في نقد العلموية ـ الطبيعيون الجدد

ميثولوجيا بروميثيوس

يهمني عزيزي القارئ، أن تعرف دوافع الكاتب قبل أن تستهل بالقراءة، لأن العنوان جريء بعض الشيء و قد يساء فهمه. و أنا لا أكتب كي يساء فهمي، بل لكي أوصّل للقارى فكرة ما. طالما فهمها بنقاء، سهل هضمها و التعامل معها بشكل نقدي.

العِلم نور، لا شك في ذلك. و في اكتسابه و ممارسته متعة يدركها من اهتم بظواهر الطبيعة و اطّلع على أسرارها و ما اكتشفناه و نكتشفه. لست هنا أهاجم العِلم؛ كيف و أنا نفسي أمارسه و مهنتي تدور حول مكاسبه؟

إنها الأيديولوجية خلف الإنسانية التبشيرية التي يتبناها البعض (على عكس رئيس الوزراء العراقي السابق، العبّادي، سأكشف لاحقاً من هم هؤلاء البعض) و التي توهم الإنسان أن للعِلم السلطة المطلقة في حسم كل ما يشغل جوارح الإنسان و أسئلته. هذه الأيديولوجية التي توهم الإنسان الحديث بأنه قادر على تجاوز قصوره الطبيعي و ترويض الطبيعة، هي ما أسميها العلموية.

النزعة العلموية الزاعمة أن العِلم وحده يكفي لمعالجة جميع مشاكل الإنسان، و أن حقوق الإنسان المعاصرة هي المحطّة الأخلاقية الأخيرة في قصة الإنسان، تدفع بي للعودة خطوة إلى الوراء لأفهم دوافع و تبعات هذا الاستنتاج.

هل العِلم و حقوق الإنسان التي أقرّها المنتصر بعد الحرب العالمية الثانية، هي فعلاً المزيج الساحر الختامي؟

هي ليست محاولة لإعادة سلطة الدين و تقويمها بعد أن خسرت احتكارها لسلطة المعرفة أمام العِلم، بل هي تذكير بأن العِلم ـ بجانب كونه أفضل أداة نملكها لرؤية العالم بأقرب صورة ممكنة إلى الواقع الموضوعي، هو أداة تطوّرية تخضع للطبيعة لا تترفّع عنها. النقطة الأخيرة تحديداً هي ادعاء قد يصدم البعض، سأحاول دعمه بحجج مقنعة. دورك كقارئ سيكون في تلقّي الفكرة و معالجتها و البحث عن الثغرات.

كما قلت، لايهمني التهكّم، بل النقاش.

النقطة الجوهرية الأخرى في المقال ستتمحور حول الإلحاد الجديد و قصوره في تقديم البديل المشبع لروح الإنسان الفضولية و الخائفة و ميوله كتيار فكري للوقوع في فخ الأدلجة بلباس العلموية.

هذا الادعاء وحده قد يحبط أو يغضب البعض. و هذا لابأس، طالما حافظت عزيز القارئ على فضولك في معرفة ما في جعبتي.

سأحاول أيضاً في هذا المقال أن أعرّف القارئ بالمفكّر الطبيعي كموقف فكري معاصر و متوزان، و كي يكون مرجعاً لما سأكتبه أو يكتبه غيري في المستقبل. هنالك مشتركات تجمع بعض المفكّرين الذين يحاولون الخروج من دوامة الصراع العقيم بين المذهبين الأبستمولوجيين، العقلاني و التجريبي، و يسعون لفهم قوانين الطبيعة و مجرى التاريخ دون تشنّجات مؤدلجة و دون تكرار الأخطاء السابقة لأسلافنا؛ أي قدر المستطاع بعقل منفتح على مستقبل مجهول و إدراك صريح بنقاط ضعف الإنسان و لاعقلانيته كواقع حال بجانب قدرته على تعقّل الأمور. أنا أسميهم الطبيعيون الجدد، لأنني بحاجة إلى تمييز فئة عن أخرى، و نحن كما تعرف، عزيزي القارئ، نجيد التمييز و تنوّع التسميات، و ربما قد لانحتاجه في المستقبل؛ لكن هذه المرة الحاجة وحدها هي الدافع خلف ذلك.

ما تشبعّ منه عقلي من التفكير العلمي هو الحذر في الطرح و الالتزام بالموضوعية قدر الإمكان، و إن كان ذلك عسيراً أحياناً، و قد أحس بشيء من القلق يساور بعض القـرّاء􏰂 إذا تـصـوّروا أن ما يـقـرأونه مناف لعقائدهم،􏰂 و لكنني أسارع فأذكّرهم أن عقل النقدي لا يخشى الأفكار المخالفة، بل يعتبرها امتحاناً لما يحسبه من عين الصواب. و عليه أدعوك لمشاطرتي بعض الأفكار هنا بعقل نقدي.

العِلم أداة

العِلم ممتع كأداة لاستكشاف غموض الكون الشاسع حولنا و هو شعور تستطيع أن تقرأه في عين الكثير من البشر الذين يقضون أياماً من حياتهم في مطالعة الكتب العلمية و متابعة الوثائقيات و النقاش حول نشأة الحياة؛ فضلاً عن الدخول في السياق العلمي المهني. و بغض النظر عن الفرضيات و النظريات العلمية المختلفة، هنالك حقيقة واحدة عن نشأة الحياة تبدو شبه مؤكدة􏰂 وهي أنها􏰂 أياً كان الـزمان والمكان الـلـذان حدثت فيهما،􏰂 لابد و أنها نشات قبل زمن طويل جداً􏰂 يعجز الإنسان البسيط على استيعابه أو تكوين أي فكرة واقعية عنه.

و مع إن خبرتنا الشخصية 􏰉تمتد إلى عشرات السنين إلى الماضي إلا أنها عرضة للنسيان. كم شخص برأيك يستطيع تذكّر شبابه و شعوره و الظروف حوله بشكل دقيق؟ كم دقيقة تستطيع ذاكرتك أن ترجع بك في الزمن إلى الوراء؟ منذ مائة عام كانت الأرض مأهولة بـأناس منهمكة􏰁 في أمورهم الخاصـة􏰂 يـأكلون ويـشربـون ويعشقون ويكسبون􏰂، كل منهم تشغله مشاكـلـه الخاصة. أغلبهم خرج تواً من صدمة الحرب العالمية الأولى. مشاكلهم آنذاك حتماً أشد من تلك التي نمر بها نحن اليوم. و هذا القصور في ذاكرة الإنسان يجعل منه حيواناً بحاجة لتوثيق أفكاره و استنتاجاته و نقلها عبر الأجيال.

لذلك لجأنا إلى التدوين لنحفظ خبرات السنين و كي لا نكرر الأخطاء مراراً و تكراراً. و هذا ما يعكسه تطوّر الحضارات البشرية من الرسوم على جدران الكهوف، إلى القصص و الروايات الشفوية و حتى اختراع الكتابة.

فالحاجة أم الاختراع، و الاختراع أداة لتجاوز قصور الإنسان. و العِلم ليس إلا أداة يستخدمها الإنسان لتجاوز قصوره. من استخدمها في طلب المعرفة و اكتساب الحكمة، أنار دربه أمامه، و من أراد به باطلاً، ظلم غيره و نفسه و صار ضحية لأدلجة تبيع نفس الوهم و البضاعة الدينية التي حاربها العِلم في البداية: أن الجنس البشري اليوم قادر على تخطّي كل عوائق الطبيعة و حدوده بفضل العِلم.

لماذا هذا التشاؤم؟

هو قراءة للواقع أكثر من كونه تشاؤماً. دعني أوضّح أكثر:

التطوّر

أتذكر عندما كنت مندفعاً بفضول و عطش معلوماتي في مطلع الـ ٢٠٠٩ نحو آخر الاكتشافات و المقالات العلمية التي أترجمها بشكل مختصر و أشاركها مع مجموعة من الأصدقاء في اليوتيوب و الفيسبوك. و كأن باب جنة المعلومات و الأخبار العلمية قد انفتح في وجهي فجأة. في الوقت الذي بدأت فيه بالتخلّص شيئاً فشيئاً من كاهل التراث الديني و إشباع الفراغ بالجديد، المبهر و المتتع: العِلم.

عندما تقرأ أننا بدأنا نتغلّب على أمراض و نحوّل علم الخيال إلى واقع، لا يسعني سوى أن أشاطر هذه المعلومة كنوع من الاحتفال و الأمل. و كأنها رغبة عميقة منغرسة في جذور الإنسان المعاصر بالتغلّب على ما فشل أمامه الإنسان السابق.

لا أخفي شغفي بالعلوم حتى اليوم، لكنني لست ذلك الشاب نفسه كما كان قبل عقد من الآن. فالحرب التي كنت أخوضها ضد قصص الخرافة و الدين لم تعد تشغلني كثيراً، بل صارت مملة؛ لربما في السابق كان العِلم أداة أستخدمها لتبرير هجومي على الماضي و تراثه الفكري. لم أمرّ وحدي من خلال هذا الطريق، و أظن أن بعض من يقرأ هذه السطور يعي جيداً ما أقول.

لا شك أن مانعرفه اليوم عن العالم حولنا، و إن كان تافهاً مقارنةً بالحجم الشاسع للكون، هو بحد ذاته مصدر للإلهام و التعجّب، بل و حتى التأمّل. فكرة الوجود و عمر الكون و احتمالية وجودنا على أرض هذا الكوكب كلها كافية لتنهك عقولنا في تصوّر الأسباب و الهدف وراءها. لن يختلف العلموي معي حول هذه النقطة. لكن الإنسانوية الجديدة، و هي ملجأ لكثير من العلمويين، و حتى منذ بداياتها في نهاية الألفية الثانية بعد الميلاد، سوّقت بإيمان و شغف لفكرة أن الإنسان من خلال العِلم سيتخلّص من هيمنة الطبيعة و يتحرر.

هنا اعتراضي: لو سلّمنا بنظرية داروين عن الانتخاب الطبيعي، فخلاص الإنسان هنا يتعارض معها.

كيف؟

العقل البشري يخدم غرضاً تطوّرياً جوهرياً: النجاح، البقاء، لا البحث عن الحقيقة و التحرر.

التفكير بشكل مخالف لهذه المعادلة يفترض أننا نختلف عن بقية الكائنات الذكية، و هذا الافتراض وحده لايصمد علمياً، و يكاد يضفي عليها في نفس الوقت طابعاً قدسياً.

التطوّر الدارويني لا يهتم بالحقيقة، و لا يحتاجها للبقاء و تمرير الجينات. على العكس، قد يقلل البحث عن الحقيقة من فرص بقائك على قيد الحياة.

ثم من قال أن الخداع أو التضليل، على عكس الحقيقة، ليس من ضمن السلوك الطبيعي؟

الغربان، على سبيل المثال، تمارس التضليل أحياناً من خلال التظاهر بدسّ الطعام في مخبأ ما بينما يدسّوه لاحقاً في مكان آخر كي لا يكشفه سرب غريب أو حيوان آخر.

دعك من الغراب، نحن أنفسنا البشر، أفضل من يجيد الخداع، خصوصاً مهارة خداع النفس. البعض يخدع نفسه كي يجيد خداع الآخرين. ماذا يقول ”أبو المثل‟؟: كذّب الكذبة و صدّقها.

الخداع سلوك نفسي و اجتماعي على مايبدو مهم. هذا ما يفسّره أيضاً بعض علماء النفس التطوّري، أي أن الصراع حول البقاء و المكانة و القرين المناسب، يفضّل من يتحلّى بقدرة جيدة على المراوغة من غيره.

تأمّل أنجح السياسيين في العالم و الأغنياء المشاهير؛ ها؟.. أظنك بدأت تفهم قصدي بشكل جيد.

لا أعتقد أن الحقيقة تمتاز بأفضلية تطوّرية على الخطأ، بل أحياناً العكس. فالانتخاب الطبيعي يفضل أحياناً الخطأ المفيد، الطفرة المفيدة.

الفكر السائد بأن الانتخاب الطبيعي يصطفي الأنظمة العصبية التي تعكس أدق صورة عن العالم حولها هو تصوّر ساذج للطبيعة. ففي خضمّ الحياة و فرص البقاء، لذة الحقيقة هي ترف، و أحياناً عائق.

الأكل، الشرب، النوم، الجنس، الجاه .. غرائز لن نتخلّى عنها برقاء الفكر و لا بتسامي الأخلاق. تهذيبها و ترويضها هذا بحث آخر. في إطار الممكن هو شيء يبعث الفضيلة في روح الإنسان و لا ضرر فيه، و هو ما تحث عليه بعض الفلسفات، كالرواقية مثلاً. من باب هي ترضخ لواقع الطبيعة الفسيولوجية، و من باب ثانٍ تجد فسحة لتهذيب الذات.

لا أخفيك أنني لم أعد قادراً على شراء سلعة أن العِلم سيستخدم لإنقاذ البشرية من لاعقلانيتها و غرائزها. كما لا أظن أن هدف العلِم الأول و الأخير هو البحث عن الحقيقة.

السبب الأوّل: العِلم نفسه هو وسيلة ابتكرتها الطبيعة أصلاً و بمراعاة تباين التعقيد التقني، هو أداة تستخدمها حيوانات أخرى.

السبب الثاني: القوانين التي تتحكّم بسلوكياتنا و تشييدنا للمجتمعات و نظرتنا نحو المستقبل و قصور تفكيرنا الشمولي و مستوى ذكائنا الحالي لا تمنحنا حتى الأمل بمستقبل أعقل و أكثر حكمة. جيناتنا تريد البقاء و الاستمرار، الاستمتاع بالحياة و التلذذ بها و بتقنيتها في تجاوز القصور، لا البحث المستمر عن الحقيقة. على الأقل ليس هذا هو الهدف السامي الذي يجتمع عليه البشر، لو سألني كائن فضائي عن بني جنسي البشر.

هنالك حلم، رغبة خيالية تخالج عقول الإنسانويين: أن العِلم هو المنقذ الذي سيجلب العقلانية إلى العالم اللاعقلاني.

حملات التنوير مازالت حتى اليوم تكتسح الكتب و المنظمات و تعشعش في عقول الكفاءات العلمية و الفلاسفة المعاصرين. كما أنها فكرة تلهم عقول الشباب و المندفعين للتغيير.

لست هنا أتكلّم عن محاربة الجهل، بالعكس، فطلب العِلم فضيلة، بل مصدر قوة، و من يرغب باعتلاء المكانة الاجتماعية في محيطه، لاخيار أمامه سوى التسلّح و المنافسة. إفهم قصدي جيداً: الدوافع العقائدية هي ما تهمني.

ما هو الدافع العقائدي الذي يدفع بتنويري علموي لمحاربة منظومات دينية عقائدية أيضاً؟ بالنسبة لي الإثنان في صراع أفكار سينتصر به من يجيد استخدام الميمات الثقافية الناجحة.

العقائد الإبراهيمية صارمة في طرحها المطلق. ومع أن الإنسانويين أقل حدة و أكثر شكاً في تصوّرهم العالم، إلا أن ”إيمانهم‟ بأن العِلم هو المنقذ و أن البشرية يجب و سوف تنتصر على اللاعقلانية، لا يختلف كثيراً عن الدين. فلسفة التنوير بزي الإنسانية Humanism هي عقيدة يائسة للأسف.

لكن البشر بحاجة لوهم. لوهم غير عاقل يروّج للتقدّم نحو الأفضل. دونه سنكون فريسة سهلة للعدمية. والأمل بالمستقبل يفتح الأبواب أمام الكثير من الفرص، لكننا ننسى أنها دائماً تتأرجح بين النجاح و الفشل.

و لا أخفي عنك، أنا نفسي آمل نحو الأفضل، لأن أسلوبي في الحياة يتطلّب مني ذلك. لكن ذلك لايعني أنه هو الخيار العقلاني حتماً.

فمن الطبيعي أن نستبشر بالعِلم كوسيلة لتجاوز مشاكل البشرية. فشرعية العِلم تنبثق من السلطة التي يمكّن بها البشر على الطبيعة حوله. و العِلم أنقذ الملايين من البشر، سهّل حياتنا اليومية، قرّب المسافات بيننا، خلق أبعاداً جديدة كانت في السابق لا تجدها سوى في بعض قصص الخيال العلمي. ناهيك عن التقدّم الطبي و تمديد عمر الإنسان. هذا لوحده كافٍ لأن يدفع بالبعض ليؤمن بأن العِلم هو المنقذ، الخلاص البشري.

مع ذلك، تجريد العِلم من الحاجة البشرية و الملذات الدنيوية و اللاعقلانية لبني جنسنا، يعني أننا نعزل العِلم عن أصله و وظيفته كأداة لا أكثر و نعطيه بعداً يتسامى لدرجة تخلق منه عقيدة واهمة هدفها البحث عن الحقيقة.

و لذلك أجد أن العلموية أو الإلحاد الجديد قد وقعا في هذا الفخ تحديداً، و هو مادفع ببزوغ فكر جديد حاول العودة إلى الماضي، إلى الفلسفات و إلى الأديان القديمة و الأساطير و حتى العلِم الحديث. فكر يحاول أن يعود بخطوة إلى الوراء، ليعيد تنقيح مرحلة الفهم، فهم الطبيعة و قوانينها و ارتباطنا المباشر بها، أسس الحضارة و مقوّماتها و أيضاً قدرتنا على الحكمة و الجهالة في نفس الوقت، قبل أن ننتقل إلى مرحلة أخرى، ناهيك عن الحكم على الكون و الإفتاء به. إنهم الطبيعيون الجدد.

لنعرّف أولاً أن الطبيعي هو ذاك الذي يجمع بين حقيقة التطوّر و دور الطبيعة المتجذّر في جيناتنا، أهمية العِلم (كأداة لا كمخلّص)، و دور الفلسفة و الأساطير و الأديان (في جوهرها) في تهذيب ذات الإنسان و تسليحه بما يمكّنه من عيش حياة فاضلة ذات معنى في مجتمعه. و هنا لا أقصد الأديان كمؤسسات و كأنظمة سياسية، بل كهيكل اجتماعي حافظ على قوانين و حكم تراكمية بشرية و أطّرها بشكل مكّنها من عبور الأجيال و الصمود لآلاف السنين.

الطبيعي يحاول فهم أصول الدين، دوافعه و نشأته، قبل أن يحكم عليه بالنفي من الوجود أو يزاحمه. الطبيعي يقرّ بقوانين الطبيعية الأم و تأثيرها المباشر علينا. الطبيعي يدرك قصور الإنسان في فهم التعقيد حوله. الطبيعي يدرك أهمية الحكمة و الهرمية في خلق بعد اجتماعي متوازن و صالح، كما يدرك أن العِلم هو أفضل أداة نملكها لتفسير الكون، كوسيلة، لا كمحرر من كل القيود.

عن الطبيعية سأتكلّم في مقال آخر. لذلك دعنا نعود إلى النقطة الجوهرية الأخرى في المقال حول الإلحاد الجديد و قصوره في تقديم البديل المشبع لروح الإنسان الفضولية.

هل العلموية و الإنسانوية هما البديل الأفضل فعلاً؟

الإلحاد الجديد، على عكس الأديان الإبراهيمية، لم يبطش بأرواح البشر على مر التاريخ من أجل فرض نفسه على الساحة. و هذا الفارق يحسب له، لا شك. كما أن عدد اللادينيين من بين سكان الكوكب قد يتراوح بين الربع و الثلث، أي حجم لا يستهان به. لكن تزايد أعدادهم لا يعلله التنوير فقط، كما قد يظن البعض. هنالك عوامل أخرى، و لو ناقشناها سويةً، سنفهم الصورة أكثر؛ أو بالأحرى ستفهم عزيزي القارئ الصورة في ذهني بشكل أفضل.

يمكن تلخيص أسباب فقدان الكنائس و المعابد الدينية للتابعين في الدول المتقدمة من حيث القيمة السوقية مثلاً.

دعني أبسّط الفرضية هذه على شكل نقاط مختصرة:

أولاً، المستوى العِلمي اليوم أفضل؛ شبكات الضمان الاجتماعية الحكومية توفّر نوعاً من الأمن، خصوصاً للأسر الصغيرة، و بالتالي هناك قدر أقل من الخوف و عدم اليقين في حياة الناس اليومية، و هذا ما يحجّم تسويق البضاعة الدينية في الحياة اليومية.

ثانياً، هنالك اليوم العديد من المنتجات البديلة، مثل الأدوية النفسية و التسلية الإلكترونية التي لا تتطلّب الإيمان و الالتزام بتعاليم صارمة، التي تضيق الخناق هي أيضاً على الدين. مع ذلك، تجد أن أي تخبّط اقتصادي و عاطفي يدفع بالكثير إلى العودة إلى الدين كمفر من قساوة الحياة و الواقع. و هذا بغضّ النظر عن كونه سلبياً أو إيجابياً، يعكس لون من ألوان النفسية البشرية، لربما حاجة نفسية عميقة؟ و مع أني على يقين أن البعض قادر على العيش بشكل سعيد و بنهج صالح دون هيكلية دينية أو روحانية، إلا أن الإنسان العادي بطبعه و الذي يمثّل الأغلبية من بني جنسنا، يحتاج لبوصلة في حياته اليومية تمكّن الفرد من الاندماج مع المحيط و الملاحة بين المعضلات الأخلاقية و الواجبات الاجتماعية.

عدم اليقين الاقتصادي أو التحديات العاطفية هي مخاوف تهيمن على واقع الإنسان المعاصر، سواء دفعت به إلى العودة أو النفور من الدين.

و مع ذلك، بالنسبة للكثير من الناس، الدين ليس مجرد وسيلة للتعامل مع الخوف و عدم اليقين أو الصعوبات العاطفية. فالعديد من الناس يتبّع طريقة حياة دينية معينة إما لأنهم يعتقدون أنها صحيحة أو لأنها تضفي على وجودهم معناً في هذا الكون الشاسع الغريب. حاول أن تضع في الحسبان أننا لا نتكلّم عن كائن عاقل ٢٤ ساعة في اليوم. نحن البشر ما نحن عليه، بعقلانيتنا و بلاعقلانيتنا.

كما أنه بالنسبة لي من غير الواضح كيف سيحل الإلحاد الجديد أو الإنسانوية محل الدين ويضمن توريث الحكم البشرية التي لا تتحمّل التقنين، كالاحترام، العطف، الإحسان، الشهامة، الرفق بالآخرين و تقديس العائلة كنواة المجتمع و غيرها من حكم الأجيال السابقة؟ عن طريق قوانين و تشريعات؟ بالفرض و الإجبار؟ أو بسياسات الصواب السياسية؟

مع أن الكثير من الأديان بزغ نجمها على مجازر لا تحصى حلّت بالبشرية، إلا أن إهمال حقيقة كون الدين نتج عن مراحل عديدة من تطوّر وعي و تجارب الإنسان، سيدفع بنا إلى المجازفة بـ آلاف السنين من التجارب البشرية و الحكم المتراكمة.

كشخص طبيعي أحاول فهم دور الدين، الدافع لنشوءه؛ لماذا وجد؟ لماذا هذه المشتركات الكثيرة بين الأديان رغم اختلاف المكان و الإثنيات؟ مالحكمة وراء ذلك؟ مالذي يمكن أن نفهمه من دراسات الحيوانات الأخرى التي تتصرّف بشكل يمكن تشبيهه بالقوانين الأخلاقية؟ (أنصح بمتابعة أو قراءة كتب البرايموتولوجست الرائع فرانس دي ڤال). ماهو دور الميثيولوجيات في نشوء الحضارة؟ و هل كان من الممكن أن تنهض دونها؟

من السذاجة و الغرور أن نخلط الغثّ و السّمين معاً، لأن الموضوع أعمق و أقدم من أن ينهيه حديث واحد. لكن ما يمكن استنتاجه من التاريخ، هو أن الدين أقرب عملياً إلى الحياة اليومية و أكثر خبرة في تقديم طرق لخوض حياة صالحة من الإلحاد الجديد، على الأقل للعوام بشكل شمولي. من خلال تشكيل و ممارسة المعتقدات يمكن أن يبني الإنسان حياة متماسكة و ذات مغزى. والإلحاد الجديد هو في الأصل جواب على سؤال وجودي، لا أكثر. لا يملك منظومة تعاليم مشتركة أو مدوّنة.

و لذلك تجد الملحدين الجدد لاينفكون عن الدفاع و التفاخر بحقوق الإنسان و الإنسانوية كبديل عن الاضطهاد الديني. بكل بساطة لأنه لا يوجد بديل آخر.

و مع أنني أجد حقوق الإنسان متبلورة عن الأديان نفسها و فلسفات البشر السابقين، إلا أنها بدأت تأخذ طابعاً عقائدياً يثير مخاوفي أكثر من أن يجذب اهتمامي.

لذا، إذا كان هناك شيء يحل محل الدين، فلن يكون ذلك هو الإلحاد كبديل؛ ربما الفلسفات ذات الطابع الديني أو الفلسفة التجريبية كالرواقية، أو ربما بعض أشكال الإنسانية العلمانية في مناطق صغيرة و منظّمة حضارياً سوف تنجز هذه المهمة. فالحاجة موجودة و السوق واسع.

و مع أنني أفضلّ الفلسفة التجريبية على الدين، إلا أني أقر بأن الدين يبرع في المحافظة على الهرمية الاجتماعية و الأسرية و يمتلك ورقة ”القداسة‟، الميمة الأنجح في تاريخ الثقافة البشرية.

نعم، القداسة سيف ذو حدين. و لاشك أن ماضي و حاضر البشر مليئان بالأحداث و المذاهب التي تقدّس البغض و التقاليد الجاهلة؛ هذه الهالة من القداسة لابد من أن تُرضّ و تُحطَّم بين الحين و الآخر حتى لا تتحوّل إلى تقاليد جامدة أو تشريعات متطرّفة. لكنها أيضاً إحدى المفاهيم الفلسفية الدينية التي حافظت على قيم جوهرية نحتت الإنسان الاجتماعي كما نعرفه اليوم.

فعندما تتصارع الميمات على مر التاريخ، تجد أن الدين يملك الحظ الأوفر، خصوصاً و أن مستوى ذكاء البشر لم يتغيّر كثيراً مقارنةً بالانفجار العلمي و التقني في آخر ١٠٠ سنة.

وهذا ماسينقلني إلى سؤالي الأخير هنا: هل سيتمكن البشر بلاعقلانيته و مستوى ذكائه هذا من إخضاع العِلم تحت سيطرته؟

تقنيات القرن الحادي و العشرين – علم الوراثة، علم النانوتكنولوجي، العلوم الذرية و علم الروبوتات – قاهرة لدرجة أنها تستطيع إنتاج أشكال جديدة من الحوادث و الكوارث التي لم تشهدها البشرية بعد. والأخطر من ذلك كله، أن هذه الكوارث لو حدثت فستكون على نطاق واسع جداً، و ربما في متناول أفراد أو مجموعات صغيرة. و بالتالي، ليس لدينا إمكانية أسلحة الدمار الشامل فحسب، وإنما احتمالية إنهاء كل شيء في غضون دقائق معدودة.

لاحظ أن التقنية تحدث، تجتاح الواقع اليومي للإنسان و تعيد رسم ملامحه. هي تغيّر حياة الإنسان و هو لا يتحكّم بها بشكل تام؛ و لن يستطيع يوماً. سواء كانت التقنية هي النار، العجلة، الطائرة، الهاتف، الإنترنت، وسائل النقل و إلخ..

العِلم أو التقنية تحديداً أقدم من البشر بمئات ملايين السنين.

النمل مثلاً، يقوم بحفر أعشاش كبيرة تحت الأرض تسكنها المستعمرة. يخرج ”العمال‟ بحثًا عن الأوراق التي يقطعونها بفكوكهم و يعودون إلى القرية. تستخدم هذه الأوراق لنمو مستعمرات من الفطريات، والتي يمكنها بفضل إنزيماتها أن تهضم جدران الخلايا السليولوزية، مما يجعل الورق مناسباً للأكل. هذا النمل ينغمس في مشروع زراعي يحافظ على بقاءه بشكل منهجي.

الأرضة أو النمل الأبيض (أو دابة الأرض كما ذكرت في أحد الكتب الإبراهيمية) الذي يقتات على الخشب في الدور، يستخدم الهايدروجين كمصدر للطاقة من خلال مضغ لب الخشب.

على مايبدو فإن تقنيتهم فعّالة للغاية لدرجة أن وزارة الطاقة الأمريكية تدرسها على أمل فهم أسلوبها و توسيع نطاقه بحيث يمكن إنتاج الهيدروجين تجارياً مع نفس العملية. من غير أنها تبني أكوامًا ضخمة معقدة تتجاوز بضع الأمتار، و ذلك باستخدام شكل منظّم من التلال و الأنفاق لدفع حركة الهواء الساخن إلى مواقع المستعمرات الفطرية على سطح أوراق الشجر المجمّع.

بعض الحيوانات البحرية تستخدم النحت على الرمل للتزاوج، و بعضها التضليل بالألوان و الأضواء الفلورية، و بعض أنواع الحبّار تجيد التلوّن بألوان الأشياء المحيطة بها في عضوان ثواني. أو تقنية الموجات الصوتية للتواصل، أو الأغصان الخشبية للبحث عن الديدان، كما تفعل بعض الطيور، أو تفتح الأقفال كما عند بعض الغربان الذكية، أو تسافر آلاف الكيلومترات مستخدمة المجال المغناطيسي الأرضي للملاحة في السماء.

المدن ليست اصطناعية أكثر من خلايا النحل و الإنترنت أشبه بالشبكة العنكبوتية.

إذن التقنية وسيلة ضمن إطار الانتخاب الطبيعي، و ليست حكراً على البشر. بالطبع لا يمكن المقارنة بين تقنيتنا و تقنية الحيوانات الأخرى، لكن فهم أن التقنية جزء من الطبيعة و التطوّر نفسه مهم جداً!

لا أريد بكلامي هذا أن أقلل من شأن العِلم، بالعكس، كعالم شاب لا أنكر الشغف و الولع بجوانب العِلم الممتعة و تخيّل القدرات التي من الممكن أن نحصل عليها بفضله. لكنني أحذّر من تقديسه، أو الوقوع في فخ الإنسانوية بجعله المخلّص الحتمي لكل مشاكل البشرية. لأننا كبشر أكثر تعقيداً و أحياناً أقل ذكاءً من أن يكون العِلم وحده هو الحل الأخير.

يقول بيرتراند راسل، أحد أعمدة الفلسفة العلمية في القرن العشرين: ”عندما أتحدث عن أهمية المنهج العلمي فيما يتعلق بتنظيم الحياة البشرية، أفكر في المنهج العلمي في أشكاله الدنيوية. لست هنا في صدد التقليل من شأن العِلم باعتباره ميتافيزيقيا، لكن قيمة العِلم كميتافيزيقيا تنتمي إلى مجال آخر؛ إلى الدين و الفن و الحب، مع السعي وراء الرؤية البهيجة ، مع جنون بروميثيان الذي يقود أعظم الرجال ليسعوا كي يصبحوا آلهة. ربما تكون القيمة النهائية الوحيدة للحياة البشرية موجودة في جنون بروميثيان هذا. إنها قيمة دينية، و ليست سياسية أو حتى أخلاقية.‟

بروميثيوس، ربما أهم و أشهر الشخصيات الأسطورية في الغرب، و الذي أوجد البشر الأوائل و كثيراً ما يرمز إلى الثوران و التقدّم العلمي ـ بعد أن سرق ”تقنية النار‟ (النور و المعرفة و الدفء) من الآلهة و جازف بسخط زيوس ليعطيها إلى الإنسان.

أجده يجسّد الموقف الفكري هذا بصورة أسطورية قديمة: النار مجرّد أداة، العالم أوسع مما قد نتخيّل و الإنسان لن يعتلي يوماً مقام التيتان و الجبابرة.

التيتان بروميثيوس

أو….. ربما في عصر ما بعد التفرّدية التقنية؟

حجم التنافس العالمي لا يرحم! لماذا لست مع التعليم المجاني؟

التعليم، ثم التعليم و ثم التعليم:

أعلم، الموضوع ممل، لكن، و هنا أريد منك التأني: هناك دراسات ونظريات مختلفة في بناء الإنسان للوصول إلى دولة قوية، و كل نظرية لها أبعاد و نتائج مختلفة. البعض ينجح و الآخر يفشل. هنا أريد باختزال توضيح الأمور ببساطة.

قد تعمد الدولة إلى بناء إنسان وفق استراتيجية تقوية جوانبه العسكرية و الاجتماعية دون المجالات الأخرى. السؤال اللاحق سيكون: مالثمن الذي سندفعه نحن أو الأجيال اللاحقة من إهمالنا للجوانب الأخرى؟

مالفائدة من دولة قوية عسكرياً، لكنها تستنزف كافة الثمار الاقتصادية و طاقاتها البشرية؟ كلها عقود و نجد هذه الدولة تنهار و تتردى أوضاعها.

الآن طبّق نفس الشيء مع الاقتصاد. دولة قوية اقتصادياً غير أنها موضع أطماع من الآخرين، خصوصاً و أن موقعها الجغرافي حرج و محاط بدول لا ترغب بنموها اقتصادياً. دون تحصين هذه المجتمعات، ستصبح بذلك فريسة سهلة و مهددة بالانهيار أيضاً، أو تجدها عاجزة عن النهوض اقتصادياً رغم مواردها الهائلة؛ العراق خير مثال على ما أقول.

إذن، ما هو السبيل وأي استراتيجية نحتاج لنشيّد دولة قوية متقدمة و مزدهرة؟

اسأل نفسك، أو أي خبير اقتصادي: ما هي أهم ثروة انتاجية للبلاد؟

الجواب هو عقول البلد الذكية و المنتجة، لأنها لا تعتمد على العدد، بل على النوعية. ثلة من جهابذة عصرهم يمكن أن ينهضوا بحضارة من جديد. التاريخ وحده يشهد على ذلك. إذن من المفهوم أن نستثمر هنا أولاً قبل كل شيء، صحيح؟

لا تحتاج لأن تكون ملمّاً بقوانين الاقتصاد و السياسة لتفهم دور النظام التعليمي في الارتقاء بالمجتمعات: بعيداً عن سفسطة الكلام:

التعليم القوي ينهض بالأجيال، خصوصاً الصغار، لأن عقولهم مرنة و إمكانياتهم أكبر. و هذا أبسط مثال عن استثمار طويل الأمد لمال الدولة في الأجيال القادمة.

نقطة جوهرية أخرى: طاقات الدول النامية محدودة، و بالأخص الأموال. الجامعات لاتواكب متطلّبات العصر من ناحية التجهيز و لا المصادر و لا التحديث المعلوماتي. كيف إذن تنافس على مستوى عالمي؟

حجم التنافس على المستوى العالمي مخيف: لاحظ هنا حجم الإنفاق الحكومي على البحوث و التعليم لبعض الدول مقارنةً بأخرى:

الولايات المتحدة مثلاً تنفق أكثر من 476 مليار دولار في السنة، مصر حوالي ٦ مليار، بينما العراق: ها ها ها 206 مليون دولار.

نسبة إنفاق الدول على قطّاع التعليم بالدولار

بما أن طاقاتك المادية محدودة، فلابد من أن تنتقي الأفضل و الأجدر في مجتمعك عن طريق الاختبارات و تدعمهم عن طريق منح دراسية و بعثات إلى الخارج. الإنفاق الحكومي ليس ضئيلاً فقط، بل مخزي بشكل عجيب.

لذلك جامعاتك تحتاج لكل درهم يساهم في تجهيزها بما يواكب متطلّبات العصر التقنية، المصادر الكافية لتمويل الأبحاث العلمية، جلب الخبرات العالمية و الاستفادة منها و بما على الأقل يجعلها على مقربة، لا أقول على مستوى، بل على مقربة من مستوى العالم.

لاحظ هنا مستوى الدول العربية في الإنفاق على البحوث العلمية مقارنةً مع العالم:

http://uis.unesco.org/apps/visualisations/research-and-development-spending/

تخيّل أنك تنافس في بطولة كاس العالم، و تريد المنافسة، هل سترسل متطوعين هواة؟ أم أفضل فريق عندك؟ طبيعي أن الغالبية يلعب الكرة أو يشاهدها و من حقه اللعب، لكن عند المنافسة، لا ترسل هواة! لا ملاعبك تكفي و لا مدربيك خبراء و لا دورياتك المحلية قوية. جعل كل شيء مجاني سيزيد من الشلل و يفتح المجال للهواة و يهمّش المحترفين و الموهوبين.

إن كان بيدك القرار و أنت تقرا هذا النص: الموضوع ليس بذلك التعقيد؛ تريد الاستثمار في مستقبل البلاد؟ هذا أفضل مكان لترتقي بمستوى الجيل الحالي و تضمن القادم. المال يحرّك الجبال!

Live Your Potential

Psychology professor Jordan Peterson gives a lecture about the importance of living out your true self and the impact it can have.

Transcript:

How many hours a day you waste or how many hours a week you waste. The classic answer is something like four to six hours a day and so if your life isn’t everything it could be, you could ask yourself, well what would happen if you just stopped wasting the opportunities that are in front of you? You’d be who knows how much more efficient, 10 times more efficient, 20 times more efficient. That’s the Pareto distribution. You have no idea how efficient, efficient people get. It’s completely, it’s off the charts. Well and if we all got our act together collectively and stopped making things worse, because that’s another thing people do all the time.

Not only do they not do what they should to make things better, they actively attempt to make things worse because they’re spiteful, or resentful, or arrogant, or deceitful, or homicidal, or genocidal, or all of those things all bundled together in an absolutely pathological package. If people stopped really, really trying just to make things worse, we have no idea how much better they would get just because of that. So, there’s this weird dynamic that’s part of the existential system of ideas between human vulnerability, social judgment, both of which are major causes of suffering and a failure of the individuals to adopt the responsibility that they know they should adopt.

If you take people, and I’ve told you this, and you expose them voluntarily to things that they are avoiding and are afraid of. That they know they need to overcome in order to meet their goals, their self-defined goals. If you can teach people to stand up in the face of the things they’re afraid of, they get stronger.

And you don’t know what the upper-limits to that are, because you might ask yourself, if for 10 years, if you didn’t avoid doing what you knew you needed to do, by your own definitions, right? Within the value structure that you’ve created to the degree that you’ve done that. What would you be like?Well, there are remarkable people who come into the world from time to time and they’re people who do find out over decades long periods, what they could be like if they were who they were. If they said, If they spoke their being forward and they get stronger, and stronger, and stronger and we don’t know the limits to that. We do not know the limits to that.

So you could say, well in part perhaps the reason that you’re suffering unbearably can be left at your feet because you’re not everything you could be and you know it. And of course, that’s a terrible thing to admit and it’s a terrible thing to consider, but there’s real promise in it, right? Because it means that perhaps there’s another way that you could look at the world and another way that you could act in the world. What it would reflect back to you would be much better than what it reflects back to you now. So you might say, well, what would happen if you abided by your conscience for five years, or for 10 years? What sort of position might you be in? What sort of family might you have? What sort of relationship might you be able to forget? You can be bloody sure that a relationship that’s forged on the basis of who you actually are, is going to be a lot stronger and more welcome than one that’s forged on the basis of who you aren’t.

Now of course, that the means that the person you’re with has to deal with the full force of you in all your ability and your catastrophe and that’s a very, very difficult thing to negotiate but if you do negotiate it, well at least you have something, you have somewhere solid to stand, and you have somewhere to live. You have a real life and It’s a great basis upon which to bring children into the world for example, because you can have an actual relationship with them instead of torturing them half to death, which is what happens in a tremendously large minority of cases. Because it isn’t merely that your fate depends on whether or not you get your act together and to what degree you decide that you’re going to live out your own genuine being. It isn’t only your fate, it’s the fate of everyone, that you’re networked with.

You think well, there’s seven billion people in the world and who are you? You’re just one little dust mote among that seven billion and so it really doesn’t matter what you do or don’t do, but that’s simply not the case. It’s the wrong model, because you’re at the center of a network. You’re a node in a network, of course that’s even more true now that we have social media.

You’ll know 1,000 people at least over the course of your life and they’ll know 1,000 people each and that puts you one person away from a million and two persons away from a billion. That’s how you’re connected and the things you do, they’re like dropping a stone in a pond, the ripples move outward and they affect things in ways that you can’t fully comprehend and it means that the things that you do and that you don’t do are far more important than you think.

هل التجارة الحرّة مفيدة للجميع؟ لماذا إذن تلجأ بعض الدول إلى الحمائية التجارية؟

هل التجارة الحرّة free trade مفيدة للجميع؟ مالمقصود بالحرّة تحديداً؟ و لماذا تلجأ بعض الدول إلى الحمائية التجارية protectionism؟ هل كان ترامب محقاً في قراره الاقتصادي بفرض تعريفات جمركية على الواردات من الصين؟

لماذا يمسّك هذا الموضوع؟
هل أنت مستهلك؟ هل اقتصاد دولتك، أو السوق التي تعمل فيها و تسترزق منها ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالسوق العالمية أو العملات الصعبة؟ إذن الموضوع يمسّك.

قبل أن تستهل بالقراءة، تمعّن النقاط التالية:

ـ المقال يتعمّق في بعض أصول الاقتصاد لكنه لا يخاطب المتخصصين.

ـ المقال يطرح نظريات اقتصادية و يعلّق عليها. النظريات دققها صديق ماجستير في الاقتصاد في جامعة مونستر في المانيا و أنا أثق به، كما أني مطمئن إلى حد كبير من المصادر التي استندت عليها.

مصطلحات مهمة تحتاجها لفهم المقال:

الاقتصاد الحر مصطلح لابد من أن تطّلع عليه إن كنت مهتماً بالسياسة و الاقتصاد. ببساطة هو أن تترك الدولة الأسواق تضبط نفسها بنفسها. نظرياً، تفاعل العرض و الطلب في السوق هو حجر أساس هذا النظام و هو الذي يتحكّم بالأسعار، فضلاً عن المنافسة الحرّة التي تلعب دوراً مهماً في التحكم بالأسعار و تحرّرها من أي قيود يمكن للدولة أن تستخدمها.
لنفترض أنك المستهلك و أنا البائع. أنا أطلب و أنت تمدّني بالمنتوج، أنا أنتج العدد المطلوب في الشهر و أنت تستهلك العدد اللازم. عدم وجود قيود سيسمح بظهور منافسين في الإنتاج و تنوّع في السلع، الشيئ الذي يوفّر المنتوج بأفضل جودة ممكنة و بأسعار منخفضة أو مناسبة. إلى هنا قد تروق لك الفكرة.

المشكلة أن المستهلك و المنتج هما من البشر. لهما دوافع، مصالح، أهداف و هما أيضاً معرّضان للطمع و الجشع و الهيمنة. الشيئ الذي قد يسمح بالسيطرة على بعض القطاعات و التحكمّ بأسعارها (الاحتكار)، إضافة إلى ازدياد حجم النشاط الاقتصادي في فترة معيّنة و تقلّصه و ركوده في فترة أخرى. هذا مقلق لأنه سيسبّب تقلباً اقتصادياً و ربما زيادة في البطالة. طبعاً لابد من مراعاة النضج المؤسساتي في السوق. فهو يتفاوت بين دولة و أخرى.

على عكس التجارة الحرّة، تتدخّل الدولة بشكل مباشر في تقييد السوق و التجارة بين الدول من خلال رفع الرسوم الجمركية على السلع المستوردة [كما فرض مؤخراً الرئيس الأمريكي ترامب حزمة جديدة من التعريفات الجمركية على الواردات من الصين]، و تحديد كمياتها، و الحصص التقييدية.

مالذي تريده الحكومة من ذلك؟ نظرياً و بعيداً عن الدوافع السياسية الأخرى، تهدف هذه الضوابط إلى تثبيط الواردات، دعم الاقتصاد المحلّي و منع المستثمرين الأجانب من الاستيلاء على الأسواق و الشركات المحلّية. أي أن الدولة تشجّع على استهلاك المنتوجات المحلّية [لذلك دورك أنت مهم أيضاً]. مثلاً، تستطيع أن تشتري الألبان المحلّية الصنع بدل المنتوج الأجنبي، لأنك بالتالي ستدعم المزارعين و سوق الحليب المحلّية و تساهم في زيادة الطلب على المنتوج المحلّي مقارنة بالمنتوج الأجنبي.

الصعوبة التي قد تواجهها كمستهلك هو الفارق في الجودة! إضافةً إلى غلاء أسعار المنتوج الأجنبي بشكل كبير نسبة إلى الرسوم الجمركية العالية.

سياسات الدول يحكمها التنوّع و طبيعة الحكومات المتناوبة التي بدورها تتباين في التوجّه [لبرالي أو محافظ]، و أيضاً المعاهدات الثنائية و الدولية و المصالح السياسية و النفوذ. لذلك ستجد أكثر الدول تحاول التوفيق بين المذهبين و بمراحل متباينة.

فالتاريخ الاقتصادي للدوّل التي تتبنى فلسفة مؤيّدة للعولمة و الاقتصاد الحر يشهد لسياساتها الحمائية أبان نشوءها، و العكس بالنسبة إلى الدول المناهضة للعولمة و التي سبق و أن استخدمت التجارة الحرّة كوسيلة لتسويق المنتوج المحلي و الهيمنة الاقتصادية و الاستعمارية.

سأسلّط الضوء على الدول الاقتصادية الأكبر و الأقدم منذ القرن التاسع عشر و حتى اليوم. قبل ذلك، اعلم أن المتخصص يقسّم الاقتصاد بشكل عام إلى فرعيه الأساسيين: الاقتصاد الكلّي و الاقتصاد الجزئي.

مهم أن تفهم الفرق بين الفرعين: في الكلّي ينظر الاقتصادي إلى حجم الفرس، نمو شعره، عضلات جسمه و سرعته. في الجزئي يتمعّن في خلايا جسمه تحت المجهر: كيف تتفاعل مع بعضها البعض، و ما تأثيرها على محيطها و نمو أو موت أعداد أخرى؟

على الجانب الكلّي: هل ارتفع إجمالي الإنتاج في الولايات المتحدة أو قلّت نسبة البطالة؟ أما على الجانب الجزئي، لنفترض أنني أريد أن أفهم سر نجاح جهاز الأيفون. هنالك عدة أسباب ممكنة، و قد تتشابك أحياناً في التعقيد. لذلك نبدأ من الجانب البسيط الجزئي: من المستهلك؟ مالذي يشدّه في هذه التقنية؟ ما هي علاقته مع البائع [شركة أبل]؟ ما هي صفات الجهاز و ماهي موارده؟ ما هي نسبة المبيعات مقارنةً مع الطلب في السوق؟ هل تزداد كمية الإنتاج رغم زيادة السعر؟ [و هذا ما يفسّر سر نجاح سلسلة الـ iPhone]. و لو ازداد الإنتاج، هل سنلاحظ ذلك على اجمالي الاقتصاد الأمريكي الكلّي مثلاً؟ فقط مثال لتوضيح الفكرة.

ًٌٍَُّ

يهمني أن تعي التالي:
قراراتك الاستهلاكية ـ رغم بساطتها ـ تلعب دوراً في دعم أو إهمال الصناعة المحلّية و تكاسلها. أنت كفرد مستهلك و تريد أن تساهم و تعلب دوراً في المجتمع، لابد من أن تمعّن النظر في سلوكياتك الاستهلاكية و تضع في الحسبان أنك ستساهم بشكل أو بآخر في رسم ملامح السوق. بالطبع هذا التأثير يتمخّض عن مجموع سلوكيات الأفراد في المجتمع. تلك السلوكيات، سواء كانت عقلانية أو غير عقلانية، يمكن التنبّأ بها أو تتبّع أنماطها على المديين القريب و البعيد.

برأيك، عندما تشتري أنت جهاز الأيفون الحديث، ألن تساهم في تعزيز الطلب في السوق؟ و بالتالي استمرار أو زيادة السعر؟ و ربما ستحتاج شركة أبل لتوسيع عدد العمّال في مصانعها، و بالتالي تساهم في التقليل من البطالة الإجمالية و تضيف إلى حجم الإنتاج الكلّي للدولة؟ ربما..

الآن وقد مررنا على فرعي الاقتصاد و مذهبي التجارة الحرّة و السياسة الحمائية، لابد من التذكير بأن العالم الذي نعيش فيه متعدد العوامل و أكثر تعقيداً من التقسيمات التي تطرّقت إليها.

السياسة الحمائية تاريخياً هي في الحقيقة قاعدة قبل أن تكون استثناءً في سياق الاستراتيجيات الاقتصادية. كيف، و على ماذا أستند؟

منذ نهاية القرن السابع عشر و مع توسّع نطاق الثورة الصناعية، حتى الحرب العالمية الثانية، كانت السياسات الحمائية هي السائدة، خصوصاً في ظل هيمنة الفكر القومي على أنظمة الدولة آنذاك.

بما أننا تطرّقنا إلى الثورة الصناعية، دعنا نبدأ من معقلها، المملكة المتّحدة.

في القرن الـ 17 في عام 1815 تحديداً شعرت بريطانيا أنها بحاجة إلى فرض تعريفات جمركية على واردات الحبوب لحماية الاقتصاد المحلّي، حيث حظرت استيراد الحبوب تماماً إذا كان السعر أقل من 80 شلن للربع Quarter [تقريباً ٥٠٠ باوند]، بمجرّد تجاوز السعر هذا الحد، يعفى من الرسوم الجمركية. أي أن بريطانيا حافظت على انتاج الحبوب المحلّي من الأسواق الخارجية لما يقارب الـ ١٥ عاماً. بعد أن تراجعت معدّلات النسبة مع ارتفاع الأسعار، فقدت أهميتها، مما مهّد لـ تأسيس رابطة مكافحة قانون الذرة (الحبوب) في ثلاثينيات القرن التاسع عشر في مانشستر من قبل العديد من المصنّعين و التجّار. هدف الرابطة كان إلغاء قوانين الذرة في و تحديداً عن طريق البرلمان.

لوحة لـرابطة مكافحة قانون الذرة في لندن

عندما تم تعديل تعريفات الحبوب في عام 1842 بتخفيضات طفيفة فقط، استمر التحريض من مؤيّدي التجارة الحرّة بقوة أكبر. حيث استضافت الرابطة أكثر من 200 تجمّع كبير و وزّعت مئات الآلاف من الكتيّبات لصالح التجارة الحرّة. من هنا بدأ الصارع بين مؤيدي التجارة الحرة و مناهضيها يأخذ مناحٍ جديدة.

بعدها بأربع سنوات تمّ إبطال قوانين الحبوب، بعد أن لعبت دوراً تاريخياً للحدّ من واردات القمح الأجنبي وضمان ارتفاع دخل المزارعين البريطانيين على مدى ثلاثة عقود من الزمن.

نستنتج أنها سياسة مؤقّتة و لا تتحمل التمادي لتجنّب التقوقع الاقتصادي. هنالك أمثلة لاحقة تشهد على ذلك.

طبعاً بريطانيا لم تكتفي بهذا فقط، بل فرضت الرسوم الجمركية على العديد من السلع المصنّعة و المهددّة بالمنافسة الأجنبية و علاوة على ذلك، فإن النزعة الحمائية ظلّت قائمة، على الرغم من معاهدة التجارة الحرّة الموقّعة بين فرنسا و المملكة المتحدة سنة 1860.

الظروف في فرنسا لم تختلف عن نظريتها، حيث كانت الزراعة الوطنية خاضعة للحماية أيضاً، حيث وصلت التعريفات من 5% إلى 20% على المنتجات الزراعية المستوردة.

الفائض تم تصديره إلى غرب أوربا و بالتالي تعزيز انخفاض الأسعار إقليمياً. خطة ذكية!

المانيا كذلك لم تتمكن من تفادي الحمائية. فمنذ عام 1873 و المانيا الرايخ الأوّل [عصر بسمارك] تشهد سنواتها الأولى بعد التأسيس و تعاني من أزمات عدة، كان أحدها هبوط حاد في أسعار المنتجات الزراعية و الصناعية – التي ارتقعت بسبب الازدهار الاقتصادي منذ خمسينات القرن التاسع عشر. لذلك، في عام 1879، أدخلت حكومة الرايخ تعريفات حمائية على المنتجات الزراعية و الصناعية الأجنبية: تعريفات هدفها أن تحابي الاقتصاد الألماني و تساعد على استقرار الأسعار. و بالتالي لن تتمكن السلع الأجنبية الغالية ـ بفضل التعريفات ـ من منافسة المنتجات الأقل تكلفة من داخل ألمانيا.

لوحات المانية من عصر بسمارك توثّق نتائج السياسة الحمائية الإيجابية

لكن المانيا، انجلتر و فرنسا ليسوا وحدهم على سطح الكوكب. ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر دخلت الولايات المتحدة، روسيا و الأرجنتين في السوق بقوة من خلال منتجات زراعية بأسعار منخفضة نسبياً. تم تصدير الفوائض المتولّدة إلى دول أوروبا الغربية، مما ساهم في تخفيض الأسعار.

كيف تمكّنت الولايات المتحدة من التفوّق و اجتياح أوربا اقتصادياً؟
الإنتاج الأرخص في الولايات المتحدة سببه استغلال المناطق الغربية من الأرض الجديدة و تنمية الأراضي الشاسعة الصالحة للزراعة، و التي كانت أرخص بكثير من استغلال الزراعية في ألمانيا ـ الولايات المتحدة أكبر بحوالي 26 مرة من ناحية المساحة!

مقارنة بين مساحة المانيا و الولايات المتحدة

في الوقت نفسه، ساهمت المكائن الجديدة للإنتاج الزراعي و كذلك التوسّع السريع في تعبيد طرق السكك الحديدية الأمريكية في انخفاض تكاليف النقل و الشحن بشكل كبير، مما أثر بشكل مباشر على أسعار المنتجات الزراعية و سمح بانخفاضها.

كأمر واقع، هيمنت الولايات المتحدة على السوق و أصبحت قادرة على تصدير سلعها الزراعية بشكل كبير و رخيص حتى في أوربا. و كما يمكنك أن تتوقعّ، حال المنتجات الزراعية الأوربية لم يعد مستقراً، فلا هم قادرون على تصدير فائضهم ـ لأن السلع الأرخص تزاحمهم في السوق العالمية ـ و لا هم في موقف يسمح لهم بفتح السوق للمنتوج الأجنبي، لأنه سيعني الإنهيار المحلّي.

بعض خبراء الاقتصاد يستخدمون مصطلح “الصدمة الاقتصادية” لوصف حالة السوق المحلية بعد العجز أمام السلع الأجنبية.

و ربّما لأنها كانت أحد الحلول الطبيعية و الطويلة على الصدمات الاقتصادية، ظهرت الحمائية أيضاً كجواب واضح على الأزمة التي ضربت الاقتصاد العالمي في أعقاب حادث تحطّم وول ستريت في نهاية عشرينات القرن الماضي. حيث لجأت الحكومات فيما بعد إلى زيادة التعريفات الجمركية وحظر بعض المنتجات و غيرها من الأدوات والمعاملات النقدية، للسيطرة على الأزمات المحلية.

المشكلة هي أن السوق العالمية متشابكة بشكل كبير و معتمدة على كل الأطراف.

حتى السياسة المحلّية كانت رهن التقلّبات الاقتصادية، كما حُتِم على مصير جمهورية ڤايمار الألمانية الانهيار بعد أن تجاوزت البطالة النصف و ارتفع التضخّم المالي بشكل شل الاقتصاد الداخلي و أنهك الدولة. إضافة إلى أن فرض تعريفات جمركية لن يقتصر على طرف فحسب. كل دولة ستحاول حماية قطاعاتها الصناعية المحلية، و بالتالي لا يمكن سوى أن نستنتج تراجع التجارة الدولية من تصدير و استيراد. و هذا ما تثبته الأرقام آنذاك. حيث انخفض حجمها بنسبة 40% بين 1929 و1932 وخلافًا للاعتقاد السائد، فلم تختفِ الحمائية بعد عام 1945، حيث وقّع 23 بلداً اتفاقاً عاماً حول التعريفات الجمركية و التجارية، يهدف إلى تخفيض التعريفات و الحفاظ على حجم التجارة الدولية. في الصورة التالية خارطة تبيّن حجم التبادل الاقتصادي العالمي. مثلاً حجم التبادل بين روسيا و الاتحاد الأوربي يفوق الـ 407 مليار دولار سنوياً، و ما يعادل 2,2% من حجم التبادل التجاري العالمي.

حجم الاقتصاد العالمي

من هنا نلاحظ كيف أن الدول لم تعد في موقف يسمح لها بفرض تعريفات دون ضوابط أو دون ثمن مقابل أو خسارة حليف اقتصادي أو نشوب حرب اقتصادية بشكل من الأشكال.

الدول العربية في هذا الوقت تمثّل ساحة حرب و مصدر للموارد الرئيسية للصناعة، أهمها البترول بالتأكيد.

كيف احتوى العالم الصناعي الجديد هذه المشكلة؟

واقع الحال الجديد مهّد لتأسيس منظمة التجارة العالمية، لتضمن انسياب التبادل التجاري بأكبر قدر من السلاسة و إيجاد وضع تنافسي دولي يعتمد على الكفاءة الاقتصادية في تخصص الموارد. عملياً، هي المنظمة العالمية الوحيدة المختصة بالقوانين الدولية المعنية بالتجارة ما بين الدول. تضم 164 دولة و هدفها الرئيسي تقليص الحواجز الحمائية القائمة في وجه التجارة إلى حد أكبر، و تستخدم الدول نظام تسوية النزاعات في منظمة التجارة العالمية من أجل التطبيق القسري لهذه الاتفاقات و الأنظمة. كما تتأكد من مباشرة الأعضاء الجدد بالالتزام بالتخلص من النظام الحمائي.

و عليه، فالدولة الحديثة أمام خيارين: الالتزام بقوانين المنظّمة لكي تنفتح على السوق عالمياً، أو (في حالة عدم انتمائها للمنظّمة) تلجأ إلى المعاهدات الثنائية أو التحالفات على المستوى القاري، كـ نافتا (NAFTA) اتفاقية التجارة الحرّة لأمريكا الشمالية بين الولايات المتحدة، كندا و المكسيك.

حتى مع وجود قواعد أو أنظمة تجارية واضحة، من المحتمل أن تبرز ضغوط حمائية ضمن الخلافات حول ما إذا كانت إجراءات معينة تنتهك القواعد المتفق عليها، كما هو الحال مع قرار ترامب الأخير بفرض تعريفات على سلع الصين المستوردة من الحديد و الألمينيوم. الاتحاد الأوربي كان أول المعترضين قبل أن يستثنيه ترامب، مع أن الاتحاد الأوربي نفسه يمارس سياسات حمائية مثيرة للجدل. سأتطرّق إليها في لاحقاً.

لك أن تتخيّل أنه منذ العام 1995، رفعت أكثر من 55 دولة قضايا ضد دول أخرى، و تم تشكيل أكثر من 120 هيئة لتسوية النزاعات (كما قرأت على موقع المنظّمة) و نظراً لأن العملية تبدأ بمشاورات إلزامية، تم التوصل إلى تسوية مئات من النزاعات.

النزاع الأكبر و الأحدث هو بين أكبر اقتصادين عالميين: الولايات المتحدة و الصين.

في مطلع 2018 وقع الرئيس الأمريكي مذكرّة رئاسية تفرض حزمة جديدة من التعريفات الجمركية على الواردات من الصين ـ قد تصل قيمتها الى نحو 60 مليار دولار، و تحديد الاستثمارات فيها رداً على ما تراه واشنطن سنوات من “انتهاك الملكية الفكرية و سرقة التكنولوجيا من الشركات الأمريكية”. من غير تضييق الخناق على ملكية الشركات الأمريكية في الصين.

المثير أن حجم التبادل الاقتصادي بين الولايات و الصين هائل جداً و يصل لـ 570 مليار دولار سنوياً! و الاقتصادان مرتبطان بشكل وثيق. المشكلة أن الصين تراوغ فعلاً على مستوى الحقوق الفكرية و الملكية، أو كما يقول صديق لي “الصين اليوم ترفع لواء الحرب الاقتصادية”.

الشركات الأمريكية الكبرى و الصغيرة أيضاً، تتفادى الشكوى على الصين عند منظمة التجارة العلمية عند تعرّضها لعرقلات أو مضايقات أو انتهاك لحقوق ملكية، لأنها ستجازف اقتصادياً أو تتعرّض لمضايقات قد تصيبها بخسائر فادحة، كونها مرتبطة بالأيدي العاملة الصينية الرخيصة و المصانع الكبيرة.

قد يتخذ دونالد ترامب خطوات رمزية في الأجل القصير، مثل إدخال ضرائب جديدة على المنتجات الصينية والمكسيكية أو تدابير مكافحة الإغراق لكن على المدى الطويل، سيتوجب عليه المناورة و تخفيض التعريفات لأنها قد تسبب ضرراً كبيراً للمستهلكين الأمريكيين و للشركات الصناعية الكبرى. سياسة ترامب و إن تعرّضت لانتقادات كبيرة، خصوصاً على المستوى الأوربي، إلا أنها خطوة صحيحة سياسياً و اقتصادياً و بالطبع تكوي في طيّاتها المجازفة و تصعيد الحرب الاقتصادية، مع أن الحرب موجودة منذ مئات السنين.

لكي تفهم السياسة التجارية للدول بشكل أكثر دقة، دعنا نستخدام نظرية الألعاب (Game theory):

الأرقام في الجدول تشير إلى مدى الفائدة التي يتلقّاها اللاعب المعني [الدولة].

الوضع في الزاوية العليا اليمنى [10/10] من الجدول يُفهَم على أن الولايات المتحدة و الصين هما رابحان دون أي خاسر، أي win-win. في أعلى يسار الجدول [10-/ 20] ، تجد الوضع يختلف عندما تتصرّف الصين بشكل حمائي تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ستكسب الصين ضعف الربح و ستخسر أمريكا كل الربح. أما بالنسبة إلى أسفل اليمين [20 /10-] فهذا هو العكس . في أسفل اليسار، فالاثنتان خاسرتان lose-lose.

التبادل وفق التجارة الحرّة يؤدي إلى فائدة 10 لكل من البلدين. حينها يستفيدان من تقسيم العمل في هذه الحالة، و بالتالي يكون لكل منهما فائدة إيجابية إذا كان كل بلد ينتج ما له من مزايا في الإنتاج. في هذه الحالة، ستتعرّض شركات الدولتين للضغط التنافسي من الخارج، و نتيجة لذلك يكون مصير عديد من الشركات الضعيفة على المدى الطويل الإغلاق. إضافة إلى ذلك، يشترط أن لا تحصل سرقة للملكية الفكرية.

أما إذا تصرّف بلد ما على أساس الحمائية بينما يتبع الآخر التجارة الحرّة، فإن البلد الذي يفرض تعريفات سيحصل على فوائد هائلة. يتم التعبير عن هذه في 20 وحدة منافع. تستطيع الدولة الحمائية حماية شركاتها من المنافسة الأجنبية، في حين أن الدولة الأخرى معرّضة بالكامل للضغط التنافسي من الخارج، و هو ما ينعكس في شكل خسائر -10.

لو طبقّتا الولايات المتحدة و الصين السياسة الحمائية معاً، فإن النتيجة هي الضرر لكلا البلدين، فبدلاً من التعاون، سيسعى الجميع لمصلحتهم الخاصة و لشركاتهم و يحاول طرف ما الضرر بالاقتصاد الأجنبي الآخر.

في كثير من الأحيان تكون الصراعات السياسية مسؤولة عن تخلّي الدول عن حالة تجارة حرّة / تجارة حرّة من أجل إلحاق الضرر بالدولة الأخرى. و مع ذلك، فإن مجموعة التدابير الحمائية من جانب واحد عادة ما تؤدي إلى اتخاذ تدابير مضادة.

السياسة لعبة أكثر تعقيداً مما يظن البعض و تحتاج إلى متخصصين اقتصاديين و رجال سياسة حذقين. هذه أحد مشاكل الحكومات الكبيرة المنتخبة: الناخب لا يفهم في التفاصيل و يصر رغم ذلك على “حقه” في تقرير مصير الدولة: ثمار ما بعد الحداثة.

***
موضوع هذا المقال يشغل الكثير، من ضمنهم أصدقاء عرب مطّلعين سألتهم عن رأيهم حول الموضوع:
الصديق حسام الدين محمد يكتب: “بعالم مثالي، الـ protectionism هي عدو الاقتصاد السليم. لكن بعالم معقد ومتعدد العوامل احيانا تحتاج الدولة لفرض حماية لاهداف سياسية. الترويج لها كحل اقتصادي هو كذب على الشعوب. الاقتصاد الحر هو مصطلح مثالي بعالم اناركي يعتمد على فرضية الطيبة عند الناس والمنطق المجرد من عشوائية التفكير البشري ولهذا هي نظرية فاشلة مثل الشيوعية او التخطيط المركزي.”

الصديق رعد طالب يعلّق: “القاعدة الاولى باعتقادي هي: احمِ نفسك ومواردك خصوصا ان كنت قوياً بما فيه الكفاية لرد الاعتداء، بعد ذلك تفاوض على تعظيم مواردك من خلال الانفتاح على الاخرين والاستفادة من خبراتهم وتبادل المنفعة . بعد ذلك، كلما كان الانفتاح اكثر فائدة لك واكثر ميلا لاستقرارك ورفاهيتك ورفاهية قومك، استعمله اذن . عندما تستشعر الخطر، وان هناك من يريد استغلال انفتاحك عُد مرة اخرى للحمائية حتى لو اضطرك ذلك للقتال “اجعل القتال اخر اساليبك وحاول ان يكون محدودا حتى لا يستنزف قدراتك ومواردك”، عندما يزول الخطر مرة اخرى عُد للانفتاح.”

أحمد محمود من مصر يكتب: “بعض الناس يهيمن عليهم ما هو إقتصادي على ما هو سياسي، و ما هو أخلاقي، و ديني. ينبغي أن تهدف السياسة الإقتصادية للدولة إلى الإكتفاء و التحكم الذاتي Autarchy، أن تزود إحتياجاتها و رغباتها الصحية دون الإعتماد على التجارة الحرة مع البلدان الأخرى قدر الإمكان. كما يتجنب الإنسان السليم الأكل و الشرب المفرط أو الغير صحي و يمارس الرياضة بإنتظام. فإن الأمة السليمة تمنح إمتيازا للإستقلال و التعاون و الروح المعنوية الحربية على الرخاء الإقتصادي الخالص والإستهلاك من جهة، أو على تخطيط إقتصادي مركزي خاضع للسيطرة الكاملة من جهة اخرى”.

ما رأيك أنت؟

الفصل الأوّل من كتاب “كيف تكون رواقيّاً”

الفصل الأوّل: المسار الملتوي

في كل ثقافة نعرفها، سواء كانت علمانية أو دينية، متنوّعة عرقياً أم لا، تجد أن السؤال عن كيفية عيش و خوض حياة صالحة جوهرياً في أبعاده. كيف ينبغي لنا التعامل مع تحدّيات الحياة و تقلّباتها؟ كيف ينبغي لنا أن نهذّب سلوكياتنا في العالم و أن نتعامل مع الآخرين؟ و السؤال النهائي: كيف يمكننا أن نستعد بشكل أفضل للاختبار النهائي لشخصيتنا، اللحظة التي نموت فيها؟

العديد من الأديان و الفلسفات التي شهدها التاريخ البشري و حاولت معالجة هذه القضايا، تقدّم إجابات تتراوح بين الروحانيات و حتى تلك المفرطة عقلانياً. حتى العلم نفسه دخل في الآونة الأخيرة في مجال تسويق الأوراق التقنية و الكتب الشعبوية التي تتناول فكرة السعادة و كيفية تحقيقها، ترافقها حزمة من المسوحات الدماغية و الدراسات التي تقترح ما يمكن أن يزيد أو يقلّل من السعادة نفسها. في المقابل، أدوات البحث عن إجابات للأسئلة الوجودية التي تشغل الإنسان منذ بداية التاريخ تتباين بقدر المناهج التي استخدمت من قبل – من النصوص المقدسة إلى التأمّل العميق، الحجج الفلسفية و التجارب العلمية.

إن الصورة البانورامية الناتجة مذهلة حقاً و تعكس كلا من إبداع الروح الإنسانية و الإلحاح الذي يصاحب الاستفسارات حول المعنى و الغرض من الوجود. يمكنك كإنسان تبنّي مجموعة كبيرة و متنوّعة من الخيارات العقائدية و الفلسفية داخل الديانات الإبراهيمية، على سبيل المثال؛ أو اختيار مدرسة من المدارس البوذية؛ أو الطاوية، أو الكونفوشيوسية، و غيرها الكثير. أما إذا كنت ممن يفضّل الفلسفة، بدلاً عن الدين، فيمكنك أن تتناول الوجودية، الإنسانوية العلمانية، البوذية العلمانية، الثقافة الأخلاقية، و إلخ. أو يمكن أن تصل بدلاً من ذلك إلى الاستنتاج بأنه لا يوجد معنى أصلاً – أي أن البحث عن ذلك المعنى نفسه لا مغزى له – و ربما تعتنق نوعاً “سعيداً” من العدمية (نعم، هناك شيء من هذا القبيل).

بالنسبة لشخصي، فأنا أصبحت رواقياً. و أنا لا أقصد أنني قد بدأت بالتعامل مع قسوة الواقع و الإحباط بأسلوب حليم يقمع مشاعري تماماً. بقدر ما أحب شخصية السيد سپوك Mr. Spock [شخصية خيالية في الفيلم والمسلسل التليفزيوني المتميز إعلامياً ستار تريك] التي ألّفها جين رودنبيري [كاتب المسلسل]، إلا أنها تعكس فهماً ساذجاً للمؤلّف عن الرواقية ـ في مايتضح لاحقاً. حيث أن هذه الصفات [شخصية سپوك في المسلسل باردة و لاتظهر العواطف] تمثّل إثنين من المفاهيم الخاطئة الأكثر شيوعاً حول معنى أن تكون رواقياً. في الواقع، لا تقتصر الرواقية على قمع المشاعر أو إخفائها، بل العكس تماماً، فهي تتعلّق بالاعتراف بمشاعرنا و التأمّل في أسبابها، ثم إعادة توجيهها إلى صالحنا. الرواقية تحث على أن نأخذ في الاعتبار ما هو خاضع تحت سيطرتنا و ما يستعصي عليها، مع تركيز جهودنا على الأول و عدم التفريط بها و إضاعتها على الأخير. هي ببساطة تعني ممارسة »الفضيلة« و التميّز و الارتقاء في العالم إلى أفضل قدراتنا، مع الأخذ في الاعتبار البعد الأخلاقي لجميع أعمالنا.

كما سأشرح في هذا الكتاب، فالممارسة العملية للرواقية تقتضي مزيجاً ديناميكياً من التفكير في المفاهيم النظرية، قراءة النصوص الملهمة، و الانخراط في التأمّل، التعقّل، و غيرها من التدريبات الروحية [الكاتب يتناول مصطلح الروحيات بشكل عام يتضمّن حتى المفاهيم العقلانية، الوعي و الشعور النفسي بالـ الأنا]. واحد من المبادئ الرئيسية للفلسفة الرواقية هي أننا يجب أن ندرك و نأخذ على محمل الجد، التفريق بين ما يمكننا و ما لا يمكننا السيطرة عليه. هذا التمييز – الذي أدلت به أيضاً بعض المذاهب البوذية – غالباً ما يُفهَم كـ انسحاب من المشاركة الاجتماعية و الحياة العامة، لكن نظرة فاحصة على كل من الكتابات الرواقية و حياة مشاهير رواقيين تبدّد هذا الانطباع و تثبت العكس: الرواقية كانت منذ العصور الماضية فلسفة عملية تحث على المشاركة الاجتماعية و تشجّع على النية الحسنة تجاه البشرية جمعاء و الطبيعة أيضاً. هذا التوتّر المتناقض فيما يبدو بين نصيحة التركيز على أفكارنا الخاصة و البعد الاجتماعي الذي يتنضمن المسؤولية تجاه المجتمع، هو ما شدّ انتباهي و دفعني إليها كفلسفة عملية.

وصلت إلى الرواقية، لا في طريقي إلى دمشق، و لكن من خلال مزيج من صدف و وقائع ثقافية، تقلّبات في حياتي، و خيار فلسفي مقصود. الآن و بعد كل ذلك، يبدو أنه لا مفر من أن يؤدي طريقي في نهاية المطاف إلى الرواقية. كشخص ترعرع في روما، اعتبرت الرواقية جزءاً من تراثي الثقافي منذ أن درست التاريخ الروماني و الإغريقي القديم و الفلسفة في المدرسة الثانوية، على الرغم من أنه لم يكن حتى وقت قريب منذ أن سعيت لجعل مبادئها جزءاً من حياتي اليومية. أنا كتعريف مهني فيلسوف و عالِم، و لذلك كنت دائماً أميل إلى البحث عن طرق أكثر تماسكاً و تناسقاً لفهم العالم (من خلال العِلم) و البحث عن خيارات أفضل لعيش حياة صالحة و سعيدة (من خلال الفلسفة). قبل بضع سنوات، كتبت كتاباً: “أجوبة عن أرسطو: كيف يمكن للعلم و الفلسفة أن يقودانا إلى حياة أكثر معناً و وضوحاً”، و الذي تناولت فيه منهجاً سميّته sciphi السايـ فاي [science+philosophy]. كان النهج الأساسي هو الجمع بين الفكرة القديمة من الأخلاق الفضيلة، و التي تركّز على تنمية الشخصية و السعي للارتقاء الشخصي، كالركائز التي تضفي معناً على حياتنا، مع آخر ثمار العلوم الطبيعية و الاجتماعية التي تخبرنا عن الطبيعة البشرية و كيف نعمل، نفشل و نتعلّم. هذا كان سوى بدايةً لرحلتي نحو الوعي الفلسفي الذاتي. لكن شيء آخر كان يشغل تفكيري آنذاك. أنا لم أكن شخصاً متديّناً منذ سنوات المراهقة (دفعتني قراءة كتاب برتراند راسل الشهير “لماذا أنا لست مسيحياً” في أيام المدرسة الثانوية إلى مغادرة الكاثوليكية بشكل تدريجي)، و على هذا النحو استمرّت التساؤلات حول الأسئلة الأخلاقية و مصادر الاستنباط الفلسفية. أظن أن عدداً متزايداً من الناس، سواء في الولايات المتحدة و في جميع أنحاء العالم، يواجه معضلة مماثلة.

في الوقت الذي أتعاطف فيه مع فكرة أن يكون عدم الانتماء الديني خياراً مقبولاً في الحياة مثل أي خيار انتماء ديني مدعوم بحزم بالفصل الدستوري بين الدولة و الدين، ينمو عندي عدم رضا على نحو متزايد مع الغضب المتعصّب لما يسمّى بالملحدين الجدد، ممثلين بريتشارد داوكينز و سام هاريس و آخرين. و على الرغم من أن الانتقاد العلني للدين (أو أي فكرة) هو العنصر الأساسي لمجتمع ديمقراطي سليم، فإن الناس لا يستجيبون بشكل جيّد للتجريح أو التصغير من شأنهم. في ما يخص هذه النقطة، يوافقني الفيلسوف الرواقي إبيكتيتوس الرأي بوضوح:

“عند هذه النقطة، أنت تخاطر بأن تدفعه للقول:”ما دخلك أنت؟ من أنت بالنسبة لي؟” ضايقه أكثر، وستكون عرضة لـ لكمة في الأنف. أنا شخصياً كنت حريصاً على هذا النوع من الخطاب، حتى جوبهت بمثل هذا الاستقبال”.

هناك بالطبع، بدائل الإلحاد الجديد إذا كنت ترغب في اتباع نهج غير ديني في الحياة، بما في ذلك البوذية العلمانية و العلمانية الإنسانوية. مع ذلك، فإن هذين المسارين – و هما الطريقان الرئيسيان اللذان يخاطبان أولئك الذين يسعون إلى تشييد وجود علماني – أجدهما نوعاً ما غير مرضيين بالنسبة لي. أما بالنسبة للبوذية، فأجد أساليب مذاهبها السائدة حالياً غيبية و روحانية بشكل مفرط، و نصوصها غامضة و يصعب تفسيرها، خاصة في ضوء ما نعرفه عن العالم و الحالة الإنسانية من العِلم الحديث (على الرغم من عدد من الدراسات في علم الأعصاب التي تظهر بشكل مقنع فوائد التأمّل).

إن الإنسانوية العلمانية التي اعتنقتها لسنوات، تعاني من مشكلة عكسية: فهي، أيضاً، تعتمد بشكل مفرط على العِلم و التصوّرات الحديثة للعقلانية، و نتيجة لذلك – و على الرغم من أفضل الجهود التي يبذلها مؤيدوها – فهي تهب بشكل بارد و خالية من المفاهيم التي قد تريد تعليمها لأطفالك في صباح يوم الأحد [أو صلاة الجمعة]. و هو ما أعوز إليه النقص المذهل في نجاح (عددياً) المنظمات الإنسانية العلمانية. على النقيض من ذلك، وجدت أن في الرواقية فلسفة عقلانية، تماسي و لا تناقض العلم و تشمل في نفس الوقت بعداً روحانياً، و تفتح باباً صريحاً للمراجعة. و الأهم من ذلك كلّه، أنها فلسفة عملية بشكل بارز. أقرّ الرواقيون بالمبدأ العلمي للسببية: كل شيء له سبب، و كل شيء في الكون يتكشّف وفقاً لعمليات طبيعية. ليس هناك مجالاً للخرافات. في نفس الوقت كانوا يعتقدون أيضاً، أن الكون منظّم وفقاً لما أسموه Logos لوگوس [مصطلح فلسفي و ديني قديم من الثقافة الأوربية يدل في سياقات شتّى على مدلولات متعددة، كالخطاب، اللغة، العقل الكلّي، كلمة الإله أو القانون الكلّي للكون، كما يصفه هرقليطس]، والتي يمكن أن تفسّر على أنها إما الله أو ببساطة ما يسمى أحياناً بـ »إله آينشتاين«: الحقيقة البسيطة المطلقة أن الطبيعة قابلة للفهم و الاستيعاب بواسطة العقل.

على الرغم من أن المكوّنات الأخرى للفلسفة الرواقية محورية، إلا أن السمة المميّزة و الأهم هي طبيعتها العملية: فهي منذ بدايتها تنظّر لفلسفة عملية غير معقّدة تساعد الفرد في سعيه للحصول على حياة سعيدة و ذات مغزى. إذن ليس من المستغرب أن نقرأ في نصوصها الأساسية – معظم الكتابات وصلتنا إلى حد كبير من فترة الرواقية الرومانية المتأخّرة (كما كانت تسمّى سابقاً)، لأن معظم الكتابات في وقت مبكر مازالت مفقودة – تعاليم واضحة و بسيطة. إبيكتيتوس، سينيكا، موسونيوس روفوس، و ماركوس أوريليوس كلّهم يتحدثون معنا بلغة واضحة، بعيداً عن النصوص البوذية المشفّرة برموز غيبية أو حتى اللغة المزخرفة بالاستعارات و القصص الرمزية من الثقافة المسيحية المبكّرة. واحد من الاقتباسات المفضّلة عندي، هي من إبيكتيتوس، و التي تجسّد هذا الواقع العملي للرواقية:

“الموت ضروري و لا يمكن تجنّبه. أعني، لو أردت، إلى أين سأذهب بعيداً عنه؟”

السبب النهائي الذي دفعني إلى الرواقية هو أن هذه الفلسفة تتحدّث بشكل مباشر و مقنع حول حتمية الموت و مواجهته. لقد أكملت مؤخّراً نصف قرن من العمر، و هي نقطة تبدو تعسّفية في الحياة التي دفعتني مع ذلك إلى الانخراط في أفكار و تأمّلات أوسع حول من أنا، و ماذا أفعل؟ كشخص غير متدين، كنت أيضاً أبحث عن أشبه بكراس تعليمات حول كيفية الاستعداد لمواجهة نهاية المطاف من حياتي. و بعيداً عن مشاغلي الوجودية، نحن نعيش اليوم في مجتمعات تتوسّع فيها الحياة من خلال العلم الحديث، و بالتالي سيجد الكثير منا أنفسنا بحاجة إلى اتخاذ قرار بشأن استمرار وجودنا لعقود بعد التقاعد و دخول آخر مراحل الحياة. و علاوة على ذلك، مهما كان قرارنا بشأن معنى حياتنا و هدفنا فيها، لا بد من إيجاد سبل لتهيئة أنفسنا و أحبائنا لمواجهة الزوال الدائم لوعينا، و وجودنا الفريد في هذا العالم. فنحن بحاجة إلى معرفة كيفية الموت بطريقة كريمة تسمح لعقولنا بالولوج إلى الهدوء و الصفاء و كيف نواسي أولئك المقرّبون و العزيزون علينا بعد أن نرحل.

من الجدير بالذكر أن الرواقيين الأوّليون كرّسوا قدراً كبيراً من الجهد و الكثير من الكتابات لما وصفه سينيكا بأنه الاختبار النهائي للشخصية و المبدأ. “نموت كل يوم”، كتب إلى صديقه جايوس لوسيليوس. و قد ربط سينيكا هذا الاختبار ببقية وجودنا على الأرض: “لا يمكن للرجل أن يعيش صالحاً، إذا لم يعرف كيف يموت بشكل صالح”. الحياة، بالنسبة للرواقيين، هي مشروع مستمر، و الموت، كما فهموه، هو نقطة نهاية طبيعية منطقية، لا شيء مميز في حد ذاته و لا هو شيء يجب أن نخشاه بشكل مبالغ. هذا الموقف الفكري انتشر صداه في ذهني و خاطب التناسق في جوارحي، بعيداً عن تصوّرات الخيال حول الخلود التي لا يوجد دليل عليها و لا سبب عقلاني للاعتقاد بها، و بعيداً عن التهرّب من الواقع الحتمي نفسه.

لهذه الأسباب و أسباب أخرى، أنا لست وحيداً في بحثي لإحياء هذه الفلسفة العملية القديمة و تكييفها مع الحياة في القرن الحادي والعشرين.

في حدث سنوي، يحضر الآلاف من الناس إلى المشاركة في أسبوع الرواقية الذي ينظّمه فريق في جامعة إكستر في إنجلترا، بالتعاون مع الفلاسفة الأكاديميين و المعالجين المتخصصين بالعلوم، و مشاركين مهتمين من جميع أنحاء العالم. الهدف من هذا الأسبوع الرواقي له جانبين: من ناحية، هي فرصة لتعريف الناس بتاريخ هذه الفلسفة القديمة و أهميتها لحياتهم المعاصرة، و من ناحية أخرى، لجمع البيانات المنهجية لمعرفة ما إذا كانت ممارسة الرواقية تحدث فرقاً واضحاً على أرض الواقع. النتائج الأوّلية من مبادرة إكستر هي مؤقّتة حتى الآن (في أسابيع الرواقية في المستقبل، سيتم استخدام بروتوكولات تجريبية أكثر تطوراً و جمع أحجام عيّنات أكبر)، لكنها واعدة. فعلى سبيل المثال، أفاد المشاركون في الأسبوع السنوي الثالث من المبادرة بأن المشاعر الإيجابية ارتفعت بحوالي ٩٪، مع انخفاض المشاعر السلبية بنسبة ١١٪، و حسن رضا نفسي بنسبة ١٤٪ بعد أسبوع كامل من الحدث الأسبوعي. (في العام السابق أجرى الفريق متابعة طويلة الأمد للتأكّد من البيانات، و أكّدوا النتائج الأولية للأشخاص المشاركين). و يبدو أيضاً أن المشاركين يعتقدون أن الرواقية تجعلهم أكثر فطنة و أقرب إلى الفضيلة في التعامل اليومي، على الأقل هذا ما أدلى به ٥٦٪ من المشاركين في الاستبيانات.

لابد من التنويه أن هذه هي عيّنة مختارة من الناس الذين لديهم مصلحة و رغبة سابقة في التعمّق في هذه الفلسفة، و بالتالي فهم من البداية حاضرون بجرعة فضول و رغبة في التأمّل. نتائج مثل هذه ليست مثيرة للدهشة تماماً، بالنظر إلى أن الرواقية هي الجذر الفلسفي لعدد كبير من العلاجات النفسية المعتمدة على الأدلّة. بطبيعة الحال، الرواقية هي فلسفة بالدرجة الأولى، و ليست نوعاً من العلاج النفسي. الفرق هنا بالغ الأهمية: فالعلاج وفق تعريفه و هدفه، هو نهج قصير الأجل هدفه مساعدة الناس على التغلّب على مشاكل محددة ذات طبيعة نفسية. هو لا يوفّر بالضرورة صورة عامة، أو فلسفة كاملة عن الحياة. فلسفة الحياة هي شيء نحتاجه و نطوّره جميعاً، بوعي أو بدون. بعض الناس ببساطة يكتسبون تعاليمهم و فلسفتهم التي تحدد إطار الحياة من الدين في المجتمع الذي يولدون فيه. البعض الآخر يشكّل فلسفته الخاصة أثناء السير في دروب الحياة، دون أن يفكّر كثيراً في ذلك، و لكن مع ذلك ينخرط في أعمال و قرارات تعكس بعض الفهم الضمني للحياة. أما البعض الآخر يفضّل – كما وصفه سقراط – أن يأخذ الوقت الكافي لدراسة و تأمّل حياته من أجل العيش بشكل أفضل. الرواقية، حالها حال أي فلسفة حياة أخرى، قد لا تخاطب جوارح أو تشدّ انتباه عقل كل إنسان. بل هي متطلّبة بطبيعتها، مشدّدة على أن الشخصية الأخلاقية الفاضلة هي الشيء الوحيد الذي يستحق أن ننمّيه. الصحة، التعليم، و حتى الثروة تعتبر مزايا جانبية (على الرغم من أن الرواقيون لا يدعون إلى الزهد، و كثير منهم تمتع تاريخياً بالأشياء الجيّدة في حياتهم). هذه “المزايا” لا تعرّف هويتنا كأفراد و ليس لها علاقة بقيمتنا الشخصية التي تعتمد على سلوكياتنا و ممارستنا للفضائل. و بهذا المعنى، فإن الرواقية هي ديمقراطية بارزة، تتقاطع عبر الطبقات الاجتماعية: سواء كنت غنياً أو فقيراً، صحيّاً أو مريضاً، متعلّماً أو جاهلاً، فإنه لا فرق في قدرتك على عيش حياة أخلاقية فاضلة، و بالتالي تحقيق ما سمّاه الرواقيون أتاراكسيا، أو صفاء الذهن.

رغم تميّزها، تشترك الرواقية بالكثير من المبادئ الأخلاقية مع الفلسفات الأخرى و مع الأدیان (البوذیة و الطاویة و الیھودیة و المسيحیة)، و الحرکات الحدیثة مثل الإنسانیة العلمانیة و الثقافة الأخلاقیة. هناك شيء جذّاب جداً بالنسبة لي، كشخص غير متديّن، في مثل هذه الفلسفة المتنوّعة التي يمكن أن تشترك في الأهداف أو على الأقل في بعض المواقف العامة مع التقاليد الأخلاقية الرئيسية الأخرى في جميع أنحاء العالم. هذه القواسم المشتركة دفعتني لأن أرفض الإلحاد الجديد الذي انتقدته في وقت سابق، كما أنها تسمح للأشخاص الدينيين بأن ينأوا بأنفسهم عن الأصوليات المتطرّفة التي عانا منها تاريخنا الحديث.

في نهاية المطاف، لا يهم للشخص الرواقي إذا كنّا نعتقد أن اللوگوس Logos [إله آينشتاين، مصطلح فلسفي و ديني قديم من الثقافة الأوربية يدل في سياقات شتّى على مدلولات متعددة، كالخطاب، اللغة، العقل الكلّي، كلمة الإله أو القانون الكلّي للكون، كما يصفه هرقليطس] هو الله أو الطبيعة، ما دمنا ندرك أن حياة إنسانية كريمة هي حصاد تهذيب شخصيتنا و سلوكياتنا بشكل فاضل و اهتمامنا بالآخرين (و حتى الطبيعة نفسها) و في ظل التحرّر ـ بشكّل معقول و ليس متطرّفاً ـ من استهلاك السلع الدنيوية. هناك بطبيعة الحال تحدّيات لا تزال دون حل، و التي سوف أتناولها مع القارئ في الفصول القادمة. الرواقية الأصلية، على سبيل المثال، كانت فلسفة شاملة شملت ليس فقط الأخلاق، بل أيضاً الميتافيزيقيا، العلوم الطبيعية و نهج محددة للمنطق و المعرفة (أي نظرية المعرفة). هم اعتبروا أن هذه الجوانب الأخرى من فلسفتهم مهمة، لأنها احتوت قلقهم الرئيسي: كيف يعيش المرء حياته؟

الفكرة هي أنه من أجل اتخاذ قرار بشأن النهج الأمثل للعيش، نحن بحاجة أيضاً إلى فهم طبيعة العالم حولنا (الميتافيزيقيا)، و كيف يعمل (العلوم الطبيعية)، و كيف (بشكل غير كامل) نأتي لفهم ذلك (نظرية المعرفة). لكن العديد من المفاهيم الخاصة التي وضعتها الوراقية القديمة فسحت المجال لمفاهيم حديثة أدق أدخلتها العلوم الحديثة و الفلسفة، و بالتالي تحتاج إلى تحديث. على سبيل المثال، كما يوضّح الكاتب الرواقي الحديث ويليام إير ڤاين في “دليل لحياة صالحة“، فإن الفاصل الواضح الذي بيّنه الرواقيين بين ما هو غير خاضع لسيطرتنا و ما هو خارج عنها، صارم جداً: فخارج إطار أفكارنا و مواقفنا، هناك بعض الأشياء التي يمكننا و من المفروض ـ تبعاً للظروف ـ أن نؤثّر عليها، حتى النقطة التي ندرك فيها أن لا شيء أكثر في وسعنا القيام به. صحيح أيضاً أن الرواقيينكانوا متفائلين بشكل مفرط حول مدى سيطرة البشر على أفكارهم و مزاجهم. فقد أظهرت العلوم المعرفية الحديثة مراراً و تكراراً أننا غالباً ما نكون فريسة للتحيّز المعرفي و المغالطات.

و لكن من وجهة نظري، هذه المعرفة تعزّز فكرة أننا بحاجة إلى تدريب أنفسنا في التفكير الفاضل و الصحيح، كما نصح الرواقيون. و أخيراً، واحدة من السمات الأكثر جاذبية في الفلسفة الرواقية هي أن الرواقيين كانوا منفتحين أمام فكرة إعادة النظر في النقد و التحدّيات التي تواجه مذاهبهم و تغييرها وفقاً لذلك. بعبارة أخرى، هي فلسفة مفتوحة، و مستعدّة لإدراج النقد من المدارس الأخرى (على سبيل المثال، ما يسمّى بالمتشككين من العصور القديمة)، فضلاً عن الاكتشافات الجديدة التي يجلبها العِلم الحديث. كما قال سينيكا: “الرجال الذين قاموا بهذه الاكتشافات من قبلنا هم ليسوا أسيادنا، و لكن مرشدينا. فالحقيقة مفتوحة للجميع؛ هي لم تُحتكر بعد. و هناك الكثير منها متروك للأجيال القادمة لاكتشافه.”

في عالم تسوده الأصولية المتطرّفة و المذاهب الصلبة، من المنعش احتضان نظرة فلسفية عن الحياة هي في جوهرها مفتوحة للمراجعة و النقد. في ظل هذه الأسباب، قرّرت الالتزام بالرواقية كفلسفة للحياة، و استكشافها و دراستها و إيجاد مجالات للتحسين إن أمكن، و ثم أشاطرها مع الآخرين. في النهاية، الرواقية هي مسار آخر (ملتوي) رسمته الإنسانية لتطوير نظرة أكثر تماسكاً عن العالم، عن من نحن، و كيف نتناسب مع مخطط أوسع من الأطياف و الأنظمة حولنا. الحاجة إلى هذا النوع من البصيرة تبدو مطلباً عالمياً، و في هذا الكتاب سوف أبذل قصارى جهدي لتوجيه القارئ في هذا الطريق القديم و الحديث في نفس الوقت.

في البداية، خياري لمرشد يشاطرنا الرحلة سيكون إبيكتيتوس، أول فيلسوف رواقي واجهت كتاباته عندما بدأت برحلتي الخاصة في استكشاف تلك الفلسفة. ولد إبيكتيتوس في هيرابوليس (مدينة باموكالي الحالية في تركيا) حوالي عام ٥٥ م. إبيكتيتوس لم يكن اسمه الحقيقي، الذي لا نعرفه. الكلمة ببساطة تعني “مكتسب”، مما يعكس حقيقة أنه كان عبداً. سيّده كان معروفاً تحت إسم إبافروديتوس، وهو عبد معتق غني عمل سكرتيراً للإمبراطور نيرو في روما، حيث قضى إبيكتيتوس شبابه. و قد أصيب بالشلل، إما بالولادة أو بسبب إصابة أصيب بها عندما كان عبداً تحت سيّد سابق. على أي حال، تعامل إبافروديتوس مع إبيكتيتوس بشكل طيّب و سمح له بدراسة الفلسفة الرواقية عند واحد من المعلمين الأكثر شهرة في روما، موسونيوس روفوس. بعد وفاة نيرو في ٦٨ م، تم تحرير إبيكتيتوس من قبل سيّده – و هي ممارسة شائعة في روما مع العبيد الأذكياء و خاصة المتعلّمين منهم. ثم أنشأ مدرسة خاصة به في عاصمة الإمبراطورية، و درس هناك حتى ٩٣ م، عندما حظر الإمبراطور دوميتيان جميع الفلاسفة من المدينة. (الفلاسفة بشكل عام، و الموسيقيين على وجه الخصوص، اُضطِهدوا من قبل عدد من الأباطرة، خاصة فيسباسيان و دوميتيان، و عشرات من الفلاسفة إما قتلوا – بما في ذلك سينيكا ـ أو نفيوا، كما حدث مرّتين لموسونيوس. بعدها نقل إبيكتيتوس مدرسته إلى مدينة نيكوبوليس في شمال غرب اليونان، حيث قد زاره الإمبراطور هادريان (واحد من الأباطرة الصالحين الخمسة في تاريخ الإمبراطورية الرومانية، آخرهم ماركوس أوريليوس، الرواقي الأكثر شهرة في كل العصور). اشتهر إبيكتيتوسكمعلّم و جذب عدداً من الطلاب رفيعي المستوى، بما في ذلك آريان نيكوميديا، الذي دوّن بعض محاضرات معلّمه. هذه المحاضرات معروفة اليوم بـ خطابات يونانية، و التي سأستخدمها كقاعدة في استكشافنا للرواقية في هذا الكتاب. إبيكتيتوس لم يتزوج أبداً، على الرغم من أنه و في وقت متأخر من حياته بدأ يعيش مع امرأة ساعدته في تربية طفل لرجل صديق له، كان قد تُرِك للموت قبل أن يتبناه هو. إبيكتيتوس نفسه توفي حوالي ١٣٥ م.

شخصية مثيرة، أليس كذلك؟ عبد مشلول يكسب علماً و معرفة ليصبح رجلاً حرّاً و يؤسس مدرسته الخاصة، ينفيه إمبراطور واحد، و يبني مع آخر علاقة ودّية، يساعد بلا أنانية طفلاً صغيراً و يربّيه.

أوه، و الأهم من ذلك كله، ينطق بعضاً من أقوى الكلمات الحكيمة التي تحدّث بها الحكماء في العالم الغربي بأكمله و ما وراءه.

إن إبيكتيتوس هو المرشد المثالي لرحلتنا، ليس فقط لأنه أول رواقي قرأت له، لكن بسبب فطنته و ذكائه، و حسّه الداكن من الفكاهة. كذلك لاختلافي معه حول عدد من النقاط الهامة، و التي سوف تظهر المرونة الفائقة للفلسفة الرواقية و قدرتها على التكيّف مع الأزمان و الأماكن المختلفة، من القرن الثاني في روما و حتى القرن الحادي و العشرين في نيويورك. لذلك دعونا نستكشف الرواقية معاً في محادثة نخوضها مع إبيكتيتوس عبر خطاباته. سوف نتحدّث عن مواضيع متنوّعة مثل الله، العولمية في عالم مزدحم على نحو متزايد، رعاية أسرنا، أهمية تهذيب سلوكنا و شخصيتنا، التحكّم بالغضب و تقبّل الإعاقة، الموقف الأخلاقي من (أو عدم) الانتحار، و أكثر من ذلك بكثير. أما الكتّاب الآخرون، القدامى و الحديثون، فسوف يضيفون لما نتعلّمه من إبيكتيتوس. في نفس الوقت سأقوم أحياناً بالتراجع بلطف عن بعض مفاهيم مرشدنا، متناولاً التقدّم في الفلسفة و العلوم الحديثة على مدى القرون المتداخلة. الهدف هو تعلّم شيء عن كيفية الإجابة على هذا السؤال الأساسي: كيف يجب علينا أن نعيش حياتنا؟”

Massimo Pigliucci ماسيمو بيغليوتشي. “كيف تكون رواقياً”.
***

هل شدّك الفصل الأوّل من الكتاب؟ اعلمني بذلك حتى أباشر بترجمة بقية الفصول. شارك في المدوّنة حتى أعلمك بالجديد و لا تنسى بأن تشاطر محيطك الرقمي ما قرأت، فتعود الفائدة على الجميع.

رتّب الأفكار في موسوعتك أولاً: ماذا نعني بالليبرالية أو السياسة المحافظة؟ الكلاسيكية أو الديمقراطية الحديثة؟ الليبرتارية أو النيوليبرالية؟

قبل أن استهل بالتوضيح و التمييز بين المصطلحات التي ذكرتها في العنوان أعلاه، حاول كقارئ عربي أن تتقبّل أن السياسة العربية بشكل عام تستورد و تخلط المزيج المحلّي الخاص بها منذ قرون من الزمن بدل أن تساهم في صياغة التاريخ السياسي الحديث. بالطبع، ظروف المناطق العربية استثنائية و هي ضحية لأيديولوجية قديمة و مهيمنة حتى اليوم، بغضّ النظر عن الاستعمار، الحروب و التدخّلات و التقسيمات التي أنهكتها على مدى القرون الماضية.
من باب، أنا أتهم القارئ العربي العام بعجزه عن التمييز بين المذاهب السياسية الرئيسية، و من باب آخر أعذره، لأن واقعنا السياسي و الاجتماعي لايفسح المجال للإنسان بأن يجد الوقت اللازم و المزاج الصافي للدخول في هكذا تفاصيل قد تبدوا مملة للكثير و ربما محبطة للبعض الآخر.

سأحاول هنا وضع حجر الأساس لكي تفهم السياسة العالمية أكثر في حالة كونك لم تتعمّق في الموضوع بعد، لأنك شئت أم أبيت مقيّد بالظروف الاقتصادية و الحروب و الاتفاقيات العالمية. العولمة و التقنية غيّرتا قوانين اللعبة. من الذكاء أن تحاول فهم العالم حولك كي تتجنّب الوقوع في مشاكل كثيرة و تقليل نسبة الخطأ. لذلك لن أتحيّز لأي مذهب في الطرح و سأكتفي بالتركيز على الأسس الجوهرية التي تميّز مذهباً سياسياً عن الآخر و تفاصيل الفلسفة السياسية التي تشكّل القاعدة التشريعية لتلك المذاهب.
قبل أن نبدأ، دعنا نتناول تعريفي المذهبين المحافظ و الليبرالي بشكل مقتضب:

السياسة المحافظة Conservatism[من اللاتينية: conservare = “حفظ” أو “الحفاظ”] هي مذهب سياسي يشير إلى الفلسفات السياسية و الاجتماعية التي تعزز الحفاظ على المؤسسات الاجتماعية التقليدية و بقاء الوضع الراهن مع القليل من التغيير الحذر، فهي تعتبر الاستقرار شيء ثمين و يجب أن يتم التغيير بشكل تدريجي من أجل الحفاظ عليه. الفلسفة السياسية المحافظة يمكن وصفها بـشكل بسيط و غير مفصّل بأنها حالة ذهنية و فلسفة سياسية تنفر من التغيير السريع و الابتكار، و تسعى جاهدة لتحقيق التوازن و النظام، و في الوقت نفسه تتفادى التطرّف. بشكل عام تفضّل التسلسل الهرمي على المساواة و القيم الجماعية على الفردية. هي سياسة ظهرت كـ رد فعل ضد الأفكار الليبرالية التي بدأت تترسخ في أوروبا خلال الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر.

في المقابل، يواجهها كمذهب السياسة الـتقدّمية، التي تعرّف نفسها كـ فلسفة سياسية تمضي إلى التقدّم و التحرر من الماضي كجزء من تطوّر المجتمع و تصارع لصالح الإصلاحات التدريجية الاجتماعية، السياسية و الاقتصادية عن طريق حكومة كبيرة تتدخّل في فرض تلك الإصلاحات. هذا المذهب يمكنك أن تضعه في خانة اليسار في الطيف السياسي. الطيف الأكثر تطرّفاً في المطالب هو ما يوصف بالـفكر الثوري اليساري، فالأخير يرفض المنهج التدريجي و يطالب بالثورة. على عكس المذهب المحافظ، تفضّل التقدّمية المساواة على التسلسل الهرمي و القيم الفردية على الجماعية. و الصراع بين الفكرين يدور في جوهره حول عقلانية الإنسان أو الفرد نفسه. فالفكر المحافظ لايثق بعقلانية الفرد و عدم تحيّزه، بعكس الليبرالية التي تبالغ في تقدير البشر كفرد حر و عقلاني في اختيار مصيره. لكن كما ستقرأ لاحقاً، الواقع أكثر تعقيداً و يتشابك كثيراً و يتباين حسب الوقت و المكان. سأتناول المزيج الشائع في الدول الغربية القوية كي تفهم الصورة أكثر:

السياسة المحافظة الليبرالية Liberal Conservatism

[لا ينبغي الخلط بينها و بين السياسة المحافظة الليبرتارية]

السياسة المحافظة الليبرالية هي أيديولوجية سياسية تجمع بين السياسات المحافظة و المواقف الليبرالية، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الأخلاقية و الاجتماعية، أي بكل بساطة سياسة محافظة متأثرة بشدة بالليبرالية [كما هو الحال في بعض دول أوربا الغربية].

تشمل السياسة المحافظة الليبرالية النظرة الليبرالية الكلاسيكية Classical Liberalism [من روادها آدم سميث، ديفد هيوم و فولتير] للحد الأدنى من التدخّل الحكومي في الاقتصاد؛ حيث يؤمن الليبراليون الكلاسيكيون أن تحرير السوق من التدخل الخارجي الحكومي سيقود في نهاية المطاف إلى نظام يخدم المجتمع بصورة مثالية. كذلك يجب أن يكون للأفراد حرّية المشاركة في السوق و إنتاج الثروة دون تدخّل الحكومة. في نفس الوقت، من الموهم أن نثق بالأفراد بشكل كامل على التصرف بمسؤولية في مجالات أخرى من الحياة، و لذلك فإن المحافظين الليبراليون يعتقدون أن وجود دولة قوية أمر ضروري لضمان القانون و النظام. إضافةً إلى ذلك ضرورية و دور المؤسسات الاجتماعية لتعزيز الشعور بالواجب و المسؤولية تجاه المجتمع. من الأسم نفسه نستنبط أن السياسة المحافظة الليبرالية هي موقف سياسي يدعم الحريات المدنية إلى جانب بعض التقاليد الاجتماعية المحافظة. تستطيع أن تفهم هذا المذهب كـ أيديولوجية يمين الوسط. في أوروبا الغربية هو الشكل المهيمن للسياسة المحافظة المعاصرة.

بما أن لكل من “المحافظة” و “الليبرالية” معان مختلفة تباينت على مر الزمن و عبر البلدان، فقد استخدم مصطلح “المحافظة الليبرالية” بشكل متباين أيضاً. فالواقع السياسي و الخليط الديني، العرقي، الموقع الجغرافي و التاريخ السياسي للبلد،كلها عوامل تحدد الاتجاه السياسي و مراكز ثقله. لذلك حاول أن تبتعد عن التفكير الأبيض و الأسود في وصف هذه المذاهب و اطلق العنان لمخيّلتك كي تتصوّر نظام إحداثيات تمثّل محاوره التوجّهات الأساسية [محافظ ـ تقدّمي ـ سلطوي ـ ديمقراطي/تحرري]. لاحظ أنني أتجنّب مصطلحي اليمين و اليسار، لأنهما يتباينان جداً من مجتمع و ثقافة إلى أخرى. لكن بصورة عامة تفضّل الإحداثيات السياسية لليسار اللون الأخضر و تتداخل مع اللون البنفسجي. اليمين على العكس تجد إحداثياته تتكرّر في النطاق الأزرق و البنفسجي.

أظنك ستفهم مدى صعوبة تحديد ماهو اليسار و ما هو اليمين عندما نتكلّم بصورة عامة. لذلك يلجأ الكثير إلى تعريفات إضافية كـ “ما بعد الحداثة” أو “اليسار التقدّمي المعاصر” ليصف مثلاً الطيف السياسي السائد في ديمقراطيات الغرب و الذي يتبنّى سياسات التحرّر، الديمقراطية، السلامية [مناهضة الحرب و العنف]، الحكومة الكبيرة، الانفتاح على الهجرة، العولمة، التخلّص من تقاليد الماضي و الهويات القومية، النسوية، سياسات الصواب السياسي، المساواة، التركيز على حقوق الأقلّيات و حماية البيئة. اليمين المحافظ لا يعني أنه لا يهتم بحقوق الأقليات أو يؤيد العنف أو حتى يرفض الانفتاح على العالم، بالعكس، لكن برامجهم السياسية تركّز على الجانب المعاكس من المعادلة أكثر و تفضّل المصالح القومية و أهل البلد على حساب العولمة مثلاً، أو يجدون في بعض الحروب و التدخّلات العسكرية ضرورة سياسية أو إنسانية و أهمية اجتماعية في التمحور حول تقاليد و ثقافة البلد. التأدلج و التطرّف يمكن أن يظهران في كل مربّع و لون مختلف.

كمثال آخر على التباين الفلسفي في السياسة: تتناقض السياسة المحافظة الليبرالية مع المحافظة الأرستقراطية. فالأخيرة ترفض مبدأ المساواة كشيء يتناقض مع الطبيعة البشرية، و تحث بدلاً من ذلك على فكرة عدم المساواة الطبيعية و التي تؤكّد على التباين الجيني في الذكاء، القدرات و الطموح بين البشر. و مع احتفاظ المحافظين في البلدان الديمقراطية بالمؤسسات الليبرالية النموذجية مثل سيادة القانون، حق التملّك الخاص، اقتصاد السوق الحر و الحكومة التمثيلية الدستورية، أصبح العنصر الليبرالي في السياسة المحافظة الليبرالية توافقياً بين المحافظين.

مع ذلك يفرض الواقع السياسي نفسه دائماً: ففي بعض البلدان، مثل المملكة المتحدة و الولايات المتحدة الأمريكية، يُفهَم مصطلح “المحافظة الليبرالية” ببساطة على أنه “محافظ” في الثقافة الشعبية، مما دفع بعض المحافظين الذين اعتنقوا القيم الليبرالية الكلاسيكية القديمة ليطلقوا على أنفسهم إسم “الليبرتاريون”. بشكل مقتضب: يؤمن الليبرتاريون بأن الفرد في المجتمع يملك نفسه تماماً و بالتالي فإن لديه الحرّية في التصرّف فيها و في ممتلكاته و في عقائده كما يشاء، شرط ألا يتعدى على حريات الآخرين و ممتلكاتهم. و عليه فهم يؤيّدون التحرّر و إزالة القيود المفروضة على الفرد من قبل الدولة و المجتمع،كالعادات و التقاليد، و تقليص حجمها قدر المستطاع.

مع ذلك، فإن التقليد الليبرالي ـ المحافظ في الولايات المتحدة غالباً ما يجمع بين الفردية الاقتصادية للليبراليين الكلاسيكيين مع توجّه محافظ “بيركي” يشدّد على عدم المساواة الطبيعية بين البشر و عدم عقلانية السلوك البشري كمعلّل للدافع البشري نحو النظام و الاستقرار و رفض الحقوق الطبيعية كأساس للحكومة [ما أقصده بـ “بيركي” هو التأثّر بفلسفة إدموند بيرك، فيلسوف سياسي إيرلندي يعتبره الكثير من روّاد المذهب المحافظ الحديث و أهم نقّاد الثورة الفرنسية ١٧٨٩].

و مع ذلك، تجد التيار المحافظ الأمريكي هجيناً من مبادئ محافظة و ليبرالية كلاسيكية احتفظ ببعض المبادئ الأصلية و تجاهل أخرى. و بالتالي، لا يستخدم في الولايات المتحدة مصطلح “المحافظة الليبرالية”، في نفس الوقت تختلف توجّهات و نقاط ثقل الليبرالية الأمريكية الحديثة عن نظيرتها الأوروبية. و العكس تجده مثلاً في أمريكا اللاتينية، حيث يوصف المحافظ الليبرالي اقتصادياً تحت عنوان النيوليبرالية، سواء في الثقافة الشعبية أو الخطاب الأكاديمي. تتذّكر ما قلته عن التشابك في المصطلحات؟ الأمر يزداد تعقيداً عندما نعود لأوربا مجدداً.

في اعتناقهم لمبادئ الليبرالية و السوق الحرّة، مازال بإمكانك التمييز بين هؤلاء المحافظين الأوروبيين عن المحافظين الذين اعتنقوا آراءً و مواقف أكثر تحفّظاً اجتماعياً و فلسفياً. البعض يلصق بهم مصطلح “الشعبوية” و هم طبعاً في خندق اليمين. كمثال للوتضيح، في أوروبا الوسطى و الشمالية الغربية، خاصةً في الدول الجرمانية و البروتستانتية التقليدية، لا تزال هنالك فجوة بين المحافظين، حتى داخل التحالفات نفسها، كتحالف الديمقراطيين المسيحيين الحاكم في المانيا و الذي تقوده ميركل [CDU/CSU]. على سبيل المثال، فكرة الزواج كمؤسسة اجتماعية تحتاج دعم الدولة و تقتصر على الرجل و المرأة و تشكّل موقفاً رئيسياً عند المحافظين المسيحيين الديمقراطيين، بينما يحتضن نفس التحالف الحزبي محافظين ليبراليين ساهموا في كسر قدسية الزواج و فتحه على المثليين مثلاً، لانهم يؤمنون بالتحرر أكثر من الالتزام بالتقاليد.

على العكس من ذلك، في البلدان التي دخلت فيها الحركات الليبرالية المحافظة التيار السياسي الرئيسي مؤخراً، مثل إيطاليا و إسبانيا، يمكن فهم المصطلحين “الليبرالي” و “المحافظ” على أنهما مرادفان سياسيان، و كثيراً ما ينطوي ذلك على التشديد على اقتصاد السوق الحر و الاعتقاد بالمسؤولية الفردية جنباً إلى جنب مع الدفاع عن الحقوق المدنية، دعم الأقلّيات و دعم نظام الرعاية الاجتماعية المحدود. لذلك من المهم جداً أن تفهم الجغرافية السياسية لكل دولة و تتناولها بمعزل عن التعريفات العامة.

مقارنةً بالسياسة التقليدية التي يمثّلها يمين الوسط مثلاً [كـ الديمقراطيين المسيحيين في المانيا ، حزب المحافظين البريطاني، الحزب المحافظ في كندا، حزب العدالة و القانون البولندي، حزب الشعب الهندي، الحزب الاشتراكي المسيحي الديمقراطي في البرازيل ] فإن المحافظين الليبراليون [كـ حزب المحافظين النرويجي، الائتلاف الوطني الفنلندي، الحزب الليبرالي الديمقراطي في المانيا، المعتدلون الجدد في النرويج] يميلون لسياسات أقل تقليدية و أكثر تحرراً من الناحية الاقتصادية، يحبّذون ضرائب منخفضة وأدنى تدخل للدولة في الاقتصاد. في الخطاب الأوروبي الحديث تجدهم يرفضون، على الأقل إلى حد ما، المحافظة الاجتماعية و التشبّث بالتقاليد.

أظنك قد لاحظت أنني لم أتطرّق إلى الدول العربية. ببساطة لأن الأوضاع السياسية غير مستقرة و تاريخ السياسة العربية مليئ بالمطبّات و الثورات. إضافةً إلى ذلك، الديمقراطيات العربية غارقة إما بالفساد، بالتطرّف الديني أو الحرب الأهلية. حتى الدول المستقرة نسبياً تحكمها أنظمة لا تتحلّى بحرية سياسية كافية لتسمح للفرد بأن يتعمّق في هكذا سياسات، أو يعبّر عنها. مع ذلك، تميل الأنظمة السلطوية في المنطقة إلى الاستقرار و تبنّي سياسات طويلة المدى أكثر من تلك الديمقراطية، و هو ما يفتح باب الجدل السياسي عن كون تحديد المصير و تدخّل الفرد في السياسة يصب في النهاية فعلاً في الصالح العام. لذلك تجد الناقد العربي السياسي المهتم يضطر لاستيراد الفلسفات السياسية الغربية و تحويرها محلياً، بدل التنظير لسياسة محلية مناسبة للتاريخ، الجغرافية و الواقع. كذلك لا ننسى الواقع العربي المرتبط بثقافة صحراوية دينية تفرض نفسها كنظام دين و دولة و اقتصاد لا تتسامح مع المختلفين، مما يعيق نشوء مدارس سياسية تنظّر لمستقبل على أساس واقع متهالك.

السياسة و إن كانت مملة، فهية شيّقة أحياناً في التنظير الفلسفي و تبدأ من سلوكياتك كفرد و في إطار العائلة إلى نطاق أكبر. لذلك من المهم أن تتعمّق أكثر و تحاول إيجاد المزيج الفكري المناسب لك و لمستقبلك و أيضاً للأجيال القادمة.

المقدّمة الأسهل في العالم عن التعلّم الآلي [machine learning]

هل سمعت من يتحدّث عن التعلّم الآلي [machine learning] و صورتك عن الموضوع ما زالت غامضة بعد؟ حان الوقت لأن تبصر أكثر.

هذا الدليل الذي سأستهل به هو لكل من يمتلك الفضول للقراءة عن التعلّم الآلي و لكنه لا يملك أي فكرة من أين يبدأ.

أتصوّر أن هنالك الكثير من الناس الذين حاولوا قراءة مقالات الويكيبيديا، ثم أصيبوا بالإحباط و توقّفوا عن القراءة آملين أن شخصاً ما من شأنه أن يفسّر لهم الفكرة بشكل أفضل و أبسط. و هذا هو تماماً ما سأقوم به في هذه الحلقات.

الهدف هو أن تكون هذه الحلقات في متناول أي شخص و سهلة الفهم – الشيء الذي يقتضي التعميم أحياناً. لكن لو نجحت في كسب اهتمام أي شخص في تعلّم المزيد عن التعلّم الآلي، فسيكون الهدف من كل هذا قد تحقق.

التعلّم الآلي هو فكرة أن هناك خوارزميات عامة يمكنها أن تستخرج لك شيئا مثيراً للاهتمام من مجموعة معيّنة من البيانات دون الحاجة لكتابة أي شفرة مخصصة. فبدلاً من كتابة التعليمات و الشفرات البرمجية، يمكنك تغذية الخوارزمية بـالبيانات و هي تقوم تلقائياً بصياغة منطقها استناداً إلى البيانات نفسها.

على سبيل المثال، أحد انواع الخوارزميات هي الخوارزمية التصنيفية. فهي تضع البيانات في مجموعات مختلفة. حيث بإمكان نفس خوارزمية التصنيف التي تُستَخدم للتعرّف على أرقام الهواتف المكتوبة بخط اليد، أن تُستَخدم لتصنيف رسائل البريد الإلكتروني إلى البريد المزعج [spam] و البريد العادي دون تغيير سطراً واحداً من التعليمات البرمجية. رغم أنها نفس الخوارزمية، لكنها غُذّيَت ببيانات و شفرات تدريبية مختلفة، لذلك تعالج البيانات بمنطق تصنيف مختلف.

التعلّم الآلي هو مصطلح يشمل العديد من هذه الأنواع من الخوارزميات العامة.

هنالك صنفان من خوارزميات التعلّم الآلي

يمكنك تخيّل خوارزميات التعلّم الآلي و هي تنحدر إلى واحدة من فئتين رئيسيتين: التعلّم المُراقَب و التعلّم الغير مُراقَب. الاختلاف بينهما بسيط، لكنه مهم جداً.

التعلّم المُراقَب

لنفترض أنك وكيل عقارات و عملك الاستثماري في نمو متزايد، مما يدفعك لتعيين مجموعة من وكلاء يخضعون للتدريب لمساعدتك. و لكن هناك مشكلة – عندما تقوم أنت بإلقاء نظرة على منزل ما، فسرعان ما ستكوّن فكرة جيدة عن قيمة المنزل التي يستحفها في السوق، لكن المتدربين لا يمتلكون نفس الخبرة التي تساعدهم على التسعير المناسب للمنازل.

و لكي تساعدهم في ذلك [ربما تفكّر في أخذ إجازة]، تقرر كتابة تطبيق [app] يمكنه تقدير قيمة المنزل في منطقتك على أساس الحجم، الحي، الجيران، و وفق قيمة المنازل المجاورة التي تم بيعها و ما إلى ذلك من عوامل أخرى.

و عليه، و في كل مرة يبيع شخص ما منزلاً في المدينة، تقوم بتدوين ذلك و لمدة 3 أشهر. لكل منزل تكتب مجموعة من التفاصيل – عدد غرف النوم، حجم الغرفة بالمتر المربّع m²، الحي و ما إلى ذلك من البيانات المهمة، لكن الأهم من كل ذلك، هو أن تكتب سعر البيع النهائي:

هذه هي “بيانات تدريبية“

باستخدام تلك البيانات للتوضيح و تدريب الخوارزمية، نحن نحاول تصميم برنامجاً يمكنه تقدير أي منزل آخر في منطقتك:

نريد أن نستخدم بيانات التدريب هذه للتنبّؤ بأسعار المنازل الأخرى.

و هذا ما يسمّى بالتعلّم المراقب. أنت كنت تعرف قيمة كل بيت يباع، لذلك و بعبارة أخرى: أنت عرفت الجواب لهذه المشكلة مسبقاً و ما تقوم به هو العودة بالبيانات إلى الوراء لاستقراء المنطق خلف ذلك.

لبناء التطبيق الخاص بك، تقوم بتغذية خوارزمية التعلّم الآلي ببيانات حول كل بيت. الخوارزمية بدورها تحاول معرفة نوع الرياضيات التي يتعين تطبيقها.

هذا يشبه امتلاك مفتاح الإجابة لاختبار رياضيات مع أن كل الرموز الحسابية [+ – / * …] قد تم محيها:

أوه، تباً! أحد الطلّاب قام بمسح الرموز الحسابية [+ – / * ] من مفتاح الإجابة للمعلّم!

بعد ذلك، هل يمكنك معرفة نوع المشكلة الرياضية في الاختبار؟ أنت تعلم أنك من المفترض أن تضع الأرقام على اليسار في علاقة حسابية للحصول على كل إجابة على اليمين.

في التعليم المراقب، أنت تسمح للكمبيوتر بأن يؤدّي لك تلك العلاقة الحسابية. و بمجرّد أن تعرف ماهية الرياضيات المطلوبة لحل هذه المجموعة المحددة من الحسابات، ستتمكّن حينها من الإجابة على أي مشكلة أخرى من نفس النوع!

التعلّم غير المُراقَب

دعونا نعود إلى المثال الأوّل مع وكيل العقارات. ماذا لو كنت لا تعرف سعر البيع لكل منزل؟ حتى لو كان كل ما تعرفه هو الحجم و الموقع و غيرها من التفاصيل عن كل بيت، فعلى مايبدو أنت لا تزال قادراً على فعل المثير! و هذا ما يسمّى بالتعلّم الغير مراقب.

و كأن شخص ما يعطيك قائمة من الأرقام مكتوبة على ورقة و يقول لك “أنا لا أعرف ما تعنيه هذه الأرقام أو شكل العلاقة بينها، لكن علّك تستطيع معرفة ما إذا كان هناك نمط أو شيء تشترك فيه – حظاً سعيداً“

ماذا يمكن أن تفعله مع هذه البيانات؟ بالنسبة لمساعديك المبتدئين [كونك تدير مكتب عقارات]، يمكن استخدام خوارزمية تتعرّف تلقائياً على مختلف قطاعات السوق في البيانات الخاصة بك. ربما ستكتشف أن مشتري المنازل في الحي القريب من الجامعة المحلّية يفضّلون منازلاً صغيرة مع الكثير من غرف النوم، في حين مشتري المنازل في الضواحي يفضّلون المنازل المصمّمة بـ 3 غرف نوم مع مساحات كبيرة.

معرفة هذه الأنواع المختلفة من التفضيلات تساعدك على توجيه جهودك في التسويق العقاري.

شيء رائع آخر يمكنك القيام به، هو التعرف تلقائياً على المنازل النموذجية و المميزة في الأسعار و الصفات الأخرى. ربما تكون تلك المنازل هي القصور العملاقة، حينها يمكنك التركيز عليها و على الأحياء التي تنتشر فيها، كونها تعود بمبيعات عالية.

التعلّم المراقب هو ما سنركّز عليه حتى نهاية هذه الحلقة، ليس لأن التعلّم الغير مراقب أقل فائدة أو أهمية من الآخر، بالعكس، فالتعلّم الغير مراقب أهميته متزايدة مع تحسّن الخوارزميات، لأنه يمكن استخدامها دون الحاجة إلى تسمية و تعريف البيانات مع الإجابة الصحيحة.

ملاحظة جانبية: هنالك أنواع كثيرة من خوارزميات التعلّم الآلي. لكن ما نتطرّق له هنا هو مكان جيد لنبدأ منه.

هذا رائع، لكن هل المقدرة على تقدير سعر منزل ما يمكن اعتباره ”تعلّماً“؟

كإنسان، يمكن لدماغك أن يتأقلم مع أي وضع و يتعلّم كيفية التعامل معه دون أي تعليمات محددة مسبقاً. إذا كنت تبيع المنازل لفترة طويلة، سينمو عندك ”شعور“ حول السعر المناسب للمنزل، أفضل طريقة لتسويقه، و طبيعة و نوع العملاء الذين سيكونون مهتمين به.

الهدف من أبحاث الذكاء الاصطناعي القوي [الذكاء الاصطناعي الذي يضاهي الدماغ في الكثير من قدراته] هو إمكانية تكرار هذه القدرة باستخدام أجهزة الكمبيوتر.

لكن خوارزميات التعلّم الآلي الحالية ليست جيدة بعد – إنها تعمل فقط عندما تصمّم لحل مشكلة محددة للغاية. ربما التعريف الأمثل بدل استخدام كلمة ”التعلّم“ في هذه الحالة قد يكون: ”البحث عن معادلة لحل مشكلة معينّة استناداً إلى بعض البيانات“.

لسوء الحظ ”البحث عن معادلة لحل مشكلة معينّة استناداً إلى بعض البيانات“ هو إسم طويل جداً، لذلك انتهى بنا المطاف مع ”التعلّم الآلي“ بدلاً من ذلك.

بالطبع إذا كنت تقرأ هذا النص بعد 50 سنة من الآن، في وقت نكون فيه قد طوّرنا خوارزميات الذكاء الاصطناعي القوي [strong AI]، سيبدو لك هذا النص غربياً بعض الشيء. الأفضل أن تتوقّف عن القراءة و تطلب من خادمك الروبوت أن يحضّر لك شطيرة شهيّة، أيها الإنسان من المستقبل!

دعنا نكتب ذلك البرنامج!

إذن كيف ستكتب البرنامج الذي سيقيّم لك أسعار المنزل، كما هو في مثالنا السابق؟ حاول أن تتأمّل الجواب قبل أن تداوم على على القراءة.

إن كنت تفتقر لمعرفة سابقة عن التعلّم الآلي، فربما ستقوم بكتابة بعض القواعد التعريفية بهذه الطريقة:

def =عرّف [عف]، ما تقرأه أعلاه هي توجيهات و شفرات برمجية يعرّف المبرمج من خلالها المدخلات إلى الخوارزمية، ترجمة أول سطر ستكون هكذا:

عف قدّر_أسعار_بيع_المنازل (عدد_الغرف، قدم_مربع، الحي):سعر = 0

إذا قضيت ساعات طويلة في كتابة شفرات البرنامج، قد ينتهي بك الأمر مع شيء يعمل نوعاً ما. لكن البرنامج لن يكون مثالياً، و سوف يكون من الصعب الحفاظ على دقته تبعاً لتغيّر الأسعار.

ألن يكون من الأفضل أن يقوم الكمبيوتر بمعرفة كيفية تنفيذ هذه الوظيفة بدلاً عنك؟ من يهتم بما تفعله تفاصيل الخوارزمية بالضبط، طالما هي تنتج العدد الصحيح؟

أحد الطرق للتفكير في هذه المشكلة هو أن تتصور السعر كـخلطة لذيذة مكوّناتها هي عدد غرف النوم، المساحة [بالقدم المربّع sq ft] و الحي. مجرّد معرفة مدى تأثير كل مكوّن على السعر النهائي، ربما تكون هناك نسبة معيّنة و دقيقة من المكوّنات كافية لإنتاج السعر النهائي.

هذا بطبعه سيختزل وظيفة الخوارزمية الأصلية [تلك التي استخدمنا فيها الكثير من الـ if’s و الـ else’s] وصولاً إلى شيء بسيط حقاً، كالتالي:

لاحظ الأرقام السحرية بالخط العريض: 0,841231951398213 و 1231.1231231 و 2.3242341421 و 201.23432095

هذه هي النسب التي نبحث عنها. لو فقط تمكّنا من التعرّف على النسب المثالية لاستخدامها لكل منزل، فستتمكّن الخوارزمية حينها من التنبّؤ بالسعر.

أسلوب ممكن لكن أحمق، للتعرّف على النسب الدقيقة قد يبدو بهذا الشكل التالي:

الخطوة الأولى:

لنبدأ بمدخلات بقيمة 1.0 لكل النسب

الخطوة الثانية:

قم بمعالجة البيانات التي تمتلكها عن كل بيت وفق المدخلات التي عرّفتها للنسب و شغّل البرنامج. لاحظ كيف أن النتيجة ستكون بعيدة عن الأسعار الحقيقية الصحيحة.

على سبيل المثال، إذا كان البيت الأول قد تم بيعه فعلاً بسعر 250.000 $، في حين أن تخمين الخوارزمية كان بحوالي الـ 178.000 $، فأنت هنا نظرياً خرجت بخسارة 72.000 $ لهذا البيت الواحد.

الآن لنقل أن البيانات عن مبيعات المنازل التي أدخلتها في الخوارزمية تشمل 500 منزلاً، لو حسبت النسبة التربيعية للفارق بين النسبة الخاطئة و الصحيحة لكل منزل، فإن المجموع الكلي للخسائر يبلغ 86.123.373 $. هذا هو الثمن للخطأ في الخوارزمية.

الآن، خذ المجموع و قسّمه على 500 للحصول على متوسّط الخسارة لكل منزل. لنسمّي هذا المتوسط تكلفة الخوارزمية.

إذا كنت تستطيع تخفيض هذه التكلفة إلى الصفر من خلال معايرة الأوزان [النسب]، فإن وظيفة خوارزميتك ستكون مثالية. ذلك يعني أنه في كل حالة يقوم فيها البرنامج بالتنبّؤ بالسعر، يخرج لك السعر الأمثل بناءً على البيانات المدخلة. و عليه فهذا هو هدفنا – جعل هذه التكلفة تكون في أدنى مستوى ممكن من خلال تجربة نسب مختلفة.

الخطوة الثالثة:

كرر الخطوة الثانية مراراً و تكراراً مع كل مجموعة ممكنة من النسب. المجموعة التي تجعل التكلفة الأقرب إلى الصفر هي تلك التي تستخدمها. عندما تجد النسب التي تعمل بالشكل المطلوب، تكون حينها قد حللت المشكلة!

الأمر يبدو بسيطاً، أليس كذلك؟ تأمّل ما فعلته للتو. أنت أخذت بعض البيانات، أدخلتها من خلال ثلاث خطوات بسيطة إلى الخوارزمية، و في النهاية أصبحت بحوزة برنامج يمكنه تخمين سعر أي منزل في منطقتك. خذي حذركِ يا شركة Zillow! [شركة بيع و شراء عقارات كبيرة و مشهورة]

لكن هنالك عدد بعض الحقائق التي سوف تذهلك:

  • أظهرت الأبحاث في العديد من المجالات [مثل اللغويات/الترجمة] على مدى السنوات الـ 40 الماضية، أن خوارزميات التعلّم الآلي التي تجيد طبخ ”الخلطة اللذيذة“ من الأرقام تقدّم أداءً يتفوّق أحياناً على مناهج لمتخصصين يحاولون صياغة القواعد بنفسهم. النهج ”الغبي“ الذي ينتج عن التعلّم الآلي يتغلّب أحياناً حتى على الخبراء.

  • وظيفة الخوارزمية التي برمجت هي غبية تماماً. بل حتى لا تعرف ما هو الـقدم المربّع أو معنى غرف النوم. كل ما تعرفه أنها بحاجة إلى إعادة ترتيب نسب الأرقام من كل فئة للحصول على الإجابة الصحيحة.

  • من المحتمل جداً أن لا تمتلك أحياناً أي فكرة عن سبب كون مجموعة معينة من النسب تعمل على أمثل وجه. لذلك أنت قد كتبت للتو خوارزمية قد لا تفهمها فعلاً و لكن تستطيع أن تثبت أنها ستعمل و تنتج المطلوب.

دعنا نعود إلى الخطوة الثالثة:

حسناً، أنا ذكرت أنه عليك التكرار مع كل مجموعة ممكنة، لكن بالطبع لا يمكنك محاولة كل مزيج من النسب [الأرقام] للعثور على المزيج المثالي من الأرقام. لأنك رياضياً قد تحتاج للتكرار إلى الأبد خصوصاً و أن الأرقام لا تنتهي.

لتجنّب ذلك، يستخدم علماء الرياضيات الكثير من الطرق الذكية لإيجاد القيم المطلوبة بسرعة و حصر تللك الأرقام [النسب] في نطاق دون الحاجة إلى محاولات كثيرة جداً. هنا مثال على طريقة ممكنة:

أولاً، قم بكتابة معادلة بسيطة تمثّل الخطوة الثانية:

الآن لنعد كتابة نفس المعادلة مستخدمين بعض المصطلحات الرياضية [التي لست مطالب بفهمها الآن]:

θ تمثّل النسب الحالية، (J (θ تعني ثمن النسب الحالية

المعادلة هذه تمثّل الخطأ في الخوارزمية التي تقيّم السعر وفقاً للنسب التي أدخلناها [مدخلات بقيمة 1.0 لكل النسب].

إذا رسمنا معادلة التكلفة لجميع القيم الممكنة لعدد الغرف و القدم المربّع بشكل بياني، فسنحصل حينها على رسم بياني يبدو بهذا الشكل:

المحور الرأسي يمثّل التكلفة

في هذا الرسم البياني، تقع أدنى نقطة [أزرق] حيث تصل التكلفة لأدنى مستوى – أي أن المعادلة هي ذات المعايير الأقل خطئاً. أعلى النقاط هي حيث تكون المعايير الأكثر خطئاً. و عليه، إذا كنا نستطيع العثور على النسب التي تصل بنا إلى أدنى نقطة على هذا الرسم البياني، فسنكون بحوزة الجواب الذي نبحث عنه!

لذلك نحن بحاجة فقط لضبط النسب لدينا و من ثم علينا ”المشي حتى أسفل التل“ على هذا الرسم البياني نحو أدنى نقطة. إذا ما واصلنا إجراء تعديلات صغيرة على النسب و استمريّنا بالتحرّك نحو أدنى نقطة، سنصل في نهاية المطاف إلى هناك دون الحاجة إلى محاولة العديد من النسب المختلفة.

إذا كنت تتذكر أي شيء من حساب التفاضل و التكامل، قد تذكر أنه إذا أخذت المشتق من دالة رياضية، فسيعطيك مماس منحدر الدالة في أي نقطة. بعبارة أخرى، فإنه سيعطينا طريق الانحدار للأي نقطة على الرسم البياني. يمكننا استخدام هذه المعرفة للنزول إلى أسفل الرسم البياني [نحو اللون الأزرق].

لذلك إذا أردنا حساب مشتقاً جزئياً من معادلة التكلفة لدينا، وفقاً للنسب التي أدخلناها، فيمكننا حينها طرح تلك القيمة من كل نسبة. هذا سيقود بنا خطوة أقرب إلى أسفل التل. استمر في فعل ذلك، و في نهاية المطاف سوف تصل إلى أسفل نقطة و تحصل على أفضل النسب للتنبّؤ بالسعر الصحيح. [إن واجهت صعوبة في فهم ذلك، لا تقلق، أكمل القراءة].

هذا هو ملخص عالي المستوى لأحد الطرق [خوارزمية الانحدار التدريجي] الممكنة للعثور على المعايير المطلوبة للنسب حتى تتمكّن الخوارزمية من تقييم أسعار المنازل. لا تخشى التوغّل بشكل أعمق إذا كنت مهتماً في تعلّم التفاصيل.

عندما تستخدم مكتبة تضم العديد من الخوارزميات و الرياضيات المعقّدة لحل مشكلة حقيقية، سوف تُحل كل تلك الخطوات دون أن تقوم أنت بذلك. لكنه من المفيد و الجيد أن تكون لديك فكرة جيدة عن ما يحدث داخل الكمبيوتر.

ما الذي تخطّيناه أيضاً بشكل مريح؟

يطلق على الخوارزمية التي وصفتها في الخطوات الثلاث بـخوارزمية الانحدار الخطّي متعدد المتغيرات [في الإحصاء، الانحدار الخطي البسيط هو أسلوب إحصائي يستخدم في قياس العلاقة بين متغيرين على هيئة علاقة دالة، و في الانحدار الخطّي متعدد المتغيّرات، تقاس العلاقة بين أكثر من متغيّرين].

ببساطة، أنت تصيغ معادلة رياضية لذلك الخط الذي يمر من خلال كل نقاط البيانات عن المنازل الموجودة في شركتك العقارية. ثم تستخدم هذه المعادلة لتخمين سعر المنازل التي لم تشاهدها من قبل و لا تعرف أسعارها، لكنها تقع على هذا الخط.

إنها فكرة قوية حقاً، و قادرة على حل مشاكل ”حقيقية“ أخرى.

لكن في حين أن النهج الذي شرحته لك قبل قليل قد قد ينجح في الحالات البسيطة، إلا أنه لن ينجح في جميع الحالات. سبب بسيط و هو أن أسعار المنازل ليست بسيطة بما يكفي لتسير وفق خط متواصل دائماً.

و لكن لحسن الحظ هنالك العديد من الطرق للتعامل مع تلك المعضلات الجديدة. الكثير من خوارزميات التعلّم الآلي التي يمكنها التعامل مع البيانات غير الخطية [مثل الشبكات العصبية أو شبكات دعم التمييز]. هنالك أيضاً طرق لاستخدام الانحدار الخطّي بذكاء أكبر تسمح بمعالجة خطوط أكثر تعقيداً من مثال أسعار العقارات أعلاه.

في جميع الحالات، تبقى الفكرة الأساسية هي العثور على أفضل النسب.

و رغم أن المفهوم الأساسي بسيط جداً، إلا أنه يتطلّب بعض المهارة و الخبرة لتطبيق التعلّم الآلي و الحصول على نتائج مفيدة. لكن هذا مهارة يمكن لأي مطوّر أن يتعلّمها!

هل التعلّم الآلي هو سحر؟

بمجرد البدء في رؤية مدى سهولة تطبيق تقنيات التعلّم الآلي لحل المشاكل التي قد تبدو عسيرة [مثل التعرّف على خط اليد]، ستشعر بأنك تستطيع استخدام التعلّم الآلي من أجل حل أي مشكلة تواجهك و تحصل على الجواب المطلوب ما دام لديك ما يكفي من البيانات. غذّي الخوارزمية بالبيانات الكافية و راقب الكمبيوتر و هو كالسحر يصيغ لك المعادلة المناسبة للبيانات!

لكن من المهم أن نتذكّر أن التعلّم الآلي لا يعمل إلا إذا كانت المشكلة هي في الواقع قابلة للحل من خلال البيانات التي لديك.

على سبيل المثال، إذا قمت بصياغة نموذجاً يتنبّأ أسعار المنازل على أساس نوع النباتات المزروعة بوعاء في كل بيت، ففي تلك الحالة لن تنجح الخوارزمية في إيجاد السعر. فليست هنالك أي علاقة بين النباتات المزروعة في كل بيت و بين سعر المنزل.

لذلك مهما حاولت، لن يتمكّن الكمبيوتر أبداً من استنباط أي علاقة بين الإثنين.

أنت فقط تستطيع نمذجة العلاقات الموجودة فعلاً

كيف أتعلّم أكثر عن التعلّم الآلي؟

أظن أن المشكلة الأكبر مع التعلّم الآلي حالياً هي أن المجال ما زال منحصراً في الأوساط التخصصية الأكاديمية و المجموعات البحثية التجارية. كذلك لا توجد مصادر سهلة للقارئ البسيط دون أن يدخل في التخصص، لكن الأمور بدأت تتحسّن.

على سبيل المثال، كورسات أندرو نگ [Andrew Ng] التعليمية على موقع Coursera الشهير مذهلة جداً و يستطيع كل من يمتلك تخصصاً في مجال علوم الحاسوب و يتذكّر بعض القواعد الرياضية أن يشارك في حصصها و يتعلّم. إضافةً إلى ذلك، موقع scikit-learn المعروف لدى الأوساط العلمية، يقدّم لك العديد من خوارزميات التعلّم الآلي القابلة للتحميل و التشغيل على جهازك الخاص. من خلالها تستطيع أن تجرّب الأمر بنفسك.

يتبع..

resource: https://medium.com/@ageitgey/machine-learning-is-fun-80ea3ec3c471#.t2y01ycs7

مقدّمة في بديهيات الذكاء الاصطناعي لغير المتخصص ١

الغرض من هذه الحلقات، أن تصبح لديك خلفية أوّلية عن الموضوع ثم تبدأ بتطبيق بعض الخوارزميات البسيطة، بعد أن نتطرّق للغرض و الفائدة من استخدامها أصلاً و لماذا نلجأ إلى الذكاء الاصطناعي كامتداد رقمي للذكاء البشري في معالجة مشاكل من الواقع و كيف نحاكيها رقمياً؟ لربّما تفهم بعدها الغاية و الضرورة من تعلّم لغة برمجية و تنظر إلى الموضوع من باب آخر. المهم، أن تنمّي قدراتك الذهنية و معرفتك عن هذا المجال المهم، و لا داعي للقلق، أنا لست بمتخصص، بل هاوي يدفعه الشغف، مثلك تماماً، و مثلما أفهمها أنا، ستفهمها أنت. كل ما عليك هو أن تعطي للموضوع وقته و تهضمه ذهنياً بهدوء. و بالتأكيد المواضبة و الرغبة في التعلّم ستكونا بمثابة المعيار الذي يحدد المدة الزمنية و العمق المطلوبين. سأستخدم عدة مصادر، و أحاول تبسيط الفكرة قدر المستطاع و سأنشرها على شكل حلقات قصيرة في مدوّنتي بحكم ضيق وقتي و أعتذر عن ذلك مقدّماً.

الحلقة الأولى:

الذكاء الاصطناعي مجال ممتع و معقّد في نفس الوقت، هو الورقة الرابحة اليوم و في المستقبل القريب و البعيد.

بعض المستقبليين كـ راي كورزوايل Ray Kurzweil و مايكل أنيسيموڤ و الكثيرون غيرهم،
يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سوف يتجاوز حدود التقدّم و سيغيّر الإنسانية بشكل جوهري. وفقاً لتنبؤات راي كورزوايل الذي استخدم قانون مور [ الذي ابتكره غوردون مور أحد مؤسسي إنتل عام 1965. حيث لاحظ مور أن عدد الترانزستورات على شريحة المعالج يتضاعف تقريباً كل عامين في حين يبقى سعر الشريحة على حاله] فأن الكمبيوتر سوف يكون له نفس قوة المعالجة لدى العقول البشرية بحلول سنة 2029، و بحلول عام 2045 [الكثير من المستقبليين حسب ما طالعت لهم على مدى السنين الأخيرة يتّفق على 2045 مع انحراف معياري بحوالي -+15 سنة] سوف يصل الذكاء الاصطناعي إلى نقطة يصبح عندها قادرا على تحسين نفسه بمعدل يتجاوز كل ما يمكن تصوره في الماضي، التفرّدية الرقمية [singularity].

من باب، يأخذ المجال أبعاداً رياضية تفوق في تعقيدها الاطّلاع العام و المعادلات البسيطة و تتطلّب أحياناً معرفة أساسية في البرمجة و تخصّص يوافي التعقيد المطلوب.

لكن الأساسيات سهلة الولوج لو حظيت باهتمام و شغف كافيان لتجاوز الرهبة التي تقف كحاجز أمام البعض للتعمّق في هذا المجال كشخص غير متخصص. فالذكاء الاصطناعي مجال يتناول مفاهيم، أفكار و سلوكيات الإنسان و الحيوان و ربما يسأل البعض ما علاقة كل هذا بالذكاء الاصطناعي [AI, Artificial Intelligence]؟

قبل كل شي، الحاجة و العبقرية البشرية كانتا المحفّز الأهم لبزوغ هذا الفرع من علم الحاسوب و طبعاً كنتيجة للثورة التكنولوجية المعاصرة، و جميع التقنيات المستخدمة في الذكاء مستوحاة من سلوك الإنسان و سلوك الحيوان و ظواهر الطبيعة حولنا، و البحث في الذكاء الاصطناعي هو عمل جماعي في الدرجة الأولى، و يحتم تعاون متخصصين و علماء في مجالات مختلفة، كعلم اللغة و المنطق و الرياضيات و النفس. الكثير من المؤلّفات تعرّف الذكاء الاصطناعي على أنه دراسة و تصميم العملاء الأذكياء، و العميل الذكي هنا يقصد به النظام الذي يستوعب بيئته و يتّخذ المواقف التي تزيد من فرصته في النجاح في تحقيق مهمته.

معظم الأشخاص العاديين يتخيّلون الذكاء الاصطناعي (AI) كنموذج يشبه الدماغ الاصطناعي متأثرين في الغالب بصور من أفلام الخيال العلمي حول الروبوتات و المستقبل البعيد. مثل هذه الصور لا تمثّل إلا القليل جداً من طبيعية و كيفية استخدام الـ AI في الواقع.

صحيح أن الذكاء الاصطناعي يجسّد العديد من أوجه التشابه مع وظيفة الدماغ البشري، و لكن الفرق الجوهري بينهما هو أن الـ AI مصطنع و ليس بحاجة إلى العمل بشكل بيولوجي. سأعود لهذه النقطة لاحقاً.

قبل أن ندخل في العمق، أود أن أعرض بعض المفاهيم العامة حول كيفية استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

خوارزميات الـ AI هي بكل بساطة تقنية نستخدمها لحل مشكلة ما، أي نموذج لحل معضلة. طبعاً هنالك العديد من الخوارزميات أو النماذج المختلفة. أكثرها شيوعاً هي الشبكات العصبونية الاصطناعية، شبكات دعم التمييز [خوارزميات لتحليل البيانات من أجل تصنيفها تصنيفا إحصائياً و عمل تحليل الإنحدار اللازم لها]، خوارزمية Bayesian الافتراضية الاستدلالية و نماذج ماركوف المخفية [سلسلة نهائية من الحالات و الملاحظات التي يتم توليدها عشوائياً و يتم الانتقال من حالة إلى حالة أخرى عن طريق مصفوفة الاحتمالات]. لكن دعك من التفاصيل، يكفي أن تفهم أن النماذج متعددة و تختلف وفقاً للوظيفة و الحوسبة المطلوبة.

بالنسبة لك كممارس، عليك فهم كيفية إيصال المشكلة التي تريد أنت حلها إلى عقل البرنامج ليفهمها أولاً. لكن الحاسوب لا يفهم سوى لغة الـ 0 و 1 نظام العدّ الثنائي.

هنا نلجأ للغات البرمجة كـ C++، Java، Python، C، Basic و إلخ.. فهي تسهّل للمبرمج كتابة برنامجه [شكواه إلى الحاسوب] في هيئة تعليمات و أوامر يفهمها الحاسوب بغرض تنفيذ العمل المطلوب، و الذكاء الاصطناعي، الحاسوب، يحوّل اللغة المكتوبة بها البرمجة إلى سلسلة من 0 و 1، و من ثم يبدأ على أساسها عمله. إي أنها المترجم بيننا و بين الذكاء الاصطناعي.

التعليمات و الأوامر التي ذكرتها قبل قليل تنظّم كتابتنا للبرنامج و تخضع لمجموعة من القواعد، هذه الأسس والقواعد تتمثّل في:

أ) المعلومات و تخزينها

ب) الأوامر و تنظيم سيرها

ج) التصميم الخاص

إذن ضع في ذهنك أنك بحاجة لفهم كيفية عرض مشكلتك أو شكواك إلى الـ AI، لأنها الوسيلة الأساسية للتفاعل مع خوارزمية الـ AI. لكن قبل ذلك سأتناول قصيراً كيفية تفاعل الدماغ البشري مع محيطه، لأنه كما ذكرت سلفاً، أغلب التقنيات المستخدمة في الذكاء مستوحاة من سلوك الإنسان و سلوك الحيوان و ظواهر الطبيعة حولنا.

يتبع..

الأخطاء الكارثية الممكنة عن سوء الفهم الإحصائي و استنتاج علاقات سببية من بيانات تجريبية

ملاحظة: البحث قام به الدكتور Michael Nielsen، عالِم فيزائي و مبرمج استرالي، له أبحاث عديدة و خصوصاً في مجال الحوسبة الكمّية و البرمجة. البحث هذا عميق بعض الشيء و للمتخصصين، عن مفهوم السببية و الأخطاء الناتجة عن سوء الفهم الإحصائي. لكن، أنا ترجمت الجزء البسيط للغير متخصصين لأنه مثير للاهتمام، و سأكمل الجزء الثاني الذي سيتعمّق ببعض الحسابات الرياضية لاحقاً.

إن كانت علاقة الارتباط لا تعني بالضرورة وجود علاقة سببية، إذن مالذي يشترط ذلك؟

من الشائع ضمن المناقشات العلمية أن وجود علاقة ارتباط لا تعني بالضرورة وجود علاقة سببية. مجلّة Business Week بيزنس ويك نشرت مؤخراً مقالاً يحاكي الفكرة بسخرية مشيراً إلى بعض الأمثلة عن مخاطر استنتاج علاقة سببية من أنماط تشير إلى وجود علاقة ارتباط.

على سبيل المثال، يشير المقال إلى أن النمو في الفيسبوك ارتبط بقوّة مع العائد المالي على سندات الحكومة اليونانية: على الرغم من هذا الترابط القوي، فإنه لن يكون من الحكمة أن نستنتج أن نجاح الفيسبوك تسبب بطريقة أو بأخرى (من عام 2009-2012) بأزمة الديون اليونانية الحالية، و لا أن أزمة الديون اليونانية قد سبّبت نمط نمو الفيسبوك! بطبيعة الحال، فالبداية السليمة تستلزم أن نسلّم بأن الترابط لا يعني السببية بالضرورة، مع ذلك، هذا التسليم يتركنا أمام لغز: تحت أي ظروف بالضبط، يمكننا استخدام البيانات التجريبية للاستدلال على وجود علاقة سببية بين اثنين أو أكثر من المتغيرات؟ الجواب العلمي لهذا السؤال هو (مع بعض المحاذير) أنه يمكننا أن نستنتج السببية من تجربة عشوائية و مصممة بشكل جيد.

لكن للأسف، و رغم أن هذا الجواب مُرضي من حيث المبدأ و مفيد في بعض الأحيان من الناحية العملية، فإنه غالباً ما يكون غير عملي أو يستحيل القيام بتجربة محكومة بشكل عشوائي. و بالتالي نبقى عالقين مع مسألة ما إذا كانت هناك إجراءات أخرى يمكن أن نستخدمها لاستنتاج السببية من البيانات التجريبية. و بالنظر إلى أننا يمكن أن نجد إجراءات عمومية لاستنتاج العلاقات السببية، دعنا نعود للسؤال: ماذا تعني السببية في سياق التفكير و تعقّل النظام نفسه؟

قد يبدو أن الإجابات على مثل هذه الأسئلة الأساسية قد تمت تسويتها منذ فترة طويلة. لكن في الواقع، تبيّن أن هذه الأسئلة دقيقة بشكل مدهش. على مدى العقود القليلة الماضية، وضعت مجموعة من العلماء نظرية استدلال سببي تهدف إلى التصدّي لهذه الأسئلة و غيرها ذات صلة. و يمكن اعتبار هذه النظرية بمثابة الجبر أو لغة منطقية للتفكير حول السبب و النتيجة. و قد شُرِحت العديد من مرتكزات هذه النظرية في كتاب مشهور لواحد من المساهمين الرئيسيين في هذه النظرية، جوديا بيرل.

على الرغم من أن نظرية الاستدلال السببي غير مكتملة الهيكلية و مازالت تمر بمرحلة التنمية، فإن ما تم إنجازه بالفعل حتى الآن مثير للاهتمام و يستحق الفهم.

في هذا المقال سوف أصف جزء صغير و لكن مهم من نظرية الاستدلال السببي، حساب التفاضل و التكامل السببي الذي وضعه جوديا بيرل. هذا الحساب هو مجموعة من ثلاث قواعد جبرية بسيطة و لكنها رصينة و يمكن استخدامها لتكوين استنتاجات حول العلاقات السببية. على وجه الخصوص، سأوضّح كيف أنه يمكن في بعض الأحيان (ليس دائماً!) استخدام حساب التفاضل و التكامل السببي لاستنتاج علاقة سببية من مجموعة من البيانات، حتى عندما تكون التجربة المُحكمة بصورة عشوائية غير ممكنة. سأحاول أيضاً أن أصف محدودية حساب التفاضل و التكامل السببي، و أبدي بعض تكهّناتي و تساؤلاتي الخاصة.

سأبدأ بشرح مشكلتين لتوضيح بعض الصعوبات التي نواجهها عند تكوين استنتاجات حول العلاقة السببية. المشكلة الأولى تُعرف بإسم مفارقة سمبسون. لشرح المفارقة سأستخدم مثالاً يتعلّق بإقرار قانون الحقوق المدنية في الولايات المتحدة في عام 1964.

في مجلس النواب الأمريكي، صوّت 61 % من الديمقراطيين لقانون الحقوق المدنية، في حين أن نسبة أعلى من ذلك بكثير، 80 % من الجمهوريين صوّتوا لصالح القانون. قد تعتقد أننا يمكن أن نستنتج من هذا أن كون النائب جمهورياً، بدلاً من كونه ديمقراطياً، كان عاملاً مهماً في حث الشخص على التصويت لصالح قانون الحقوق المدنية. مع ذلك، الصورة تتغيّر لو شملنا عاملاً إضافياً في التحليل، و هو ما إذا كان المشرّع قد جاء من الولاية الشمالية أو الجنوبية. إذا كان لنا أن نشمل هذا العامل الإضافي، فالوضع سينعكس تماماً، في كل من الشمال و الجنوب.

و هنا كيف ينهار: الشمال: ديمقراطي (94 %)، جمهوري (85 %) الجنوب: ديمقراطي (7 في المئة)، جمهوري (0 في المئة) نعم، ما قرأته صحيح: في كلا من الشمال و الجنوب، جزء كبير من الديمقراطيين (أكبر من الجمهوريين) صوّت لهذا القانون، رغم أنه بصورة عامة*، جزء أكبر من الجمهوريين صوّت لصالح القانون. لربما تساءل الآن كيف يمكن أن يكون ذلك صحيحاً؟ سأذكر بسرعة أرقام التصويت الأوّلية، حتى تتمكن من التحقّق من أن الحساب الرياضي سليم، و بعد ذلك سوف أشرح لماذا هذا صحيح. يمكنك تخطّي الأرقام الحسابية إذا كنت تثق بي.

الشمال: الديمقراطيون ( 145/154 صوّتوا للقانون، أي 94 %)، الجمهوريون (138/162، أي 85 %)

الجنوب: الديمقراطيون (7/94، أي 7٪)، و الجمهوريون (0/10، أي 0 %)

*عموماً: الديمقراطي (152/248، 61٪)، و الجمهوري (138/172، 80 %)

لفهم ما يحدث هو أن نلاحظ أن نسبة أكبر بكثير من المشرّعين الديمقراطيين (على العكس من الجمهوريين) كانوا من الجنوب. في الواقع، في الوقت ذلك كان المجلس فيه 94% ديمقراطيون، و من الجمهوريين 10 فقط. بسبب هذا الفارق الهائل، الجزء القليل جداً (7٪) من ديمقراطيي الجنوب الذين صوّتوا لصالح القانون، أسقط نسبة الديمقراطيين عموماً أكثر بكثير من حتى جزء الجمهوريين الجنوبيين (0٪) الذين صوّتوا لصالح القانون. [الأرقام المذكورة أعلاه هي للكونغرس. الأرقام مختلفة في مجلس الشيوخ، لكن نفس الظاهرة حدثت بشكل عام]

إذا نظرنا للأمر من وجهة نظر سببية ساذجة، ستبدو هذه النتيجة و كأنها مفارقة. كما ذكرت أعلاه، يشير نمط الاقتراع العام إلى أن كون النائب جمهورياً، بدلاً من كونه ديمقراطياً، كان عاملاً مسبّباً و هاماً في التصويت لقانون الحقوق المدنية. لكن بعد ما نظرنا إلى الإحصاءات الفردية في كل من الشمال و الجنوب، توصّلنا الى استنتاج معاكس تماماً.

بطريقة تجريدية أكثر، مفارقة سمبسون هي حقيقة أن العلاقة بين متغيريّن يمكن في الواقع أن تنعكس عندما يتم مراعاة عوامل إضافية. بالتالي أي متغيران يظهران بصورة مترابطة يمكن أن يصبحا غير مترابطين عندما يؤخذ عامل آخر في الاعتبار.

كنت أتساءل عما إذا كنت تظن أن نتائج مثل تلك التي شهدناها في التصويت على قانون الحقوق المدنية هي مجرد صدفة غير عادية. لكن في الواقع الأمر مختلف. صفحة ويكيبيديا عن مفارقة سمبسون تسرد العديد من الأمثلة الهامة و المماثلة في العالم الحقيقي بدءاً من فهم ما إذا كان هناك تحيّز بين الجنسين عند القبول في الجامعات التي ينجح فيها العلاج لحصى الكلى بشكل أفضل. في كل حالة، محاولة فهم العلاقات السببية تبين أنها أكثر تعقيداً مما يظن البعض.

الآن سأتناول المثال الثاني من مفارقة سمبسون، عن علاج حصوات الكلى الذي ذكرته للتو، لأنه سيوضّح أكثر مدى ضعف حدسنا حول الإحصاءات و السببية.

تخيل أنك تعاني من حصى الكلى، و الطبيب يقدّم لك خيارين: العلاج A أو B. طبيبك يخبرك بأن العلاجين قد تم اختبارهما، و العلاج A كان فعّالاً بنسبة أعلى عند المرضى من العلاج B، إذا كنت مثل معظم الناس، في هذه الحالة لربما ستقول: “حسناً، سأبدأ مع العلاج A”.

و هنا تكمن الخدعة. ضع في اعتبارك أن هذا الاختبار قد حدث فعلاً. افترض أنك تقسّم المرضى في التجربة إلى أولئك الذين لديهم حصى كلى كبيرة، و الذين يعانون من حصى كلى صغيرة. و رغم أن العلاج A كان فعّالاً “بصورة نسبية إجمالية” أعلى عند المرضى من العلاج B، ألا أن العلاج B كان فعّالاً بنسبة مئوية أعلى عند المرضى في كلا المجموعتين. أي لو أجاب الطبيب بصراحة سيقول: “حسناً، أنت لديك حصى كبيرة [أو صغيرة]، و العلاج B نجح مع نسبة أعلى من المرضى الذين يعانون من حصى كبيرة [أو صغيرة] مقارنةً بالعلاج A”.

إذن في حالة لو ذكر طبيبك هذين الرأيين، سيكون قرارك، مثل معظم الناس، أن تختار العلاج B، أي العلاج العكس تماماً.

يعتمد مثال حصى الكلى على نفس النوع من الحساب الرياضي كما هو الحال في التصويت على قانون الحقوق المدنية [هنا الرابط للتحقق من الأرقام]

في الواقع، على الرغم من أنني قضيت قدراً كبيراَ من الوقت في التفكير حول مفارقة سمبسون، إلا أني لست متأكداً تماماً أنني لن أرتكب بعض الأحيان نفس الخطأ مجدداً.

أجده مدوّياً للذهن أن أجد قدراتي الاستدلالية حول كيفية التصرّف وفق الأدلّة الإحصائية ليست ضعيفة فقط، بل أحياناً خاطئة بشكل كارثي.

و بصراحة لن أتفاجأ إذا كان معظم الناس يشاطرونني ارتباكي. فكثيراً ما كنت أتساءل عن كم الناس الذين يملكون سلطة صنع القرار الحقيقي كالسياسيين و القضاة الذين يتّخذون القرارات بناءً على دراسات إحصائية، لكنهم لا يفهمون حتى الأشياء الأساسية كمفارقة سمبسون. أو بعبارة أخرى، أشخاص لايملكون قاعدة علمية و لا فهم رصين حول الإحصاءات.

الأدلّة الجزئية قد تكون أحياناً أسوأ من أي دليل إذا كانت تؤدي إلى الوهم بدل المعرفة، و بالتالي إلى الثقة المفرطة و اليقين الغير مبررين. فمن الأفضل أن تعرف أنك لا تعرف.

[يتبع]

Attaining stoic wisdom: listen to the older wiser ones

©The School Of Lifeon YouTube

Attaining the advice of older wiser Persons has promoted well-being and even survival for millennia. Whether politically or socially, mental maturity reframes our understanding of social complexity. Which in turn, redefines our political basic convictions, ethos, social relations, priorities, sense of time and appreciation.

Over the first million years of human existence, it is only for about the past two decades that most people have gone to anyone other than local elders for solutions to life’s obstacles. Anthropologists re-count that in prehistoric times, the accumulated wisdom of older people was a crucial key to human survival.
Though many experiments, designed to mirror realistic decision-making scenarios, have repeatedly shown that older people were far better at making choices that led to long-term gain, getting older alone is not enough.

Investing in your own knowledge and reading will increase your chances to gain tranquility and be more likely to take wise decisions. And even when you can’t change the fact that you have less experience than others, you still always have a chance to learn from older wiser ones.

Keep in mind, the young stoic has more to learn from the old one than the other way around.