القديمة.

في مصر القديمة، في الإمبراطورية الرومانية أو في الصين أبان العصور الوسطى، أمتلك البشر فهماً يسيراً فيما يخص الكيمياء أو علم الوراثة […]”.

إذا نظرنا إلى الوراء، يعتقد كثيرون أن سقوط الفراعنة و موت الله كانا تطوران إيجابيين. و ربما يكون انهيار الإنسانية مفيداً أيضاً. فالناس عادة ما يخافون من التغيير لأنهم يخشون المجهول. و لكن أعظم ثابت من التاريخ هو أن كل شيء يتغير!

من كتابه “لمحة تاريخية عن الغد”

Hive mind: how your nation’s IQ matters so much more than your own?

“THIS ISN’T A BOOK ABOUT HOW TO RAISE IQ: it’s a book about the benefits of raising IQ. And a higher IQ helps in ways you might not have realized: on average, people who do better on standardized tests are more patient, are more cooperative, and have better memories.

But while dozens of studies by psychologists and economists have established these links, few researchers have connected the dots to ask what this means for entire nations. And since average test scores vary across nations—whether we’re talking about math tests, literacy tests, or IQ tests—an overall rise in national test scores likely means a rise in the number of more patient, more cooperative, and better-informed citizens.

This in turn means that higher national test scores will probably matter in ways too big to ignore. And if education researchers and public health officials can find reliable ways to raise national test scores, productivity and prosperity will rise where poverty and disease now flourish.You can get a sense of how big these effects are by looking across countries: nations that do the best on standardized tests—nations such as Singapore and Finland—usually have governments that are reasonably free of corruption; have decent roads and bridges; and have plenty of private investment in office buildings, factories, and homes. China does well on standardized tests, and particularly in the post-Mao decades, the nation’s economy has grown rapidly.

The high test scores in these countries are a sign that their citizens have the cognitive skills, the human capital, to take on the complexity of a modern economy.By contrast, nations where test scores are average or lower tend to be the kinds of places where people have to bribe government bureaucrats to get things done, whether it’s the school principal, the bureaucrat at the driver’s license office, or the congressman’s brother-in-law. And even if you don’t have to bribe the government, it’s a good bet that the government will be inefficient, sluggish less than competent.

Nations with lower average test scores are usually tough places to take on complex, costly private investment projects, since skilled workers and twenty-four-hour-a-day electricity are hard to come by. Lower-scoring nations aren’t places that appeal to international investors, and so private investment tends to drift away. The long-run result of lower test scores? It’s often a mixture of rickety bridges, decrepit buildings, slower Internet connections, and less prosperity.

On average, nations with test scores in the bottom 10 percent worldwide are only about one-eighth as rich and productive as nations with scores in the top 10 percent.Outside of a few countries with abundant natural resources, the most important productive asset in each nation is the human mind. And while standardised tests can’t tell us everything about how productive the mind is, the tests can tell us more than you might think.

Boosting broad mental skills boosts a nation’s prosperity, and while standardized tests are obviously not perfect—no statistic ever is—they are a good way to measure those skills.”

الذكاء الفردي مهم، لكن معدّله في المجتمع بشكل عام أهم بكثير

الذكاء الفردي للشخص يحدد مصير الإنسان و له تأثير مهم على محيط الشخص أيضاً. و رغم أهميته بشكل فردي، إلا أن الأبحاث الحديثة تبيّن أن معدّله في المجتمع بشكل عام أهم بكثير من مستواه لدى الفرد، و أن الاختلافات تفسّر معظم حالات التباين بين دول وأخرى. هذا ما يتناوله البروفيسور گاريت جونز خبير اقتصادي يهتم بشكل خاص في مجال الاقتصاد الكلّي و مجال معدّلات الذكاء و علاقتها مع الإنتاج والتطور الاقتصادي. ترجمت هنا مقطع من الكتاب:

“في المتوسّط، الأشخاص الذين يحرزون نتائج أفضل في الاختبارات الموحّدة عادةً مايكونون أكثر صبراً، أكثر تعاوناً، أكثر اهتماماً بالادخار و ذاكرتهم تكون أطول و أدق. و في الوقت الذي اكتشفت فيه عشرات الدراسات التي أجراها علماء النفس و الاقتصاد هذه الروابط بين معدّل الذكاء و الصفات المذكورة، عدد قليل جداً من الباحثين من حاولوا مناقشة ما قد تعنيه هذه النتائج بالنسبة لدول بأكملها على الصعيدين التربوي و الاقتصادي.

وبما أن متوسط درجات الاختبار يتباين بين الدول – سواء كنا نتحدث عن اختبارات الرياضيات أو اختبارات القراءة و الكتابة أو اختبارات الذكاء – فإن الارتفاع العام في درجات الاختبار على مستوى الدولة يعني على الأرجح زيادة في عدد الأشخاص الأكثر تعاوناً و أكثر اطلاعاً من بين المواطنين. و هذا بدوره يعني أن اختبار ذكاء على الصعيد الوطني من المحتمل أن يؤثّر بشكل إجمالي على وعي الشعب بشكل لا يمكن تجاهله. وإذا تمكن باحثو التعليم ومسؤولو الصحة العامة من إيجاد طرق موثوقة لرفع درجات الاختبار الوطنية، فإن الإنتاجية و الازدهار الحضاري سيرتفعان حيث تسود البطالة، الفقر و المرض الآن.

يمكنك أن تتخيّل حجم هذه التأثيرات من خلال النظر عبر البلدان و تأمّل التالي: الدول التي تحرز نتائج عالية في الاختبارات الموحّدة – مثل سنغافورة و فنلندا – عادة ما تكون حكوماتها إلى حد كبير خالية من الفساد؛ لديها طرق و جسور رصينة، و لديها الكثير من الاستثمارات الخاصة [القطاع الخاص] في المباني، المكاتب، المصانع و المنازل. الصين أيضاً تقدّم نتائج جيدة في الاختبارات الموحّدة، و خاصة في الفترة التي تبعت حكم ماو تسي تونگ نما اقتصاد البلاد بشكل سريع. إن درجات الاختبارات العالية في هذه البلدان تعكس متوسّط المهارات المعرفية لمواطنيها و رأس المال البشري اللازم للتعامل مع تعقيدات الاقتصاد الحديث و الحياة الحديثة.

على النقيض من ذلك، فإن الدول التي تكون فيها درجات الاختبار متوسّطة أو أقل تميل إلى أن تكون تلك الأماكن التي يضطر فيها الناس إلى رشوة البيروقراطيين الحكوميين لإنجاز الأمور اليومية و الخدماتية، سواء كان ذلك مدير المدرسة، أو البيروقراطيين في مكتب رخصة القيادة، أو شقيق عضو في البرلمان [أو الكونجرس]. و حتى لو لم تكن مضطراً لرشوة الحكومة، فإن احتمالية كون الحكومة ضعيفة و ذي مهنية غير فعّالة ليست بالضئيلة.

المجتمعات ذات المتوسّط المنخفض من درجات الاختبار هي أماكن صعبة لتولّي مشاريع معقّدة و مكلفة، خاصة الاستثمار، كون العمّال المهرة و الطاقة الكهربائية المتوفرة لأربع وعشرين ساعة في اليوم عملة صعبة غير متوفرة في كل مكان. لذلك لا تستقطب مثل هذه الدول المستثمرين الدوليين، و هذا يعلل ضعف الاستثمار الخاص و الاعتماد على القطاع العام.

على المدى الطويل تستطيع تتبع نتيجة درجات الاختبار الضعيفة: إنها خليط من الجسور المتهالكة، المباني المتداعية، سرعة الإنترنت البطيئة و انعدام الازدهار. هذه العلاقة بين الدول ذات نسب اختبار عالية و أخرى ضعيفة، يمكن قياسها من ناحية القوة الاقتصادية و الثراء. فتلك الدول ذات النتائج الأضعف ضمن الـ ١٠ ٪ في جميع أنحاء العالم تكون ذو قوة اقتصادية و ثراء يعادلان ثُمن ١/٨ الدول الأولى ضمن الـ ١٠ ٪ الأوائل.

و بصرف النظر عن عدد قليل من البلدان ذات الموارد الطبيعية الوفيرة، فإن أهم المصادر الإنتاجية الثمينة في كل بلد هو العقل البشري. وفي حين أن الاختبارات الموحدة لا يمكن أن تخبرنا عن كل شيء و عن مدى إنتاجية العقل، إلا أنها تكشف لنا أكثر مما قد تظن. تعزيز المهارات العقلية الواسعة يعزز بدوره ازدهار الأمة و رفاهية المواطنين.

من الواضح أن هذه الاختبارات الموحّدة ليست مثالية و كاملة، و ذلك ينطبق في نفس الوقت على الإحصائيات، مع ذلك هي وسيلة جيدة لقياس تلك المهارات العقلية.”

من كتاب گاريت جونز: عقلية الخلية: كيف يلعب معدّل ذكاء المجتمع دوراً أهم حتى من معدّل ذكاءك؟

عديم قلب من لم يكن يسارياً في فُتوّته، بليد عقل من لم يكن محافظاً بعد بلوغه

قالها لي رجل جهبذ قبل فترة من الزمن … [لا تأخذ الجملة بشكل حرفي]

قد لا يستعصي عليك فهم العنوان، لكن القصد خلفه قد يثير بعض التساؤل. إن كنت تميل إلى اليسار، لا تقلق، لست هنا لتهميشك، بل لأفهمك و أكشف عن ما فهمته، و ما خسر من حاول فهم خصمه، لذلك تريّث معي قليلاً. ليس لأنني قرأت و تابعت ثم توصّلت لنتيجة، بل لأنني كنت يوماً ما أميل إليه، فلربما تكسب شيئاً مما أكتب، و إن كان العكس، أنتظر ردك.

أنا أحاول أن أرسم لك الصورة التي أنظر إليها عندما أحاول فهم الفكر الثوري و النضال السياسي، خصوصاً عندما أشهد انجذاب شريحة الشباب للشيوعية و الحركات المساواتية الثورية بغض النظر عن الإثنية أو الجنس.

لن أتطرّق للنزال الفكري بين مؤيدي الشيوعية و بين الرافضين، لأن فهم أسباب صمود مثل هكذا أفكار غير ناجحة عملياً [على الأقل ما قد يتفق عليه بعض الطرفين و هذا ما استنتجه من القرن العشرين] يحتاج إلى وقفة لفهم العلاقة خلف هذا الانجذاب.

بجملة واحدة؟ علاقة الثورة و الشباب كعلاقة النار و الحطب، و الفكر الذي يعوّل على النار، يحتاج الحطب.

سأوضح أكثر:

لو سألت نفسك، مالذي تهدف إليه الثورة؟ مالذي يشعل فتيلها؟ التغيير؟ البداية الجديدة؟ الصمود؟ الطغيان؟

مرادفات الكلمة في العربية قد تكشف عن العمق النفسي لأصل الكلمة: ثار، هاج، هبّ، احتدّ، إغتاظ، انفعَل، غضب، ماج. برأيك، ما أهمية الثورة بدون طغيان؟ بدون قتال مستمر؟ بدون حالتي تمرّد و تغيير دؤوبتين؟ هل سنحتاج للثورة و قادتها بعد مرحلة الصفر؟ هل سبق و أن قرأت في التاريخ عن ثورة وأدت نفسها حية بعد أن حققت غايتها؟
إبن الثورة الفرنسية جورج جاك دانتون ـ الذي خلّده الكاتب الألماني فريدريش شيلر في رواية شهيرة جسّدت بعض المحطّات الدموية للثورة الفرنسية ـ قال وهو أمام مقصلة الإعدام: “إن الثورة تأكل أبنائها”، مستكملاً المثل الفرنسي القائل “من السهل أن تبتدئ الثورات و لكن من الصعب أن تنهيها بسلام”. حتى من أمر بقصاصه [روبسبيار، أحد سفّاحي الثورة] لم يفلت رأسه من المقصلة.

أنا هنا لا أرفض الانتفاض على الظلم، على العكس، لكن هنالك ثورة كـ”وسيلة” للانتفاض، و هنالك ثورة كـقاعدة “أيديولوجية”. الأخيرة هي ما أخشاها، لأنها تعادي الاستقرار و البناء على المدى الطويل. كيف؟

الثورة تحتاج إلى الحطب لتلهب، لتشعل قلوب الأجيال القادمة، و هي لن تكتفي بالتهامهم فحسب، بل تحمل في باطنها نواة التمرّد و الانتفاضة. فالاستقرار يخمد لهيبها و الاطمئنان يتفه نورها، لذلك لو لاحظت، الفكر الثورچي يعشق الالتفاف خلف الأفكار المثالية، لأن المثالية تحتم دوام لهيب الثورة. البارحة كان رغيف الخبز، اليوم حقوق المتحوّلين، و ربما غداً حقوق الروبوتات أو الحشرات المضيئة ليلاً…

أمزح معك، هنالك شوارع في أوربا لا يسمح فيها بتجاوز سرعة معيّنة حوفاً على الحشرات. أتكلّم بجد.

دعك من ذلك، لندخل في صلب التحليل: أنا أجد علاقة سببية بين اليسار/الفكر الثوري، و بين الشباب. سأتناول هذه العلاقة بشكل نقاط أعلل في كل واحدة منها السبب المحتمل:

☚ الشباب غالباً ما تجذبهم الحداثة و التجديد. كبار السن، على العكس و في الكثير من الأحيان، يحذرون التجديد. لأن البناء [العائلة، المؤسسات] يقتضي الاستقرار و الرؤية المستقبلية، و هذان بدورهما بحاجة ماسة إلى واقع يمكن فهمه و التنبّؤ بمستقبله. هذه الرؤية نفسها تتبلور مع تراكم التجارب و الخبرة، وبالتالي فهي مفقودة عند الشباب، مما يجعلها المانع الغائب في وجه التجديد المستمر. قد لا تكون الطبيعة و الساعة البايولوجية الدافع الأكبر وراء ذلك، لكنها حتماً تلعباً دوراً ما.

☚ ذكريات الأجيال الأكبر سناً تجعلهم يرغبون في نموذج اجتماعي لن يتكرر مرة أخرى. الشباب بدورهم لا يتحملون هذا العبء، و العالم الوحيد الذي يعرفونه هو الذي عرفوه و ولدوا فيه. لذلك الثورة على التقاليد هي تعبير صريح عن ذلك.

☚ يواجه الشباب اليوم العديد من العجائب الفكرية الجديدة و المحطّات التكنولوجية كل يوم، و الكم المعلوماتي يتسارع بشكل لا يستوعبه أحد، و هنالك الكثير ما يدفع بهم للقلق، خصوصاً و أنهم لا يمتلكون الوقت الكافي لتأمّل هذه التنوّعات و ذلك الكم الشاسع من الجديد و المتغيّر. هذا التراكم ثقيل على وعي الأجيال الحديثة و تبعاته يجب أن تؤخذ بالحسبان.
لنفترض أننا عرضنا الشباب اليوم على ثقافة قروية تخرج جثث الميتى من قبورهم كل ما مر عقد من الزمن ليرقصوا معهم ويحتفلوا بهم [هنالك قبائل أفريقية تعيش هذه التقاليد فعلاً]. بغض النظر عن موقفهم من الفكرة، هضم الثقافات و التقاليد المختلفة قد يتطلّب قراءة تاريخية و استيعاب متكررين، و هذان يستغرقان أحياناً عقوداً من الزمن، و بعضها قد لا ينتهي أبداً. برأيك هل تظن أن الجيلين الأخيران استوعبا النكسة الاقتصادية العالمية مثالاً؟ أو السبب الفعلي خلف انهيار البورصة؟ أنا أتحدّث عن الوعي العام بالأخص.

☚ في أوربا مثلاً، تجد أن العديد من الشباب قد نشأ مع الأطفال المهاجرين [خصوصاً وأن المهاجرين لديهم معدّل خصوبة أعلى نسبياً]، و هم أكثر دراية بتلك الثقافات من الأجيال التي سبقتهم. لكنني هنا لا أقصد ثقافة الهوية، بل معرفة سطحية لا تستوعب الإطار التاريخي و الأخلاقي بشكل تام و لا تقارنه مع الثقافة المحلّية بماضيها و حضارتها. لذلك يجدون صعوبة في تبنّي أفكار تريد حصر الإطار الثقافي، و بالتالي يلجأون إلى سياسات عولمية منفتحة كردة فعل.

☚ شريحة الشباب شريحة تحسب إلى غرباء المجتمع، حيث أنهم لا يعتلون مراكز القرار و لا يتحلّون بالقوة الاقتصادية بعد، وبالتالي فهي شريحة تميل إلى سياسات تستأنس الغرباء أكثر من غيرها و تستعطف أكثر من قابليتها على التحمّل. حتى تصبح مطلّعة، حينها تريد سياسات للمطلّعين.

☚ الشباب الذي يقرأ نصوص الفلسفة اليسارية [المناهج الجامعية لا تخلوا من نصوص هيربرت ماركوزة و رواد مدرسة فرانكفورت، أو أدبيات النضال الثوري] مهووس بالاندماج الاجتماعي بين أقرانه، و هو حوّل الكثير من الشباب إلى منبذين اجتماعيين تجاه كل من يملك أفكاراً غير مطابقة لعالمهم. هذا ما فسح المجال لبزوغ حركات الصواب السياسي المؤدلجة و الـ SJWs. خصوصاً و أن ديدن الأدب الفلسفي ما بعد الحرب العالمية الثانية كان يتمحور حول توبيخ ضمير الأجداد و تحذير الشباب من السكوت و حثّهم على الانتفاض في وجه المجتمع. فتوبيخات أدورنو طالت حتى الشعراء في خمسينيات القرن الماضي كونهم تجرّأوا على الابتسامة للحياة رغم فاجعة الهولوكوست. [هذه الفترة شهدت بزوغ عقول أدبية في أوربا، خصوصاً في المانيا، تنظر بصورة إيجابية نحو مستقبل واعد و إعادة البناء]. و بالتالي هم على تماس عاطفي مباشر مع شؤون المجتمع، و يفهمون أنفسهم كفرسان مناضلين من أجل حقوق الآخرين، و هو ما يبعث في داخلهم شعوراً بالأهمية و الغاية النبيلة.

☚ طبيعة البشر الاندماج و التأقلم بأقل حجم ممكن من الخلافات. الشاب خصوصاً يكون في مرحلة اكتشاف و بناء ذاته. موارده ضئيلة و خبرته خجولة، على الجانب الآخر من المعادلة، رغبته في أن يحظى بالاعتراف و التأييد تكاد تصل الحاجة القصوى، لذلك لا أستغرب هيمنة أفكار تروّج للتساوي، الجموعية و الحرية المطلقة، لأنها تحقن شغفهم بالهدوء و تقلل من حدة الخلافات مسبقاً. الناضج عمراً يكون قد تجاوز مرحلة البحث عن هوية جديدة على أنقاض الماضي، و يبدأ بتوطيد مؤسساته.

لنعد إلى ما قبل السطرين الأخيرين: الحاجة القصوى للاعتراف تعني الكثير و دورها في صقل نرجسية الإنسان لا يمكن الاستهانة به. لأن الثورة و النضال يتاجران بمثاليات تطفئ ظمأ الحاجة هذه. إنه ما قد يسميه البعض عنفوان الشباب: طاقة استثمرتها الثورات كحطب على مر التاريخ، حتى يومنا هذا.

أنا لا أكتب من باب التنديد بالشباب، بالعكس، هم طاقة و مستقبل شعوب، لكن مصدر قوّتهم هو مصدر ضعفهم في نفس الوقت.

يتبع..