برنامج شباب توك: مالذي يريده جعفر؟ ـ أجندة دويتشه ڤيله

قبل أن تبدأ بقراءة المقال، ليس عندي أي خلاف شخصي مع صاحب البرنامج، و لا أحاول هنا فبركة قصة عن مؤامرة ضد جهة ما، لأن من أكتب عنهم هم واضحي الأجنّدة و يفتخرون بما يفعلون و يوزعون الجوائز بينهم تكريما لما يفعلون.

أنا متابع لبرنامج جعفر و للقناة منذ سنوات؛ بالعربي و بالألماني، كوني ناطقاً باللغتين. صدى البرنامج الكبير، بحكم طبيعته الجدلية، دفعني لأوضّح للقارئ العربية دوافع قناة ألمانية حكومية إلى دعم هكذا برامج تثير الجدل و تستهدف الرأي العام و تنشر أفكاراً معيّنة بإسم التقدّم و الحرية. فيها من المفيد و من المضر. لكن الضرر برأيي أكبر.

عادةً، القناتنان الأولى و الثانية، ARD و ZDF، تعتمدان على الدفوعات القسرية المفروضة على المواطن الألماني[١٧,٥٠ EUR] شهرياً و التي تقابل غالباً بسخط الشارع الألماني. لكن قناة الدويتشه ڤيله [الموجة الألمانية] يتم تمويلها من أموال الضرائب.

رسمياً، تصنّف الـ DW نفسها بالإذاعة الألمانية الدولية الموجَّهة إلى الخارج. هدفها التعريف بألمانيا و “نشر الصورة الأصلية عنها” و “دعم التبادل الثقافي عبر محطات التلفزيون والراديو وشبكات الإنترنت”.

مثيرة هذه، فقرة “التبادل”… سأعود لها لاحقاً.

القسم العربي في الإذاعة ليس وليد البارحة، بل يعود لأواخر منتصف القرن الماضي. لكن مايهمني هنا هو برنامجها منذ أحداث الخريف العربي في ٢٠١١ و حتى اليوم.

ليست عندي أي مشكلة مع التعريف بتاريخ و ثقافة المانيا إلى العالم الخارجي، بالعكس، أنا كمواطن الماني أحب هذا البلد و أعتز بتاريخه و بعض ثقافاته. لكن مشكلتي هي استفزاز ثقافات الآخرين و دس السم في العسل بإسم الحرية و العدالة و المساواة. خصوصاً المجتمعات العربية الضعيفة الموقف و العاجزة عن الدفاع عن نفسها و المشغولة بمشاكلها الجذرية.

لقد كتبت قبل عدة أيام أن كل من يبيع لي الحرية، المساواة و العدالة، هو متهّم عندي بالأدلجة، حتى يثبت براءته. فالحرّية وهم، و المساواة باطلة، و العدالة نسبية. مصطلحات طنّانة لا أكثر. لكن هذه هي أيديولوجيتهم. اليسار يحكم كل شيء في الديمقراطيات الليبرالية. شرطة اللغة تنتظر الكلمة تخرج من أفواه كل شخص لايناسب أديولوجيتهم. حتى مواضيعهم و طرحهم حذر و متناسق مع رأي الصواب السياسي المؤدلج.

بما أن الدويتشه ڤيله مهتمة بالتبادل الثقافي و نشر صوة عن ألمانيا. دعنا نتحقق من موقفهم تاريخياً و في الوقت المعاصر. ماهي فلسفتهم السياسية؟ مالذي يريدوه؟

“ما بعد الحداثة” أو “اليسار التقدّمي المعاصر” هو الطيف السياسي السائد في ديمقراطيات الغرب الأوربي و الذي يتبنّى سياسات التحرّر، الديمقراطية، السلامية [مناهضة الحرب و العنف] الحكومة الكبيرة، الانفتاح على الهجرة، العولمة، التخلّص من تقاليد الماضي و الهويات القومية، النسوية المناهضة للرجل، سياسات الصواب السياسي القمعية، المساواة دون أخذ اعتبار اختلاف الواجبات، التركيز على حقوق الأقلّيات و إن كان على حساب الأكثرية، و حماية البيئة السكنية بدعوى حماية البيئة. بالنسبة لهم، الشعوب العربية متأخّرة، و هم على حق فعلاً، لا مجال لإنكار أننا متأخرون اقتصادياً و تقنياً. لكنني، كشخص ترعرع في أوربا، لا أظن أنهم متقدّمون في كل شيء، بل أنني أزعم أنهم فتحوا عقولهم لدرجة أنها تدحدرت عند البعض من جانب الجمجمة. أنا قلق من مصير أوربا و ماتفعله اللبرلة المدمقرطة ـ نعم أنا أختلقت هذا المصطلح، لا حاجة للبحث عنه في القواميس ـ بتاريخ هذه القارة العظيمة.

بالنسبة لهم، الشعوب العربية متأخّرة، و هم على حق فعلاً، لا مجال لإنكار أننا متأخرون اقتصادياً و تقنياً. لكنني، كشخص ترعرع في أوربا، لا أظن أنهم متقدّمون في كل شيء، بل أنني أزعم أنهم فتحوا عقولهم لدرجة أنها تدحدرت عند البعض من جانب الجمجمة. أنا قلق من مصير أوربا و ماتفعله اللبرلة المدمقرطة ـ نعم أنا أختلقت هذا المصطلح، لا حاجة للبحث عنه في القواميس ـ بتاريخ هذه القارة العظيمة.

و نعم هي عظيمة بتاريخها المتلوّن بالدم و الحضارة، حاله كحال الهلال الخصيب و الحضارات القديمة الأخرى. تاريخها أقدم و أعظم من أن نختزله بآخر ٦ عقود. حاول أن لاتقترف هذا الخطأ كما يفعل الكثير. فمهم جداً أن تضع تاريخ أوربا الكامل في الحسبان.

أغلبية المهاجرين العرب يقعون في هذا الفخ. و من الطبيعي أن تفهم موقفهم الداعم لسياسات اليسار المتضامنة معهم، صحيح؟ هل لديهم خيار آخر؟ لا تظن أن الأحزاب هذه لا تطمح بكسب أصوات هؤلاء. فهم في النهاية “أقلّيات مضطهدة” بحاجة إلى الحماية..

بعد الحرب العالمية الثانية، يمكنك القول أن اليسار بشكل عام قد انتصر على اليمين، مفترضين أن النازية تحسب إلى اليمين، و هذا لوحده مغالطة ناقشتها في مقال سابق، حيث أنني أجد أن حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني [يذكّرك الإسم بالأحزاب الشيوعية اليسارية، صحيح؟] يحتوي من اليسار أكثر مما هو من اليمين. طبعاً هذا هو إسم حزب هتلر. لو قرأت كتب التاريخ المعاصرة، ستجد أنه يحسب إلى اليمين إلا أنه هنالك بعض الأسباب الوجيهة للاعتقاد بأن النازية تنتمي سياسياً إلى اليسار أكثر من انتمائها إلى اليمين. أعرف، قد يصدمك ذلك بعض الشيء. تمهّل معي قليلاً..

هذا لا يعني أن النازية ليست لها علاقة باليمين. لكن النقاش حول الموقف السياسي الدقيق للاشتراكية القومية الألمانية [النازية] لم يُدار بشكل دقيق.

لكن، نعود إلى مابعد الحرب العالمية الثانية، من انتصر؟ من كتب التاريخ..طبعاًَ!

بالأخص إلى الميديا، و الفكر المعاصر الحاكم: فهم بحاجة إلى لسان، إلى من ينقل أفكارهم و يشيعها في بقاع الأرض. كونها الصواب المطلق و الحق البشري الصالح للجميع، كما يؤمنون.

على أي حال، من يحكم المانيا اليوم هي التقدّمية. و هو الفكر المهيمن على الأكاديميات الحكومية و القنوات و الميديا بشكل عام. لكنهم ديمقراطيون و متعددون و منفتحون و متقبّلون للشذوذ و التنوّع… حتى تبدأ بانتقاد إلههم الأكبر، الصنم الأعظم: الديمقراطية. حينها لن يرحموك. إن كنت قارئاً مطّلعاً، فسأحسبك أذكى من أن تفهم بديل الديمقراطية هو الديكتاتورية.

كما أنني لن أتطرّق إلى مشاريعهم في دمقرطة شعوب العرب و ما تركوه من موت و خراب و فوضى و فساد خلفهم. هذا موضوع خاص يحتاج لوقفة طويلة.

حتى تعرف دوافع كل جهة، لابد من العودة للتمويل.

كانت الزيادة في ميزانية دويتشه ڤيله في بداية ٢٠١٥ مصحوبة بتعليقات انتقادية من داخل المانيا على التوجه السياسي الجديد للإذاعة الدولية. فمن الواضح أن توسيع دويتشه ڤيله يرتبط بمواقف السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي. و هذا شيء مفهوم، صحيح؟ طبعاً أحد العوامل التي رفعت من ميزانية الإذاعة يرجع إلى العلاقة المتوتّرة مع روسيا و صراع أوكرانيا. إن لم تتذكّر الأحداث، أوربا رفضت انضمام جزيرة القرم إلى روسيا، مع أن أغلب سكانها كانوا مع الانفضال و يتحدّثون الروسية، لكن هذا بحث آخر.

دويتشه ڤيله تبنّت استراتيجية إعلامية شاملة لأوروبا ضد موسكو. و الصراع الجيوسياسي يحتاج لواجهة إعلامية، أينما كان. الروس و إذاعة RT و أوربا بإذاعات دول اتحادها.

خلف الكواليس كان لابد من احتواء التأثير الروسي عن طريق برامج مضادة سياسية تسلّط الأضواء على مشاكل روسيا الداخلية، و لكن أيضاً عن طريق اتخاذ تدابير تقييدية ضد الصحفيين المقرّبية للحكومة. فتقارير الدويتشه ڤيله لا تستقبل ضيوفاً مقرّبين من بوتين و لا تبذل جهداً حقيقياً يمكن فهمه كمحاولة موضوعية و محايدة في حل الأزمة. و من جديد، لا أستغرب ذلك، بل هي سياسة صحفية متوقّعة و تجدها في مناطق مختلفة.

و هذا مايهمني أن يفهمه القارئ العربي: أن الـدويتشه ڤيله عندها أجندة تخضع بشكل ما لسياسات الاتحاد الأوربي و لا تتحلّى بموضوعية حقيقية يمكنك التعويل عليها في الطرح المحايد. كيف و أموالهم حكومية؟ أتفهم قصدي؟

حتى العاملين في القناة و الإذاعة، لايمكن أن يكتبوا سطراً أو يعبّروا عن رأياً مناهضاً لسياسات الاتحاد الأوربي. و من الطبيعي أن يستقطبوا المهاجرين العرب الموهومين بالثالوث المقدّس: الحرّية و المساواة و الأخوّة. و هنا يأتي الأخ جعفر. المقدّم العربي الألماني، الذي درس الميديا في جامعات الصواب السياسي.

برأيك، هل ما يقدّمه و يطرحه من أسئلة و مواضيع مستفزة للشارع العربي، هو مفاجئ لك بعد أن ربطت الحلقات مع بعض؟ فكّر معي قليلاً: هل يمكن لجعفر أن يكون محايداً و هو يعمل لقناة و إذاعة حكومية؟

ممكن. دعنا من ذلك.

في السنوات الماضية، كانت الدويتشه ڤيله تعاني مادياً و تائهة بدون مهمة واضحة، ناهيك عن رؤية، و هذا يعلل مشاكلها الاقتصادية التي دفعتها لإلغاء برامج و مجلّات في ألمانيا، كما أنها لم تشغر حيّزاً جدّياً في الوسط العالمي.

في ٢٠٠٤ كان على الإذاعة توفير ٤,٥ مليون يورو ، في عام ٢٠٠٥ حوالي ٨,٥ مليون يورو. أعقب ذلك صراعات داخلية للتوزيع و مناقشات مرهقة حول أي برنامج يمكن إلغاؤه و أي نشاطات يمكن تقليصها.

لكن مع المشرف الجديد المتبرع پيتر ليمبورگ، الذي تم تعيينه في عام ٢٠١٣، بدأت الأمور تتغيّر. مراسل الناتو السابق لوكالة الأنباء الألمانية لا يرحّب بالسياسة الروسية و موقفه معروف علناً. وهذا حقه طبعاً.

لكنه بدأ يخشى تأثير القنوات الروسية، و بدأ بدعم برامج في اللغة الإنجليزية، و أيضاً عروض في اللغة الروسية. خصوصاً و أن RT روسيا اليوم أطلقت نسخة ألمانية.

و لتحرير الموارد الضرورية كان لابد من الاستغناء عن العديد من البرامج الصغيرة لمنطقة آسيا الوسطى و أمريكا اللاتينية و حتى الصين. في تصريح له لصحيفة التسايت Die Zeit الألمانية يقول ليمبورگ بما معناه

إن العمل ضد وسائل الإعلام الروسي “المتحيّز” هو مهمة ذات أولوية و أنه من واجب الإذاعة تقديم صحافة متماسكة حتى باللغة الروسية. و أعقب “تمثيل قيمنا في العالم مهمة وطنية”. يال هذه الوطنية..

و في أعقاب الاضطرابات في العالم العربي يرى المشرف أن دور القناة مهم و يجب أن يكون حاضراً بـ “قوة ناعمة” على حد قوله.

آه، تذكّرت: جعفر و برنامجه شباب توك.. تادااا

أتسآئل، مالذي يريده من العرب تحديداً؟ عن أي قوة ناعمة يتحدّث؟

الواضح أن ليمبورگ تمكّن من إقناع صنّاع القرار في برلين بمشروعه السياسي، لأنه في الوقت الذي يتم فيه توسيع برامجهم الخاصة باللغة الروسية، دخلت دويتشه ڤيله قبل بضع سنوات في تعاون مع قناة CCTV الصينية. و لربما لن تتفاجئ من ميزانية الإذاعة هذا العام التي وصلت لـ ٣٥٠ مليون يورو من أموال الضرائب. فقط حزب البديل الألماني هو من صوّت ضد القرار. من غير الأموال التي يخصصها الاتحاد الأوربي لـ wait for it: “تعزيز و تطوير وسائل الإعلام الحرة و المستقلة”. ها ها ها، مستقلّة.

دعنا نعود لجعفر عبد الكريم، الصحفي الفائز بجائزة أفضل صحافي في المانيا لعام ٢٠١٦ ـ جائزة تقدّمها مجلّة ميديوم ماگازين Medium Magazin ـ و برنامجه شباب توك و الذي اشتهر على نطاق واسع بسبب إثارته للجدل و طرحه الكثير من القضايا التي تلامس “الخطوط الحمراء” و بالتحديد ما يخص الحريات الفردية.

لاحظ معي المواضيع التي يطرحها البرنامج: مسجد يرحب بالمثليين، إمامة امرأة للرجال في الصلاة، مواضيع حقوق المثليين و الحجاب و الطلاق و المساواة في الأجور و الميراث و حتى حق قيادة المرأة للسيارة في السعودية.

مواضيع لاتشغل العربي الحائر بمصير بلاده و لقمة العيش. لكنها جميعاً مواضيع تشكّل الخطوط العريضة لمابعد الحداثة و الطيف السياسي الحاكم في أوربا. مع أنه من الإنصاف أن أذكر أنه يطرح أيضاً مواضيع عن الفقر و حال الشباب الاقتصادي. تذكّر، أنا لا أفترض أن نواياه سيئة، لكن في نفس الوقت لا أزكّيه من الأدلجة و أعتب على فقر تحرّيه أو طاقمه عن ضيوفه.

بغضّ النظر عن المواضيع و كونك مع أو ضد، لكنني لا أسمّي هذا تبادلاً ثقافياً! و من يظن ذلك فعلاً فهو للأسف ساذج.

قبل أسبوع خرج جعفر ليستضيف مراهقة من العراق تدّعي أن أهلها قد منعوها من التعليم ـ و انهمرت بالبكاء ـ و كيف أنها ضعيفة الحال مضطهدة ـ و دموعها في عينها. لم يتحرّى جعفر عن شخصيتها المعروفة في الأوساط الرقمية، و أسلوبها المبتذل و السوقي في التعامل مع من يخالفها بالفكر و شن حملات غلق الحسابات لمن يعاديها و يعادي نسويتها المتطرّفة. ربما هي فرصة لتعزيز فرص اللجوء. أتفهّم ذلك. مع ذلك، نوعية الضيوف تعكس بشكل أو آخر صورة البرنامج.

برنامج شباب توك لا يجيد التحرّي عن ضيوفه و تاريخهم، و لا يطمح فعلاً للتبادل الثقافي. بل عنده أجندة، و إن كان ذلك بالنسبة لجعفر و لطاقم البرنامج و الإذاعة هو عمل باسل في سبيل “الحرّية”. طبعاً، هم الأحرار و الأفاضل، و العرب هم الرجعيون و من يجب أن يخضع لأفكار أوربا الحديثة..

كل ذلك لا يهم جعفر، ففي النهاية هو يطمح لتحقيق “العدالة و المساواة” على حد تعبيره في بعض لقاءاته. أنا و هو نختلف في الفكر بشكل جوهري، و نقدي هنا ليس من باب الشخصنة، بل لأفهم الآليات خلف برنامجه. لا أعتقد أنه سيتقبّل نقدي برحابة صدر، مع ذلك alles Gute!