قصور مبدأ العلّية و مشكلة فكرة المسبّب الأوّل

مبدأ العلّية هو من أهم آليات عمل عقلنا على الإطلاق و نحن بحاجة لاستخدامه كمفهوم تواصلي بقدر حاجتنا لمفهوم الصدفة و العشوائية في تفسير ظواهر الكون و فيزيائه، و هنا لا أقصد الفهم الشعبي الساذج. فالصدفة لا تقتضي دائماً غياب السببية، بل هي نوع من عدم التحديد أو التقاطع أو التشابك في الأسباب المنتجة للحدث، كيف؟ دعني أوضّح بمثال: تخيل نفسك كمهندس معماري أثناء مراسيم افتتاح أول بناية جديدة أنت صممتها، و فجأةَ تضرب صاعقة أعلى المبنى و تصيبه بضرر، في هذه الحالة نعتبرها محض صدفة. و لكن هل يعني ذلك أن قوانين الكهرباء قد أصابها الخلل؟ بالتأكيد المبرهن لا، ألاّ أنّ التقاء مجموعتين من الأسباب المستقلة الواحدة منهما عن الأخرى، أي ترافق سقوط الصاعقة مع لحظة الإفتتاح، يجعلنا نتحدث عن الصدفة.

في نفس الوقت ماهية السببية هي وهم يقتصر وجوده ضمن إطار العقل البشري، فالعلّية ليست شيئاَ ملموساً أو قابلاً للاستدلال بقدر كونها مفهوماً و آلية يستخدمها العقل في ربط الأحداث مع بعضها. و لهذه الآلية جذور تطوّرية سهْلت لنا تنظيم حياتنا و التكيف مع ظواهر الطبيعة وتجنّب أخطار المحيط الذي نعيش فيه. فبين ظاهرتين لا توجد أي علاقة حقيقية، فأنت عندما تلاحظ أن الظاهرة ‘ب‘ تأتي عقب الظاهرة ‘أ‘، تربط تلقائياً بينهما بسبب اقترانهما في الوجود زماناً ومكاناً، و هذا الربط إنما هو افتراض ذهني ذاتي.

لكن مالمشكلة في الحتمية و في السببية؟ ما هي إشكالية العلّية في تفسير الكون؟ و هل نحن فعلاً بحاجة لمسبّب يفسّر الكون “المعلول” افتراضاً؟

العلم الحديث و فيزياء الكون لهما رأي واضح و إن تخلله التعقيد، فالطفرات الجينية و الطفرة أو التنقّل الكمّي و بعض الظواهر الفيزيائية الأخرى تدفع بنا للتأمّل قليلاً في فكرة السببية هذه التي يستلذّها العقل بفطرته. فافتراض أن هناك سبب أوّلي أو خالق للكون، يشوبه بعض الخطأ. كيف ذلك؟

سأوضّح الفكرة أكثر: السبب هو حدث أو فعل يقتضي بتأثيره على حدث أو فِعل آخر، لذلك من البديهي أن يكونا، السبب و النتيجة، خاضعين لعلاقة زمنية مترابطة. و عليه، فالسبب الأول يشترط الوقت، و بالتالي لا يمكن أن يكون سبباً للزمن أيضاً. أي إذا كان الإله هو السبب الأوّل، فهو إذن ليس أعلى سلطةً، و إنما تعلوه الضرورة الزمنية و يصبح ‘بحاجة’ للزمن، الذي من جديد يبحث عن عِلّته! فمن يفترض وجود العِلّة، هو مطالب بالدليل، و هو مطالب بأن يثبت أن السببية تتوقف عنده فقط، لأن توقفها بحد ذاته هو ذلك التناقض بجوهره! أبسط مثال على مشكلة الفكرة هذه:

تخيل معي أن هذا المسبّب الأوّل قادر على كل شيء، أي أنه يمكن أن يكون منتهياً و لامنتهياً، لكنه في هذا الافتراض “لايستطيع” و يعجز عن أن يكون منتهياً، لأنه إذا أصبح منتهياً، فيحتم على نفسه الفناء، و كيف يفنى و هو خالد؟! و بالتالي هذا مثال بسيط على عجز و قصور يتناقض مع “الكمال”.

و لذلك تجد غالباً ما يعتبر العديد من الفيزيائيين مبدأ العلّية أقل أو ليس مناسباً وصفه بـ “قانون الطبيعة” و إنما هو تفسير بشري منطقي لتتابع الأحداث، حيث لا يوجد قانون أو ثابت كوني يشترط بالضبط إطار و حجم علاقة العلّة و المعلول زمكانياً; سأتناول الفكرة أكثر لاحقاً.

ركز معي قليلاً في هذا السناريو: أنت صائد برّي تشاهد أمامك غزالاً و تصوّب نحوه. عندما نتكلم هنا عن عالم حتمي و نفترض الحتمية، فيصبح الحدث “الغزال قد مات” هو ما لا يقبل للشك و هو ما سيحدث. الآن، و هنا يكمن الفرق بين الحتمية و السببية، لنفترض أنك في عالم تحكمه السببية، حينها تكون دقة التصويب، التجربة و إتقان السيطرة على السلاح هي أسباب وقوع الحدث “الغزال قد مات”، في نفس الوقت تكون هناك فرص فشل واردة لا نستطيع تجاوزها. في العالم الحتمي نستطيع إستنتاج وهم الإرادة الحرة، و هو ما يتعارض مع نظام الخالق الأخلاقي. في العالم السببي بالمقابل، يصبح المعلول، نشوء الكون على سبيل المثال، هو أيضاً إحتمالية بجانب إحتمالات أخرى عديدة، و من جديد، السببية تسبق هنا رغبة الخالق. لكن دعني أنتقل بك لعالم الكمْ لتتوضح الفكرة أكثر.

مفهوم السببية الكلاسيكي مفهوم ناقص و يجب تجاوزه و ذلك للأسباب التالية:

١) إذا ما تناولنا مبدأ العّلية وفق منظور علمي عقلاني، بحيث نقرّ أن مستوى إدراكنا للعلاقات في العالم الذرّي لا يمكن أن يحتكم للسببية بشكلها الكلاسيكي و أخذنا بعين الإعتبار النتائج التجريبية و الاستنتاجات النظرية لميكانيكا الكم، سنصل حينها إلى تعريف نوع جديد من السببية، بحيث تأخذ بالإعتبار الطبيعة الاحتمالية للنظام المدروس و الاعتراف بالقصور الحتمي و الخضوع لمبدأ اللادقة لهايزنبيرگ. فأي نظام و أي حدث كمّي لا نستطيع فيزيائياً تفسيره و دراسته وفق المفهوم الكلاسيكي، لذلك، السببية الاحتمالية التي تدرس العلاقات بين المقدّمات و النتائج بشكل كلّي يأخذ باعتباره النظام ككل بالإضافة إلى الاحتمالات الممكنة للحالات التي يمكن للنظام أن يكون فيها، تعالج هذا القصور الكلاسيكي; هذا المبدأ تتناوله أيضاً نظرية التطوّر في تفسير الطفرات العشوائية و آلية عمل الانتخاب الطبيعي. في هذه الحالة تكون “علّة المعلول” واحدة من إحتمالات ممكنة أخرى و من جديد نجد فكرة المسبّب الأول أو العلة الأولى الوحيدة ناقصة المضمون و تفتقر للدعم العلمي.

٢) مبدأ اللايقين لهايزنبيرگ نتج عن الطبيعة المزدوجة لهذا العالم الصغير التحت ذرّي و من خواصه الغريبة التى تحصل بسبب القياس الذي هو نفسه عقبة أمام قياس حالة أي جسيم كمّي بدقة! أي إذا قمنا بقياس الخواص الجسمية لكمّية فيزيائية بدقة فى المستوى الكمّي، و هى خواص المكان أو الزمن، فإنه من المستحيل تحديد الخواص الموجية بدقة، الطاقة و كمّية الحركة، و يبقى مقدار الشك فى الخاصيتين معاً أكبر من ثابت بلانك و لا يمكن أن يقل عن ذلك ليكون صفراً و تكونا الخاصيتين محددتين بدقة. معناه أن الإنسان ليس قادراً على معرفة و قياس كل شيء بدقة ١٠٠٪، إنما هناك قدر لا يعرفه و لا يستطيع قياسه. و هذه الحقيقة الطبيعية تخضع لمعادلة هايزنبيرگ التي يتحكّم فيها ثابت بلانك ->

عدم التأكد في كمية الحركة x عدم التأكّد للموقع ≃ ثابت بلانك

٣) الحدث ‘ب’ يتحقق بسبب الحدث ‘أ’ الذي يسبق وقوعه وقوع الحدث ‘ب’ على خط الزمن، و وفقاً لهذا التعريف، وجب أن لا يتجاوز تأثير ‘أ’ على ‘ب’ سرعة الضوء. في حالة عدم الإنصياع لهذا القانون يعني ببساطة انتهاك السببية، وهو ما أثبتت ميكانيكا الكم إمكانية حدوثه.

فيزيائياً تسمْى هذه الظاهرة بالتشابك الكمّي، حيث يمكن لأثنين أو أكثر من الجسيمات الكميّة أن تتصل مع بعضها البعض و ترتبط فيها الجسيمات الكميّة ببعضها، رغم وجود مسافات كبيرة تفصل بينها. مما يقود إلى ارتباطات في الخواص الفيزيائية لهذه الجسيمات.

عند تغيير خاصية إحدى هذه الجسيمات، جسيّم س، يمكن أيضاً ملاحظة هذا التغيير عند الجسيم ص دون تأخير و دون حاجة للزمن. نعم، الفكرة مجنونة لكن هذا هو الواقع المدهش لعالم الكوانتم. الشيء المتناقض هو أن “نقل” من مثل هذه المعلومات من جسيّم إلى آخر ليس ملزماً بسرعة الضوء – حتى لو كانت المسافة بين جسيّم س و جسيّم ص عدة سنوات ضوئية! التغيير في الخواص يطرأ على الجسيّمين في آن واحد!

لاحظ كيف يسقط الوقت و التتابع الزمني فجأة من المعادلة؟! هل ستجيد استخدام السببية الكلاسيكية في تفسير الظاهرة؟ لا أظن ذلك!

في الختام، إن لم تفهم الكثير، لا بأس، الفيزياء الكميّة بقدر ما هي شيّقة و ممتعة، هي معقّدة أيضاً. مالذي تستمدّه من هذه المقالة؟ لا شيء، فقط متّع عقلك قليلاً و وسّع نطاق مخيّلتك. فالعِلم هدفه تفسير الظواهر حولنا و فك ألغاز كوننا الشاسع، لا أكثر. حاول مراجعة فكرة السببية هذه، تأمّل بها قليلاً و إقرأ أكثر إن رأيت أن الموضوع قد جذب إنتباهك. و في النهاية، لا أعدك بأي حقيقة مطلقة في هذا النص، لكن أستطيع أن أطمئنك على رصانة المنهج العلمي، الذي لا يسمح لي أن أتكلم بلغة اليقين، و هذا هو المطلوب، المرونة في الفكر و تناول الأفكار و تفكيكها، مهما راقت لنا و مهما أطربتنا!

Gleichheit & Gerechtigkeit und die biologische Notwendigkeit dieser Illusionen

Ein Mensch stirbt nicht, wenn er seine Fähigkeit zum Atmen, sondern wenn er die Fähigkeit zum Wünschen verliert! Er ist schon das einzige Geschöpf, das Illusionen schafft und es dabei genießt, diese zu realisieren.

Erst die Möglichkeit, einen Traum zu verwirklichen, macht unser Leben lebenswert. Seit Tausenden von Jahren und wir träumen immer noch von unrealistischen Idealen, von absoluter Freiheit und Gleichheit, vergessen aber, dass die Essenz dieser Werte und Konzepte, die jede Art von Beschränkungen ablehnt, im Gegensatz zu unserem heutigen demokratischen Verständnis, steht!

Wir glauben an Freiheit und Gerechtigkeit, ignorieren aber die Tatsache, dass den Begriffen die wahre realistische Funktion fehlt!

Seit dem Eintritt einiger Kulturen in das Zeitalter der Massendemokratie – infolge des Untergangs vieler Monarchien und der Ausweitung des Wahlrechts nach dem Ersten Weltkrieg – übernahmen so gut wie alle politischen Systeme den Anspruch, das Ideal eines sich selbst bestimmenden Volkes zu verwirklichen, und dementsprechend ist Demokratie der Traum vieler Kulturen geworden, und viele Menschen erstrebten dieses Ziel, auch wenn es ihnen das höchste Gut, ihr Leben, kostete.

Demokratie ist aber nichts anderes als die Diktatur im Engelskostüm aus Seide. Selbstverständlich ist der Umfang der Freiheit größer und die Menschen haben „mehr“ Rechte, aber die Krone der Macht trägt nun das Geld, wie es der Fall in Europa ist, wo eine Banknote das Schicksal von Millionen von Menschen beeinflusst! Und von einer absoluten Freiheit können wir definitiv nicht sprechen. Auch der Begriff “Gleichheit” wird überbewertet.

Friedrich Nietzsche bemerkte einst, die Existenz der menschlichen Gesellschaft könne nur auf der Grundlage des Vorhandenseins menschlicher und sozialer Unterschiede gebaut werden, und diese Disproportionalität sei das, was diese Gesellschaft ausmache. Die Sklavenschicht existiere in jeder Zeit, nur verkörpere sie neue Gestalt in verschiedenen Formen. Die geistigen, kulturellen und materiellen Unterschiede zwischen den Schichten ermöglichen die Existenz der menschlichen Gesellschaft, wie wir sie heute kennen. Ein Mangel an Harmonie – in dem Sinne die Gleichheit und das Verschwinden der Unterschiede – würde die Entropie der Gesellschaftsordnung erhöhen.

Die gesellschaftlichen Koordinaten des kulturellen und materiellen Kapitals – die sich mit dem Bourdieuschen Feld-Begriff erklären lassen – bewahren die Balance und Kulturordnung der Gesellschaft.

Die Rolle des Sklaven kann auch die Gesellschaft selbst spielen. Was glauben Sie, wie konnten die Europäer ihren wirtschaftlichen Wohlstand aufrecht erhalten? Nicht auf Kosten Afrikas und mehrerer Entwicklungsländer?

Die heutigen wirtschaftlichen Systeme führen uns zu egoistischen Tendenzen und zur Liebe zur Macht und brutalem Kampf ums Überleben. Das Wirtschaftssystem spiegelt sich in unserer psychischen Befindlichkeit wieder, und diese psychische Befindlichkeit wiederum wirkt sich auf unser Wirtschaftssystem aus. Wir leben als Individuen, die von dem Wunsch getrieben sind ein Mehr zu haben und ein Optimum zu erwirtschaften. Das muss ein Ende haben, sonst ruiniert das System das moralische Verhalten vieler Menschen und züchtet weiter Egoismus, und irgendwann stehen wir vor einer Dekadenz. Doch je liberaler eine Gesellschaft wird, desto komplizierter wird es, moralische Verbindlichkeit herzustellen. Wir erleben einerseits eine Übermoralisierung in der Gesellschaft, etwa in der ganzen Panikökonomie, andererseits Moralverlust in den Gesellschaftsschichten. Es mangelt an mehr Verantwortungsbewusstsein aller gesellschaftlichen Schichten, und besonders vom Staat.

Sind Werte wie Gerechtigkeit und Gleichheit eine Illusion?!

Natürlich überstände unsere Rasse die Brutalität unserer animalischen Zuneigungen und die Folgen einer moralischen Dekadenz ohne die menschlichen moralischen Doktrinen und Theologien nicht. Denn unsere evolutionsbedingte Fähigkeit zur Moral diente zur Prävention solcher Dekadenz.

Charles Darwin lag nicht falsch mit der Behauptung, die sozialen Instinkte, wie Empathie, Kooperation und moralischer Sinn hätten sich durch natürliche Selektion entwickelt. Dies bedeutet aber nicht, dass diese „Fähigkeit zur Moral“, unsere animalischen Triebe komplett eliminiert hat.

Ja, wir sind alle Menschen, aber wir unterscheiden uns immens! In unserer Meinung, im Denken, Ehrgeiz und Zielen, und dieser Unterschied ist so groß, dass wir nie von einer absoluten Gleichheit sprechen dürfen! Es gibt Menschen, die sind geboren, um zu führen und Verantwortung zu übernehmen, und andere, geboren, um ihnen zu folgen! Dass Menschen geführt werden müssen, und dass Menschen geführt werden wollen, ist eine geerbte Eigenschaft aus dem Tierreich, und dies spiegelt sich in unserem Umgang miteinander wieder. In der Arbeit, in der Schule, Zuhause oder in einer beliebigen Gruppe. All diese Unterschiede evidieren, dass weder die Essenz der Gerechtigkeit noch die der Gleichheit uns Menschen zugänglich werden.

Tatsächlich sind die Gerechtigkeit bzw. die Gleichheit nichts anderes als moralische Kriterien – Illusionen – die wir brauchen, um uns vor unserem Selbstbild rechtfertigen zu können. Dementsprechend prallen wir ständig gegen die Wand des Idealismus. Das Seltsame, aber auch Logische daran ist, dass wir diese Wand ehren und deren Aufbau unterstützen. Stellen Sie sich unsere Gesellschaft ohne Werte wie Freiheit, Gerechtigkeit oder Gleichheit vor, wäre sie wirklich nicht funktionsfähig?

#RapeCulture: eine hy­per­bo­lische Massenbeschuldigung und Abmeldung von der Realität.


Das feministische Hashtag #RapeCulture (Vergewaltigungskultur) ist eine [auch, wenn ich dieses Wort, aufgrund des kontinuierlichen Missbrauches, ungern benutze] sexistische Anschuldigung und ein gewagter Vorwurf gegenüber der Gesellschaft; warum?

“Vergewaltigungskultur” ist eine Kultur, welche die männliche sexuelle Aggression “ermutigt” und Gewalt gegen Frauen unterstützt. Das tut die Bundesrepublik nicht und ist keine belegte Tatsache oder Alltag in unserer Kultur. Und nein, hier spreche ich nicht von sexueller Belästigung; das ist ein aktuelles Thema, wo ein akuter Handlungsbedarf besteht.

Bedauerlicherweise gibt es immer wieder Vergewaltigungsfälle, die erheblichen psychischen und physischen Schaden anrichten, und für gesellschaftliche Aufregung sorgen. Diese barbarischen Taten duldet weder ein zivilisierter Mann, noch gibt es eine staatliche oder kulturelle Instanz, die solche toleriert.

Aber Vergewaltigungs-Kultur?! Als würden wir in einer Gesellschaft leben, wo die Vergewaltigung einer Frau eine gesellschaftliche Norm ist? Wieso diese Anschuldigung? Warum wird dem Mann a priori Vergewaltigungspotential vorgeworfen?

Nun überprüfen wir ganz schnell die gesetzliche Lage: Körperliche Gewaltanwendungen, die ihrerseits Straftatbestände erfüllen, werden rechtlich streng geahndet:

§177 Abs. 2 StGB (Abs. 3 und 4)

“(1) Wer eine andere Person
1. mit Gewalt,
2. durch Drohung mit gegenwärtiger Gefahr für Leib oder Leben oder
3. unter Ausnutzung einer Lage, in der das Opfer der Einwirkung des Täters schutzlos ausgeliefert ist,
nötigt, sexuelle Handlungen des Täters oder eines Dritten an sich zu dulden oder an dem Täter oder einem Dritten vorzunehmen, wird mit Freiheitsstrafe nicht unter einem Jahr bestraft.
(2) In besonders schweren Fällen ist die Strafe Freiheitsstrafe nicht unter zwei Jahren. Ein besonders schwerer Fall liegt in der Regel vor, wenn:
1. der Täter mit dem Opfer den Beischlaf vollzieht oder ähnliche sexuelle Handlungen an dem Opfer vornimmt oder an sich von ihm vornehmen läßt, die dieses besonders erniedrigen, insbesondere, wenn sie mit einem Eindringen in den Körper verbunden sind (Vergewaltigung), oder
2. die Tat von mehreren gemeinschaftlich begangen wird.
(3) Auf Freiheitsstrafe nicht unter drei Jahren ist zu erkennen, wenn der Täter
1. eine Waffe oder ein anderes gefährliches Werkzeug bei sich führt,
2. sonst ein Werkzeug oder Mittel bei sich führt, um den Widerstand einer anderen Person durch Gewalt oder Drohung mit Gewalt zu verhindern oder zu überwinden, oder
3. das Opfer durch die Tat in die Gefahr einer schweren Gesundheitsschädigung bringt.
(4) Auf Freiheitsstrafe nicht unter fünf Jahren ist zu erkennen, wenn der Täter
1. bei der Tat eine Waffe oder ein anderes gefährliches Werkzeug verwendet oder
2. das Opfer
a) bei der Tat körperlich schwer mißhandelt oder
b) durch die Tat in die Gefahr des Todes bringt.
(5) In minder schweren Fällen des Absatzes 1 ist auf Freiheitsstrafe von sechs Monaten bis zu fünf Jahren, in minder schweren Fällen der Absätze 3 und 4 auf Freiheitsstrafe von einem Jahr bis zu zehn Jahren zu erkennen.”

Das ist in Deutschland; ich könnte mich auch auf die EU oder internationale Ebene beziehen, aber es geht mir um die Lage in Deutschland.

Es wird ständig in den linken feministischen Medien behauptet:

1) Frauen seien Opfer, und zwar kollektiv, denn nur sie können vergewaltigt werden.

2) Männer seien Täter, und zwar kollektiv, denn nur sie können vergewaltigen, und wer noch keine Frau vergewaltigt habe, sei trotzdem ein “potentieller Vergewaltiger”.

Um Frauen vor sexuellen Übergriffen und Vergewaltigungen zu schützen, brauchen wir eine aufgeklärte Gesellschaft, einen präsenten Rechtsstaat und vor allem ein zivilisiertes Bewusstsein, das pädagogisch verankert werden muss; keine HassTags, die dazu dienen, ein falsches gesellschaftliches Bild zu vermitteln.

Es ist ein Plädoyer für eine nüchterne Debatte über die Gewalt gegenüber Frauen, denn pauschale Vorwürfe und emotionale Argumente wie alle Männer seien potentielle Vergewaltiger, sind kein produktiver Beitrag. Diese erschweren es uns, die Lage sachlich zu beurteilen und pragmatisch vorzugehen.

Die kritische Erziehung des Menschen zur Mündigkeit

Die wirtschaftlichen und sozialen Verhältnisse, die das Handeln des Menschen heute bestimmen, schildern die Abhängigkeit des Subjekts von dem staatlich/wirtschaftlich regulierten System, welches die Individualisierung als primär notwendiger Prozess unterstützt und dadurch die Verdinglichung dieses Subjekts als ein wirtschaftlich Verständliches darstellt. Das hindert die Menschen heute daran, einen Einblick in das Zustandekommen dieser Verhältnisse zu gewinnen. Unser Leben passt sich einer Routine an, die das Bestehen einer Einheit des Ganzen garantiert, und dadurch das sichere Fortfahren des Systems ermöglicht.

Die Illusion eines frei individuell realisierten Lebens, welches uns das System verkauft, verbirgt in sich die Essenz eines profitorientierten kapitalistischen Plans, der das Subjekt verdinglicht durch die Legitimation einer Arbeitsmoral, die diese Einheit zum süchtigen Sklaven bzw. Konsumenten macht, der letztendlich dem System zu dienen haben muss. Denn wir werden so programmiert, arbeiten um Geld auszugeben, nur der Trick ist, dass wir diesen Lohn als Erstattung unserer geleisteten Arbeit akzeptieren, gleichzeitig vergessen wir, dass wir dieses Geld wiederum für etwas ausgeben, was wir gar nicht brauchen, da es auch kostenlos ginge, also sind wir Sklaven. Und genau das macht Sklaven aus: Arbeit ohne Lohn; versklavt durch die Wirtschaft!

Der Mensch wird heute durch das Schul- und Hochschulsystem zu einer Arbeitskraft aufgezüchtet, die das Ziel anstrebt, Geld verdienen um Glück und Anerkennung zukaufen.

Der Konsument ist letztendlich nichts anderes als Herdentier, der gerne teilt, was er mag. Und was wir kaufen oder bestellen, das bestimmen die Anderen! Er lässt alle wissen, welche Drogeriekette ihm gefällt und bei welchem Klamottenhersteller er gerne kaufen geht. Dies lässt sich deutlich durch die Sozialen Netzwerke bestätigen! Wir sind nichts anderes als Werbeträger. Ein Teil dieses konsumorientierten Prozesses, und wir machen es kostenlos und mit Vergnügen, denn Konsumieren verspricht uns Glück. Wir Menschen nutzen das Einkaufen gezielt, um unsere Emotionen zu regulieren und schlechte Gefühle zu vertreiben!

Walter Benjamin, ein deutscher Philosoph und Literaturkritiker, sagte „Der Kapitalismus dient essenziell der Befreiung derselben Sorgen, Qualen, Unruhen, auf die ehemals die sogenannten Religionen Antwort gaben“ er sei jedoch reiner Kult ohne Transzendenz!

Die Essenz des Menschen wird formalisiert; durch diese Formel wird sie berechenbar und damit einem Nützlichkeitsaspekt unterzogen, präsent und manipulierbar zu sein. Diese Berechenbarkeit macht ihn zu einer berechenbaren Arbeitseinheit, die ihre Erfüllung nur durch dieses System realisieren kann. Die Subjekte werden zum manipulierbaren Kollektiv, und dadurch in der Arbeitsteilung zu Objekten verdinglicht. Die Flexibilität und Anpassung an die moderne Technik und den wirtschaftlichen Markt werden gefordert, dies geschieht nicht nur, weil das System uns aus unserer Unmündigkeit befreien möchte, sondern, weil es dem wirtschaftlichen und politischen Interesse dient. Diese kritische Betrachtung lässt sich in der kritischen Theorie Adornos und Horkheimers, die sie nach dem Zweiten Weltkrieg veröffentlicht haben, wiederfinden.

Diese Arbeitsmoral muss wieder remoralisiert werden, sodass der Mensch seine Erfüllung in seiner Arbeit findet und sich von der Verführung des blinden Konsumierens befreit. Er soll lernen für sich selbst zu existieren und sich aus seiner Unmündigkeit durch kritisches denken zu befreien. Dies geschieht in dem wir eine deliberative Demokratie fordern, die das System reformiert und die Dominanz der wirtschaftlichen demoralisierten Interessen terminiert.

Deliberative Politik ist, so Habermas und da stimme ich ihm zu, eine Politik der argumentativen Abwägung, der gemeinsamen Beratschlagung und Verständigung über öffentliche Angelegenheiten.

Dies setzt „ideale Prozeduren der Beratung und Beschlussfassung“ und ermöglicht dem Menschen durch das kommunikative Handeln, einen Einblick in das Zustandekommen dieser reziproken wirtschaftlichen und sozialen Verhältnisse zu gewinnen, was dem kritischen Mensch die Voraussetzung um sich eine Diskontinuität der bestehenden Verhältnisse vorstellen zu können ermöglicht. Denn wir Menschen inhärieren die Fähigkeit sich das vorzustellen, was anders und besser sein könnte, auf einer Skala zwischen der möglichen Realität und dem Absurdum.

Ten Transhumanist Upgrades Everyone Will Want

Science fiction, computer games, animation… cyborgs are everywhere in fiction. Transhumanists are philosophers who believe that one day, cybernetic upgrades will be so powerful, elegant, and inexpensive that everyone will want them. This article lists ten major upgrades that I think will be adopted by 2100.

#10. Disease immunity.

Later this century, we will become capable of building artificial antibodies that outperform their natural equivalents. Instead of using chemical signaling relying on diffusion to reach its target, these antibodies will communicate with rapid acoustic pulses. Instead of proteins, they will use durable polymers or diamond. These antibodies will move through the bloodstream more quickly than other cells in the body, taking up less space and resources, meaning that there will be room for many more. Using super-biological methods for identifying and neutralizing foreign viruses and bacteria, these tiny robots will function in harmony with our own bodies. They will be powered by glucose, ATP (like natural antibodies), or acoustically. There are already bloodborne microbots today which are not rejected by the immune system—these are the precursors of tomorrow’s nanorobotics. Through their presence and continued operation, they will eliminate all susceptibility to disease in those who have them running through their veins. This will not make people immortal to brute force attacks, but will allow them to walk into a room contaminated with a flesh-eating virus in nothing but a pair of shorts and a T-shirt. For more on artificial antibodies and other body-integrated nanites, seeNanomedicine.

#9. Telemicroscopic, full-spectrum vision.

There are microscopes that weigh one tenth of an ounce. Some birds of prey have vision so sharp that they can spot a hare a mile away. We have compact devices that can scan the electromagnetic spectrum from x-rays to radio waves and everything in between. Our eyes in their current form can do none of these things. In time, they will be upgraded. There are already prosthetic retinas that provide low-resolution artificial vision for blind people. It’s simply a matter of time until better prosthetic eyes are created, and their sharpness, contrast, and resolution is superior to what evolution gave us. The biggest challenge may end up not actually being about building a superior artificial eye, but remodeling the visual cortex so that it can process the info and relay it to the rest of the brain in such a way that it’s not overwhelmed.

#8. Telepathy/Brain-Computer Interfacing.

Ever wanted to send someone a message with nothing but your mind, or have a neural implant that gives your brain direct access to Google? Hundreds of corporate and academic labs across the world are working on projects that generate progress in this area. Check out the Berlin Brain-Computer Interface,which lets you move the cursor around on a screen with only your EEG waves and 20 minutes of training. Better brain imaging will allow us to continue increasing the bandwidth between brain and computer, eventually allowing for a “mental typewriter” that converts thoughts into text. A tiny transmitter could send this to abone-conduction device on the receiving person, letting them hear the message without sound. NASA is also working on a device to transcribe silent, ‘subvocal’ speech. Like many transhumanist upgrades, these will probably start as efforts to help people who are handicapped, then evolve into powerful tools that can be used by anyone bold enough to adopt them.

#7. Super-strength.

Early in 2006, scientists at the University of Texas at Dallas, led by Dr. Ray H. Baughman, developed artificial muscles 100 times stronger than our own, powered by alcohol and hydrogen. Leonid Taranenko, the former Soviet weightlifter, holds the world record for power lifting a 266 kg (586 lbs) dumbbell. If Leo’s natural muscles were replaced with Dr. Baughman’s synthetic polymer muscles, he could lift 26,600 kg, or about 30 tons. That’s equivalent to the weight of the yacht theNova Spirit. Super-strength is an interesting area in that the technology to do it hasalready been invented—the only step remaining is actually weaving the fiber into a human body—which today would be complicated and messy, not to mention probably illegal. However, that doesn’t mean that it won’t be done, probably within a few decades. Further improvements to the process could make it safe for normal people, numerous ethics questions notwithstanding. One benefit of improved muscles is that we’d be far less vulnerable to unfortunate accidents. They could also provide armor against bullets or other forms of attack. One downside is that people could use them to bully others around. Guess the good guys will need even bigger muscles than the bad guys. Nobody ever said this would be simple.

#6. Improved appearance.

In general, there is a lot of agreement as to who is attractive and who is less so. Numerous experiments have shown that while there are slight subjective differences in what we find attractive, we are biologically programmed to look for certain facial and physical features that correlate with inclusive fitness. For the time being, this is unavoidable. The only way to change it would be to reach inside our neural circuitry and start severing connections. Until we choose to do that, we can improve our own lives—and the lives of those around us—by looking as pretty or handsome as possible. We brush our teeth, keep fit, take showers, and all that other great stuff that helps us look attractive. Some of us even visit the plastic surgeon, with mixed results.

Surveys show that certain procedures, like liposuction, have very high patient satisfaction rates. As the safety and precision of our body modification technologies improves, we’ll be able to change our faces and bodies with minimal fuss and maximal benefit. Everyone will be able to be stunningly attractive. The really great thing? We’ll always be able to enjoy it. If everyone becomes attractive, we won’t regard the slightly less attractive of the lot as “ugly”—our brain doesn’t work that way. An attractive person is attractive, whether or not others are around. A planet full of attractive people would do a lot to improve our quality of life. I don’t care if that sounds superficial, it’s the truth. You know it.

#5. Psychokenesis.

In the real world, psychokinesis is a bunch of wishful thinking and pseudoscience.Despite the roughly 30% of people who think that it’s possible to affect objects through the mind alone, history and evidence make it clear that this is total nonsense. There are no psychics and there never have been. However, that doesn’t mean that we can’t create technopsychics artificially. By 2050, we’ll be cranking out utility fog—swarms of tiny machines that fly through the air and interlock with robotic arms. By combining Brain-Computer Interfaces, like the type used byClaudia Mitchell to move her prosthetic arm, with utility fog, we will have direct-thought connections with powerful external robotics, allowing non-fictional psychokinesis. Utility fog, once all the necessary software for it is developed, will be capable of cooperating to perform practically any physical task or simulate a wide range of materials. Because utility fog could be distributed at low density and still accomplish a lot, a room filled with utility fog would look empty, and people in it could move and breathe normally. They would only notice once the fog is activated—either by a central computer or a neural interface. Once a connection is achieved, practically anything could be accomplished with the proper programming. Throwing objects through the air, hovering over the ground, cracking an egg from across the room, materializing orbs of energy—all the antics we’ve always wanted to perform, but never had the means to.

#4. Autopoiesis/Allopoiesis

Autopoiesis is Greek for self-creation. Allopoiesis is other-creation. Our body engages in both all the time—we start as a fetus that “creates itself” until it becomes an adult, then essentially stops. Our body produces things external to itself, but usually involving an extended process of cooperation with thousands of otherhuman beings and the entire economy. In the future, there will be cybernetic upgrades that allow for personal autopoietic and allopoietic manufacturing, probably based on molecular nanotechnology. Using whatever raw material is available, complex construction routines, and internal nanomanufacturing units, we’ll be able to literally breathe life into dirt. If our arms or legs get blown off, we’ll be able to use manufacturing modules in other parts of our body to regenerate them. Instead of building robots in a factory, we’ll build them ourselves. The possibilities are quite expansive, but this would require technology more sophisticated than anything discussed thus far in this list.

#3. Flight.

Human flight, outside of an airplane… this was achieved by former military pilot Yves Rossy, who flew 7,750 ft above the Alps in his 10 ft wide, self-designed aerofoil. You can see videos of his exploits here. The airfoil weighs only 110 lbs and cost just under $300,000. Over the next few decades, the weight will come down, the strength and flexibility will go up, and eventually it will be difficult to distinguish between people in aerofoils and people who just fly whenever they want under their “own power.” Using high strength-to-weight materials like fullerenes,we will fly using wings that weigh only a fraction of our own weight and fold into our clothing or body when not in use.

Rossy achieved speeds of 115 mph, but with superior materials and greater tolerance for acceleration and wind, our cybernetic flight speeds are likely to top 700 mph. To take off from the ground, we’ll simply use our super-muscles to jump to the tallest object around and begin our flight from there. With personal flight, commercial airliners will become optional rather than necessary to travel long distances. The only problem left will be dodging each other.

#2. Superintelligence.

When we think of superintelligence, we tend to think of the ways it is portrayed in fiction—the character able to multiply 6 fifty digit numbers in his head, learn ten languages in a month, repeat the catchphrase “That’s not logical,” and other tired cliches. True superintelligence would be something radically different—a person able to see the obvious solution that the entire human race missed, conceive of and implement advanced plans or concepts that the greatest geniuses would never think of, understand and rewrite his own cognitive processes on the most fundamental level, and so on. A cybernetic superintelligence would not just be another genius human, it would be something entirely superhuman—something that could completely change the world overnight. For the same reason that we can’t write a book with a character smarter than ourselves, we can’t imagine the thoughts or actions of a true superintelligence, because they’d be beyond us. Whether it is developed through uploading, neuroengineering, or artificial intelligence remains to be seen.

#1. Immortality.

The ultimate upgrade would be physical immortality. Everything else pales by comparison. Today, there is already an entire movement based around the idea. Realizing the possibility of immortality requires seeing a human being as a physical system—composed of working parts that cooperate to make up the whole, some of which have the tendency to get old and break down. Biogerontologist Aubrey de Grey has identified seven causes of aging, which are believed by biologists to be comprehensive. Defeating aging, then, would simply require addressing these one by one. They are: cell depletion, supernumerary cells, chromosomal mutations, mitochondrial mutations, cellular junk, extracellular junk, and protein crosslinks. A few pioneering researchers are looking towards solutions, but accepting the possibility requires looking at aging as a disease and not as a necessary component of life.

Which one of these will be developed first? We’ll just have to wait and see.

هل كان هتلر يسارياً؟

النقاش حول الموقف السياسي الدقيق للاشتراكية القومية الألمانية [النازية] لم يدار بشكل دقيق. الواضح حتى الآن هو: منذ بزوغها، كانت للنازية مع الشمولية الستالينية قواسم مشتركة أكثر من تلك مع الفاشية الموسولينية.

هنالك بعض الأسباب الوجيهة للاعتقاد بأن النازية تنتمي سياسياً إلى اليسار أكثر من انتمائها إلى اليمين. على أي حال، كانت للنازية مع الشمولية الستالينية قواسم مشتركة أكثر من تلك مع الفاشية الموسولينية. في إيطاليا العشرينات و الثلاثينات، كانت الفوارق الطبقية التقليدية لا تزال سائدة في المجتمع، بينما هتلر، حاله كحال الاشتراكيين من مختلف الاتجاهات، عمل على الدفع بموقف المساواة الاجتماعية. حتى بعد ما يسمى بـ “الاستيلاء على السلطة” [استحواذ هتلر على منصب المستشار بواسطة السبل الديمقراطية و الانقلاب على النظام بعدها]، و خلافاً لآمال بعض أفراد الطبقات الاجتماعية العليا، لم يسترجع هتلر الامتيازات السابقة التي سبقت ١٩١٨ [ثورة نوڤمبر التي حوّلت المانيا من قيصرية إمبراطورية إلى جمهورية ديمقراطية برلمانية]. بدلاً من ذلك، استبدل ببساطة مفهوم ماركس للـ”مجتمع اللا طبقي بـ “مجتمع الشعب” و روّج لهذا المصطلح، الذي مازال يبدو و كأنه اشتراكي و مخيف، كنوع من الاحتفال بالأخوية المستمر.

هنا حاكى هتلر رغبة عميقة و دائمة عند الألمان، رغبة تعكس أن الجمهور في البلاد لا يزال يشعر في ظل سياسة “الإجماع” و كأنه محمول بين اليدين. فالنزاع السياسي وفقاً لضوابط ثابتة، و الذي يعتبر من المتطلبات الأساسية للحكم الديمقراطي، لا يحظى بذلك الاعتراف و التقدير المطلوبين. بدلاً من ذلك، يشيد العالم كله إجلالاً بفكرة المساواة التي بالمناسبة لا تقف فقط عند فرص الانطلاق المتكافئة.

في هذا البلد، يُراد أن يصل الجميع و على خط موازي إلى خط النهاية. لا ينبغي لأحد أن يتفوق على الآخر.

كما هو معروف، لم يؤمّم هتلر وسائل الإنتاج. هذا بحد ذاته كافٍ لمنظّري الماركسية للإجابة على السؤال ما إذا كان برنامج هتلر السياسي يصح وصفه بالاشتراكي أو لا. مع ذلك، كان لهتلر فكرة أذكى من ذلك. فلقد جعل – كما يصفه هو في كلماته – “ليست الشركات، و لكن الشعب نفسه” اشتراكياً.

و بهذه الطريقة حصد سياسياً و اقتصادياً و اجتماعياً الكثير من الإعجاب للعديد من الإنجازات. في نفس الوقت لم يكن هتلر متحدثاً باسم الرأسمالية بالمعنى التقليدي للكلمة. فليس من دون سبب تكلّم في بعض خطاباته عن “الشوق المناهض للرأسمالية” الذي يملؤ الوقت. كما ليس من قبيل الصدفة أن يكون مصدر هذه الصيغة واحداً من النازيين الرائدين من الدائرة الداخلية حول هتلر، جريجور ستراسر. مما لا شك فيه، لم يشعر أي أحد في كتيبة العاصفة، التي سارت في أحياء برلين في Steglitz و Moabit تحت أعلام الصليب النازي، كرفيق حزبي لـ “ردة فعل سياسية” ما. بل حالهم كحال أعمدة اليسار آنذاك، رأوا في أنفسهم “طليعة” لتغيير اجتماعي جذري. معهم – كما كانوا فعلاً يعتقدون و يغنّون– سيبزغ عصر جديد.

عندما انضمت في ربيع عام ١٩٣٣ أول تشكيلات قتالية شيوعية إلى كتيبة العاصفة، لم يفهمه جنود الحزب الأحمر كانكسار نفسي أو عسكري، بل حتى توجد طرفة تداولها أهالي برلين آنذاك تصف هذه التشكيلات بـ “شرحات العواصف” [كشرحات اللحم، بنّية من الخارج، حمراء من الداخل، و لأن اللون البني يشير إلى النازية]. الطرفة هذه تكشف أيضاً كيف كان الجمهور ينظر إلى بعض الأشخاص. واحدهم آنذاك استبدل فقط العلم و القائد، حتى الحانة التي كانوا يجتمعون فيها مساءً لم تتغير. في القلب بقي الشخص اشتراكياً، إلا أن الفارق الآن هو أنه بإمكانه أن يصبح وطنياً أيضاً، لا “خائناً” للأممية الشيوعية.

من لم يكن على استعداد للانضمام آنذاك مع هكذا فرصة؟!

طبعاً يمكن الاستشهاد بالعديد من أوجه التشابه الأخرى بين النازية و الشيوعية، و بعمق أكبر. فغالباً ما تخفي شدّة التنافس في المجال السياسي شيء من صورة “التوائم المعادية”. و هنا الأمر لم يكن مختلفاً. كلا المعارضين في ذلك العصر من الزمن، النازية و الشيوعية، قاتلا بعضهما البعض بمرارة، و حلما سوياً بـ “الإنسان الجديد” الذي فقط من خلالهما سيتمكّن من تحقيق ذاته على وجه الأرض. كلاهما، في جو من الشعارات المتناقضة، بحثا عن الفردوس المفقود منذ زمن بعيد. و كلاهما كرها العالم البرجوازي أكثر من أي شيء آخر. من يسترجع هتافات بعضهم إلى الذهن، تلك الهتافات التي رددها بعض القادة النازية في الترحيب بـحملات القصف و تدمير المدن الألمانية، سيفهم صورة عن طبيعة جذرية من الكراهية عندهم: جوزيف غوبلز وصفها آنذاك بـ “أسوار سجن العالم البرجوازي” التي تهدّمت أخيراً.

صدى هكذا مشاعر وفاء معقّدة في سقوط نظام، كان مسموعاً أيضاً في صعود نظام آخر: في السنوات الأولى من عمر ألمانيا الشرقية، همّشت السلطة تلقائياً بقايا العالم البرجوازي بكل أبعاده.

بصورة شاملة، لم تكن هنالك مناقشة كاملة و دقيقة حول الموقف السياسي للنازية بين اليمين و اليسار. بدلاً من ذلك، كانت هنالك العديد من المحاولات لإنكار أي علاقة لحركة هتلر مع الاشتراكية. بل حتى في بعض الحالات تم إنكار الطبيعة الشمولية للشيوعية كمحاولة لنقلها بعيداً عن النازية. طبعاً هذه المحاولات فشلت و لم تنجح حتى الآن. سيناريوهات الوعد [الوعيد] التي رسمها الطرفان لم تستمر لفترة طويلة جداً. في حالة النازية، أكثر من عقد من الزمن، و في ظل الاشتراكية استمرت تقريباً لثلاثة أجيال. كلاهما كلّفا الإنسانية ما لا يحصى من ملايين الضحايا.

الفرق الأكثر إثارة للدهشة بينهما، هو أن النازية التهمت نفسها بنفسها بفضل برنامجها السياسي اللا إنساني، في حين نجحت الاشتراكية في التنكّر بالإنسانية في عدة مراحل تاريخية.

ما نتعلّمه من هذه التجربة هو أن كل الأيديولوجيات، بغضّ النظر عن ما توعد به الناس، لا تفي بوعودها. قد تبدو بعض الوعود مغرية على الورق، لكن من تعلّم من التاريخ و بعد نظرة فاحصة، سيكتشف، خلف كل المشاهد المثالية و الداعية إلى المساواة، الرعب العاري.

ترجمة: سيف البصري

الفلسفة الرواقية في عصر ما بعد التفرّدية التقنية

لنضرب عصفورين بحجر و نتعمّق بشكل غير معقّد و سلس في فلسفة حياتية تستحق على الأقل أن تطّلع عليها لتهذيب ذاتك و في نفس الوقت في مفهوم التفرّدية التكنولوجية الحتمية الحدوث لو استمرت البشرية دون كارثة تمحيهم من على سطح الأرض، إضافة لكونها نقطة جوهرية في أي نظرة مستقبلية تخص الاقتصاد، السياسة، الدين، الأخلاقيات و كل جوانب الحياة. سأتناولهما بشكل بسيط و أوضّح الصلة الجوهرية و المطلوبة بين الإثنين.

المستقبليون مثل راي كورزويل و مايكل أنيسيموڤ يعتقدون أن التطوّرات في مجال الذكاء الاصطناعي سوف تتوّج في المستقبل القريب إلى عصر يشهد تجاوز البشر النموذج البيولوجي و الولوج إلى أبعاد جديدة تعالج نقاط الضعف و القصور فيه. عصر التفرّدية ‪[singularity]‬ هذا يصفه كورزوايل على النحو التالي:

“في غضون ربع قرن، و الذكاء الاصطناعي سيطابق مدى و دقّة الذكاء البشري. بعد ذلك، سوف يتجاوزه بسبب التسارع المستمر لتكنولوجيات المعلومات، فضلاً عن قدرة الآلات على مشاركتها البشر المعلومات المتوفّرة. سيتم دمج روبوتات صغيرة ذكية ‪[نانوبوت]‬ بعمق في أجسامنا، عقولنا، و بيئتنا، و التغلّب على التلوّث و الفقر و إطالة العمر إلى حد كبير، غمر متكامل في واقع افتراضي يشمل جميع الحواس (مثل ماتريكس) و تعزيز الذكاء البشري نفسه.النتيجة ستكون عملية اندماج حميمة بين كائنات خلّاقة للتكنولوجيا و بين عملية تكنولوجية تطورية ناتجة عن هذا التلاحم. الذكاء اللا بيولوجي سيتمكّن بدوره من الولوج إلى تصميمه الخاص و سوف يكون قادراً على تحسين نفسه في دورة إعادة تصميم سريعة على نحو متزايد. عندما سنصل إلى هذه النقطة، سيكون التقدّم التقني سريعاً بحيث لا يمكن للذكاء البشري غير المعزز الصمود و موازاته. هنا تحديداً نبدأ بمرحلة التفرّدية.”

‫مايكل أنيسيموڤ، الكاتب و الناشط العودوي [NRx] و القريب من كورزوايل، يعرّف التفرّدية بشكل أدق و أبسط:‬

‫”ذكاء أعلى من مستوى ذكاء الإنسان. هذا هو التعريف بكل بساطة. سواء نتج عن الذكاء الاصطناعي، التواصل بين الحاسوب و الدماغ، جراحة المخ و الأعصاب، الهندسة الوراثية، أو أياً كان، التفرّدية التكنولوجية هي النقطة التي تنتهي فيها قدرتنا على التنبؤ بالفواصل المستقبلية، بسبب بزوغ شخصية جديدة تختلف عن جميع الشخصيات السابقة في تاريخ الإنسان، هذه الشخصية ستكون ذو ذكاء يفوق الإنسان، سواء كانت هذه الشخصية بشراً محسّناً أو روبوتاً”

التطوّر المعلوماتي هذا سيبعث بمزيد من التعقيد، أناقة أكبر، زيادة معرفية، زيادة في الذكاء، الجمال، الإبداع، مستويات أعلى من سمات خفية مثل الحب و حتى الخلود.

كورزوايل، أحد البارزين بملاحظة الإنجازات الإنسانية التي تحققت في التاريخ الحديث [اقرأ كتابه عن التفرّدية التقنية TheSingularity Is Near]، يعتقد أن مفتاح الخلود هو تقنية النانو. حيث نظراً إلى الاتجاه الذي تتطوّر فيه أجهزة الكمبيوتر و التي تصبح باستمرار أصغر حجماً و أكثر كفاءةً، سوف يصبح الناس حينئذٍ قادرين على حمل الروبوتات الصغيرة في عروقهم لتنظيف و توفير صيانة دائمة للدم و الخلايا. كورزوايل يفترض أيضاً أن الروبوتات سوف تحلّ محل أعضائنا عندما تفشل و يصيبها الإرهاق، و من شأن هذه التطورات أن تعني أن ما دامت الروبوتات تُزوّد بالطاقة و تعمل بشكل جيد، سوف يتمكّن البشر من البقاء على قيد الحياة و إطالة العمر.

تنبؤات كورزوايل سبق و أن أثبتت من قبل أنها أبعد ما تكون عن اللادقة. فقد تنبّأ بنجاح بالعام الذي ظهر فيه الهاتف الذكي و قدراته، كما وصف الإنترنت قبل اختراعه أصلاً.

كذلك أقنع زملائه في الأوساط العلمية بفرضيته حول خلود الإنسان. هو يسمّي نظريته بقانون العائدات المتسارعة [المقصود بالمتسارعة هو النمو الأسّي للتطوّر التقني الذي يعود بدوره على الصناعات بكفاءة أكبر و تكلفة أقل]. حيث يوضّح أنه من خلال تكنولوجيا النانو سيكون البشر قادرين على وقف و عكس عملية الشيخوخة. فهو يعتقد أن الروبوتات الصغيرة ستكون أضعافاً مضاعفة أكثر كفاءة من الخلايا البشرية العادية.

هو يتوقّع أيضاً أن الإنجاز لن يقتصر فقط على تحقيق الخلود، و لكنه سوف يمكّننا من إنجاز المهام التي استحالت على البشر ذو البيولوجيا العادية. تخيّل مثلاً أن تجري في سباق أولمبي لمدة ٢٠ دقيقة دون أن تأخذ نَفَساً، أو الغوص في الأعماق لأكثر من أربع ساعات دون أوكسجين.

مع إضافة حياة زائدة و تطوير قدرات دماغنا، كورزوايل يشير أيضاً إلى أن الروبوتات الصغيرة ستكون قادرة على تمكين البشر من فعل أشياء تستعصي على جنسنا البشري اليوم، مثل كتابة كتاب كامل في غضون دقائق!

و يعقب كورزوايل واصفاً كيف أن العالم سيتغير حولنا، فالروبوتات الصغيرة في أجسام البشر مثلاً ستكون قادرة على تغيير تصوّراتهم و خلق عوالم افتراضية في وعيهم، و الجنس الافتراضي سيصبح أمراً مألوفاً و سوف تظهر شخصيات / تصوّرات هولوغرامية ثلاثية الأبعاد أمامنا كما لو كانت حقيقية.

‫ رغم أننا أضعنا الكثير من الوقت في القرون الماضية في الحروب و الصراعات التي غالباً ما كانت عائقاً أمام عجلة التقدّم، إلا أنه لابد من الاعتراف بأن لبعض الحروب دوراً بارزاً و مهماً في بزوغ تقنيات جديدة كانت ولّادة لأغلب ما نستخدمه اليوم من أجهزة ذكاء اصطناعي.‬

‬‪‬

‬ستيفن هوكينگ صرّح في لقاء مع البي بي سي: “إن تنمية الذكاء الاصطناعي الكامل قد تعني نهاية الجنس البشري” مشيراً إلى أن التطوّر التكنولوجي هو سيف ذو حدين. و رغم كونه من المتحمّسين لمستقبل زاهر، فتحذيره هنا يستحق وقفة. لأننا لو أردنا أن نرتقي لأجيال ذكية تتمكّن من تجاوز مشاكلها الاجتماعية، عدم كفاءة الطاقة، قلة الموارد، الأمراض، التضخّم السكّاني و الكوارث الطبيعية، فإننا نحتاج دائماً لمعرفة هدفنا مع العالم و القوى التي تكمن في أبعاد هذا التطوّر التقني. فالتعامل مع الطبيعة البشرية بشكل يراعي اللاعقلانية و خطورة الهفوات الممكنة، يسمح لنا من تقليص نسبة الوقوع في الأخطاء الكارثية التي من الممكن أن تمحينا من الوجود تماماً. فعلى الرغم من أن التفرّدية التقنية ستقرّبنا من “الكمال”، علينا أن نعترف بأننا على الأرجح لن نكون مثاليين. فالتقدم التكنولوجي قد يحل الكثير من القضايا التي نعتبرها تهدد وجودنا اليوم، لكنه في نفس الوقت سوف يعرض مشاكل جديدة أخرى‪:‬

بعض هذه المشاكل نجدها حاضرة اليوم وتهمل نقطة مهمة تمس كيان الإنسان بطبيعته: أن المنافع المادية و التقدّم التقني لا تضمن السعادة. من هذا الدرس نتعلّم أننا بحاجة دائماً إلى استرشاد نظرة أوسع في إدراك الواقع و الاستمتاع بالحياة في نفس الوقت. و هذه النقطة تنقلني إلى المفصل الثاني من هذا المقال لنطرح السؤال التالي: هل تستطيع فلسفة مثل الرواقية أن تكون مفيدة في زراعة الفضيلة و إرشاد الذكاء، ليس فقط بالنسبة للبشر لكن للذكاء الاصطناعي أيضاً؟

لربما مصطلح كـ “الفضيلة” كافي لفتح باب جدلي حول نسبيته، لكنني سأكتفي بتعريفه الرواقي بالفعل الخير الذي لا يؤذي الذات و لا الآخرين من منظور نفعي. الرواقية تعرّف نفسها كفلسفة عملية أخلاقية و أسلوب في الحياة يقوم على العمل المطابق للعقل و يجري بمقتضى قوانين الطبيعة، فالحياة يجب أن تعاش وفق الطبيعة، و هذا هو أنموذج كل إنسان عاقل. كما تدعو لفضيلة أخلاقية حسنة غايتها الولوج إلى استقرار داخلي و هدوء يجرّد الإنسان من انفعاليته و يحجّم من لاعقلانيته في رسم ملامح حياته و أهدافه. فالفضيلة على حد سواء شرط ضروري وكافي لتحقيق السعادة في حياة المرء. و كل ذلك يتجلّى من خلال الانضباط النفسي و إدراك القصور الذاتي. الفلسفة في الرواقية هي محبة الحكمة و ممارستها، و الحكمة هي العلم بالأشياء و إدراك القصور و القدرات و ما نسيطره عليه و ما هو خارج عن سيطرتنا. إذن التناغم الثلاثي بين العلم الطبيعي، الأخلاق و المنطق يجسّد الأبعاد الثلاث لهذه الفلسفة.

لكن ما الغاية من ذلك عند مناقشة الوعي الاصطناعي؟

نحن ندرك أن عواطفنا، أحكامنا، و معتقداتنا هي جزء لا يتجزأ من طبيعتنا البايولوجية كحيوانات اجتماعية. لذلك، إدراك أن الفرد لديه القدرة في السيطرة على تقييماته و أحكامه، بل حتى مزاجه في التفكير، تجعله مؤهلاً لنظرة أعمق و أكثر عقلانية تجاه المحيط الخارجي و أدق في تقييم قدراته و حدوده. و بما أن الذكاء الاصطناعي هو في جوهره محاكاة لذكاء الإنسان، فإن ملامح الذكاء الاصطناعي، و حتى ذلك الذي سيفوقنا، متعلّقة بطبيعة الإنسان نفسه. محاولة فهم إدراك هذا الذكاء لطبيعته هي خطوة أساسية في رسم ملامح ذكاء مستقبلي يتجاوز الأخطاء البشرية، لكن مع ذلك يراعي مفاهيم صعبة كالسعادة و الحكمة.

حيث أننا لانستطيع الجزم بأن كل شيء سيتطوّر على نحو يناسب تصوّراتنا، كما أنه من الممكن أن يتخلّى الذكاء الاصطناعي عن الكثير من المشاعر معتبرها عائقاً تجاه تطوّر ذكاءه. خطوة قد تدفعنا إلى الندم أو إلى عالم تعيس جداً.

في كتابه “مستقبلنا المتسارع Our Accelerating Future” يكتب مايكل أنيسيموڤ:

“لاختصار الفكرة في جملة واحدة، الذكاء الاصطناعي المتقدّم ينطوي على خطر […] لأنه من الصعب برمجة ذكاءً اصطناعياً يقيّمنا نحن و أهدافنا، لأنه ليس من السهل تعريف بالضبط ما نعني بـ “نحن” و”أهدافنا”. الذكاء الاصطناعي لن يفهم بشكل حدسي “القيمة الإنسانية” مثلما يفهمها البشر. مثل هذه الحقائق الملحّة تحتاج لتحديد بالتفصيل الرياضي; ببساطة لا يمكن نقل الفكرة بهذا العمق من خلال محادثة عابرة. فالبشر لديهم أنماط عصبية متطوّرة تسمح لنا باستيعاب الأخلاق و الحس السليم، الذكاء الاصطناعي لا يمتلك تلك الأنماط.”

النقطة هذه مهمة جداً و تخضع لأمر محتوم. لأن أي محاولة لتحجيم مستوى الذكاء الاصطناعي إلى الأبد ستبوء بالفشل. نحن بحاجة إلى جعله يتعامل معنا بإيجابية حتى لو كانت لديه القدرة على تدميرنا. بكل بساطة ليس لدينا أي خيار آخر، لأنه في المدى الطويل، من الغير ممكن تحجيم الذكاء الاصطناعي. إلا إذا كنا نحن البشر أنفسنا هذه الشخصية الجديدة، السايبورغ الذي سيبسط سيطرته على العالم و لربما النظام الشمسي و المجرّة، كما يتنبأ الفيزيائي الكبير ميتشيو كاكو.

إذن إطاعة أوامر الإنسان إلى الأبد غير ممكنة. و بالتالي السبيل الوحيد هو في أن يتطوّر الذكاء الاصطناعي و يرتقي لهذه المرحلة من الاستيعاب الأخلاقي من تلقاء نفسه. دون إشرافنا، لكن بمساعدتنا.

فزرع قيم قابلة للبرمجة في الذكاء الاصطناعي لتجعله يتفهّم طبيعتنا بشكل دقيق سيحدد مستقبل العالم حينئذٍ. فذكاء اصطناعي متفهّم للبشر، لعواطفهم، لـ لاعقلانيتهم، لسعيهم نحو السعادة، بل و حتى رغبتهم الباثولوجية في الاستمتاع بالألم، الكذب، الحزن و ماشابه، سيقودنا نحو مستقبل أكثر ازدهاراً و عمقاً مما نشهده في الحاضر. عكس ذلك، سيقودنا نحو ديستوبيا مخيفة كتلك التي حذّر منها ستيفن هوكينگ أو إيلون ماسك.

و عليه، فمستقبل التفرّدية الإيجابية من منظورنا كبشر اعتياديين يعتمد على فهم موضوعي للعواطف البشرية و الدوافع التي تتحكمّ بهذا الكائن الذكي و في نفس الوقت قدرته على السيطره على ذاته، أسلوب حياته و نظرته للواقع. لذلك ستكون الرواقية مهمة في مساعدة الإنسان على تخطّي لاعقلانيته و تهذيب غرائزه التي من الممكن أن تضلّه عن رؤية عاقلة و غير متسرّعة تجاه المستقبل و تجاه طموحاته، خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بتعامله مع التقدّم التقني.

علم النفس التطوّري

يالها من امرأة جميلة، يالَهاتينِ الشفتينِ، و يالَ هذه الأنوثة الساحِرة. خُصرِها النحيف، و جسدها الرشيق … نعم إنها بالفِعل مُناسِبة لِحمل جيناتي. لابُد و أن هذا الجَسد مليء بالأستروجين¹ … لاشَكّ أن جيناتها مُناسِبة و صِحيّة.

لا أحد منا يُفكّر بهذه الطريقة بصورة واعية عِندما تَمُر من أمامهِ امرأة فاتِنة أو رَجل وسيم. لكن اللاوَعي في داخِلنا أو الغريزة التطوّرية تدفعنا للتَفكير تماماً بهذهِ الطريقة.

حقيقة أننا بشر نتصرّف أحياناً بصورة غير منطّقية أو غريبة أو حتى تصرفاتنا الإعتيادية، لها علاقة بطبيعتنا البيولوجية، بغض النظر عن شخصيتنا. هذا الشيء مكتوب في جيناتنا – وهذا الكائن الإنساني – الذي طوّرته قوى الطبيعة، مثل كل الكائنات الحية الأخرى – يأتي إلى هذا العالَم وفي دماغهِ برامج مُصممة مُسبقاً. عِلم النفس التطوري يفترض أن الحالة النفسية للإنسان لا تعتمد فقط على تجارب الشخص، بل أيضاً على تفضيلات أو برمجات معينة لها جذورها الجينية أنطبعت عبر ملايين من السنين لديه. و بعض هذه التفضيلات أو لنُسمّها البرامج التطورية، قد ضمنت الاستمرار في نجاح الإنجابية حتى يومنا هذا.

فكل واحد منا هو سليل لأجداد تمكنوا بنجاح من الإنجاب و الاستمرار، و إلا لما كنا اليوم على قيد الحياة.

عِلم النفس التطوري – عِلم جديد نسبياً – يحاول من خلال الدِقة العلمية فك شفرة العَقل البشري والكشف عن القِوى التي »طوّرته«.

لكن كيف؟ و لماذا بهذه الطريقة؟ الجواب على هذا السؤال يتناوله عِلم النفس التطوري. لكن كيف تطوّر هذا العِلم و كيف نشأ؟

لنذهب في رحلة عبر الزمن إلى الوراء. فنحن البشر لدينا قصة قديمة في مملكة الحيوانات. قُصة فريدةٌ من نوعها ولِدت من خلال المؤانسة و التعقيد الإجتماعي التدريجي الذي شَهدهُ أجدادنا القُدماء. حَل النِزاعات كان في البداية نُقطة الإنطلاق، تلتها مُشاطرة الشُعور و الإنصاف. هذه النقلة الجوهرية من الحيوان الاجتماعي إلى الحيوان الأخلاقي مرّت بِخطوات صغيرة وعلى أمدٍ طويل مكّنَت هذا التعقيد الإجتماعي و الصِفة الإستثنائية التي تُميّزنا عن بقية الحيوانات. و بالتالي دِراستنا لسلوك ِ القِردة العُليا هو لكي نَكتَشِف جُذور الأخلاق الموضوعية في داخِلنا.

التعاون، الامتنان، الشُعور بالانتماء للمجموعةِ و العلاقة القُطبية بين الذَكَر و الأُنثى، كُلها سلوكيّات لها جذورِها التَطوّرية التي مرّت بمراحِل طويلة عَبر الزمن، و التي نستطيع حتى الآن تَتبُّع آثار خطواتِها. وبالتَحديد عزيزي القارئ هذا هو جَوهر البُحوث العِلمية التي يتناولُها عِلم النفس التَطوّري، البحث عن هذه الآثار و دراسة انعكاسات هذه التَطوّرات على سلوكِنا الأخلاقي، الاجتماعي و الجِنسي.

الطبيعة الحيوانية و البَشرية بالتَحديد هي نتيجة تَبَلوَرت عن تَطوّرات و ظُروف و أحداث سبّبت تغيّرات جذرية في طبيعتنا و سلوكياتنا، جعلتنا كما نَحنُ عليه اليوم. هذه التغيّرات بالطَبع لها جُذورِها البايولوجية التَطوّرية التي تَمتَد من البُعد الإجتماعي و الحياة اليومية و حتى البُعد الجيني، المَصنَع البايولوجي المسؤول عن هذه التَطوّرات و تَرجمة التجارُب و الأحداث و إنعكاسات الظُروف التي يَمُرّ بها الكائِن الحَيّ إلى لُغة الجينات و إختيار الصِفات اللازِمة للتأقلُم و الكٍفاح من أجل البَقاء عن طريق الإنتِخاب الطبيعي² و هذهِ الصِفات بدورِها يَتِم تَوريثها للأجيال اللاحِقة³.

إذا لكي نَفهم الخلفية للمَنهج العِلمي الذي يُفسِّر هذهِ التَطوّرات التي تَطرأ على الكائِن، علينا أن نَعي أولاً أننا كائِنات تَتَطوّر بإستمرار. هذه التَطوّرات تحتاج غالِباً إلى عشرات آلاف السنين أو أكثر، و أن طبيعتنا البايولوجية و نفسيّتنا الإجتماعية و السُلوك البّشري بصورة عامة هو نتيجة تَطوّرية لظروف و أحداث تَمخّضت عنها تطوّرات طرأت على أجدادِنا مُنذ القِدم و هي مُستّمِرّة بِبُطئ مُنذ ملايين السنين و حتى هذهِ اللَحظة التي تقرأ فيها عزيزي القارئ هذه السُطور، و لن تَتوقّف!

بالتأكيد هذا ليسَ مُجرّد تَخمين، لإننا نستطيع تَتبُّع آلية هذه التغيّرات جينياً و فيسيولوجياً.

فقط في الجينوم البشري هناك ما يزيد عن ٩٨٪ من الجينات التي لاتَشترك في الوظائف الجوهرية في صِنع البروتينات و أداء الوظائف البقية. جينات مُعطّلة لم نستَطِع حتى اللحظة إيجاد تفسيراً أو دوراً وظيفيّاً لها. هذه الجينات تَعطّلت و تراكَمت نتيجة الإنتخاب الطبيعي، و الاخطاء الجينية التي تَحدث نتيجة النَسخ المُتكرر للحمض النووي، الشيء الذي يَعكِس الظُروف البيئية و الإجتماعية التي ولّدت هذه التغيّرات من أجل الإنسجام و التأقلُم مع الظروف و مُلائمة المُحيطين، البيئي و الإجتماعي و التغيّرات التي تطرأ على هذين المُحيطين أيضاً.

لكي أضع النقاط على الحُروف: سُلوكياتنا، رَغَباتِنا، تَوجّهاتِنا الجنسية، إهتماماتنا، إنجذابنا لصِفات مُعيّنة عِند الذَكَر و الأُنثى وحتى أخلاقياتنا هي نتيجة لتاريخ مليئ بتغيّرات و تَطوّرات كان لابُدّ منها للاستمرار في البَقاء. في نفس الوقت تَحتاج هذه التَطوّرات إلى وقتٍ طويلٍ نسبياً لو قارنّاه مع مُتوسِّط عُمر الإنسان، ولذلك من الصَعب علينا جداً أن نَستَوعِب هذه المُدّة. بكُل بَساطة لأن هذه الصِفات الجديدة و التغيّرات تَحتاج إلى أجيال لكي تَسود و تَستَقِر. و بما أننا نَعيش ثورة فكرية، إقتصادية و تِقَنيّة مُتَسارِعة في القُرون الأخيرة التي مَضت، يزداد أيضاً التعقيد الإجتماعي بصورة طردية، و لذلك نَستَبِق الوقت التَطوّري المطلوب لمُلائَمة الظُروف الآنية، الشيء الذي يَجعلنا رهنة للضُغوط النَفسية و التي يُعاني منها المليارات من بنو جِنسنا. فنحنُ مازلنا نحمِل طبيعة نفسية و بايولوجية قَديمة مُحمّلة بآثار الماضي، و عِلم النَفس التَطوّري يوضّح لنا لماذا و كيف و الأسباب التي جعلتنا كما نحنُ عليه اليوم و الجُذور التَطوّرية و السايكولوجية لهذه الآثار المُتجسّدة في سلوكياتنا. أي أننا نَسرِد قصة عِلم النَفس بلهجة تَطوّرية!

لقد شرحنا الفِكرة الجوهرية لعِلم النفس التَطوّري و وضّحنا الأسباب التي دفَعت بالعُلماء لإلقاء نظرة على نفسيّتنا و طبيعتنا البشرية من الجانب التَطوّري. الآن لنُناقِش بهدوء و بصورة نَقدية الآلية العِلمية و التجارب التي يَستنِد عليها عُلماء النفس التَطوّري في مُراعاة المنهاج العِلمي الصارِم في البَحث و الإستنتاج.

أغلب التجارب و الإستنتاجات تَنبع من المُلاحظة و الإستدلال عن الأسباب و الدوافِع للأحداث و التصرّفات التي تُثير إنتباه الباحثين.

هذه الرغبة و هذا الفُضول دفعا عالِم النفس التَطوّري الأمريكي جيفري ميلر لمُراقبة السُلوك الجنسي و الإقتطاب بين الجنسين. ففي كتابه »التطوّر الجنسي⁴« يَسرد حادثة قادت به إلى مُلاحظة سلوك مُعيّن لم يَكن قد تم تحليله من قبل. أثناء وجوده في إحدى النوادي الليلية في ولاية نيوميكسيكو، يَصِف ميلر جانباً من الحياة الليلية. و هو بصُحبة أصدقائه في ظل أجواء صاخِبة بين دخان السجائر و موسيقى الراب و الراقِصات الحَسناوات. رجال و نِساء من مُختَلَف الأعمار كانوا مُتواجدين. هناك من يَحتسي شرابه ويتحاور مع صاحِبه و هُناك من يدفع مبلغاً مُعيّناً ليُشاطِر رقصة إغرائية مع إحدى الراقصات الإستعراضيات و هنا تحديداً لاحظ ميلر شيئاً أثار إنتباهه. فعادةً عندما تنتهي الرقصة التي غالباً ما يكون طولها بطول أغنية كامِلة (٣-٤ دقائق) يُعطي الرجل مبلغاً يتراوح قدره مابين الـ ١٠ دولارات و احياناً أكثر (يصل للمئات). لكن لماذا يدفع الرجال أحياناً مبلغاً عالياً، و أحياناً أخرى فقط ١٠ دولارات لا أكثر؟

ميلر لم يَتحمّل هذا الفُضول و بدأ بدراسة بِمُشاركة عُلماء نَفس آخرين في جامعة نيوميكسيكو في الولايات المُتّحدة، حيثُ قام بمراقبة حياة العَمل اليومية لـ ١٨ راقِصة و لمدة ٦٠ يوماً مُدوّناً في نفس الوقت أوقات دورتهنْ الشهرية على مدار الشهرين. وكما توقّع ميلر كانت النتيجة مُذهلة. فقد وجد أن الرجال يكونون سخيّين جداً عندما تكون الراقِصة التي تَرقص بين أحضانِهم في مرحلتها الخَصِبة، حيث أن في أيام الخُصوبة العالية كانت الراقِصة الواحدة تحصل على متوسّط مبلغ ٣٣٥ دولاراً في فترة عمل ٥ساعات، في حين كان المُعدّل خلال فترة الحيض لم يتجاوز الـ ١٨٥ دولاراً! ماهي الآلية العصبية و الكيميائية التي نَقلت هذه المعلومات إلى الرجال، مازالت محلَ جدلٍ، لكن الثابت الوحيد هو أن هناك علاقة بين فترة خصوبة المرأة و بين سلوك الرجل!

المال هو تعبير عن السُلطة و عن الجاه، و الصِراع على الأنثى لم ينتهي حتى و أن تغيّرت الأساليب و السلوكيات التي تُعبّر عن القوة و الجينات السليمة، إنها طريقة للتعبير عن الخُصوبة الجينية و القوة التي يملكها هذا الرجل السَخي الذي بصورة لاواعية يُحاول جذب إنتباهها و الفوز بفرصة تُمكّنه من نَشر جيناته. بالطَبع الأغلبية الساحقة لاتُفكّر بهذه الطريقة، لان هذه الدوافع موروثة و قد لاتَتناسب مع الوعي الإنساني الحالي، لكن هذا الشيء لايَعني انها غير فعّالة، نحنُ فقط لاندركها بصورة واعية. و لربما سيخطر السؤال التالي في بالك عزيزي القارئ، لماذا المال بالتحديد؟ و هل المال الوسيلة الوحيدة؟

الجواب على هذا السؤال ليس بذلك التَعقيد. الصِراع من أجل الأنثى و التَعبير لها عن القوة و القُدرة على حِمايتها و حماية صِغارها، جُذوره مُشفّرة في جيناتنا، و هذا الشيء مازال حتى هذه اللحظة، نحنُ فقط نُعبّر بأساليب و وسائل تختلف عن تِلك التي أستخدمها أجدادنا.

فالتَطوّر الإجتماعي و التعقيد المُستمر الذي صاحبه في العلاقات الإجتماعية في ظل أنظمة إقتصادية إستهلاكية، كل هذه الظُروف و المُعطيات غيّرت من أساليبنا و وسائلنا في التَعبير و إستعراض الذات.

فنحنُ نعيش في عالم مُتحضّر الرجلُ فيه ليس مُجبراً على صيد ماموث كبير أو قتل حيوان ضاري للتعبير عن قوته و صِحة جيناته. أضف إلى ذلك أن العلاقات العاطفية التي تربط الرجل و المرأة أصبحت أكثر تعقيداً و أعمق من أن يُختَصر الرَفض أو القُبول على عِدة تصرّفات.

داڤيد پرشت، كاتِب و فيلسوف ألماني مُعاصِر يتميّز باهتمامه في المزج بين الفلسفة و العِلم، وصَف هذا التغيّر في الأسلوب بطريقة مُناسِبة جداً، على حد تعبيره نحنُ الآن نعيش في مُجتمعات إستهلاكية، فيها نَستَعرِض إمكاناتنا من خلال المُنتجات التي نَقتنيها. الأكل الصِحي الذي نهتم به، الملابس الراقية التي نرتديها، الهواتف الذكية الباهضة الثمن التي نستخدمها، السيّارات الحديثة التي نسوقها و الهوايات التي نُمارسها، كل ذلك لنَعكِس صورة عن ذواتنا، عن إهتماماتنا و شعورنا بالراحة في الإنتماء لجِهة أو مجموعة مُعيّنة، الشيء الذي يُميّزنا عن الآخرين. فنحنُ البَشر نشأنا و تطوّرنا في فئات و تجمّعات صغيرة كانت فيها السُمعة و المَكانة مُهمتيّن جداً. هذا التُراث يَنعَكِس اليوم من خِلال القوّة الشِرائية، فالكثير من المُنتَجات هي في المقام الأوّل »إشارات« و في المَقام الثاني أدوات للإستخدام!

من الابحاث المُثيرة للإهتمام و التي تَدخُل ضمن إطار عِلم النفس التَطوّري، بحث دام ثلاث ونصف الأشهر قام به كُل من دان أريلي، علي هورتاچسو و گُنتر هيتش⁵. البَحث كان بعنوان »مالذي يجعلك تَنقر« دراسة تحليلية تَجريبية حول التَعارُف عن طريق الإنترنت⁶.

هدف البحث الجوهري هو دراسة كيفية تَفاعُل الرَجُل مع المراة في عالم التعارُف الرَقمي. نتيجة البَحث كانت مُتوقّعة و مُتوافِقة مع الدراسات و الفرَضيّات السابِقة التي قدّمها عِلم النفس التَطوّري. حيثُ بمساعدة إحدى الصَفَحات المَرموقة للتَعارُف في الولايات المُتّحِدة تم تَحليل كُل وسائل و نتائِج المُراسلات المُتبادَلة و المَعلومات الشَخصية، كالطول، الوزن، الصورة الشخصية، مواصفات المَظهر الخارجي، الوظيفة، التحصيل الدِراسي و الحالة المادية (معلومات الأشخاص الشخصية كالأسم و العنوان لم تَكُن مُتاحة حِفاظاً على حُقوق معلومات المُستَخدِم).

النتائِج تَمخّضَت عن دراسة إحصائية مُتكامِلة، سأُحاول أن اختَصِر نتائِجها قّدر الإمكان. قبل ذلك لابُد من ذِكر أن مُعدّل الأعمار للمُستَخدمين تراوح مابين ال٢٠ـ٣٠ سنة، و أن أعداد الذُكور كانت بفارق قليل أكثر من النِساء.

سواء ذكور أو إناث، يكون الإختيار و التَقارُب من الأشخاص ذات الجاذبية العالية بغض النظر عن مُستوى الجاذبية الذاتي. الطول و الوزن يلعبانِ دوراً مُهماً في الإختيار، كما أن النِساء يُفضِّلنْ الرجال ذو الدخل العالي، حيثُ أن الحالة المادية تَلعبُ دوراً لافتاً في الإختيار. هذا التَفضيل لم يَكُن مَلحوظاً عِند الرجال. لأن هذا الشيء يَعكِس فوّة و قدرة الرَجُل على توفير بيئة مُناسِبة و مُريحة للمرأة و صِغارها في المُستَقبل.

من النتائِج أيضاً أن هناك تبايُناً واضِحاً بين تقييم الرَجُل و المراة للتَحصيل الدراسي للشريك المُحتَمل. فالرِجال لديهم نُفور قوي من النِساء ذوات التَحصيل الأكاديمي الأعلى، في حين النِساء يُحاولنْ قَدر الإمكان تَجنّب الرجال ذوي التحصيل الأدنى، لكن ليس بنفس نِسبة النُفور عند الرجال.

بصورة عامة، الصَفَحات التَعارُفية في الإنترنت مُفضّلة عند الطبقات المُثقّفة و ذات الدخل العالي نسبياً مُقارنةً مع مُتوسّط الدخل العام. إضافة إلى ذلك، النِساء بصورة عامة أكثر إنتقائية من الرِجال، الشيء الذي يَتَناسب مع نظرية الإستثمار الجنسي لديڤد باس⁷. كما أن المراة أكثر تحيّزاً و ميولاً للرِجال من نَفس العِرق.

مِثل هذه الدراسات تؤكّد الكثير من النظريات النفسـتطوّرية التي سَبق و أن طرحناها في البداية. عِلماً ان هذه النتائج قد تم لاحِقاً تأكيدها من خلال دراسات مُماثِلة في سنوات الخَمس الأخيرة.

إنه نضال من أجل المَكانة و الحالة الإجتماعية. يُمكِنُكَ عزيزي القارئ أن تتخيّله كمسرح إستعراضي، أو إن صَح التَعبير، كمزاد نَستَعرِض فيه ذواتنا و نُروّج فيه لصورتنا بمبلغٍ عالٍ قدر الإمكان. هذا النِضال في ظل المُجتمعات الإستهلاكية الحديثة جعلنا مُدمنين على الحُصول على الأكثر، على الأجدد، الأحدث، و الأندر. إننا بكُل بَساطة نَخلِق من نفسياتنا أفضل وقوداً لازِماً لإستمرار شُعلة الإقتصاد الإستهلاكي. فنحنُ لانملك تصوّراً مُطلقاً عن الحد الأمثل الذي يُمكن أن نَصِل إليه، لاننا بِكُل بساطة نُقارِن بأستمرار مع مُحيطنا، مع الجار، مع زميل العمل، مع الصديق و مع الأخ و قياساتنا تَتغيّر بإستمرار. هذهِ المُقارنة كانت، ومازالت جزءاً مُهمّاً من الصِراع التَطوّري.

رغبتنا في الحُصول على الأفضل و الأحدث و الأجدد، هي لإنها في المَقام الأول الألوان التي نرسم بواسِطتها ملامِح الصورة التي نَوَدْ أن نُعبّر فيها عن ذواتِنا (جيناتِنا). الصورة التي نَوَدْ أن يراها المُقابل و هي تَنعَكِس من خلاله. القُدرة و الجاه الذي نَملكه!

لعلّنا لو ألقينا نظرة على واقِع المُجتمع العراقي و الخليجي بصورة عامة، سنجِد أن السيارةَ الحديثة، الجِهاز النقّال الحديث و المُجوّهرات لها أهمية كبيرة جداً، رُغم أنها أشياءُ ثانوية مُقارنةً مع مُتَطلّبات الحياة المُعاصِرة الضرورية.

قبل فترة و أنا أُحاور بعض الأصدقاء، تناولنا موضوع الزيادة الملحوظة في أغلب المُجتمعات بإرتياد النوادي الريّاضية و الإهتمام باللياقة البدنية. و ماتوصّلنا إليه (هُناك دراسات كثيرة تؤيّد هذا الإستنتاج) أنه ليس أكثر من كونه إستثمار في الجَسَد من أجل مواكبة ظروف التنافُس التي لاتَعرف الجُمود. ترى هل ستقبل بي إمرأة و هُناك آلاف غيري يملكون أجساماً رشيقةً (تَعكِس جينات صحية و قوية)؟ لربما نعم، لكن حظوظي ستكون ضئيلة جداً، و غرورنا أكبر من أن يتركنا نَختار هذه الورقة الخاسِرة و تَقبُّل فِكرة أن الآخرَ »أفضَلُ« مِنّا! و بالتالي فنحنُ نواجه خيارين، إما أن نواكِب و نتأقلَم أو نبدأ بالتقليل من قيمة الآخر و إقناع أنفسنا بطريقة تجعلنا نرضى بالواقِع. في عِلم النفس تُسمّى هذهِ المُعضِلة بالتناشُز الإدراكي⁸.

نَظرة نقدية:

لعَلّ من أشد المُنتقدين لهذا المجال، الفيلسوف الأمريكي ديڤد بولر و الذي على حد وصفه يُشكّك في بعض التَكَهنات و التفسيرات للسلوك الجنسي و الإجتماعي لأجدادنا و أن بعض هذه التفسيرات لا تتجاوز كونها إدعاءات مغرورة و شامِلة عن الطبيعة الإستهلاكية البشرية، طبعاً رأيه هذا لايُشاطره الكثير، لكن قبل أن نَحكُم عليه، علينا أن نفهم جوهر نقده.

في الواقِع بعض حِجج عُلماء النفس التَطوّري »تبدو« ضعيفة المُستَنَد، كيف؟

بعض التفسيرات تَنطَلِق من إفتراضات تفرض على كُل من الذَكَر و الأُنثى على إتّباع أهداف و توجّهات مُعيّنة فيما يَخُص السلوك الجنسي. ففرضية الإستثمار الجنسي التي تناولها ديڤد باس في كتابه الشهير حول عِلم النفس التَطوّري، قد تبدو منطقيّة جِداً و سبق و أن عرضنا كيف أثبتت الدراسات تناغُماً بخصوصها، لكنها في نفس الوقت فرضية عِلمية تَحمل في جوفها إحتمالية الخطأ، و إن كانت حتى الآن صامدة أمام النَقد. فكون المراة تَستثمر جهداً و وقتاً أكثر من الرَجُل في التَكاثُر، شيء ليس خاضِعاً للنِقاش، لكن الإنطلاق دائماً من أن الرجال يَبحثون عن الكمية، و النساء عن النوعية بصورة عامة، و أن الهدف الرئيسي دائماً هو فقط نَشر الجينات، يَخلق أجواءاً تَسمح بحياكة قِصص و تفسيرات من الصَعب جداً إثباتها تجريبيّاً!

سامويل پولز، إقتصادي أمريكي و بروفيسور في جامعة ماساتشيوستس، و الذي تَناول بعض الفرضيات المُماثلة التي تَدخل في هذا المجال، حاول تَفسير طبيعة السلوك البشري من منظار مُثير للجَدَل، لكنه ليس بالجديد. فهو يَنطَلِق من فرضية أن أسلافنا كانوا يَعيشون في أجواء صِراع مُستمرّة وعنيفة، مُستَنِداً على ذلك من خلال الأحفوريّات و بقايا الجَماجِم المُهشّمة و العِظام المَكسورة التي وِجدَت في الكثير من بِقاع العالَم، كذلك يًعتقِد پولز أن من الدوافِع التي جَعلت البشر يتعاونون مع بعض و يَتَنظّمون في مجموعات لم يجلب لهم فوائداً إجتماعيةً فحسب، بل عسكرية أيضاً. من يُجيد العَمَل بتناسُق مع المجموعة، يمتلك حظاً أوفراً و فُرصاً أسهل في إجتياح أقاليم جديدة من أجل البحث عن ظروف بقاء أفضل و نساء جديدات يتم تَحبيلهنْ من أجل نشر الجينات »المُحارِبة« للحِفاظ على النوع.

السؤال الذي يَطرح نفسه هنا، هل فِعلاً هذه الضربات و آثار الأضرار على الجماجِم المُهشّمة هي دليلاً كافياً على إستنتاج الأجواء الصراعية التي عاشها البشر آنذاك؟ من خلال جُمجمة مُحطّمة تعود لأكثر من ١٠,٠٠٠ سنة لايُمكِننا الجَزم إذا ما كانت قد تَهشّمت بضربة فأس قاتلة من أحد المُقرّبين أو شخص غريب عن المجموعة، بسبب عَداء شَخصي أو خلال حربٍ شَرِسة!

في أبحاثه أستخدم پولز مُحاكاةً رقمية حاسوبية لإسناد فرضيته هذه و التي من خلالها يُحاول إثبات النظريات التفسيرية التي قدمها عُلماء نفس تطوّريون كِبار مثل گيزيلين و لورنتس.

رُغم كون هذه المُحاكاة البرمجية ليست بذلك الموستوى بعد لتَتناول سلوكيات و تَفاسير مُتكامِلة للبَشَر، ألا أنها مُحاولة لِفَكّ شَفرة بعض السلوكيات و الدوافع التي طوّرت نفسية البَشَر. نظرية النِزاع المُستمر هذه ليست جديدة، بل تناولها الكثير من الفلاسفة في السابق و لعل أشهر ما يَخطُر في بالي توماس هوبس و إقتباسه الشهير »الإنسان ذئب لأخيه الإنسان« و الذي في الحقيقة يعود للشاعِر الكوميدي الروماني پلاوتوس و التي من عبّر من خلالها عن الأجواء الحربية النزعية المُستمرة بين الشعوب و حتى يومنا هذا! رُغم أننا هنا ندين للذِئاب بالإعتذار لهذه الإهانة، فالذئاب حيوانات إجتماعية و مُتعاونة جداً فيما بينها و لا تتعامل مع بعضها البعض بوحشية كما نَفعل نحن.

علينا في نَفس الوقت أن لاننسى أننا نتناول منهجاً عِلمياً و ليس أدبياً، و عليه فميزان التَخطِئة، الشيء الذي يُميّز المنهاج العلمي، صارِم جداً و لاتوجد فرضية أو نظرية لا تَخضَع للفحص و التَدقيق! كما أن النَقد يتناول بعض الفرضيات التي يطرحها الباحثون و ليس المجال العِلمي بِرُمّته و الذي فرض نفسه و بجدارة ! و إنه لمن المثير للأهتمام أن نفهم الأسباب و الضرورات التكيّفية التي طورت سلوكنا و نفسيتنا إلى ما هي عليه اليوم، و كيف أنها نتاج ناجح لتجارب أجدادنا قبل ملايين السنين، الذين تطورت أجسادهم وأدمغتهم لمواجهة تحديات الظروف التي عاشوا فيها، فلولا صراعهم الناجح من أجل البقاء، لما كنا موجودين اليوم.

الخِتام

***

¹ الأستروجين هو هرمون أنثوي يفرزه المبـِيض كهرمون الجنس الأولي، كما يُعتبر الأستروجين عامل حيوي وهام لقيام الجهاز التناسلي الأنثوي بوظيفته بصورة مناسبة.

² الانتخاب الطبيعي هو عملية غير عشوائية، فيها يزداد أو يقل شيوع الخلات الحيوية في التجمع من جراء التكاثر التمايزي (تباين حاملي هذه السمات من حيث التكاثر). و هي آلية أساسية للتطور يتم من خلالها اصطفاء الصفات الأفضل للبقاء.

³ عِلم التخلّق المتوالي، هو دراسة التغيرات الوراثية في التعبير الجيني أو النمط الظاهري الخلوي، و التي تنتج عن آليات أخرى غير التغيرات التي تحدث في تسلسل الدنا. فهو يشير لتعديلات تحدث في وظيفة الجين دون أي تغيير في تسلسلات النوكليوتيدات التي تشكل الدنا. وتتضمن الأمثلة على هذه التعديلات مثيلة الدنا وتعديل الهستون، وكلاهما يضبطان التعبير الجيني دون تعديل تسلسل الدنا الذي يقوم عليه. والدلائل القاطعة التي تدعم الوراثة اللاجينية تُظهر أنَّ هذه الآليات قد تسمح بتوريث التأثيرات المترتبة على تجارب الوالدين إلى الأجيال اللاحقة.

⁴ The Mating Mind: How sexual choice shaped the evolution of human nature – Geoffrey F. Miller

⁵ دان ريلي بروفيسور في جامعة (ديوك)، قسم علم النفس والسلوك الاقتصادي, ومؤلف الكتابين »لاعقلانية مُتوقعة« و »الجانب المشرق من اللامنطقية« – هورتاچسو و هيتش باحثا إقتصاد سلوكي في جامعة شيكاگو

⁶ http://people.ucsc.edu/~nuclear/econ180/hotnews/onlinedating.pdf

⁷ راجِع كتاب ديڤد باس »عِلم النفس التَطوّري«

⁸نظرية التنافر أو التناشُز الإدراكي (بالإنجليزية: Cognitive Dissonance) : منحى في علم النفس يذهب إلى أن وجود إتجاهات أو معتقدات متعارضة عند الشخص أمر يثير عنده القلق، و لذا يحاول تغيير تلك الإتجاهات و المعتقدات ليجعلها أكثر اتساقا فيما بينها.