هل التجارة الحرّة مفيدة للجميع؟ لماذا إذن تلجأ بعض الدول إلى الحمائية التجارية؟

هل التجارة الحرّة free trade مفيدة للجميع؟ مالمقصود بالحرّة تحديداً؟ و لماذا تلجأ بعض الدول إلى الحمائية التجارية protectionism؟ هل كان ترامب محقاً في قراره الاقتصادي بفرض تعريفات جمركية على الواردات من الصين؟

لماذا يمسّك هذا الموضوع؟
هل أنت مستهلك؟ هل اقتصاد دولتك، أو السوق التي تعمل فيها و تسترزق منها ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالسوق العالمية أو العملات الصعبة؟ إذن الموضوع يمسّك.

قبل أن تستهل بالقراءة، تمعّن النقاط التالية:

ـ المقال يتعمّق في بعض أصول الاقتصاد لكنه لا يخاطب المتخصصين.

ـ المقال يطرح نظريات اقتصادية و يعلّق عليها. النظريات دققها صديق ماجستير في الاقتصاد في جامعة مونستر في المانيا و أنا أثق به، كما أني مطمئن إلى حد كبير من المصادر التي استندت عليها.

مصطلحات مهمة تحتاجها لفهم المقال:

الاقتصاد الحر مصطلح لابد من أن تطّلع عليه إن كنت مهتماً بالسياسة و الاقتصاد. ببساطة هو أن تترك الدولة الأسواق تضبط نفسها بنفسها. نظرياً، تفاعل العرض و الطلب في السوق هو حجر أساس هذا النظام و هو الذي يتحكّم بالأسعار، فضلاً عن المنافسة الحرّة التي تلعب دوراً مهماً في التحكم بالأسعار و تحرّرها من أي قيود يمكن للدولة أن تستخدمها.
لنفترض أنك المستهلك و أنا البائع. أنا أطلب و أنت تمدّني بالمنتوج، أنا أنتج العدد المطلوب في الشهر و أنت تستهلك العدد اللازم. عدم وجود قيود سيسمح بظهور منافسين في الإنتاج و تنوّع في السلع، الشيئ الذي يوفّر المنتوج بأفضل جودة ممكنة و بأسعار منخفضة أو مناسبة. إلى هنا قد تروق لك الفكرة.

المشكلة أن المستهلك و المنتج هما من البشر. لهما دوافع، مصالح، أهداف و هما أيضاً معرّضان للطمع و الجشع و الهيمنة. الشيئ الذي قد يسمح بالسيطرة على بعض القطاعات و التحكمّ بأسعارها (الاحتكار)، إضافة إلى ازدياد حجم النشاط الاقتصادي في فترة معيّنة و تقلّصه و ركوده في فترة أخرى. هذا مقلق لأنه سيسبّب تقلباً اقتصادياً و ربما زيادة في البطالة. طبعاً لابد من مراعاة النضج المؤسساتي في السوق. فهو يتفاوت بين دولة و أخرى.

على عكس التجارة الحرّة، تتدخّل الدولة بشكل مباشر في تقييد السوق و التجارة بين الدول من خلال رفع الرسوم الجمركية على السلع المستوردة [كما فرض مؤخراً الرئيس الأمريكي ترامب حزمة جديدة من التعريفات الجمركية على الواردات من الصين]، و تحديد كمياتها، و الحصص التقييدية.

مالذي تريده الحكومة من ذلك؟ نظرياً و بعيداً عن الدوافع السياسية الأخرى، تهدف هذه الضوابط إلى تثبيط الواردات، دعم الاقتصاد المحلّي و منع المستثمرين الأجانب من الاستيلاء على الأسواق و الشركات المحلّية. أي أن الدولة تشجّع على استهلاك المنتوجات المحلّية [لذلك دورك أنت مهم أيضاً]. مثلاً، تستطيع أن تشتري الألبان المحلّية الصنع بدل المنتوج الأجنبي، لأنك بالتالي ستدعم المزارعين و سوق الحليب المحلّية و تساهم في زيادة الطلب على المنتوج المحلّي مقارنة بالمنتوج الأجنبي.

الصعوبة التي قد تواجهها كمستهلك هو الفارق في الجودة! إضافةً إلى غلاء أسعار المنتوج الأجنبي بشكل كبير نسبة إلى الرسوم الجمركية العالية.

سياسات الدول يحكمها التنوّع و طبيعة الحكومات المتناوبة التي بدورها تتباين في التوجّه [لبرالي أو محافظ]، و أيضاً المعاهدات الثنائية و الدولية و المصالح السياسية و النفوذ. لذلك ستجد أكثر الدول تحاول التوفيق بين المذهبين و بمراحل متباينة.

فالتاريخ الاقتصادي للدوّل التي تتبنى فلسفة مؤيّدة للعولمة و الاقتصاد الحر يشهد لسياساتها الحمائية أبان نشوءها، و العكس بالنسبة إلى الدول المناهضة للعولمة و التي سبق و أن استخدمت التجارة الحرّة كوسيلة لتسويق المنتوج المحلي و الهيمنة الاقتصادية و الاستعمارية.

سأسلّط الضوء على الدول الاقتصادية الأكبر و الأقدم منذ القرن التاسع عشر و حتى اليوم. قبل ذلك، اعلم أن المتخصص يقسّم الاقتصاد بشكل عام إلى فرعيه الأساسيين: الاقتصاد الكلّي و الاقتصاد الجزئي.

مهم أن تفهم الفرق بين الفرعين: في الكلّي ينظر الاقتصادي إلى حجم الفرس، نمو شعره، عضلات جسمه و سرعته. في الجزئي يتمعّن في خلايا جسمه تحت المجهر: كيف تتفاعل مع بعضها البعض، و ما تأثيرها على محيطها و نمو أو موت أعداد أخرى؟

على الجانب الكلّي: هل ارتفع إجمالي الإنتاج في الولايات المتحدة أو قلّت نسبة البطالة؟ أما على الجانب الجزئي، لنفترض أنني أريد أن أفهم سر نجاح جهاز الأيفون. هنالك عدة أسباب ممكنة، و قد تتشابك أحياناً في التعقيد. لذلك نبدأ من الجانب البسيط الجزئي: من المستهلك؟ مالذي يشدّه في هذه التقنية؟ ما هي علاقته مع البائع [شركة أبل]؟ ما هي صفات الجهاز و ماهي موارده؟ ما هي نسبة المبيعات مقارنةً مع الطلب في السوق؟ هل تزداد كمية الإنتاج رغم زيادة السعر؟ [و هذا ما يفسّر سر نجاح سلسلة الـ iPhone]. و لو ازداد الإنتاج، هل سنلاحظ ذلك على اجمالي الاقتصاد الأمريكي الكلّي مثلاً؟ فقط مثال لتوضيح الفكرة.

ًٌٍَُّ

يهمني أن تعي التالي:
قراراتك الاستهلاكية ـ رغم بساطتها ـ تلعب دوراً في دعم أو إهمال الصناعة المحلّية و تكاسلها. أنت كفرد مستهلك و تريد أن تساهم و تعلب دوراً في المجتمع، لابد من أن تمعّن النظر في سلوكياتك الاستهلاكية و تضع في الحسبان أنك ستساهم بشكل أو بآخر في رسم ملامح السوق. بالطبع هذا التأثير يتمخّض عن مجموع سلوكيات الأفراد في المجتمع. تلك السلوكيات، سواء كانت عقلانية أو غير عقلانية، يمكن التنبّأ بها أو تتبّع أنماطها على المديين القريب و البعيد.

برأيك، عندما تشتري أنت جهاز الأيفون الحديث، ألن تساهم في تعزيز الطلب في السوق؟ و بالتالي استمرار أو زيادة السعر؟ و ربما ستحتاج شركة أبل لتوسيع عدد العمّال في مصانعها، و بالتالي تساهم في التقليل من البطالة الإجمالية و تضيف إلى حجم الإنتاج الكلّي للدولة؟ ربما..

الآن وقد مررنا على فرعي الاقتصاد و مذهبي التجارة الحرّة و السياسة الحمائية، لابد من التذكير بأن العالم الذي نعيش فيه متعدد العوامل و أكثر تعقيداً من التقسيمات التي تطرّقت إليها.

السياسة الحمائية تاريخياً هي في الحقيقة قاعدة قبل أن تكون استثناءً في سياق الاستراتيجيات الاقتصادية. كيف، و على ماذا أستند؟

منذ نهاية القرن السابع عشر و مع توسّع نطاق الثورة الصناعية، حتى الحرب العالمية الثانية، كانت السياسات الحمائية هي السائدة، خصوصاً في ظل هيمنة الفكر القومي على أنظمة الدولة آنذاك.

بما أننا تطرّقنا إلى الثورة الصناعية، دعنا نبدأ من معقلها، المملكة المتّحدة.

في القرن الـ 17 في عام 1815 تحديداً شعرت بريطانيا أنها بحاجة إلى فرض تعريفات جمركية على واردات الحبوب لحماية الاقتصاد المحلّي، حيث حظرت استيراد الحبوب تماماً إذا كان السعر أقل من 80 شلن للربع Quarter [تقريباً ٥٠٠ باوند]، بمجرّد تجاوز السعر هذا الحد، يعفى من الرسوم الجمركية. أي أن بريطانيا حافظت على انتاج الحبوب المحلّي من الأسواق الخارجية لما يقارب الـ ١٥ عاماً. بعد أن تراجعت معدّلات النسبة مع ارتفاع الأسعار، فقدت أهميتها، مما مهّد لـ تأسيس رابطة مكافحة قانون الذرة (الحبوب) في ثلاثينيات القرن التاسع عشر في مانشستر من قبل العديد من المصنّعين و التجّار. هدف الرابطة كان إلغاء قوانين الذرة في و تحديداً عن طريق البرلمان.

لوحة لـرابطة مكافحة قانون الذرة في لندن

عندما تم تعديل تعريفات الحبوب في عام 1842 بتخفيضات طفيفة فقط، استمر التحريض من مؤيّدي التجارة الحرّة بقوة أكبر. حيث استضافت الرابطة أكثر من 200 تجمّع كبير و وزّعت مئات الآلاف من الكتيّبات لصالح التجارة الحرّة. من هنا بدأ الصارع بين مؤيدي التجارة الحرة و مناهضيها يأخذ مناحٍ جديدة.

بعدها بأربع سنوات تمّ إبطال قوانين الحبوب، بعد أن لعبت دوراً تاريخياً للحدّ من واردات القمح الأجنبي وضمان ارتفاع دخل المزارعين البريطانيين على مدى ثلاثة عقود من الزمن.

نستنتج أنها سياسة مؤقّتة و لا تتحمل التمادي لتجنّب التقوقع الاقتصادي. هنالك أمثلة لاحقة تشهد على ذلك.

طبعاً بريطانيا لم تكتفي بهذا فقط، بل فرضت الرسوم الجمركية على العديد من السلع المصنّعة و المهددّة بالمنافسة الأجنبية و علاوة على ذلك، فإن النزعة الحمائية ظلّت قائمة، على الرغم من معاهدة التجارة الحرّة الموقّعة بين فرنسا و المملكة المتحدة سنة 1860.

الظروف في فرنسا لم تختلف عن نظريتها، حيث كانت الزراعة الوطنية خاضعة للحماية أيضاً، حيث وصلت التعريفات من 5% إلى 20% على المنتجات الزراعية المستوردة.

الفائض تم تصديره إلى غرب أوربا و بالتالي تعزيز انخفاض الأسعار إقليمياً. خطة ذكية!

المانيا كذلك لم تتمكن من تفادي الحمائية. فمنذ عام 1873 و المانيا الرايخ الأوّل [عصر بسمارك] تشهد سنواتها الأولى بعد التأسيس و تعاني من أزمات عدة، كان أحدها هبوط حاد في أسعار المنتجات الزراعية و الصناعية – التي ارتقعت بسبب الازدهار الاقتصادي منذ خمسينات القرن التاسع عشر. لذلك، في عام 1879، أدخلت حكومة الرايخ تعريفات حمائية على المنتجات الزراعية و الصناعية الأجنبية: تعريفات هدفها أن تحابي الاقتصاد الألماني و تساعد على استقرار الأسعار. و بالتالي لن تتمكن السلع الأجنبية الغالية ـ بفضل التعريفات ـ من منافسة المنتجات الأقل تكلفة من داخل ألمانيا.

لوحات المانية من عصر بسمارك توثّق نتائج السياسة الحمائية الإيجابية

لكن المانيا، انجلتر و فرنسا ليسوا وحدهم على سطح الكوكب. ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر دخلت الولايات المتحدة، روسيا و الأرجنتين في السوق بقوة من خلال منتجات زراعية بأسعار منخفضة نسبياً. تم تصدير الفوائض المتولّدة إلى دول أوروبا الغربية، مما ساهم في تخفيض الأسعار.

كيف تمكّنت الولايات المتحدة من التفوّق و اجتياح أوربا اقتصادياً؟
الإنتاج الأرخص في الولايات المتحدة سببه استغلال المناطق الغربية من الأرض الجديدة و تنمية الأراضي الشاسعة الصالحة للزراعة، و التي كانت أرخص بكثير من استغلال الزراعية في ألمانيا ـ الولايات المتحدة أكبر بحوالي 26 مرة من ناحية المساحة!

مقارنة بين مساحة المانيا و الولايات المتحدة

في الوقت نفسه، ساهمت المكائن الجديدة للإنتاج الزراعي و كذلك التوسّع السريع في تعبيد طرق السكك الحديدية الأمريكية في انخفاض تكاليف النقل و الشحن بشكل كبير، مما أثر بشكل مباشر على أسعار المنتجات الزراعية و سمح بانخفاضها.

كأمر واقع، هيمنت الولايات المتحدة على السوق و أصبحت قادرة على تصدير سلعها الزراعية بشكل كبير و رخيص حتى في أوربا. و كما يمكنك أن تتوقعّ، حال المنتجات الزراعية الأوربية لم يعد مستقراً، فلا هم قادرون على تصدير فائضهم ـ لأن السلع الأرخص تزاحمهم في السوق العالمية ـ و لا هم في موقف يسمح لهم بفتح السوق للمنتوج الأجنبي، لأنه سيعني الإنهيار المحلّي.

بعض خبراء الاقتصاد يستخدمون مصطلح “الصدمة الاقتصادية” لوصف حالة السوق المحلية بعد العجز أمام السلع الأجنبية.

و ربّما لأنها كانت أحد الحلول الطبيعية و الطويلة على الصدمات الاقتصادية، ظهرت الحمائية أيضاً كجواب واضح على الأزمة التي ضربت الاقتصاد العالمي في أعقاب حادث تحطّم وول ستريت في نهاية عشرينات القرن الماضي. حيث لجأت الحكومات فيما بعد إلى زيادة التعريفات الجمركية وحظر بعض المنتجات و غيرها من الأدوات والمعاملات النقدية، للسيطرة على الأزمات المحلية.

المشكلة هي أن السوق العالمية متشابكة بشكل كبير و معتمدة على كل الأطراف.

حتى السياسة المحلّية كانت رهن التقلّبات الاقتصادية، كما حُتِم على مصير جمهورية ڤايمار الألمانية الانهيار بعد أن تجاوزت البطالة النصف و ارتفع التضخّم المالي بشكل شل الاقتصاد الداخلي و أنهك الدولة. إضافة إلى أن فرض تعريفات جمركية لن يقتصر على طرف فحسب. كل دولة ستحاول حماية قطاعاتها الصناعية المحلية، و بالتالي لا يمكن سوى أن نستنتج تراجع التجارة الدولية من تصدير و استيراد. و هذا ما تثبته الأرقام آنذاك. حيث انخفض حجمها بنسبة 40% بين 1929 و1932 وخلافًا للاعتقاد السائد، فلم تختفِ الحمائية بعد عام 1945، حيث وقّع 23 بلداً اتفاقاً عاماً حول التعريفات الجمركية و التجارية، يهدف إلى تخفيض التعريفات و الحفاظ على حجم التجارة الدولية. في الصورة التالية خارطة تبيّن حجم التبادل الاقتصادي العالمي. مثلاً حجم التبادل بين روسيا و الاتحاد الأوربي يفوق الـ 407 مليار دولار سنوياً، و ما يعادل 2,2% من حجم التبادل التجاري العالمي.

حجم الاقتصاد العالمي

من هنا نلاحظ كيف أن الدول لم تعد في موقف يسمح لها بفرض تعريفات دون ضوابط أو دون ثمن مقابل أو خسارة حليف اقتصادي أو نشوب حرب اقتصادية بشكل من الأشكال.

الدول العربية في هذا الوقت تمثّل ساحة حرب و مصدر للموارد الرئيسية للصناعة، أهمها البترول بالتأكيد.

كيف احتوى العالم الصناعي الجديد هذه المشكلة؟

واقع الحال الجديد مهّد لتأسيس منظمة التجارة العالمية، لتضمن انسياب التبادل التجاري بأكبر قدر من السلاسة و إيجاد وضع تنافسي دولي يعتمد على الكفاءة الاقتصادية في تخصص الموارد. عملياً، هي المنظمة العالمية الوحيدة المختصة بالقوانين الدولية المعنية بالتجارة ما بين الدول. تضم 164 دولة و هدفها الرئيسي تقليص الحواجز الحمائية القائمة في وجه التجارة إلى حد أكبر، و تستخدم الدول نظام تسوية النزاعات في منظمة التجارة العالمية من أجل التطبيق القسري لهذه الاتفاقات و الأنظمة. كما تتأكد من مباشرة الأعضاء الجدد بالالتزام بالتخلص من النظام الحمائي.

و عليه، فالدولة الحديثة أمام خيارين: الالتزام بقوانين المنظّمة لكي تنفتح على السوق عالمياً، أو (في حالة عدم انتمائها للمنظّمة) تلجأ إلى المعاهدات الثنائية أو التحالفات على المستوى القاري، كـ نافتا (NAFTA) اتفاقية التجارة الحرّة لأمريكا الشمالية بين الولايات المتحدة، كندا و المكسيك.

حتى مع وجود قواعد أو أنظمة تجارية واضحة، من المحتمل أن تبرز ضغوط حمائية ضمن الخلافات حول ما إذا كانت إجراءات معينة تنتهك القواعد المتفق عليها، كما هو الحال مع قرار ترامب الأخير بفرض تعريفات على سلع الصين المستوردة من الحديد و الألمينيوم. الاتحاد الأوربي كان أول المعترضين قبل أن يستثنيه ترامب، مع أن الاتحاد الأوربي نفسه يمارس سياسات حمائية مثيرة للجدل. سأتطرّق إليها في لاحقاً.

لك أن تتخيّل أنه منذ العام 1995، رفعت أكثر من 55 دولة قضايا ضد دول أخرى، و تم تشكيل أكثر من 120 هيئة لتسوية النزاعات (كما قرأت على موقع المنظّمة) و نظراً لأن العملية تبدأ بمشاورات إلزامية، تم التوصل إلى تسوية مئات من النزاعات.

النزاع الأكبر و الأحدث هو بين أكبر اقتصادين عالميين: الولايات المتحدة و الصين.

في مطلع 2018 وقع الرئيس الأمريكي مذكرّة رئاسية تفرض حزمة جديدة من التعريفات الجمركية على الواردات من الصين ـ قد تصل قيمتها الى نحو 60 مليار دولار، و تحديد الاستثمارات فيها رداً على ما تراه واشنطن سنوات من “انتهاك الملكية الفكرية و سرقة التكنولوجيا من الشركات الأمريكية”. من غير تضييق الخناق على ملكية الشركات الأمريكية في الصين.

المثير أن حجم التبادل الاقتصادي بين الولايات و الصين هائل جداً و يصل لـ 570 مليار دولار سنوياً! و الاقتصادان مرتبطان بشكل وثيق. المشكلة أن الصين تراوغ فعلاً على مستوى الحقوق الفكرية و الملكية، أو كما يقول صديق لي “الصين اليوم ترفع لواء الحرب الاقتصادية”.

الشركات الأمريكية الكبرى و الصغيرة أيضاً، تتفادى الشكوى على الصين عند منظمة التجارة العلمية عند تعرّضها لعرقلات أو مضايقات أو انتهاك لحقوق ملكية، لأنها ستجازف اقتصادياً أو تتعرّض لمضايقات قد تصيبها بخسائر فادحة، كونها مرتبطة بالأيدي العاملة الصينية الرخيصة و المصانع الكبيرة.

قد يتخذ دونالد ترامب خطوات رمزية في الأجل القصير، مثل إدخال ضرائب جديدة على المنتجات الصينية والمكسيكية أو تدابير مكافحة الإغراق لكن على المدى الطويل، سيتوجب عليه المناورة و تخفيض التعريفات لأنها قد تسبب ضرراً كبيراً للمستهلكين الأمريكيين و للشركات الصناعية الكبرى. سياسة ترامب و إن تعرّضت لانتقادات كبيرة، خصوصاً على المستوى الأوربي، إلا أنها خطوة صحيحة سياسياً و اقتصادياً و بالطبع تكوي في طيّاتها المجازفة و تصعيد الحرب الاقتصادية، مع أن الحرب موجودة منذ مئات السنين.

لكي تفهم السياسة التجارية للدول بشكل أكثر دقة، دعنا نستخدام نظرية الألعاب (Game theory):

الأرقام في الجدول تشير إلى مدى الفائدة التي يتلقّاها اللاعب المعني [الدولة].

الوضع في الزاوية العليا اليمنى [10/10] من الجدول يُفهَم على أن الولايات المتحدة و الصين هما رابحان دون أي خاسر، أي win-win. في أعلى يسار الجدول [10-/ 20] ، تجد الوضع يختلف عندما تتصرّف الصين بشكل حمائي تجاه الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ستكسب الصين ضعف الربح و ستخسر أمريكا كل الربح. أما بالنسبة إلى أسفل اليمين [20 /10-] فهذا هو العكس . في أسفل اليسار، فالاثنتان خاسرتان lose-lose.

التبادل وفق التجارة الحرّة يؤدي إلى فائدة 10 لكل من البلدين. حينها يستفيدان من تقسيم العمل في هذه الحالة، و بالتالي يكون لكل منهما فائدة إيجابية إذا كان كل بلد ينتج ما له من مزايا في الإنتاج. في هذه الحالة، ستتعرّض شركات الدولتين للضغط التنافسي من الخارج، و نتيجة لذلك يكون مصير عديد من الشركات الضعيفة على المدى الطويل الإغلاق. إضافة إلى ذلك، يشترط أن لا تحصل سرقة للملكية الفكرية.

أما إذا تصرّف بلد ما على أساس الحمائية بينما يتبع الآخر التجارة الحرّة، فإن البلد الذي يفرض تعريفات سيحصل على فوائد هائلة. يتم التعبير عن هذه في 20 وحدة منافع. تستطيع الدولة الحمائية حماية شركاتها من المنافسة الأجنبية، في حين أن الدولة الأخرى معرّضة بالكامل للضغط التنافسي من الخارج، و هو ما ينعكس في شكل خسائر -10.

لو طبقّتا الولايات المتحدة و الصين السياسة الحمائية معاً، فإن النتيجة هي الضرر لكلا البلدين، فبدلاً من التعاون، سيسعى الجميع لمصلحتهم الخاصة و لشركاتهم و يحاول طرف ما الضرر بالاقتصاد الأجنبي الآخر.

في كثير من الأحيان تكون الصراعات السياسية مسؤولة عن تخلّي الدول عن حالة تجارة حرّة / تجارة حرّة من أجل إلحاق الضرر بالدولة الأخرى. و مع ذلك، فإن مجموعة التدابير الحمائية من جانب واحد عادة ما تؤدي إلى اتخاذ تدابير مضادة.

السياسة لعبة أكثر تعقيداً مما يظن البعض و تحتاج إلى متخصصين اقتصاديين و رجال سياسة حذقين. هذه أحد مشاكل الحكومات الكبيرة المنتخبة: الناخب لا يفهم في التفاصيل و يصر رغم ذلك على “حقه” في تقرير مصير الدولة: ثمار ما بعد الحداثة.

***
موضوع هذا المقال يشغل الكثير، من ضمنهم أصدقاء عرب مطّلعين سألتهم عن رأيهم حول الموضوع:
الصديق حسام الدين محمد يكتب: “بعالم مثالي، الـ protectionism هي عدو الاقتصاد السليم. لكن بعالم معقد ومتعدد العوامل احيانا تحتاج الدولة لفرض حماية لاهداف سياسية. الترويج لها كحل اقتصادي هو كذب على الشعوب. الاقتصاد الحر هو مصطلح مثالي بعالم اناركي يعتمد على فرضية الطيبة عند الناس والمنطق المجرد من عشوائية التفكير البشري ولهذا هي نظرية فاشلة مثل الشيوعية او التخطيط المركزي.”

الصديق رعد طالب يعلّق: “القاعدة الاولى باعتقادي هي: احمِ نفسك ومواردك خصوصا ان كنت قوياً بما فيه الكفاية لرد الاعتداء، بعد ذلك تفاوض على تعظيم مواردك من خلال الانفتاح على الاخرين والاستفادة من خبراتهم وتبادل المنفعة . بعد ذلك، كلما كان الانفتاح اكثر فائدة لك واكثر ميلا لاستقرارك ورفاهيتك ورفاهية قومك، استعمله اذن . عندما تستشعر الخطر، وان هناك من يريد استغلال انفتاحك عُد مرة اخرى للحمائية حتى لو اضطرك ذلك للقتال “اجعل القتال اخر اساليبك وحاول ان يكون محدودا حتى لا يستنزف قدراتك ومواردك”، عندما يزول الخطر مرة اخرى عُد للانفتاح.”

أحمد محمود من مصر يكتب: “بعض الناس يهيمن عليهم ما هو إقتصادي على ما هو سياسي، و ما هو أخلاقي، و ديني. ينبغي أن تهدف السياسة الإقتصادية للدولة إلى الإكتفاء و التحكم الذاتي Autarchy، أن تزود إحتياجاتها و رغباتها الصحية دون الإعتماد على التجارة الحرة مع البلدان الأخرى قدر الإمكان. كما يتجنب الإنسان السليم الأكل و الشرب المفرط أو الغير صحي و يمارس الرياضة بإنتظام. فإن الأمة السليمة تمنح إمتيازا للإستقلال و التعاون و الروح المعنوية الحربية على الرخاء الإقتصادي الخالص والإستهلاك من جهة، أو على تخطيط إقتصادي مركزي خاضع للسيطرة الكاملة من جهة اخرى”.

ما رأيك أنت؟